قراءة في ذاكرة الزمن 2/2
تحليل تطبيقي لقصيدة (وقفة على أطلال خولة) للشاعر السيد عدنان العوامي
علي مكي الشيخ * - 18 / 10 / 2007م - 4:08 ص - العدد (38)

خولة/ الأرض والعراق في جسدٍ واحد:
وتملك نخلاً كنخل العراق
سخاءً وماءً زلالاً كدجلهْ
ويوم الكريهة يوم النزال
لها الطول باعاً وبأساً وقولهْ
إذا زمزم الروع يدمي القلوب
إذا راش سهماً وصوب نبلهْ
تيممها الجار زنداً حميّاً
وحضناً وفياً وزاداً ونهلهْ
لا يزال الشاعر يتبع ما لخولة/ الأرض والحضارة من مآثر وأمجاد وكيف كان ذلك الأمس الذي نما في ربوعها السامقة فكان أمساً زاخراً بالعظمة والجلال لأنه تعيش به عبقرية الأنثى/ البطولة والحضارة وكما قرأنا سابقاً أنه وصفها بأنها من أعزّ النساء جلالاً وأنها من أكرم الغير حين العطاء، فلها بابٌ تستريح القوافل عليه وتستجدي نواله ولها بيتٌ تتقرّى فيه الضيوف/ الأمم الحضارية. امرأةٌ بهذه الصفات فهي لابد أن تسكن قصراً/وعياً ثقافياً تتلألأ منه المآذن من كلّ الجهات ويأتي هنا ليضيف أثراً يؤكد فيه رفعة المنطقة، ذلك حينما شبّه نخلها بنخل العراق وماءها بماء دجلة العراق ويعود ثانيةً هنا ليؤكد على الثروة الزراعية والثروة البحرية كما تذكّر في بداية القصيدة في قوله:
تذكّر مدرج أحبابه
ضفافاً ومشتل ضوءٍ ونخلهْ
وأكد هنا على النخل لأنه يشمل بدلالاته على جميع أصناف المنطقة ذلك لأن النخل هو روح المنطقة في الإنتاج الزراعي فوجود النخل فيها ضاربٌ في القدم ولم يخل عصرٌ من عصورها دون أن يوجد النخل بتربتها لذلك ارتسمت صورة النخل بوعي النصّ على أنها تمثل الامتداد الحي في حركة البيئة الطبيعية وتطورها وتنوع خيراتها الكثيرة وقد عبّر أعرابيٌّ نهديٌّ من أبناء عمان عن أهميّة تلك الشجرة وفائدتها فقال:’’حملها غذاءٌ، وسعفها ضياءٌ، وجدعها بناءٌ، وكربها صلاءٌ، وليفها رشاءٌ، وخوصها وعاءٌ وقرورها إناءٌ‘‘(25).
ويؤكد د/ حسين جمعة ما للنخلة من أثرٍ بارزٍ على شعراء الجاهليّة إذ يقول:’’وشجرة النخيل كانت مصدراً ثرّاً لشعراء الجاهليّة في صورهم الشعريّة المتعدّدة في جذوعها وعناقيدها وكذلك كانت لشعراء منطقة الخليج كقول المفضل النكري في وصفه لمّة أحد الفرسان أو وصفه لفرس ابن قران ولولاها لما نجا:
قتلنا الحارث الوضاح منهم
فخر كأن لمّته العذوق(26)
فصورة النخلة وذكرها كان له حضوراً قويّاً في ذاكرة الشاعر وليعزّز رأيه راح يشبّه نخلها بنخل العراق وقال إنّ منطقة خولة تمتلك نخلاً/ أرضاً/ خصوبةً كنخل العراق وقال إنّ المنطقة تمتلك ماءً زلالاً كماء دجلة فالمنطقة أيضاً عرفت بعيونها الارتوازية النبّاعة والتي تشق منها القنوات والجداول فامتلاكها للماء الّذي يعدّ عصب الحياة إشارةٌ إلى أنّ خيرها كان لا ينضب وعطاءها لا يحجب فهي والعراق في بيئةٍ واحدةٍ تتشابه مواردهما وكنوزهما وهو إذ يركّز على النخل يريد أن يعطي النخل دلالةً أخرى وهي أنها تمتلك قوّةً وثراءً يضاهي ويعظم بكثيرٍ مما عند قارون وما أعطي من أموالٍ وقوّةٍ وجبروت فعزّت المنطقة فثراؤها لم يؤت قارون مثله فمهما هدرت عليها عاصفات الزمن تراها صامتةً قويةً أمام عوادي الفناء فقد شهد لها التاريخ مواقفها البطوليّة في حروبها مثلاٍ مع القرامطة ومع الخوارج(27) وغيرها ومن بين تلك الصراعات الّتي دخلتها المنطقة اشتباكها مع عنترة فيضع الشاعر لنا مثلاً تاريخياً في حديثه الآتي.
بين خولة/ الصمود وعنترة/ الغناء:
فعنترةٌ تاه يوماً عليها
غروراً وزهواً وجرر ذيلهْ
وجاء مدلاً بسلطانه
يجر الكتائب تتبع خيلهْ
بهزّ سناً ويرهق سيفاً
ويرعف رمحاً ويرشق نبلهْ
ولكنها ألقمته السترات
وأردته قزماً يلملم ذلّهْ
عل مقولة الشاعر ’’والضد يظهر حسنه الضد‘‘ صادقةٌ وجليةٌ فلا وجود لليل دون لولا وجود النهار وكما يقول الغذامي(28) عن الشيخ السعدي:’’الكمال إنما يظهر إذا قرن بضده‘‘ وكذلك لا يعرف الشجاع إلا حين بنازل الأقران والأبطال في حوض المعارك فأراد الشاعر أن يؤكد لنا هذا المعنى في إظهار شجاعة المنطقة وقوة أهاليها ومثاله هنا عنترة الذي جاء بغروره وزهوه وسلطانه دليل جبروته وكبريائه غير أن المنطقة كانت نفواً له بل بزّته بشجاعتها وذاكرة النص هنا تحيلنا إلى ما ذكره ياقوت الحموي في ترجمته للقطيف وقال عمرو بن أسوى العبدي:
وتركن عنتر لا يقاتل بعدها
أهل القطيف قتال خيلٍ تنفع(29)
وقد سمعت من السيد عدنان العوامي يقرأ هذا البيت قراءةً ثانيةً وهي:
وتركن عنترةً يقاتل بعدها
أهل القطيف قتال خيلٍ تنفع
وإذا رجعنا إلى قصد الشاعر من إيراده لهذه الحادثة في صراع خولة/ الصمود ضد عنترة/ الغناء فسنقول أنّه أراد أن يعطي المنطقة معادلاً بطولياً تاريخياً ليعيد لنفسه ولجيله شموخ الأرض وما عرف عنها من رباطة
الجأش والإباء وجاء ذكر عنترة إثر مناسبة القصيدة كما ذكرها تعريف النص في أول السطور وذلك عندما رأى تلك الكاسحات وهي تقتلع أبنية القلعة فهو يتساءل ويقول كيف استطاعت هذه الكاسحات أن تهدم بمعاولها آثار هذه القلعة العريقة التي لم تستطع كاسحات عنترة أن تمسها بأي خدشٍ أو تهديد، فقابل هذه الكاسحات الهادمة بعنترة المحارب الضخم، رغم أنّ كاسحات عنترة كانت تمتلك غروراً وزهواً وسلطاناً يجر خلفه الكتائب والخيول الرعناء ورغم ما يملك من أدوات مدمرة فقد جاء يهز سناناً ويرهف سيفاً ورمحاً ويرشق نبلاً وكلها أدواتٌ من شأنها أن تحوّل البناء العامر إلى يبابٍ، والحياة إلى موتٍ محقق ويكمن هذا المعنى في قوله ’’وجاء مدلاّ بسلطانه‘‘ إلى أنه هو الّذي أتى أي أنّه في موقف الهجوم ولابد لمهاجم أن يكون مليئاً بالعتاد والقوة فهو مندفعٌ بسلطانه كلّه على نفوذ المنطقة الآمنة غير أن هذا الاستعداد والاندفاع لم يجدياه بشيءٍ سوى الهزيمة فقد استبسلت عليه سواعد خولة/ البقاء والصمود حتى ألقمته التراب وأردته قزماً متصاغراً يجر أذيال الهزيمة وراءه، فقد اكتسب لفظ عنترة رمزاً دلالياً يدل على قوة المنطقة وهو بمثابة العاصفة العاتية فأي واقعة يطلق عليها عنترةٌ فعنترة إذن تحول في علاقته مع القبيلة إلى رمز الخصومة ورمز الصراع الزمني فقد انطلق الشاعر من تلك الحادثة الّتي وقعت بين عنترة والمنطقة لينطلق الحكم بعدها من خصوص الحادثة إلى عمومها في بقية الحوادث والصراعات التي مارستها القطيف/ الأرض والحضارة، وأردف بعد هذه المقابلة والمناظرة بين أهل المنطقة وبين عنترة بما تتصف به من ملكاتٍ ضخمةٍ مسهباً في تعداد الآثار والمآثر فظلّ يتذكّر الماضي بأمجاده وشخصياته لنقرأ من صفحة فخره.
حضارة الأرض/ أرض الحضارة:
وعنترة في سيوف القبيلة
ليس الأشد جلاداً وصولهْ
فكم في القبيلة عبل الذراع
طويل النجاد تجرأ قبلهْ
وكم من أميرً تمنى المهاة
فردته كبراً ولم تشف غلهْ
وكم صولجانٍ تعالت عليه
وازرت بتاجٍ وعرشٍ ودولهْ
تسيطر على الشاعر لغة الثقة بالنفس عن ماضي الأرض/ الحضارة، ذلك لأن تراثه الموروث كان مليئاً بالمآثر والمواقف العملاقة في تحدي تيار الغناء فراح يعدد أوصاف هذه المنطقة/ الشجاعة/ البطولة/ وإن كان قارن بعنترة فهو ينفي هنا أيضاً المفاضلة فقال:’’ليس الأشد جلاداً‘‘ ليلغي المفاضلة كليةً فهو لا يُعدّ شيئاً أمام سلطان المنطقة وفوارسها، وبما أن هذه الأرض/ الحضارة لها عراقةٌ طويلة جاء النص بصيغة الاستفهام الإخباري.

فهناك الكثير ممن سبق عنترة محاولةً منهم في الاستيلاء على خيراتها إلا أنّها وقفت وقفة كبرياءٍ وصمودٍ في قوله:’’وكم صولجانٍ تعالت عليه (هذه القبيلة) فأزرت بتاجٍ وعرشٍ ودوله فكان الشاعر يعي أن الأرض احتضنت مزيجاً من الحضارات السابقة كالفينيقية والبابلية وللفينيقيين يعود الفضل في اختراع الحرف الأبجدي(30) كما كانوا نشيطين في التجارة البحرية فهم أول من اخترع صناعة الفن وكذلك احتضنت العمالقة(31) الذين اشتهروا بالزراعة والري وحفر العيون إلى أن جاء عهد بني عبد القيس(32) هذه القبيلة الّتي اشتهرت بالتقدم المعرفي والثقافي حيث برز فيها الشعراء والخطباء منهم أصحاب المعلقات كطرفة بن العبد وكان لوجود النصرانيين واليهود في المنطقة قبل الإسلام أثر على ارتباط أهلها بالديانات السماوية مما جعلها أرضاً خصبة لقبول الإسلام فعندما جاءها مبعوث النبي(33) وهو العلاء بن الحضرمي حليف بني عبد القيس ومعه كتابٌ إلى المنذر بن ساوى يدعوه إلى الإسلام فأسلمت المنطقة وبقي العلاء بن الخضرمي يأخذ من اليهود والنصارى الجبايات ويقول محمد سعيد المسلم في كتابه ساحل الذهب الأسود: ’’أن جماعةً من عبد القيس وفدوا على الرسول K في السنة السابعة للهجرة يرأسهم المنذر بن عائد وقد أخبر الرسول K بقدومهم في صباح الليلة الّتي قدموا فيها إذ قال: >ليأتين ركبٌ من قبل أهل المشرق لم يكونوا على الإسلام< وفي روايةٍ أخرى >سيطلع عليكم ركبٌ من هاهنا هم خير أهل المشرق< ولما قدموا رحب بهم وقال: >مرحباً بالقوم لاخزايا ولا ندامى< ودعا لهم >اللهم اغفر لعبد القيس< وأوصى بهم الأنصار خيراً، إذ قال: >يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشبه الناس بكم في الإسلام.. أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين<(34) ثم تعاقبت عليها الدويلات والإمارات حتى وصلت إلى ظل العيونيين الذين كثرت في أمرتهم النزعات والحروب على السلطة حتّى استولت على المنطقة مداهمة الأتراك وهكذا يمتد عمر هذه المنطقة تزخر باللاركود فعمرها حروبٌ هائجةٌ وأيامها كفاحٌ مستمرٌّ ورغم ما مر عليها من عواصف الصراعات إلا أنها تبقى الأرض/ الحضارة محافظةً على مبادئها وديانتها الإسلامية الأصيلة لذلك يكشف لنا النص هذا المضمون في قوله:’’وكم من أميرٍ تمنى المهاة.. فأردته كبراً ولم ترو غلّه‘‘ وترك النصّ مفتوحاً فهناك سطران فارغان ليدلا على أن حضارة الأرض مفتوحة وطويلة إلى اللانهاية.
الخاتمة:
* عندما حضرت خولة غاب طرفة بن العبد:
* رماد القصر
فما بالُه ازْوَرَّ وجه الزما
نِِِ ودارت رحاه بيومٍ وليله
فبدَّل ذاك الصبا والفتو
نَ غضونًا، وشيبًا، ووهنًا وعِلَّه
فلا هي تلك البتول القتو
لُ، بخدٍّ، ونهدٍ، ورمشٍ وخصله
ولا القصر قصرٌ منيع القِبا
بِ، ولا النجم صَبٌّ يسامر نخلَه
هوى القصر، والعشق والذكريا
ت، وعفَّى الزمان مفاتن خوله
سوى طلل من بقايا السنيـ
ـنَ جفاه الأنيسُ وأنكر فضله
فجأة تبدل كل شيء. القصر الذي تسكنه خولة “الحضارة القطيفية” بما كان يملك من ضوء المآذن الذي تتوجه إليه القوافل، وتتغذى بنميره الضيوف، ويحتمي بظله الجار وأهل السبيل، بؤول في آخر المطاف إلى السقوط، فقال: «هوى القصر» أي هدم، رغم أن الجملة هنا تجعل القصر فاعلاً لعملية الهوي، والسقوط، غير أنه، في الواقع الفعلي، مفعول به، كما تقول: “مات محمد” فمحمد ليس هو الفاعل لعملية الموت، وإنما وقع الموت عليه، والفاعل للموت هو الله (جل جلاله)، وهنا نلاحظ عملية الهُويِّ والسقوط أضافها النص للقصر،، كما أضافها للعشق والذكريات. إذن فالقصر مفعول به وقع عليه الهدم، فعندما رأى الشاعر يدَ الهدم آلت إليه بكاه وقرر أخيرًا أنَّه هوى. فهو لم يفقد القصر، بل يقع ثلاث عتبات من شأنها أن تحدث في نفسيته الألم والحسرة، والذي:

فالقصر يمثِّل الأرض الجغرافية وقد هدم، وبدأت الكاسحات باقتلاعه، والذكريات هي بقايا القصر، وهو الطلل الباقي للديار والآثار الشاخصة، هذا ما شاهده الشاعر، فآخر شيء بقي له يذكره لتلك الحضارة/ القصر هو الآثار الشاخصة فهي التي تعيد له الذكريات والعشق الذي يمثل الرابط بين القصر والذكريات وذاكرة الشاعر. فعندما ينظر إلى ذكريات الحضارة عَبر الآثار القديمة والقلعة الصامتة يشعل فيه العشق جذوة التذكر فيحيله إلى ارتجاع الماضي واستحضار القصر/الأرض/ الحضارة، فقد عَفَّى الزمان مفاتن خولة، فالزمن من شأنه أن يُخسر الأشياء عمرَها ونضارتها. قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (العصر. آية 1). فما دمت وجدت في العصر/ الحياة فأنت في صراع معه، فهو يخسرك، وينقص من عمرك، وإنما تعوض ذلك بالإيمان والعمل الصالح. فكما في الحديث النبوي: >الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما<. إذن الزمن عامل في عمرك وعمر الحضارة، ومن العوامل المساعدة على ذهابها فهنا المسألة طبيعية أن يعفِّي الزمن مفاتن خولة، ويقصد من مفاتن خولة حضارة وتاريخ خولة، ولكن أيَّ زمن يقصده النص هنا الذي عفَّى مفاتن خولة؟ فالواضح لدى المتأمل أنه الزمان القاهر، أو الزمان الذي يُعدُّ في مقابل الخصم، وهل الزمان يكون خصيمًا للإنسان والحضارة؟ أعتقد أن الزمن هنا أهل الزمان، وأعداء أهل الزمان، فتصبح العبارة: وعفَّى أعداء أهل الزمن مفاتن خولة، ذلك لأنه رأى كاسحات تقتلع مفاتن خولة. فالعملية هنا عملية هدم تعلن عن روح اللاوعي لدى الهادم، أو من يقوم بعملية الهدم والإقتلاع، وتبقى القضية أنه لم يبقَ سوى طلل من رماد السنين.
والطلل هنا هو طلل الذكريات، فحتى طلل القصر اندثر واقتُلِع، فلم يبق سوى الذكريات، وهذه الذكريات من رماد السنين، والرماد يعلن لنا الآثار المتبقية للحريق. والرماد يدل على الجمود والموت الذي لا حركة معه، فلم يبقَ سوى الجمود، واللا حركة من طلل ذكريات السنين/الحضارة الماضية، وقد جفا الأنيس هذا الطلل، وهذا الزمان لعدم وجود الحركة فيه إلى أن أنكر فضله وما شاد من بطولة/ حضارة / تاريخ.
الوداع يتحوَّل إلى لقاء:
أخولة يا عنفوان الضفا
فِ وشوق النخيل وعشق الأهلة
فداءً لعينيك ما في يدَ
يَّ، وردءًا لعمرك عمريَ كلَّه
كفاك أذىً من عوادي الزما
ن كفاك هوانًا، وغبنًا وذِلَّه
بأن تتحوَّل عنك القلو
بُُ فيهجر إلفٌ وتغدر خلَّه
يصل بنا الشاعر/ النص إلى فصله الأخير، ويريد أن ينهي حديثه مع خولة الحضارة، فيقول لها: أخولة، بأسلوب النداءِ، والنداء يكون جسرًا بين المنادي والمنادى، ويخلق جوَّا نفسيًّا بينهما. فالشاعر هنا ينادي خولة، الأرض، والحضارة بأداة نداء للقريب. ذلك لأنه يعيش فوق أحضانها، فهو داخلٌ فيها. بل يخاطب ذاكرته ونفسه العائدة به إلى مستقبل الماضي التليد، ولم يكتف بنداءٍ واحد؛ بل أعقبه نداءٌ في وسط البيت، وقال: ياعنفوان الضفافِ، ففي النداء الأول حاول أن يقربها ويستحضر آثار وجودها، غير أنها سرعان ما عفَّى الزمان مفاتنها، فأدرك أنها تقتلع وتشيع جثمانها، فقال: “يا”، وخطابه جاء للبعيد، غير أنه تماسك إدراكه وحسَّه الفائر فقال: “ياعنفوان الضفاف وشوق النخيل، وعشق الأهلَّة”، فالنداء القريب تحول إلى البعيد، ولكن هذا البعيد يحاول أن يعطيه صفة البقاء والصمود؛ لأنه يمتلك الشموس والعنفوان والشوق والعشق. فبدل أن يحاول وداعها، أو الرحيل عنها؛ يتحوَّل هذا الوداع إلى لقاء متجدد في نفس الشاعر وذاكرته، وذلك واضح منذ بداية هذا الفصل الأخير الذي بدأه بأداة النداء، وأسلوب النداء كثير ما تستهل به القصائد قديمًا، وحاول أن يبرز لنا ملامح خولته فقال:
فداءً لعينيك ما في يديَّ
وردءًا لعمرك عمري كلَّه
عرَفنا أن خولة الحضارة/ الأرض. فما تعني العينان هنا؟ وهل للأرض عيون؟ إن أقرب دلالة للعينين هنا أنه يقصد البيئة الطبيعية التي تمتلك خولة/ الأرض، إذ تتمثل في عنفوان الضفاف، وشوق النخيل (البحر + النخيل) فهذان الموردان الطبيعيان هما بمثابة العين لهذه المنطقة. وكما أن أجمل شيء في الإنسان العيون؛ فالأرض كذلك أجمل ما فيها الزراعة والبحر، وكما في الحديث النبوي الشريف: (ثلاثة يذهبن الحزن عند النظر إليها: الماء والخضرة والوجه الحسن(، والدليل على ما ذهبنا إليه من أن العينين هما البحر والنخلة قوله: “ما في يديَّ: أي إنه يفديها بما يمتلك من قوة وعمل يستطيع أن يقدمه بيديه، واليدان دلالة على العمل والإستمرار في البذل. أما قوله: “وردءًا لعمرك عمري كله” إشارة ‘لى عمر الحضارة وعمر البطولة التي تمثل ما على الأرض من ثراء وعطاء، فإنه سيبذل عمره الذي تولَّد من عمر الحضارة فداء لها. بعدها ينطلق في صرخته إثر تبدل الزمن وتغيره على أحوال خولة، فيقول لها: كفاك أذىً/ هوانًا/ غبنًا/ ذلَّة من عوادي الزمن، فقد تحولت عنك القلوب المريضة والضعيفة، وهجرك إلف لم يعرف الوفاء الخالص والنهاية كانت الغدر من قِبَل الخلان، فهذا من أعجب الأمور وأصعبها؛ أن يغدر الصديق صديقه، وأليفه وكانه يشترك مع طرفة بن العبد في قوله من معلقته:
وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرء من وقع الحسام المهنَّد
ويرى الشاعر في قصيدته أن العامل الذي جعل الإلف يهجر أرضه والخليل يغدر بمن أضافه هو طغيان المادة وكبرياء المال في العصر الذي ذابت فيه أواصر المحبة، واندثرت على أثر التطوُّرات العلمية وشائج الخير فقال:
ويفتك بالعشق والوجد يومًا
رصيد، وكشف حسابٍ، وغلَّه
تجدد اللقاء
فلا تعتبي، يا هوايَ المقيـ
ـمَ، وإن عُدت نسيًا، فللمال جوله
وحسبك أن تسكني مُقلتي
ظِلالاً وخصلةَ ضوء وكحله
ويلهو ثراك على منكبـ
ـيَّ نثارة عرس وفرحة طفله
فأضفر منه لرأسيَ تاجًا
وأغزل منه لجسمي حله
ويبقى يحاول أن يضمد جرح السنين، ويجفف دموع الآهة من مآقي خولة الحبيبة، فيبدأ بأسلوب الطلب الدال على الرجاء إذ يقول: “لا تعتبي رجاءً خالصًا”، وهذه الجملة ألمر بالنهي تكشف عن بعد آخر في ذاكرة الشاعر؛ فالعتبى هنا كيف تكون؟ وهل الأرض والحضارة التي مضت تستطيع أن تعتب وتلقي اللائمة على الحاضر؟ فما أعتقده هو أن العتب هنا من وظيفة النفس الشاعرة أي النفس اللوامة لدى الشاعر، لذلك أضافها إلى نفسه فقال/ “ياهواي المقيم” لأن الحضارة/ الأرض تمثلت في ذاته فهي امتداد ووليدة تلك المرأة/ البطولة، ويقول لها: “ وإن عدتِ نسيًا... وتجاهلك أهل الزمان، فللمال جولته ويفنى”، فعميلة الهجر لن تطول، ولن تدوم، وإنما جولته وقتية محدودة، فستبقين شامخة صادمة في أعماق الروح، تظللك أشرعة العشق، وتسكنين في أروع قصر عاطفي، وسيمجدك التاريخ، ويقدسك عشاق البطولة، لذلك قال:

فالشاعر في استرضاء مع حبيبته الأرض/ الحضارة إذ جعل يمنِّيها ويعدها، ويجدد لها الأملَ، فقال لها إنك تسكنين مقلتي. والمقلتان عبارة عن ذاكرته وشاعريته اللتين ستخلدان ذكرها وبطولتها فهي باقية في الظلال، والظل هو الإمتداد المتوارث لحضارتها وخصلة الضوء ما سيحقق من إجهار وإعلان بنشر بطولاتها والإحتفاء بها عبر الزمن الآتي، وكذلك الكحلة التي تعدُّ كالوسم الظاهر على معصم الفتاة، فحياته تعلن عن حياتها، وحياتها متألقة في امتداده وما ورثه عنها، وسيبقى ثراها يلهو فوق مسرح حياته فيجعل مقلتيه سكنها، ومنكبيه زورقًا يلهو ثراها عليه، ولم يكتف بهذه الصورة فقط، بل قال: “فأظفر منه لرأسيَ تاجًا” إذ لا بدَّ أن يكون الثرى شيئًا آخر وليس المقصود به التراب لأنه يجعل منه لرأسه تاجًا، والتاج لا يعني السمعة والبطولة وهو سلاح يرفعه لتسمو الذات الإنسانية، فالتراب الذي يلهو على منكبيه هو ما تقدس من ماضي الحضارة، وسوف يغزل من ذلك الثوب المقدس واللباس العريق لجسمه ولحاضره وماضيه “حلَّة”. فالشاعر جعل خولته تهب عليه بكلها، وجعل كل عنصر من حياته لواقع من حياته فكأنه يقول: إنك أنا، وأنا أنت يا خولة الحب/ العشق. فإذا كانت هي خولة/ الأرض والحضارة فهو إذن المحرك والفاعل لتلك الحضارة والحارث لتلك الأرض/ خولة.
وأخيرًا يريد من عقبه الذي يخلفه أن يشاركوه هذا الحرث والإنتاج، ولكن هو لا يملك ما يتمناه فتبقى أمنيته مفتوحة:
وما بيدي أن يضن البنون
بقطرة دمع تبلل رمله
الخاتمة:
* عندما حضرت خولة غاب طرفة بن العبد
الملاحظ على القصيدة أسلوب الوصف المسهب وعدم وجود الحوار فيها والخطاب السائر هو صوت الشاعر فقط فلم تتحدث خولة بشيءٍ وذلك لأنّ الشاعر كان مشحوناً بألم الذكريات طغى خطابه على كلّ القصيدة ولعلّ صمت خولة هنا شبيه بصمتها في معلقة طرفة بن العبد وما نلاحظه هنا وهو الأهم أنه عندما يقع بصرنا على عنوان القصيدة ’’وقفة على أطلال خولة‘‘ تحيلنا لفظة خولة كما قلنا إلى خولة الطرفية أي الّتي ذكرها طرفة بن العبد في مقدمته فهذه اللفظة متولدةٌ من تلك القصيدة فأصبحت خولة رمزاً دلاليّاً على المنطقة/ الأرض والحضارة لكننا نرى الشاعر هنا يذكر خولة فنستحضر نحن ذكر طرفة بن العبد ونتوقع أن يتمثل بذكر بطولته ومواقفه فلماذا غاب طرفة بن العبد هنا ولو لاحظنا ديوان الشاعر ’’ شاطئ اليباب ‘‘ سنجد له قصيدةٌ تحت عنوان ’’من أرض خولة‘‘ يقول فيها:
واستلهموا شأو عبد القيس مأثرةً
يعشو لها معرقٌ مجداً وصنديدُ
ومبدعٌ نبرات الرمل أغنيةً
في ثغره ولهات الماء تغريد
يشتار من وتر ابن العبد مزهره
نبضاً له في شفاه الخلد ترديد
من طيف خولة في أضلاعه سهرُ
وتحت أجفانه للهدّ تخديدُ
ففي هذه القصيدة مجّد بمآثر فرسان خولة/ الأرض واستحضر رجالها وقبائلها فذكر عبد القيس وطرفة بن العبد أما هنا فلا أثر لواحدٍ منهم رغم أنه ذكر عنترة وحربه معها، إذن فلماذا غاب صوت طرفة بن العبد؟ إنّ الشاعر في هذه القصيدة والتجربة التاريخية تمثل نفسه طرفة بن العبد لذلك لم يأت على ذكره فنحن إذن نقرأ صوت طرفة بن العبد فغياب طرفة بن العبد أعطى القصيدة قوة لحضوره في ذاكرة القارئ فالشاعر إذن جعل من صوت طرفة بن العبد معادلاً موضوعياً وتاريخياً فتمثل شاعريته وصوته فلو ذكره لما جعله معادلاً موضوعياً ذلك لأنه يصبح في قصيدته مجرد استشهاد واستحضار كما في قصيدته ’’من أرض خولة‘‘ ففي القصيدة ملامح مشتركة بين معاناة الشاعر وحياة البؤس التي عاشها طرفة بن العبد في معلقته منها قوله ’’فعاد إليك نزيف الجراح‘‘ و’’سلامٌ عليك سلام الغريب سلام المهاجر..‘‘ وطرفة يمتزج عنده الإحساس بالغربة والألم وذلك في قوله:
لى أن تحامتني العشيرة كلها
وأفردت إفراد البعير المعبّد
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي
فدعني أبادرها بما ملكت يدي
فمالي أراني وابن عمي مالكاً
متى أدن منه ينأ عني وأبعد
وأخيراً فالقصيدة تسيطر عليها نغمةٌ مسيطرةٌ وهي البحث في ذاكرة الزمان وذاكرة المكان لتحاول أن تقرأ ذاكرة التاريخ الحضاري لأرض خولة.
مصادر رجعت لها:
1- أدب البحر- أحمد محمد عطية- دار المعارف 1978م.
2- أسرار اللغة- جورج غريب- دار الثقافة بيروت- لبنان- ط1- 1978م.
3- إضاءة النص- اعتدال عثمان- دار الحداثة- ط1-1988م.
4- ثقافة الأسئلة- د/ عبد الله الغذامي- كتاب النادي الأدبي- جدة- ط1- 10/7/1412هـ.
5- ديوان طرفة بن العبد- تحقيق كرم البستاني – مكتبة صادر بيروت -1953م.
6- ساحل الذهب الأسود- محمد سعيد المسلم- دار مكتبة الحياة- بيروت- 9/9/1962م.
7- شاطئ اليباب- السيد عدنان السيد محمد العوامي- مطابع الفرزدق- الرياض- ط1- 1412هـ.
8- عالم المعرفة-المجلد25-العدد الثالث 1997م-المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-دولة الكويت.
9- قراءة ثانية لشعرنا القديم- د/مصطفى ناصف- دار الأندلس- ط2-1401هـ - 1981م.
10- القصيدة والنص المضاد- د/عبد الله محمد الغذامي- المركز الثقافي العربي- بيروت- ط1- 1994م.
11- القطيف- محمد سعيد المسلم- الرئاسة العامة لرئاسة الشباب- ط1-الرياض- 1410هـ.
12- معجم البلدان- ياقوت الحموي- ج4- دار صادر بيروت- 1399هـ- 1979م.
13- المعجم الوسيط- مجمع اللغة العربية- دار المعارف- مصر- ط2- ج1- 1392هـ -1972م.
14- مفاتيح الجنان- الشيخ عباس القمّي- مؤسسة الوفاء- بيروت- ط1- 1404هـ.
الهوامش:
(25) عالم الفكر- صفحة 274.
(26) نفس المرجع السابق- صفحة274.
(27) ساحل الذهب الأسود- محمد سعيد المسلم- دار مكتبة الحياة- بيروت- 9/9/1962م.
(28) ثقافة الأسئلة- د/ عبد الله الغذامي- كتاب النادي الأدبي- جدة- ط1- 10/7/1412هـ-صفحة 126.
(29) معجم البلدان- ياقوت الحموي- ج1- دار صادر بيروت- 1399هـ- 1979م- صفحة 378.
(30) ساحل الذهب الأسود- محمد سعيد المسلم- دار مكتبة الحياة- بيروت- 9/9/1962م- صفحة 74.
(31) نفس المرجع السابق- صفحة 64.
(32) نفس المرجع السابق- صفحة 80.
(33) نفس المرجع السابق- صفحة 118.
(34) نفس المرجع السابق- صفحة 121.

 

أديب
370314