دارين
عبدالله الجشي - 22 / 3 / 2011م - 6:20 م - العدد (13)

على الربوات الفيح من مرج دارين

نثرتُ أكاليلي، وفتّقتُ نسريني

وحييتُ من أمجادها كلّ باسقٍ

وقبّلتُ من آثارها كلّ مكنونِ

وعانقتُ فيها الذكريات شذيّة

كما عانق الريحانُ طاقة ليمون

ومرت بي الأطياف نشوى كأنما

سقى شربها (باخوس) خمرة تشرين

وشاهدت (عشتاروت) في قلب هالة

منوّرة فوق الخليج تناجيني

تهادى بها أمواجه مثل درة

تهادت بها الأصداف من عهد (سرجون)

لكم قذفت أمواجه من لآلئ

وكم حملت، أثباجه من ميامين

بنو البحر، أحفاد الألى وصلوا الدنا

بأشرعة كالفجر، في الليلة الجون

شباب كهالات الشموس جباههم

وأخلاقهم كالمسك ملء العرانين

حدا بهمُ عبرَ المحيطاتِ شوقهم

إلى الكشف عما في الدنا من أفانين

ففي كل أفق ومضة من طموحهم

وفي كل أرض منهم غصن زيتون

مواكب كانت زينة الدهر حقبة

كما زانت الصحراء واحة (يبرين)

لقد زرتها والبحر ينداح موجه

على شاطئيها في عزيف وتلحين

ويلوي عليها في حنان ذراعه

كما طوقت بالفل عذراء (دلمون)

ولـ (النورس) المختال حول شطوطها

رفيف كإنماء التحية يُصبيني

تلاقت على شطآنها في تواؤمٍ

ترانيم (نوتيٍّ) وأنغام (حسون)

إذا البحر حياها بعقد لآلئ

حبتها الدوالي باقة من رياحين

وإن ضربت من حولها الشرع دارةً

فقد ظللتها قبة من بساتين

أفاض عليها الحسن أجمل مطرفٍ

ولوّنها الإبداع أورع تلوين

فللأذن فيها متعةٌ إثر متعة

خرير سواقيها، وعزف المغنين

وللعين فيها مشهدٌ حنب مشهدٍ

كثوب عروس بالزمرد موضون

وقد نقط الفيروز أثداء نخلها

وسال رحيقاً شهدها في العراجين

ولاحت بأحضان الدواليب دورها

كسرب حمامٍ جاثم فوق شربين

وقفت وباقات المسرّات ترتمي

عليّ، وأحلامٌ عذابٌ تُهنّيني

أكاد أرى في كل غصن وزهرة

ربيعاً حبيباً من شبابي يُحيني

نسيت بها الآلام وهي كثيرةٌ

وكفكفتُ من جفني دمعةَ مغبون

(كطفل أعادوه إلى حجر أمّهِ)

فألهاه عن آلامه شوقُ مفتون

بلادي كم غنيتها بروائعي

وأهديتها قلبي، وأغلى قرابيني

فأثرت بألوان الطواويس ريشتي

ووشّتْ بأطياف الربيع دواويني

وما زلتُ مفتوناً بتربة موطني

وبالسّعفات الخضر، والخرد العين

يرف هواها في جفوني خمائلاً

ويجري لهيباً صاخباً في شراييني

إذا ذكروا الأحساء طاف بخاطري

خيال ربيعٍ بالمسرّات مشون

وإما تغنت بـ (القطيف) حمائم

تخيلتها دون الرفاق تغنين

مراقد آبائي، ومَهْدُ طفولتي

وملهى شبابي، بين (ثاجٍ) و (يبيرينِ)

فما أنا إلا زهرة من مروجها

وما العرف إلا عرفها في مضاميني

فلا عجباً إما جننتُ بحبها..

وهل طابَ طعم الحب إلا لمجنون؟

بلداي فراديس، تمدّ مروجها

على ألف نبعٍ ثائرٍ كالبراكين

وتسبحُ في بحرين، بحرٌ لآلئ

وبحرٌ من البترول في الرمل مخزون

بها للصبا واللهو والشعر مرتعٌ

وفيها معاش ناعم للملايين

بلادي بلاد الشعر، والعطر والهوى

ومجلى اللآلئ، والينابيع والتين

صعيد بلادي واحةٌ جنءئبَ واحةٍ

وبحر بلادي حاضنٌ ألف (دارين)

363415