صراع مع الشمس
قصة قصيرة
جلال العلي * - 23 / 3 / 2011م - 3:52 ص - العدد (14)

هذا ديدنه!!

يصعد كل يوم إلى الدور الثالث مثقل الخطا، صدره مكتنز بالمتاعب، فمه مليء بالزفرات..

توقف عند الدرجة الأخيرة في الدور الثالث، وضع يديه على خاصرته.. اتكأ على الجدار.. رفع عينيه إلى السماء تتراقص أمام عينيه آلاف المناظر، صورة الجار الشاحب الوجه، ازدحام الناس في الشوارع، إشارة المرور الصفراء والخضراء والحمراء، في أذنه صخب يومي من سماع الأخبار والضجيج والخطابات المنقحة الشكل المشوهة المضمون، أطلق زفرته اليومية وتقدم نحو شقته قائلاً:

- إنها حياة الأموات

فتح باب شقته، زوجته تعد المائدة، نظر إلى وجهها، حاجباها لا يزالان كما ألفهما، سألته زوجته:

- ما بك يا طامح؟

- كل يوم انتظر أن أرى حاجبيك بشكل جديد لكنني أراهما كما تركتهما.

وضعت الزوجة الملاعق من يدها وقالت:

- هذه حكمة اللَّه. سيبقى كل شيء بلا تغيير. دنا طامح من عقارب الساعة وقال:

- كل شيء تبلد في حياتنا كان نتيجة هذين العقربين.. سأكسرهما وسينكسر كل شيء معهما.

دنت منه زوجته ووضعت يدها على كتفيه وقالت:

- إذا كسرت هذين العقربين لطرد التبلد عن حياتك، فهل يتكسر لون الوردة الحمراء؟.. هل ستكسر يديك اللتين لا تزالان متلبدة بأصابعها الخمسة؟ هل ستكسر السقف الذي طالما كان فوق رأسك؟

وهل وهل وهل..

أدار وجهه إلى زوجته، وكأنه اقتنع بكلامها

- سحقاً سنرى كل شيء كما تعودنا أن نراه..

جلس على المائدة وتناول منديلاً وقال:

- إذن سأغطي عيني حتى لا أرى أي شيء..

بقي طامح خمسة أعوام جليس الدار معصوصب العينين. وفي السنة الخامسة، خرج إلى الشرفة يستنشق الهواء الربيعي الطلق. جلس عشر دقائق يشرب القهوة، ثم وضع الفنجان من يده وقال:

- يبدو أن الهواء عاد غير ملوث، إذن في صبيحة الغد سأنزع العصابة عن عيني لأتمتع بمناظر الربيع الساحرة.

ذهب إلى غرفته نشطاً متفائلاً ينتظر الغد الربيعي، وضع رأسه على الوسادة وسرعان ما غرق في النوم.

استيقظ من النوم، نهض من سريره، تقدم نحو الصالة، وضع يديه على العصابة لينتزعها عن عينيه، نزعها، تلفت في شقته يميناً وشمالاً، كل شيء كما كان: عقارب الساعة لا تزال تتحرك من اليمين إلى اليسار، خرج مسرعاً إلى الشرفة فرأى الشمس لا تزال في مكانها المعتاد.

هوى على الأرض متسائلاً:

- من الذي يريد هذا؟ إنها عقارب الساعة، لو أوقفت حركتها لتوقف كل شيء. ذهب مسرعاً إلى عقارب الساعة وأمسك بالعقربين ونزعهما من قلب الساعة ورمى بهما إلى الأرض.. توقف عن انفعاله برهة وقال:

- لا ليست مشكلتنا عقارب الساعة. ثم أخذ يروح ويجيء في صالة الشقة وهو يقول:

- يطلع النهار فنرى كل شيء كنا نراه من قبل، ثم يغيب النهار ويأتي الليل فنرى كل شيء كنا نراه في الليل. إذن السر يكمن في الليل والنهار وبالتحديد يكمن في الشمس هي التي وضعت حولنا هذا الطوق المميت. أجل هي المتسببة فلولاً حركتها المتبلدة لما أصبح كل شيء في حياتنا متبلداً.. اقتنع أن الشمس هي سبب هذا الجمود فذب إلى الشرفة وأخذ يرمي الشمس بالحجارة فلا يزال يرمي الشمس بالحجارة والحجارة ترتفع قليلاً ثم تسقط فوق رأسه فغضب طامح:

- لا، لن تكفيك الحجارة سأقطع عنقك. فارتقى على الجدار المحيط بالشرفة فقفز ليمسك فسقط على رأسه إلى الشارع.

شاعر
370524