(عنترة) في الأسر
جاسم الصحيح * - 22 / 3 / 2011م - 6:19 م - العدد (13)

سيفٌ هنالك شاحب اللمعانِ، منكسر الصليلْ

ومطهَمٌ ذبلت على شدقيه رائحةُ الصهيلْ

وقصيدةٌ مطعونةٌ..

بقيتْ على الرمضاء، ينزف من جراحتها العويلْ

والفارسُ (العبسيُّ) مغلول الملامح

في انهيار المستحيلْ

وأنا هنا أتوجسُ التاريخ

وهو ملبّدٌ الأحداث بالزيف الدخيلْ

يتمرد الدم العربيُ فيَّ

وتصرخ البيداء غاضبة وتنفضُ النخيلْ:

فليسقطُ التاريخ.. تسقط كل أقلام الرواة

ولتسقط الكلماتُ..

حين تلوكها بالزيف ألسنة الحياة

واضيعة العظماء في قلم المؤرخ

حينما الأقلام تُصبحُ بعض ألعاب الحواةْ

* * *

أ (أبا الفوارس).. من صميم الوهم جئتك

حاملاً مجد البداوة والمضارب والقفارْ

متأبطاً إسطورتين

رضعتُ من ثدييهما زهوي

وعادةَ أمتي في الانتصارْ

فكفرت (بالراوي) إذا اختتم (الرواية)

بانكساركَ.. يا عدو الانكسارْ

أ (أبا الفوارس).. دع جناح الوهم يكبرُ

دعه يأخذني ورء النور..

إن الليل أرحم بالجريح من النهارْ

دعني أكابرُ بالخيال

فما تبقى من حقيقتي القديمة

غير ثورة (شهريارْ)

سأتيهُ في قصص الأوائل

أربط الأولى وإخوتها بخيط من دمي

حتى أصوغ بها شعارْ

وأروح أغرق فيه.. محفوفاً بسرب مواجدي..

متغلغلاً في (الحالة) النوراء

تكنسني بوهج صبابتي حتى يشف بي الستارْ

من ذروة الأشواق في جنبيَّ

ينطلق إخضرار الوجد

في سفر سماوي إلى أوج اليقين..

وينتهي في مقلتي الإخضرارْ

لم يبق لي غير التصوف

يجهض الصلصال من رغباتي الحبلى

ويطلقني مع الألغاز -في بستان حيرتها- هزارْ

سأطير أبعد من حدود مشيئتي

في عمق دالية تحّرر ذروة الأرواح من سجن المحارْ

تعبت بحمل الصحو أجفاني

تُطلُّ متى تُطّلُ على مصائر قد (أضرّ بها الجمامُ)

فلا تحنُّ إلى مغارْ

أ (أبا الفوارس).. لم تعد خيل المقادير العريقة في دمائي..

لم تعد تشقى بمربطها وترجل التمرد والنفارْ

فالموريات الحلم

قدحاً في جلاميد الخرافة..

بات يطفئها الغبارْ

* * *

أ (أبا الفوارس).. من أقاصي البيد جئتكَ

حاملاً من نهبتها العربيِّ

ما سحقته أقدام الرياحْ

في أي جرح ألتقيكَ..

ونحن منذ النبضة الألوى جراحٌ في جراحْ

أنا أنت.. أنت أنا..

وندخل ساحة الجدل العقيم

ونحن لم نبرح يمثلنا ضمير الغائب المجهول

في جمل الكرامات الفصاحْ

ما زلت تولد كل يوم

نبضة منذورة للرقِّ

تدخل عالم الآلام من ثقب بجدران النواحْ

ما زلتَ تصرخُ في قماط الأسرِ

موشماً بنيران العبوديات

في كتفيك.. في الصمصام.. في الأحلام حتى،

والصبابة والطماحْ

ما زلت تكبر في مراعي القهر

تحلم حين تحلم

بالقطيع يظل في مرأى عصاك

وبالخيام تظل ترتع في حماك

وبالحبيبة تشعل البيداء أغنية على شفتي هواك..

وما تزال تنقب الصحراء عن شيم

تحرّرُ من هوان اللون جوهرك العزيز المستباحْ

عبثاً تحاول إذ تحالو ناحتاً من منجم الصحراء إعصاراً

لتكنس هامة الأسياد من زهو النطاحْ

هم فرطوا في الشمس

إذ بخلوا عليك بومضة منها..

وشدوا الأفق بالأقواس

خشية أن تطير بلا جناحْ

هم مشطوا حتى دمائك

يبحثون هناك عن جذر الفحولة.. عن فتيل الوجد..

عن قيثارة الإيمان.. عن نبع التمرد والجماحْ

وسيتعبونَ..

فهذه الأسرار

أو لما تسلحت الدماء به

وآخر ما تبقى من سلاحْ

* * *

وتطلُّ أنت من الهضاب المشرقات على هزيمتهم..

تحاول أن تكر فيعثر الأقدامُ

في إحساس روحك بالكساحْ

حتى إذا اندلقت على خجل من الأفواه..

(كرَّ وأنت حرٌّ)..

مثلما اندلقت بارحام الخنا، نطف السفاحْ

رويت صدر الحلم من مهج العدو

وعدت أكبر في حسامك.. في كلامك.. في غرامك.. في الكفاحْ

أسفي عليك فلم تعد إلا إلى القدر القديم..

تحرر الأغنام من سأم المراحْ

ما زلت (با ابن زبيبةٍ) ما زلتَ..

نادل هذه الحانات في سلم القبيلة..

كلما غلت رؤوس القوم كنتَ لها السراحْ

ما زلت في قفص إتهامكَ..

ثورة تستنفر العِبدانَ..

تنبئهم بأن نصيبهم في الأفق

أبعد من حدود العين شاخصة..

وأن الشعر أكبر من معاني اللهو..

إن الشعر يبرأ في حقيقته من الشعر المباح

ما زلت كلب الحيِّ..

لكن لم تعد تفتضُّ صمت الليل في وجه الضيافة بالنباحْ

(خمسون عاما).. تائه في زحمة الألقاب

تشتبك الهموم على فؤادك، والمطامح والرماحْ

وتهرول الغارات من كتفيكَ.. من شدقيكَ.. من عينيكَ..

أحصنةً.. قصائدَ.. أنجماً.. أودعتهن أمانة عند الصباحْ

لكن إلى أين إنتهيتَ

وأت تجترح النضال ليملك الإنسان جيده

خمسون عاماً والصهيل يمور في وهج الصليل

فترتوي بهما القصيدة

وتروح تعزفها بسيفكَ

غضبة ملء الفيافي

تنفث الحرق الوقيدة

كنت الصبابة في (بني عبس)

ليالي أدمنوا السلوان..

كنت المجد لو عرفوا طريق المجد في إيمانك العربي..

كنت الصوت..

لكن صادرتك الريحُ من أفق الإذاعة والجريدة

ووراء وجهك ألف خيط من ضمائرهم يحاك

مكيدة تتلو مكيدة

حتى إذا اكتمل (الكمينُ)

وضاجع (الغبراءَ) (داحسُ)

فوق أشلاء العقيدة

طعنوك بالبوح الصفيق

فغاص رمح الغدر فيكَ

غلى أن اخترق (القصيدة)

* * *

يا من وهبتَ الحرف نبضكَ

إنهم قطعوا وريده

يا من وهبتَ السيفَ بأسكَ

إنهم خانوا حديده

خانوكَ.. خانوا آخر الشرفاتِ

في آفاق ذاكرة الفداءْ

ولواؤك انتهكوهُ..

مصبوغاً بألف شهية سوداءَ

تحسن كيف تنتهك اللواءْ

واستأصلوا من ذكرياتكَ

كل خاطرة تحاول أن تشقَّ لها فضاء

والآن تم المشهد (الصوفيُّ)

وانسدلتْ بـ (وحدتهم) ستارته

فيا (حلاج) حان الكشفُ

إن العشق قد بلغ (الفناء)

وتجلت (الغاياتُ) يا (أهل الطريق)

فلم يعد للغز ذوقٌ بعدما انكشف الغطاءْ

أ (أبا الفوارس).. هذه (ذبيانُ) مما تيممت (عبساً)

توّحدت الدماء مع الدماءْ

أما (عبيلةُ).. آه من تلك العبيلةِ

لم تزل في سبيها الأزليِّ

يصهرها عذاب البعد في لهب الحنين إلى (الجلاءْ)

وخباؤها.. نارُ (الكليمِ)

هناك آنسها الذين استلهموا منك الإباءْ

شقوا إليها عتمة (الوادي)

فنودوا من أقاصي (النار) في ذاك الخباءْ:

يا (سالكونَ).. توغلوا في الوجد أعمقَ

تجتلوا المحبوبَ..

إن العمقَ أرفعُ قمة للإجتلاءْ

شاعر
363410