قصة قصيرة
يا زعفرانة ودّي النعال
أحمد البقشي * - 17 / 10 / 2007م - 10:55 ص - العدد (39)

وقفت نوره أمام مرآتها لتضع الكحل على عينيها فقد انتهت للتو من وضع الرّشوش على شعرها الأسود الطويل الذي يسترسل على كتفيها ليزين ثوب النشل القاني الذي كانت ترتديه.
كانت نوره ترمق نفسها بنظرات خاطفة في كلّ مرة.
ما أجملني! عيناي واسعتان، شديدتا السّواد والأهداب رماح هندية
بياضي كلون البرد!!، وجمالي لا يمكن أن يقاوم!
حرام أن يبذل هذا الجمال لأحد رجال القرية.
وهل يستحق أحد هؤلاء الرعاع أن يتقدم لي وأنا ابنة شيخهم وعمهم الذي لا يزال كل أهل القرية يحسبون له ألف حساب حتى وهو قابع في قبرة منذ ثلاث سنوات مضت!
ها ها ها ها ها:
لقد تذكرت شبيب ذلك الوغد الحقير كيف يجرؤ ويتقدم لخطبتي! أما يستحي هذا (الخضيري) الوضيع.
هل نسي أن والده مات ويده لم تزل حمراء اللون من كثرة ما كان يخضب ووجوه حميرنا!
هل نسي شبيب اللعين أنه ولد في سمادة بيتنا! أف لذلك الحقير!!
لكن العتب ليس عليه، العتب على الشيخ علي الذي أمسك بيده وجاء به إلى بيتنا وجرّ أه على عمتّه.
بينما كانت نورة موغلة في تلك الأفكار، بعثر ت صرخة مدوية من بيت الجيران تلك الأفكار وتعالى الصوت وصار صرخات ونياحة.
وثبت نورة إلى الباب، فاهتزّ ماكانت تلبس من خلاخل وأساور وحلي وتراقصت فصوص ثوب النشل عليها.
زعفرانه. زعفرانة أين ذهبت تلك السوداء الحقيرة؟ أين أنت؟
لم تكد زعفرانة تسمع صوت عمتها نورة، فقد كان المنزل كبير الفناء واسعا جدا.
ولمّا وصلت زعفرانة كانت تلهث، وأنفها الأفطس يتضخم وينكمش فقد أصبحت زعفرانة بدينة من كثرة الأكل في هذا البيت العامر.
أمرك أمتي (عمتي بلهجة الزنوج)؟ أمرك أمتي؟
أين كنت يا حقيرة! قولي لعنبر يخرج ويتحقق من الخبر. أمرك أمتي. أمرك أمتي. يا الله بسرعة!
نوره. نورة. هكذا بدا صوت الشيخة مريم التي كانت ملازمة لسرير المرض منذ رحيل زوجها الشيخ عبد الكريم. عند ذلك أسرعت نورة وحرّكت الباب وأجالت بطرفها في غرفة أمها المزينة بالزخارف الجصية والمزدانة بسيوف وبنادق تحمل تراث والدها وأجدادها.....
نورة، نورة، ماهذا الصياح والعويل؟ عسى أن لا يكون مكروها قد وقع بأحد أهالي القرية؟
وفي الأثناء جاءت زعفرانة بالخبر: الله يطوّل أعماركم يا عمّاتي، الحاجَّة أم سليمان أعطتكم عمرها.
قالت الأم: (إنّا للّه وإنّا إليه راجعون) الله يرحمك يا أمّ سليمان كنت نعم الجارة
نورة: إيه ماتت واستراحت وأراحتنا من صراخها كلّ ليلة.
الأم: يا ليتني كنت أقدر على القيام لمواساتهم في مصابهم!!
نورة: تروحين؟ أمي لم يجرّئ هؤلاء الرعاع علينا إلا أنت ووالدي رحمه الله.
تزورونهم،وتجالسونهم وتأكلون معهم.
الأم: لماذا تقولين ذلك من تظنين نفسك؟ كلّنا أبناء آدم يا بنية.
هل تظنين أن أباك سيصبح شيخا لهذه القرية لو كان مثلك.
إن والدك ساد القرية بتواضعه لأهلها وحبه لهم وبقضائه لحاجاتهم، أنا لا أذكر أن أحدا جاء له في حاجة في ليل أو نهار وأخّر حاجته إلى يوم أخر.
يا بنت خافي من نفسك، اذهبي يا بنت وعزّي جيرانك، وأرسلي عنبر بما يحتاجون.
عند ذلك نفضت نورة ثوبها، وقامت إذ لم يعجبها حديث أمها وأتجهت لغرفتها وو قفت عند بابها، وصاحت: زعفرانة زعفرانة.
زعفرانة: أمرك أمتي.
تعالي يا زعفرانة، احملي نعلي هاتين واذهبي إلى سوير بنت أم سليمان وقولي لها: عمتي نورة تعزيك بوفاة والدتك، وهي الآن مشغولة لأن قدميها مزينة بالحناء،وهذي نعالها تعزيك.
لم تتملك زعفرانة خيارا آخر لابد أن تنفذ ما تأمره به عمتها نورة.
لذا ذهبت وسط المعزين وهي تقدم رجلا وتؤخر رجلين. لقد كانت خائفة لذا صحبت عنبر وقد جاء حاملا سلاحه على ظهره،ووقف على باب العزاء تحسبا لأي طارئ.
ما أن سمعت سارة بنت أم سليمان ما حملته زعفرانة من كلام حتى استشاطت غضبا ودعت على نورة:
الله يرينا فيك يوما يا نورة يا الشيخة بنت الشيوخ.
وساد في المجلس الفوضى وقالت عجوز من الجوار: سبحان الله >يخرج الخبيث من الطيب<.
وقالت أخرى: الله يعافيك يا شيخة مريم لا بد أنها لا تعلم بماتفعله ابنتها المغرورة أنا متأكدة من ذلك.
ولمّا رأت زعفرانة أن الجوّ (مغيّم) أنسلّت من مجلس العزاء بصحبة زوجها عنبر،وأخبرت عمتها نورة بما حدث فقالت:
الأغبياء، يكفيهم ف خرا أن نعلي الشيخة نورة بنت عبد الكريم شاركت في تعزيتهم، شرف كبير يبذل لهم وهم يترفعون عنه. والله (طمّاعين).
لكنّ الشكوى وصلت لأمها الشيخة مريم فقامت بتقريعها:
هؤلاء جيراننا وناسنا والله سوّدنا عليهم بكرم أخلاق أجدادك وإحسانهم لهم، أنت تضيعين اسم أهلك برعونتك وتكبرك.
لكنّ الشيطان كان يزين لنورة أفعالها، لذا بعد عدة أيام جاءت أم شبيب تستأذن في زواج ابنها من ابنة الحاج عوض، فباركت الشيخة مريم لها، ودعت لهما بالخير، واعتذرت بعدم قدرتها على الحضور، لكنّها وعدت أن نورة ستحضر بدلا عنها وعند ذلك سمع الجميع صوت خطوات نورة وهي تدخل إلى غرفة إمها لتجد أم شبيب وقالت:
سلام.
وأخبرت الأم نورة بخبر الزواج، فابتسمت أبتسامة صفراء، وقالت في نفسها: (الحمد لله الطيور على أشكالها تقع) وخاطبت الأم قائلة يصير خير يصير خير.
وأدارت ظهرها وهي تقول الله يساعدنا على صوت الطيران سبعة أيام.
ولمّا أن جاء يوم العرس الرجال في البراحة يقيمون العرضة، والنساء في داخل المنزل يرددن الأهازيج، والعروس بكامل زينتها وقد أحاطت البنات بها من كل صوب، فقد كانت تلبس ثوب النشل الأخضر،و ترفل بالحليّ في هامتها، وعنقها مشدود، وبطنها مشدود بمحزم، والخلاخيل في ساقيها، والبناجر في يديها. كانت أم العروس تدعو للشيخة مريم التي أعارت ابنتها تلك القطع الذهبية لزفافها حتى صارت العروس تلمع كقطعة ذهبية كبيرة.
وفي المقابل كانت فرحة أم شبيب غامرة، فقد أخذ الفرح من قلبها مأخذه إذ كانت تلك المناسبة اول فرحها بأبنائها، لذا أخذ الطرب على دقات طبول العبدات الزنجباريات مأخذه منها، فقامت ترقص على نغماته حتى سقط خمارها عن رأسها وبدا شعرها الأبيض مخضبا بحمرة الحناء التي قد تعدى حدوده ليصبغ نصف جبهتها.
وقد كانت أم شبيب من فرط فرحتها توزع ابتسامات على الحضور أثناء رقصها فكان ضرسها اليتيم يظهر للناظرين بين حين وآخر.
وفجاة ظهرت الخادمة زعفرانة وفي يديها نعلين جديدتين.
عند ذلك تجمدت أم شبيب في مكانها، وجمدت أيدي الزنجباريات، وجمد الجميع.
قالت أم شبيب في نفسها (الله يعينّا على المغثّه).
ثم اقتربت زعفرانة وهي خجلى مما ستقول:
عمتي نورة مشغولة لكن هذي نعالها تبارك لكم.
وعند ذلك صاحت فاطمة أخت شبيب:
الله يورينا فيك يوم أسود يا نورة.
وعندها خيّم الهدوء، وطارت براءة الفرح من العرس، وتحوّل إلى جلسة قرض في لحم نورة بنت الشيوخ.
وعندها انسحبت زعفرانة بعد أن اعتذرت لأم شبيب إذ هي مجرد خادمة لا تملك أي رأي.
تقبّلت أم شبيب اعتذار زعفرانة، ورجعت للعرس الذي حاولت بثّ روح الفرح فيه من جديد، فقد استشرى سمّ نورة في أوصال الفرح كثيرا.
رجعت زعفرانة لتخبر عمتها نورة فضحكت ضحكات مجلجلة، إلا أن ضحكتها قطعها صوت استغاثة: نورة...نورة...نورة.
لا أقدر على التنفس، أعطيني جرعة ماء وتصاعدت أنفاس الأم (الشيخة مريم) وتصاعدت وشهقت شهقة قوية ثمّ تدلّى عنقها على كتف ابنتها نورة
فصاحت:
أمي، أمي لا تموتي، أمي، وهكذا تعالت صيحات نورة.
وعندها هرع عنبر الخادم لجلب بعض الأقارب لتشييع الأم الذي تمّ بهدوء.
وفي اليوم التالي جلست البنت نورة لتلقّي العزاء على روح أمها إلا أن أحدا لم يأت، فقالت في نفسها لا بد أن الوقت مبكر جدا الآن.
فجلست ساعتين إضافيتين، وأكثر إلا أن أحدا لم يأت.
لا يمكن عزاء الشيخة مريم حرم الشيخ عبد الكريم لا يحضره أحد. لا يمكن ذلك، و صاحت:
زعفرانة.
انظري من ثقب الباب، واستفهمي لماذا لم يحضر أحد لتعزيتي؟ ألا يعرف هؤلاء الرعاع الأصول والواجب؟
عند ذلك اقتربت زعفرانة من الباب؟ وفتحت جزءا بسيطا وصرخت عمتي، عمتي، ما هذا؟
مئات النعال جاءت لتعزية الشيخة نورة في وفاة والدتها.

 

كاتب
363648