الرومــانسية كيف وجهها زين العابدين
محمد آل ابراهيم * - 18 / 10 / 2007م - 4:11 ص - العدد (38)

حكمة في الفصول الأربعة:
إن في الفصول الأربعة حكمةً غير ما نعهده من توافقها مع جسم الإنسان في نظام الطبيعة الذي سنه الله سبحانه إن فيها أيضا لحكمة أخري لتربية النفس الإنسانية على تهذيب القلب وطريق السمو عن ملذات الدنيا.
ففي الصيف الحارق يتذكر هذا الإنسان يوم القيامة وحره عله يؤدبه هذا الشعور.
وفي الخريف تسقط هذه الأوراق علها تجد لغة- هي لغة التأمل من قبله ولغة الدلالة والتشبيه من عندها - لكي تذكره بانحسار النظارة عن شبابه الأخضر.. فيعيد لهزيع العمر عدته.
وفي الشتاء يخضع الإنسان لسلطان السماء في الظلمة والبرد وانهمار ماء السماء وفي هزيم الرعد وخطف البرق للإبصار، فيتذكر هذا الغطريس- ساعة يرى نفسه رعديداً - أن هذه السماء هي (من) سلطان واحد بيده أزمة الكون.. لو شاء لأخذه أخذ عزيز مقتدر.
وفي الربيع تتضح نفسه حين يتذكر - ولعله يفعل - أن ما يراه من البهجة والاخضلال في آيات الطبيعة هو نعيم زائل، إذا شاء أن يخلد في مثله- بل أضعافا تفوق حد القصور البشرى- فليتق الله وليعبده كما أمر.
(الذكر):
تختلج العواطف وتحتدم في تيار حار على القلب.
ويسبح العقل بخياله اللا منقطع في (الذكريات) أو (الأماني) وجهتان متباينتان بين القبل والبعد...
إن كان هذا الشعور الرهيب واقعا ما بين العقل والقلب (قوتي التحكم في الجهاز الإنساني) فماذا يسمى إذن؟
وكيف السبيل إلى راحة الجسم الذي هما فيه؟
الساعة ندت قطرة ندى على صدغي من شجرة ريبة... همست في أذني قائلة:
﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
كتبت هذا قبل عام، وظننت أنها أنني أنا المبتكر لهذه الصورة الرومانسية الموجهة.
وها هنا تذكرت قول الشيخ محمد أمين زين الدين (رحمه الله) >ولي الفخر بأن جزءاً مهما من أذني أنا مدين به للتفكير في أدب القرآن<(1).
أما كاتب السطور هنا فهو أقل من يدعي لنفسه مرتبة الشيخ المبرور والكاتب المحبور (نضر الله وجهه) بالنسبة لما يجده في كتاب سيد الساجدين مولانا زين العابدين A.
الصحيفة السجادية:
ولكن لا أنكر أن ما ظفرت به من معنى كان وليد معان مختمرة من إطلاع سبق في بعض ماخلا من الوقت في صحيفة سيدي ومولاي أبى محمد السجاد E ولنرى ماذا يقول في هذا المقام.
ورد في دعائه (صلوات الله عليه) إذا نظر إلى السحاب والبرق وسمع صوت الرعد هذه العبارة:
>وأخرج وحر صدرونا برزقك<.
ولنقرأ ما سبق هذه العبارة وما تلاها:
>اللهم أذهب محل بلادنا بسقياك.... ولا تشغلنا عنك بغيرك<.
فيتضح لنا أن العبارة التي سقناها شاهدا على مدعانا في معنى الرومانسية لا تخرج عن سياق ما قبلها وما بعدها من الدعاء.
ولكن الذي ذهبنا إليه من المعنى إنما هو إيحاء وجدناه في العبارة إذ إنها تستوحى صورة من صور الطبيعية لتوظيفها في مطلب الدعاء.
وقال A إذا نظر إلى الهلال:
>أيها الخلق المطيع الدائب السريع المتردد في منازل التقدير المتصرف في فلك التدبير. آمنت بمن نور بك الظلم وأوضح بك ألبهم وجعلك آية من آيات ملكه وعلامة من علامات سلطانه وامتهنك بالزيادة والنقصان والطلوع والأفول والإنارة والكسوف في كل ذلك أنت له مطيع والى أرادته سريع. سبحانه ما أعجب ماد بر في أمرك والطف ما صنع في شأنك....<.
يرى الشاعر في القمر معشوقة فيتلهى به ويرفرف في عالم الروح مرسى النفس إلى سراب، حيث كان يغذيها بالمعنى دون منال بعد هذا. ويرى العالم المختص بشؤون السماء والنجوم والفلك جرماً عاتماً فيمعن الفكر في عالم المادة والكيفيات والخواص، وكل من الرجلين له في ذلك وجهه هو موليها.
أما الولي الناصح لله... أما قرة عين سيد الشهداء (صلوات الله عليهما) لأنه بعين الحقيقة يرى ما هي القوة التي بهرته فوجهته نحو هذا القمر، سواء أعجب به في منطقة الروح أو في منطقة العقل. فوجه وجهه (عواطفه وأفكاره.. روحه وعقله) على سواء إلى صانع القمر ومنشئة سبحانه وتعالى.
وهو A في صلاته على الملائكة لا يكتفي بسرد الأسماء دون أن يصف أعمالهم الدالة على عظمة الله سبحانه لكنه بل أن يفضل لنا عجائب الملكوت يقدم لها بكلمة واحدة لعلها هي مدار العلة في ابتدائه بالصلاة على الملائكة، إذ يقول وكل جوارحه في هذه الأحرف:
>سبحانك... ما عبدناك حق عبادتك<.
أسمعت كلمة موجهة يسوغ بعدها أن نشغل جوارحنا بالتفكر في عالم الكون...
>وأسكنتهم بطون أطباق سماواتك والدين على أرجائها إذا نزل الأمر بتمام وعدك.....
وخُزَّان المطر وزواجر السحاب والذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود.. وإذا سبحت به حقيقة السحاب التمعت صواعق البروق…
ومشيعي الثلج والبرد...
والهابطين مع قطرة المطر إذا نزل...<.
هي النفس الشاعرة لكن توجيهها عند معادن العلم وأصول الكرم توجيه مستقيم يقود إلى الفطرة السليمة.
هكذا قال مولانا زين العابدين، وهكذا قال جده مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما):
>اللهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه<.
ودلع لسانه أي: أخرجه، والبلج هو: الضوء.
هل ترى كيف انطق مولانا علي الصباح.. ما الحكمة؟ ما الفائدة؟ ماذا يرجو من هذه الصورة الرومانسية ألا لتوجه إلى بارئ هذا الكون، وكانوا يقولون أيضاً: إن من مختصات علي Aقسمه المعروف: >والذي فلق الحبة وبرأ النسمة< وهو كلام فني موجَّه أيضاً.
وقال:
>وسرح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه< أريت الزبد حين يتلاشى على صفحة الماء؟ هذا مثال للتسريح الذي تراه هنا.
وتسمعه يقول: >وشعشع ضياء الشمس بنور تأججه<.
ولابد من القول إن كثيرا من الناس من يلجأ إلى فهم خاطئ لمعنى هذه العبارة الرائعة، وقد فهموا أن لفظة (شعشع) هي (شع) بمعناها الذي يعرفونه ونعرفه، لكن نقول لهم: لابد من الرجوع إلى معاجم اللغة في ذلك، ونحن هنا نُقوِّم هذا الذوق حين نحاسبهم على الرأي. ليكن ما قالوا، فلنر هل يستقيم المعنى على هذا: >وشع ضياء الشمس بنور تأجج<.
لا نلاحظ أمرين هنا:
1- أن (شع) فعل (لازم) لا متعدٍّ كي يتصل به مفعول هنا.
2- إذا كانت (شع) بمعنى أرسل الضياء فما موقع قوله: >بنور تأججه< من المعنى. هل تكون الباء هنا سببية أي تكون واسطة؟
والمعنى الصحيح كما ورد في المعاجم هو أن (شعشع) فعل متعد ومعناه: مَزَجَ.
فلنر المعنى الجديد هنا:
>ومزج ضياء الشمس بنوره< أرأيت؟ إنه معنى رائع.
هذه هي الرومانسية في أدب الأئمة الهداة.
وبعد فإن هدف عملاقَي المدرسة الإسلامية في العقيدة والأخلاق من توظيف ما نسميه بـ(الرومانسية) أو أي مسمى يوحي بالتغني بالطبيعية الخلابة إنما هو لَهَدَفُ الحقيقة الكبرى من ورائها وهي التذكير بالإله الواحد رب الأرباب (سبحانه).
والحديث عن هذا يجرنا إلى معرفة فن المجاز في مناجاتهم (صلوات الله عليهم).
هذا مثال لذلك، وهو قول مولانا زين العابدين في مناجاة العارفين:
>الهي.. فاجعلنا من الذين ترسخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدرهم<.
ونمعن في طلب معرفة الصلة بين الشجرة والشوق.
وبين الشجرة والشوق ما بين الحركة والسكون، فالشوق حركة والشجرة في مقامها سكون، ويؤيده قوله (ترسخت).
ولكنْ صورةٌ كاشفةٌ عن هذا التعبير حين نتصور أغصان تلك الشجر كأنها أكفٌّ تمد إلى الرغبة من غير ما حركة. أرأيت المرأة في مكانها قد مَدَّت يديها إلى العناق؟
لا معنى نراه في صورة الذهن سوى هذا المعنى، ولا أظنه بعيدا عن فكرك وتصورك أنت أيضا.
صُوَرٌ لمفردات الطبيعة يصورها لك أبو الحسن وحفيده (صلوات الله عليهم) قوامها تحريك المشاعر، ظنَّ العبدُ لله كاتب السطور -وصدق ظنه- أنه التمس منها خيطا من نور حين قال:
الشمس تخشع.. في توهجها البُكَا
وأنا أتوقُ لفجرِ آمالي!
صور أرسلها العَلِيَّان قوامها قول سيد الساجدين وزين العابدين آبائه:
>سبحانك.. ما عبدناك حَقَّ عبادتِك<.
الهوامش:
(1) إلى الطليعة المؤمنة الرسالة 30.

 

شاعر
370314