العالم يتغير من حولنا فهلاّ تغيرنا؟
التحرير - 22 / 3 / 2011م - 6:50 م - العدد (14)

باتت العلاقة الحميمة بين التغيير والألفية الثالثة موضوعاً منغرساً في قرار الدول بعد أن كانت هذه العلاقة تتأرجح بين طموح يرتجى تحقيقه ومسايرة لعالم يريد تبديل إيقاع حركته بعد قرن من الحروب والصراعات المختلفة الأحجام.

وأياً كان الأمر، فإن التغيير بات أكثر من أمل بل يكاد يكون ضرورة استراتيجية. فالدول أصبحت تعد أجنداتها للألفية الثالثة وفق هذه الضرورة، فبين من شرعت في تحديث نظامها الإداري، وبين من وضعت ترتيبات لتحول صناعي باستحداث مصادر جديدة للطاقة، وبين من أرست أساسات جديدة لتطوير هياكلها الاقتصادية لتأهيلها لمواجهة تحديات الألفية القادمة، وإدخال تسهيلات قانونية للتبادل التجاري والقوانين الجمركية وبين من أعلنت مواعيد محددة لإدخال تغييرات سياسية جوهرية على نظمها السياسية.

هذا على مستوى الدول، وهنا تغييرات موعودة أيضاً على مستوى الأفراد والجماعات في الألفية القادمة، وربما يرى البعض فيما مهما بلغت لا تصل إلى حجم التغييرات على مستوى الدول، ولكن ما فات هذا البعض أن تغييرات الدول هي الأخرى ليست إلا ثمرة تغييرات على مستوى الأفراد والجماعات. المشكلة في كثير من الأحيان، أن التحولات التاريخية الكبرى التي تجري من حولنا لا تثير فينا أي نوع من الإحساس، بقدر ما تثيرنا تحولات خبزنا اليومي، رغم أن لأحدهما -بلا شك- تأثيراً في الآخر، خصوصاً ونحن نعيش العولمة. وسنجد من يحمل تلك الرؤية اليائسة التي تعبر عن نفسها في صورة نقد ساخر مريض: وما ربط خبزنا اليومي بانهيار الاتحاد السوفيتي مثلاً؟!

والجواب لا ينتج من نفس مادة السؤال الذي يثيره هذا البعض، لأننا هكذا سنتهم في عقولنا. وإنما الجواب يكون بهذه الطريقة: التحولات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور القطبية الأحادية وانعكاساتها على الواقع السياسي الدولي وعلى علاقات الدول مترجماً في اختلال ميزان القوى بما وفّر فرصاً للأقوياء لفرض اتجاهات ابتزازية في العلاقة بالدول الضعيفة انتهت في تواصلها وتسلسل نتائجها على المستويات السياسية والاقتصادية إلى أزمات حادة طالت فيما طالت الخبز اليومي للأفراد.

في الواقع، لم يكن الغرض هنا الخوض السياسي في موضوع التغيير، ولكن لأن التجلي السياسي للعولمة والانعكاسات الناتجة عن التحولات الدولية على المعادلات المحلية والداخلية للمجتمعات والأمم هو أهم هذه التجليات. ما يجب التشديد عليه هنا، أن ثمة تغييرات كبرى ستجري في الألفية القادمة، وهذه الألفية أشبه بالحفل الجماعي والدعوة فيه مفتوحة للجميع، ومطلوب من كل المشاركين في هذا الحفل أداء دور ما، ومن حسن الحظ أن الأدوار ليست مقررة سلفاً بل هي متروكة شكلاً ومضموناً للمشاركين أنفسهم.

ففي الغرب هناك من سيدخل إلى الألفية بإحداث مفاجئة تكنولوجية، ومنهم من سيدخل الألفية بتعزيز وشائج العولمة (بصرف النظر عن الجدل حولها وخصوصاً بكونها غربية المنشأ والخاتمة)، ومنهم من سيدخل الألفية بالتفكير في كيفية السيطرة على أسواق العالم ببضاعات منافسة.

وفي عالمنا، هناك من يرى أنه سيدخل الألفية عبر السماح للنساء بمزاولة حقهن المشروع في العمل السياسي والنشاط الاجتماعي والثقافي التنموي، وهناك من يرى بأنه سيدخل للألفية بإزالة كل أسباب الفرقة والشقاق الديني والمذهبي والعرقي والإقرار العملي بمبدأ التعددية الثقافية والتسامح الديني والسياسي، ومنهم من يرى بأنه سيدخل إلى الألفية بعد تحطيم أسلحة التكفير التدميرية ومصادرة حرية الفكر والتفكير، والقبول بجوهر "لا إكراه في الدين" الذي يمنح الأفراد فرصة إعمال العقل في كل الحقائق الدينية كي يكون الاقتناع سبيلاً للإيمان وليس الإكراه الاجتماعي والعائلي أو حتى السياسي، ومنهم من يرى بأنه سيدخل إلى الألفية متحرراً من دعوى احتكارية الحق المطلق في مقابل آخر مدفون في باطله المطلق، مستعداً لممارسة النقد الذاتي والقبول باحتمال الخطأ والصواب في المبتنيات العقدية للإنسان، وهناك من يرى بأنه سيدخل إلى الألفية بعد أن أطفأ نار الطائفية في نفسه وفي أتباعه الذين حُمِّلوا وزر بثها عن طريق الفتاوى الملغومة المحملة بأحكام التأثيم، والتبديع، والتخوين، وأن يستبدلها بفتاوى تستند على الحاضر وليس التاريخ (كتب فلان وعلان)، وعلى النظر لا على السماع (قال لي ممن أثق به!!)، وعلى المصلحة العامة لا على المصلحة الموهومة، وهناك أيضاً من سيدخل تعديلات دستورية تتناسب والرغبة في التعاون بين الشعوب ودولها عن طريق توسيع قاعدة المشاركة ممثلة في خوصصة المزيد من المشاريع الحكومية، وتحديث الهياكل الإدارية والاقتصادية وتقديم تسهيلات قانونية لرجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال للاستثمار في مشاريع محلية وتعزيز هذه التسهيلات بإشراك هؤلاء في عملية صناعة القرار الاقتصادي الوطني. ولكن ما يفصلنا عن الألفية الجديدة لا يتجاوز عدة شهور فهل هناك من الوقت ما يكفي لأن نقوم بكل ذلك مرة واحدة حتى ندخل احتفال الألفية؟

الجواب: نعم بكل تأكيد، والسبب في ذلك أن مشكلاتنا وأزماتنا حتى الآن ليست تكنولوجية وفضائية، وليست متصلة بمشاريع تنفيذ (بعيدة المدى)، بل هي مشاريع قرار بالدرجة الأولى. فكم يستهلك منا وقت حتى نصدر قراراً بالسماح للمرأة بمزاولة دورها في التنمية الشاملة، أو أن يقرر الأفراد والدول نبذ العنف والتطرف والقبول بالتسامح والتعددية. صحيح أن هذه القرارات لابد أن تسبقها تحولات نفسية وذهنية وفكرية عميقة حتى تصل إلى مثل هذه القرارات العظيمة.

ولكن الصحيح أيضاً، أن هذه التحولات لا تتم في فراغ نفسي وذهني وفكري بل هي أيضاً وليدة قرار داخلي غير معلن، وهو ما يعبر عنه بالاستعداد النفسي، الذي يترجم نفسه لاحقاً في قرار وسلوك ومشروع.

ليس الأمر أننا ننجز أو لا ننجز ما قررناه بل الأهم أننا نعقد العزم على تقرير التغيير في واقعنا وفي مستقبلنا:

على المرء أن يسعى بمقدار جهده

وليس عليه أن يكون موفقا

ويلزم القول هنا، أن التغيير ليس اختياراً، ولا عملاً طوعياً أو حتى واجباً كفائياً إن فعله البعض سقط عن الباقين، بل هو تكليف جماعي، إما أن نؤديه فنأمن عقوبات تخلفنا و "تآمر الزمان علينا"، وإما أن نتنصل منه فنبتلى -أفراداً وجماعاتٍ ودولاً- في ديننا، وحريتنا، ورفاهنا. ولاشك، أن واقعنا الآن هو رزء ووزر تنصلات سابقة ووليد تقوقعات وانحباسات متراكمة منذ زمن بعيد، كان الفرد منا يعبد ذاته سعياً وراء الشحن المتصل للشره والرفاه الشخصي وإن كان على سحاب البؤس الجماعي، كان الفرد وهو يعيش في المجموع لا يتصور إطاراً كلياً مع الآخرين يتبادل معهم مصيراً، ورؤية، ووجداناً مشتركاً، حتى أصبحنا نتلقى عقوبات وآثام هذه الفردانية الخانقة التي حاربها الدين القويم وتعاليمه القرآنية السامية وهي تحاول محو تلك النزعات الجاهلية التي تضع من الفرد إطاراً نهائياً للعيش والتي تنمي الأساس التبريري لضمان مصالح الأقوياء، في مقابل أن تخلق بدلاً منه إطاراً واسعاً ينفخ روحاً عمومية تلبي مصالح الضعفاء والمستضعفين وتبعث حياة جديدة تقوم على السواسية بين أفراد الأمة والتراحم بين الأقوياء والضعفاء والتكافل بين الأغنياء والفقراء. النتيجة التي نريد الخلوص إليها هنا، أن عالماً من حولنا يتحول بصورة حقيقية نحو مرحلة جديدة تحتضن عناصر ثقافة كونية متطورة ومتعددة الأبعاد، ونحن بوصفنا جزءاً من هذا العالم لابد أن نعوض جزءاً من تخلفنا في الألفية الثانية عن الركب والذي دفعنا ثمنه باهضاً، لا يجوز لنا أن ندخل إلى الألفية الثالثة محملين بكفلين من الأوزار فنتلقى ضعفين من العذاب.

358523