تــأمـــــــلات
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 16 / 10 / 2007م - 7:33 ص - العدد (43)

أيـها الـرائح الـمغـذُ تحــمل
حـاجـةً للمــعذبِ المـشتاقِ
واقـرِ عني السـلام أهـل المصلَّى
فـبلاغُ الـسلام بعـض التلاقي
وإذا ما مـررتَ بالـخيفِ فاشهد
أنَّ قلـبي إلـيه بالأشـــواقِ
وإذا ما سُئلت عني فـقل نضـو
هـوىً ما أظـنه الـيوم بـاقِ
ضاع قلبي فانشده لي بين جمعٍ
ومنىً عـند بعـض تلك الحداقِ
وابكِ عني فـطال ما كنتُ مـن
قـبل أُعـيرُ الـدموع للـعشاقِ
وقفةً تأملية أمام هذه السيمفونية لنصغي لهذا اللحن المتموج بالسحر قرأتُ هذه القطعة قبل أيام فهاجت بيَ الذكرى إلى أيام اليفاعة، أو على أبواب الشباب، أي العالَمين لا أحددهما بالضبط، ولكنها لا تمَّحي من خاطري ذكرياتٌ حينما قرأتُ هذه السيمفونية وتعرفتُ على هذا النضار أو هذا الكنز الفكري الذي هو ذخيرة من ذخائر الفكر العربي الذي لا يوجد إلا على ندرةٍ. تذكرتُ تلك الأيام وما أعذب تلك الأيام، كثيراً ما أحنُّ إليها وإحن إلى ذلك الظل السجساج؛ ظل أبي الذي يمتدُّ عليَّ، ويتدفق كالنهر حناناً ورحمةً. ذكرت تلك الأيام، وذكرت هذه القطعة وأبي يرددها لأنه كان معجباً بالشريف الرضي، ويزيد إعجابه بحجازياته. وبعد فترة، حينما زرع أبي في حياتيَ الأدبية فكر الشريف الرضي الذي تمثَّلَ في شعره ومؤلفاته، ولا أعلم هل هي الصدفة أم التتبع الفكري الذي ساقني إلى أن أطَّلع على عبقرية الشريف الذي كتبه الدكتور زكي مبارك، وكنت لا أملك ذلك الكتاب إنما استعرته من أحد الأصدقاء لأقرأه في ليالٍ نقطعُ بها السهرة الفكرية لأن حياتنا ذلك الظرف كانت حياة جادة ليس فيها فراغٌ إنما هي قطعةٌ من علمٍ وأدب.
وتعود بي الذكرى لأقف على هذه السيمفونية، وإعجاب الدكاترة زكي مبارك وقد سميته بهذا الاسم حيث يهواه. كان زكي مبارك معجباً بشاعرية الشريف الرضي، ويفضله على جميع الشعراء حتى لقد كان يراه أشعر من المتنبي، وهذا الرأي لا أريد أن أدخل معه في نقاش أو في تأييد أو تحسين أو تقبيحٍ فالرأي هو حر، وله رأيه لأنه رائدٌ من رواد الفكر العربي الذين أسهموا وأثروا لغتنا العربية، وتركوا لنا ثروةً ضخمة شغلت حيزاً من الفكر العربي، وسدت ثلمةً في المكتبة العربية، فزكي مبارك لا يحتاج إلى تعريف، فكتبه تشهد له؛ كالنثر الفني، وكتاب التصوف، ومدامع العشاق، وعبقرية الشريف... الخ، والذكرى هي أصداءٌ تتردد في حياة الإنسان كل ما حنَّ لماضيه. أتصور تلك الأيام كأنها شريطٌ تمثلت أما عيني، وأعادت لي الأمس، الأمس البعيد ماثلاً في جميع صوره في حياتي في بيتيَ بالقلعة، حاضرة القطيف أمس، ونحن نقرأ على سراجٍ يسمى (لاله)، وقد شرحتُ هذه الأسرجة في كتابي خيوط من الشمس. لا يوجد لدينا مصابيح كهربائية تخطف الأبصار، ولا هاتفٌ يهتف بنا، إنما نعيش في حياةٍ دامسة، ولكننا نستصبح بأشباح تلك الظلمة، وبنور العلم فهو السراج المضيء لنا في ذلك الليل المبطن بضبابه. عادت لي الذكرى وأنا أقرأ هذه القطعة بعد أن حفظت منها أبياتاً من أبي، وأتصور صورها، وإذا بي أقرأها في عبقرية الشريف وأشاهد الدكتور زكي مبارك أو الدكاترة - كما يحلو له - إعجابه ودراسته لتحليل شعر الشريف الرضي، وعندما وقفتُ على هذه القطعة، وهو يخاطب الشريف الرضي من وراء حجب الغيب، وهو يحلل هذه القطعة ويهتف به أن يسمع هذا اللحن ينساب من حنجرة أم كلثوم، أنا لا يزيدني الشعر جمالاً، أو إعجاباً إذا غنى به المغنون، إنما الشعر في ذاته شعرٌ إذا أحسستَ من ذلك اللحن هزةً في جسمك، وسرياناً في كيانك كما يسري التيار تيار الحب في القلب.
كان زكي مبارك موفقاً عندما وقف عند هذه القطعة ليحللها لأنها لوحةً فنية جديرةٌ بالدراسة والتحليل والحفظ. كانت ذكرى عزيزة عليَّ ذكرى لدراسةٍ من أبي تلقى عليَّ، وذكرى لأيامٍ حلوةٍ كنتُ فيها فارغاً من مشاكل الحياة، وما يبطنها من شقاء وتعب. ذكرى كانت للفكر وللعلم خالصةً لا يشوبها أطيافٌ من حب المادة أو من لهفةٍ لميدان التجارة اللاهث.
ذكرى حبيبةٌ عليَّ (فما أمرَّكِ في قلبي وأحلاكِ!)، مُرَّةٌ لأنها تأتي إليَّ بحسراتِ ولا أستطيع ردها، وحلوة لأنني أتذوق لذتها وما فيها من أيام طوافةٍ بحياتي. تعدني لمستقبلٍ فكريٍ وحياةٍ علميةٍ، لقد هجتِِ بي أيتها الذكرى، ولكن أين أنتِ وأين أنا، لقد فصلَتْ بيني وبينك أعوامٌ طويلة انطوى فيها أحبابٌ وماتت فيها غرسات، فيا للذكرى ولأيامها الحلوة المرة.
أأنا سعيدٌ بطوافكِ أم لا؟ حزينٌ لمرورك؟ إنني أشعر بالفرح والحزن في آنٍ واحد، وهذا مما يجتمع فيه النقيضان، ويقول المنطقيون إنه لا يجتمع نقيضان على صعيدٍ واحد، فكيف اجتمع لي هذان النقيضان؟ إنهما لم يجتمعا في بُردٍ واحد، إنما اجتمعا في أُفق التصور، والتصور واسع الآفاق، رحب الفضاء. التصور يجمع الملحوظ، ويجمع المعقول، ويختلفان في التطبيق على صعيد الواقع. ألا ترى أننا نتصور في الذهن كما يقول المنطقيون أولو الفلسفة العقلانية. إن لفظة شمس نكرة تطلق في الذهن على كل كوكب مضيء ينسخ وجوده حلول الليل، ولكنها خارج الذهن على صعيد الواقع لا يوجد لها إلا مفردة واحدة، فالذهن أو التصور يخالف الواقع ويباينه مباينةٍ واسعة لأنه يتسع لجميع التصورات، ولكن على صعيد الواقع هو واقع لا يتغير.
لقد خرجتُ بك يا قارئي عن موضوعي الأدبي ولكنها الذكرى هي التي أرغمتني أن أبحر بك، وأن أبتعد بك عن مرفأٍ كنا مجدفين به سفينتنا لنشاهد أمواج البحر ونحن نتغنى على أمواجه بهذا اللحن المنغم بأنغام الحب، وأنغام السحر، فلنستمع لهذا اللحن وهو يردد أسرار الحب الذي لولاه لعشنا على حياةٍ جاحمة، وفي آتونٍ نحترق فيه، ونتحول إلى هشيمٍ تذروه الرياح. اسمع هذا اللحن أو هذا أو هذا النغم المتموج كيف صور الشاعر الكبير رسالته التي حمَّلها رسوله في لهفةِ شوقٍ. يا أيها الرائح المغذ في السير، إني أحملك رسالةً ولكنها ليست كالرسالات؛ إنها رسالة القلب للقلب، رسالة المعذب الذي اكتوى بجاحم الجب وبنيران الأشواق، ويطلب منه أن يقرئهم السلام عنه، ولكنه ليس كالسلام؛ إنه سلام العيون والقلب للعيون والقلوب، ويصور فيه سرًّا غراميًّا. تصور معي أنَّ سلامه جزءٌ من بعض اللقاء، إنه لتصويرٌ فيه روعةٌ، ثم يشير إلى رسوله: عندما تطوف بالحبيبة لا تطف كما يطوف الغير حساس، إنما عليك أن تصور هذا المشهد وتشاهده وتصور قلبي الذي فيه شوقٌ ظامئ إلى اللقاء، وإذا ما سئلت عني فإني نضو هوىً يلفظ أنفاس الحياة لا أتصوره باقيًا لهذا اليوم، ثم يضرب الشاعر الكبير إغراباً ما بعده إغراب؛ فينشد عن قلبه الضائع، وهل يضيع القلب؟ ولكنَّ قلبه ضاع، وفي أين ضياعه؟ ضاع بين منىً تعثرت وماتت مشبوبةً على مذبح الغرام، وبين الأحداق؛ الأحداق التي تشبه التيار السحري تسمر القلوب وتوقف حركة القلب، وتعطل كامل الجسم، ويلجأ الشاعر إلى تصوير غريب يبعد فيه كل البعد. يطلب من خليله أن يبكي عنه لأن عيونه يبست وجف ينبوعها فهي حسيرة لا تجود بالدموع، ولا ينسى مساواته بالعشاق، فالشاعر كان يعير الدموع للعشاق عندما يجف دموعهم، وهل الدموع تعار؟ فكيف تتصور معي هذا البذل، والعطاء الذي سخا به الشريف؟ إن هذا سرٌ من أسرار الابتكار في الشعر العربي، فقد حلَّق الشريف في هذه القطعة السيمفونية إلى أبعد التحليق. إنك تقرؤها وكأنك تقرأ لوحةً فنية رسمتها ريشة العصر الجديد. ريشة القرن الحادي والعشرين، فهي غضة برغم ما مرَّ عليها من قرونٍ وقرون، فالشعر إذا كان شعراً لا يموت، بل يتطور ويتجدد كما يتجدد الصباح، ويعيش مع دورة الفلك في صعود الحياة وجدتها، فالشعر خالدٌ لا يموت.


 

شاعر وأديب
363647