إشكالية التجديد في الشعر العربي
محمد الحاضري * - 18 / 10 / 2007م - 4:12 ص - العدد (38)

بين الأمل والخيبة والخوف والقلق والتطلع إلى المستقبل بتوجس والنظر من نافذة الحاضر الكئيب إلى هاوية ما مضى من العمر يتأرجح الإنسان، وتسافر روحه وتعود محملة بغصص وأحلام أكلتها النيران، وأصبحت رماداً تذروه الرياح، وتترقب عاشقاً يجمعها ويحيلها كأساً يشرب بها خمر وجده المعصور من داليةٍ ذبلت منذ قرون. وربما تعود تلك الروح بسعادة خطفتها خلسة من شفاهٍ نطقت دون موعد ثم تحجرت إلى الأبد، وعادت أغنيةً في قلوبٍ أرق من الماء تصطدم بها وتتطاير كأسراب الحمام المحلق دون جهةٍ تحد من طيرانه، لكنه لا يستطيع إلا الغناء، ومغازلة الغيب عسى يفتح له طرقاً لم يعهدها من قبل، وقد يلجها ويقامر يما تبقى لديه من الخفقان المبثوت في أوردته
وعندئذٍ ستتساءل الأوراق وتبحث عنه في كل منعطف وبين الأشجار وتحت رمال الشواطئ، وفي أقبية السجون المخبئة في عروق الأرض العجوز. ترى هل سينتهي عند تلك النقطة؟ هل يدرك من حوله وما حوله ما يجول في داخله؟ هل يعاني؟ وما هي معاناته. أم انه يدعي ذلك؟ ولماذا؟
وحدها الكتابة تستطيع أن تدلنا عليه وتمنحنا أشرعةً تعيننا على الإبحار بحثاً عن كنز رسمته لا خريطة قديمة وجعلته في حنايانا أحجيةً مرةً ولذيذة.
من هو الشاعر؟ وما هو الشعر؟ سؤالان قديمان تصعب الإجابة عنهما وفي نظري تستحيل حتى على الشاعر نفسه، لا لصعوبة المسؤول عنه، بل لوضوحه إلى حد الاختفاء، ويقيناً أن كل إنسان ذي روحٍ شفافة يملك الجواب في أعماقه، ولكنه يتلعثم حين يحاول إيصاله إلى المقابل له، ولا يسعه إلا التحليق والارتفاع بعيداً عن الخوض في سرٍّ لن تبوح به الكلمات لأنها تعجز عنه كما عجز البرهان عن التمتع بالحقيقة التي ذاقها الشهود وشتان بين من ذاق حلاوة شيء وبين من سمع عنه ووصف له.
ويبقى السؤال عند الشاعر من أنا؟ ويحاول الشعر الجواب، ويحاول الشاعر أن يقترب من ذاته أكثر فاكثر كي يدنو، ويلمس حقيقة كل شيء. ولا تهم النتيجة بقدر ما تهم المحاولة، فالكتابة هي الجانب الآخر من الإنسان وتصعد، وتهبط تبعاً لصعوده وهبوطه.
وكما أنه كائن ممكن فيه أيضاً كائن ممكن مثله تنطبق عليها قوانين الإمكان، وهنا يكمن سر الإنسان، ويلوح تفرده عن غيره من الكائنات الممكنة الوجود. إنه في حركة دائمة منسجمة مع تكوينه، وفي تدرجٍ وجوديٍّ دائمٍ يحاول أن يتشبه بالكمال المطلق، وهيهات منه ذلك. لكن كماله التام في عين حركته التصاعدية المتناسقة المنتظمة التي تحصل على كمالٍ فوق كمال، فهو اليوم عينه بالأمس وزيادة، وغداً هو عينة اليوم والأمس وزيادة، ولكنه هو هو، ولا شيء غيره، وما تلك الزيادة إلا تجرد ذاته وانكشافها أمام عينيه بعد تغربٍ فرضه هو على نفسه. إنه يتطور، ويزداد ضياءً، ولا يتلاشى بل يذوب في الأبدية والسرمدية، وهو في نفس الوقت ممكن ومحدود وكذلك الكتابة والشعر لأنهما صادرتان عن ممكنٍ. وكما يخضع هو لقوانين من صميمه فإنها تخضع لقوانين نابعة من صميمها. والإنسان ممكن. واللغة فعله وهي ممكنة أيضاً. وهنا لا نستطيع أن نطلق العنان ونحلق في ما لا نهاية له لأن ما نحلق به، وما يحلق محدودان ومهما توهم، وأوغل في التجريب فإنه سيعود إلى حقيقته.
ليست اللغة لعبةً أو تسليةً أو حقل تجاربٍ لنفعل بها ما نشاء وكيفما خطر لنا، بل هي كائنٌ حيٌّ له نظامه الخاصّ الذي لو تجاوزناه فإننا نقتل اللغة، ونشوِّه خلقتها، ونكون أسأنا من حيث نريد أن نحسن. وعندها نفقد المعيار والمقياس الذي نميِّز به الصواب من الخطأ والصحيح من السقيم، ولسنا على استعدادٍ للتضحية بها في سبيل لذة ونشوةٍ متوهمةٍ أو دهشةٍ مفتعلة آنيةٍ لا معنى لها. نعم لابدَّ من تطوير وتجديد وتحديث. ولكن بشرطها وشروطها، والحفاظ على حياة اللغة وجمالها من أهم الشروط.
وليس التجديد بخرق القوانين وكسرها أو إدخال ما ليس منها فيها، بل إن التجديد ينبع من الذات، وينعكس على اللغة التي تجسده، ولا ينعكس عليها إلا إذا كانت هي سليمةً ومصقولةً وشفافةً تصلح لأن يعكس عليها ذلك الجديد. بالطبع لا اقصد بالقوانين ما دونه بعض الأقدمين مما لا يمكن الالتزام به، وإنما أريد واقصد من كلمة قوانين هو طبيعة اللغة نفسها التي لا تسمى اللغة لغة إلا بها، وبالأخص اللغة العربية. وعليه فاللغة متجددة بتجدد الإنسان وتعبيره عن واقعه وحاضره وعكسه لمعاناته وما يدور في وجدانه. وكما أن إنسان اليوم له خصوصياته فكذلك لغة اليوم، لكن إنسان اليوم يشارك من سبقه في ثوابت لا يمكن أن يكون إنسانا إلا بها، وكذلك اللغة تشارك من سبقها في ثوابت لا يمكن أن تكون لغة إلا بها وإلا فإنها ميتةٌ لا حياة لها إلا في نفوس الأموات الشبيهين بالأحياء.
وأرى أنه لابد من إعادة النظر في مفهوم الجديد والقديم بموضوعيةٍ ودقةٍ وواقعية. أما بالنسبة لي فإني لا أرى لهذين المفهومين مكاناً عندي لأسباب سأوردها لاحقاً.
اسمعني صديقٌ(1) شاعر نصاً يقول فيه: ذلك الحبل السري الذي يربط ماضي الأرض الإبداعي بحاضرها كان يشبهك فهل أنت
أنفاس نرجسةٍ
تفتق سحرها طرباً
وهاج البحر في أضلاعها
وعلا وماج، ثم انتبهت
كأنك اليمن الذي لا ينتهي
قلق ومرتاح، ومنتفض
كدوري تخلص من سياج
كان الخطاب موجهاً إليَّ، واشكره على نصه الرقيق الودود الذي يحمل في طياته بعض التشابه بيننا، وما استشهد به من هذا النص الجميل والمعاصر هو عدم الانتهاء، ومحاولة النفاذ، والخلاص التي تشبه محاولة الدوريِّ الذي تخلص من السياج، فهذه سمةٌ لا تخصني وحدي، بل هي سمةٌ إنسانيةٌ تخبئ في باطنها مقولة حبِّ البحث، والاستطلاع ومقولة الجمال، ومقولة العشق، وحبِّ الخير، ومقولة الميل إلى الإبداع، وبمعنى أدق محاولة الجواب عن السؤال الذي ذكرته آنفاً. لكن هل هناك إبداع حقاً؟ وكيف نصل إليه ونقبس من ناره، ونحن في هذا الزمن العاتي وعلى أعتاب أول عقدٍ من القرن الجديد الذي ينبئ عن عهد ومستقبل قد يحال فيه الإبداع ومنه الشعر إلى التقاعد ما لم تحدث معجزة هل وصلنا إلى بداية النهاية ونحن أول المصطلين؟ أم نردد البيت القائل:
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفساً إذا حكم القضاء
ولا نحرك ساكناً خشية الدخول في ما لا تحمد عقباه. هنا تقف أمامي بداية القرن العشرين وبداية ما يسمَّى بعصر النهضة العربية الذي شهد تغيراتٍ كثيرةٍ لا زلنا إلى الآن نرزح تحت جدرانها، وننعق، ونسبِّح بحمدها وباسمها بسببٍ وبلا سبب. وأهمُّ نتائجها هو واقعنا المرُّ الذي نعيشه بكلّ أبعاده. بالطبع لا أنكر أنه كانت هناك إضاءات لكنها تلاشت وانمحت لأنها لم تكن تحمل مقومات البقاء ولم تقم على أساسٍ متين، ولا أستطيع القول أني متفائل كما لا أقدر على إخفاء تشاؤمي الذي تسري في ثناياه رائحة الأمل المتربص بالعثرات القديمة الجديدة المتكلسة تكلس الطحالب على جدران المعابد المهجورة. وأعتقد أنه حان وقت المحاسبة ومراجعة الدفاتر قاطبة، وإعادة النظر في كل ما مضى حتى يومنا هذا لكي نقدر على نسج أجنحةٍ نحاول بها الرفرفة والخلاص من السياج الذي تخلص منه الدوري. وأنا على ثقةٍ أني أنتمي لجيلٍ له خصوصياتٌ تختلف عن خصوصيات السابق كثيراً وهذه طبيعة الحياة، ومن العار أن نقف مكتوفِّي الأيدي في انتظار المساعدة من الذين فشلوا إلى أقصى حدود الفشل في بناء مشروعهم الحضاريّ النهضويّ المزعوم والذي لم يبنوا منه سوى المصطلح.
من هنا آثرت أن أكتب هذه المقدمة كنوع بيانٍ، ومنطلقاً ومفتاحاً من خلاله ينظر إلى ما كتبت (ليس فقط الشعر وليس فقط الديوان)، وعلى أساسه أنقد وأقيَّم لا كليّاً، وإنما في بعض الجوانب والزوايا التي لا يستطيع الناقد والباحث أن يصل إليها مهما بلغ من المقدرة والبراعة النقدية والغوص عميقاً في خفايا النصِّ وأظنُّ الشاعر أعرف بنفسه لا أقلَّ في ما يخصُّ روح نصه ومدار التقاط بعض الرموز التي توصله بالمتلقي. ولا يخفى أنَّ مدارس النقد قد تعددت، وتقاطعت في جهاتٍ واختلفت في أخرى، وكلٌّ يحسب انه ملك التفسير والتحليل دون غيره حتى لو كان ذلك الغير صاحب النص نفسه والحال أن هذه المدارس(2) مهما حاولت التغلغل فإنها لا تستطيع إدراك كل ما تريد، ولن تستطيع فالنص مفتوحٌ لاحتمالاتٍ عدةٍ بسبب اختلاف، وتعدد الرؤى والثقافات واختلاف طرق التقاط الشفرات الإبداعية الخفية والشبيهة بالطلسم الذي لا يفكُّ رموزه إلا صاحبه. لكنه يضلُّ برَّاقاً وأخَّاذاً وله وقعٌ في نفس المتلقي وإن لم يستوعبه تماماً وهذا هو المهم.
وفي هذا المنحني تقع المدارس في الانتقائية وتحميل النص ما لا يطيقه. وتذكرني هذه الاختلافات في تحليل النص بحال أولئك العمي الذين وقعوا على فيلٍ ولمس كلُّ واحدٍ منهم جانباً منه، وعلى أساسه شكَّل تصوره عن الفيل، وعرَّفه، وزعم لنفسه السبق في ذلك مع انه لم يدر أنه فيل إلا حين قيل له.
وكله باسم الشعر ونظرية الشعر والأدب ونظرية الأدب وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى زعم الانفراد والتزعم، والتوحد في تأسيس أدب جديد أو اكتشاف ما لم يلتفت إليه النائمون الذين ينسبون إلى الثقافة، وليسوا منها حسب زعمهم، والثقافة والأدب لا يمتان بصلةٍ من الأساس لكل ما يتخرَّص به!!!. والمتزمت والمجدد المنفتح والمنغلق، الكلاسيكيّ والحديث على حدٍّ سواء. وكلٌّ يسوق أدلته وبراهينه ليثبت خطأ الآخر، ويصادره لتخلو له ساحة الريادة وترويض الفيل على هواه، ولا يدري انه لم يصب الواقع. وعدم عمله به بالتمام لا يخلُّ بواقعيته وبماهيته الإبداعية التكوينية المركبة من ذات الشاعر وتجلياتها في النصِّ الذي يشكل الجسد لتلك الروح. فالناقد والنقد شيء؛ والإبداع والمبدع شيء آخر ولابدَّ من الفصل.
ومن الإجحاف ليُّ عنق النصِّ لصالح الناقد، ولأجل إبراز قدراته وعضلاته النقدية على حساب النص ومبدعه. هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى لا أحب أن يقدمني أحدٌ تقديم الأستاذ للتلميذ كما هو الدارج أو تقديم الزميل لزميله بطريقةٍ مغلفةٍ بالمجاملة والنفاق والمتأنق والمتقنع بقناع الإبداع والريادة لحساباتٍ عدةٍ لا تخفى على المتأمل وأبرزها حبُّ الانتماء والالتصاق بمدرسةٍ إبداعيةٍ وثقافيةٍ هي الأوعى والأبرز والأنضج في نظره الشريف وخوفاً من أن يطرد من جنة الإطراء والنفخ التجديدي بالدرجة الأولى ومن الالتزامي. والصحف والمجلات الدورية والشهرية، وغيرها من الإصدارات علاوةً على الدواوين والمجموعات، كلُّ هذا يغصُّ ويطفح وينضح بالغثِّ الذي لا يفيد شيءً عدا خسارة الأوراق والإمكانات على حساب الثقافة والأدب والشعر، وعلى حساب المبدع الحقيقيِّ الذي فضَّل أن يحترق كالشمعة في الخفاء على أن يشعَّ في قصورٍ وممراتٍ مبنيةٍ من خيوط العنكبوت الواهية وإن عبدت له الطرقات السياسة وموجة الانقلاب الفكريّ والإبداعيّ والحمم التي أتت بها براكين الثورات الآنية الشبيهة يزوبعة المراوح الكهربائية التي تبعثر الكائنات الصغيرة.
ولا أرحم إلا المتلقي، والقارئ الناطق بالعربية الذي داهمته عواصف التغيير من دون استئذانٍ أو سابق إنذار، ودخلت عليه من كلِّ جانب مما أصابه بالذهول والرعب والحيرة. فلجأ إلى التخلف المرحلي هرباً من التنعُّم بفراديس وجنات الخلد القادمة من مصباح علاء الدين النورماندي أو علي بابا التغلبي، ورأفةً بوعيه ووجدانه وعقله الذي شتته صراخ حرَّاس بوابات الأقاليم السبعة وعويل مومسات الأرض السفلية. بل إنَّه وصل إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ حمل كوكب الأرض على ظهره أهون عليه من سماع بيتٍ واحدٍ من العصر الطباشيريِّ، أو مقطعٍ شعريِّ جديد لا يدري من أين جاء به فاطره، ولا يدري كيف يصعد إلى عمارة النص النيويوركية ذات الأبراج العالية، ولا كيف يقرع الجرس لعلَّ وعسى مبدعه يتفضل عليه وينزل إليه وإن كان هذا ممَّا يمسُّ من كرامته اللامحدودة. وهنا يبرز سؤالٌ مهم جداً: لمن نكتب؟! ولماذا نكتب من الأساس؟!
ولندع جانباً أنبياء الشعر، ورهبانه وبطارقته ورجال أمنه التنظيريِّ، ومريديه الذين لا يتعدون عدد أيام الخريف، فلندعهم خشية أن نصاب بغضب الآلهة ونقمة متصوفة بوابة عشتار وتكايا وحلقات ذكر مطاعم بوردو ولندن، فما لله لله وما لقيصر لقيصر وقديماً قيل:
فقل لمن يدعي في الشعر فلسفة
حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
وأعتذر من قائل البيت الحسن بن هانئ لهذا التصحيف واقسم بالشعر أنَّه لو كان معنا في هذا العصر لغير بيته وكتبه على النحو الذي كتبته به بل ولزاد:
كما التكلسك تدعوني حداثتهم
وما بها وبه كالخمر إغراء
قطعت إرباً إذا دبجت قافيةً
منها يفر كما الرعديد إصغاء
أو قلت نصّاً به أختال أوله
عيٌّ وآخره في الروح أدواء
ورحمة الله على الشاعر عبد الله البردوني الذي رحل ونُسي لأنَّه لا يملك من يطبل له ويزمر ولأنَّه آثر العزلة على الحياة مع الأشباح وكفا بقوله دليلاً على ذلك:
أما زلت؟ شابت عيال العيال
وأنت تلاحق وعد المطال
فلا أمكن الممكن المشتهى
إليك، ولا المستحيل استحال
فقد كان يحاول تحقيق معادلة السهل الممتنع التي لا يشوبها شيءٌ يمسّ بذاته ووجدانه وروح المتلقي.
ليس ما قلته وما سأقوله تجنياً أو غروراً، بل هو رأيي الذي أؤمن به والذي قد يشاركني بعض فيه ويخالفني بعض، وربما أبقى وحيداً، لكنَّ هذا لا يمنع من إبدائه والتعبير عن تقييمي الشخصي للتجارب النهضوية كما يسمونها والشعرية التي نشأت على سماعها وقراءتها بالإكراه والاختيار والأول أكثر. وكم غصت فيها علَّني أخرج بنتيجةٍ، ولمن هم من جيلي ممن يخوض في هذا المضمار الخاسر، وعسى أن يسعفني التجديد ومدرسة الحداثة وما بعد الحداثة أو يعيدني إلى كنفه وأحضانه الكلاسيك والحفاظ على كنوز الأجداد. ولكن لا هذا ولا ذاك. وإنما وقعت على مفترق طرقٍ ومتيهٍ فكريٍّ وثقافي وإبداعي لا أول له ولا آخر. وإذا كان لابد من تشبيه فهو لا يعدو عن كونه صرخة وصرعة موضةٍ تناسب العصر من جهة الشكل الخارجيِّ والظاهري، لا من حيث المحتوى، وومصطلحات لا تفيد إلا التجديد تجديد ماذا؟ لا أدري، ولا تفيد إلا الحفاظ... الحفاظ على ماذا؟ لا أدري أيضاً. وكم جحظت عيوننا وفتِّحت آذاننا لبيانات، وشعاراتٍ وانقلاباتٍ إبداعيةٍ سرعان ما تنتهي بانتهاء مدة صلاحيتها كالبيانات السياسية وخطب الثورات الفارغة. والمجدد والحداثيُّ وما بعد الحداثي والكلاسيكيُّ والمحافظ وما تحت المحافظ متساويان من حيث الدخول في معركةٍ الخاسر الوحيد فيها هو المثقف والشاعر والثقافة والأدب والشعر لا غير - كما أنَّ الرابح من كلِّ هذا يعرف نفسه - وأيضا يشتركان في خلق هذا الجسد المشوَّه المنغولي الذي نتحمل نحن تبعات تجميله وإصلاحه، وربما قتله والبدء من حيث انطلقوا، أو من حيث توقفت العجلة فقد نتدارك ما لم يتداركوا. وموقعنا ورتبتنا الزمنية كجيلٍ تمنحنا هذا الحقَّ بشرط أن نمتلك القدرة على ذلك. ولن تخيفني كلمة (من أنت؟ من تكون، أنت عارف بتعمل إيه!! شنو اتَّا حتى تحكم على غيرك وتقيمهم؟).
فأنا أعرف تماماً من أنا بالإضافة إليهم. وما هذا الجسد المشوَّه الذي ورثناه إلا نتيجة أخطاء قاتلةٍ يشتركان في معظمها وينفرد أحدهما عن الآخر بالقليل وسأذكرها تباعاً وعلى التوالي:
أولاً: لم يع كلٌّ منهما دوره في عصره هو مع ملاحظة الماضي والحاضر والمستقبل على وجه التساوي من حيث الموقف والرؤية بمعنى انه يعطي كلاًّ من هذه الأزمنة الثلاثة حقَّه في التعامل لكي يستطيع هو التواصل والتحديث أو المحافظة على أساسٍ متين، وفي نفس الوقت لا يخرج عن عجلة وحركة الإبداع المتواصلة، والمتعاقبة بوتيرةٍ تصاعديةٍ ومنسجمةٍ مع الروح الإنسانية وتكاملها الذي يساهم الأدب والإبداع فيه مساهمة لا يستهان بها. فالمحافظ متحجر إلى أقاصي حدود التحجر فيصل به الأمر إلى القطيعة مع كل ما هو جديد بل مع عصره وذاته، والمجدد منبترٌ تماماً عن ماضيه ومنطلقٌ مع الوفد الجديد ومع نفسه ولكن بلا أساس سابق وبلا ماضٍ، أي انهما وصلا إلى حد التطرف والإرهاب التراثي والتجديدي وهو على كل حال تطرفٌ وإرهابٌ لا يمنح الثقافة ومنها الشعر إلا التشويه التقدمي والرجعي على حد تعبيرهم.
ثانياً: لا يستندان إلى أساس فكري وإطار معرفي أو رؤية كونية حقيقية تكون البوصلة والموجه لسيرهما والذي يشكل الإبداع أحد تجلياته، وإذا كان المجدد يدعي ذلك فهو مستورد وأجنبيٌّ عنه وإن حاول الالتصاق به بكلِّ ما أوتي من قوة وتبرَّأ من واقعه وجذوره فهو على كلِّ حال لصيق ودعي. نعم توجد شطحات وتهويمات صوفية أو انفعالات قومية وعرقية لكنها مبتورة عن واقعها ومرجعها المعرفي الحقيقي أو بالأصح لا تملكه، وبكلمة أخرى أن المجدد صدى لغيره من معاصريه في الضفة الأخرى والمحافظ صدىً لغيره من السابقين أمَّا ذاته فهو غريبٌ عنها وبعيدٌ كلَّ البعد. ولو دققنا في الصراع والتطرف الجاري بينهما لوجدنا أن كلاًّ منهما يعبد أصناماً. فالمجدد صنمه بودلير رامبو سارتر، تي أس اليوت، الوجودية، الشيوعية، البراجماتية، على سبيل المثال.
والمحافظ صنمه الشنفرى، الفرزدق، ابن المعتز، المتنبي، الصحابي، التابعي، على سبيل المثال مع تجاهل شبه معتمد بل متعمد لكل شيء من الماضي ذي جنبةٍ عقلانية وأقصد هنا بالحقيقي ذلك المرجع المعرفي الذي ينسجم مع ذات وفطرة الإنسان، أي مع حقيقته بما هي هي أي مع وجوده الإمكاني(3) التعلقي الرابطي المفتقر إلى واجب الوجود أو الحقيقة المطلقة التي يفرُّ منها المتحذلقون ولا أقصدها بما هي في بعض التصورات فالواقع شيء وتصورنا عنه شيء آخر. نعم لو طابق تصورنا ذلك الواقع فهذا يعني أنه وصل إليه وبالتالي أدرك حقيقته. ولو سلمنا جدلاً أنه يملك ذلك الإطار وتلك الرؤية إلا أنه ينظر إليها على أنها ناقصة ولا تفي بالغرض وعاجزة عن الإحاطة الكلية ولا تفيد سوى الراحة النفسية لا غير. والحال أنه عاجز عن فهمها إمّا لجهله بها، وإمَّا لأنه يملك أدوات مستوردة لم يصنعها بيده وهي تعجز عن سبر غور تلك الرؤية وذلك الإطار بشكل واضح وفاضح. والمثال حي، فمثقفوا القرن العشرين والواحد والعشرين، العرب والإسلاميون الحداثي منهم والمجدد، المنفتح على الواقع كما يتوهم والمنِّور يحمل أدوات معرفية غربية وغيرها تنطبق تمام الانطباق على الفكر والأدب والفلسفة الغربية إذا قلنا بقدرتها على ذلك. لكنها لا تصلح أبداً لتحليل وتفكيك وتفسير وتأويل الأدب والفكر والفلسفة الشرقية الإنسانية الحقيقية. فالبون شاسع بين المدرستين(4) وأدواتهما كما أن المجدد والمحدث العربي والإسلامي لا يستطيع الغوص إلى أعماق الفكر والتراث الشرقي الإنساني لأنه لا يملك الأدوات. وأقصى ما يستطيعه هو الدوران حوله بغرور منقطع النظير يزخرفه برجم الآخرين بالتحجر ويؤيده بالتخمين الذوقي الفجِّ الذي يخطئ عادةً، وعادةً ما يرفض النقاش بحجة انه بروفسور، أو دكتور مختص أو شيخ الإسلام. فهذه الكلمات الثلاث جواز السفر للخوض في كل شيء فيما يعنيه وما لا يعنيه وينسى أن غيره مختصون أيضاً. ولا يفوتنا من يقف وراء ذلك، وإن كان لا يدري فتلك مصيبة أو كان يدري فالمصيبة أعظم.
ثالثاً: الخلط بين مفهومي الثابت(5) والمتحول والساكن والمتحرك فالسكون عدم وانتهاء وجودٍ بينما الحركة استمرار وتدفقٌ وتطورٌ متواصل وتدرجٌ رتبي، ووجودٌ ممكنٌ سيَّال وانتقالٌ من كمال إلى كمال. وما يحدث من تغير في الظاهر ليس إلا نتاج تلك الحركة الجوهرية التي هي ثابتةٌ لا تغير فيها وما نراه ليس تغير بل تحرر وانفكاك من شوائب وخروج من قوة إلى فعل وهذا الخروج هو عين الحركة الجوهرية(6) وهو ما يسمى بالإمكان الوجودي. أما التحول فهو الانتقال من الحركة إلى السكون، وهذا يعني الانعدام أو الانتقال من السكون إلى الحركة وهذا يعني الانبعاث والحياة من جديد. ولكن لا وجود للساكن لأنه عدمٌ، وإنما الوجود للمتحرك. إذاً فالثبات والتحول أعم من السكون والحركة. ولكن هل يوجد هناك ثابت وفي إزائه وقباله متحول أي أن الثابت يصبح متحولاً والمتحول يصبح ثابتاً؟
بالطبع لا. فلا وجود إلا للثابت وما نراه من تغير وتحرك هو ثبات على التغير والتحرك، أي ثباته عين تحرُّكه وتغيره وجوهر وصميم وجوده ومن أنكر فإننا نسأله: نفس مقولتك هذه ثابتة أم متحولة؟ فإن قال بثباتها وعدم تحولها فقد أقرّ بوجود الثابت وإن قال بتحولها فإننا لن نصل إلى شيء، وهذا ما نرفضه ويرفضه هو أيضاً. وما أدَّى به إلى هذا القول إلا هروبه من المطلق والثابت الذي حسبه سكوناً وجموداً وأرجع كلَّ تبعات التخلف إليه. كما أنه حاول أن يخرج هذا القانون من نطاقه المادي الخارجي ليشمل الفكر وجعل كل شيء متحرك ومتطور، ويقصد بالتطور والمتطور ما يحمل في داخله نقيضه وغيره، أي أن كل شيء قائم على أساس التناقض حتى الفكر وبالتالي آمن باجتماع النقيضين والصحيح والخطأ ونسبية الحقيقة وقبولها للتحول من شكل إلى شكل آخر. وهذا ما يرفضه الوجدان وواقع الذات الإنسانية.
فالتطور لا يعني إطلاقاً التناقض من الأساس. بل هو قائم على مبدأ عدم التناقض. وأمَّا اجتماع الصحيح والخطأ فلا أساس له.
وما يسمى بالتطور الفكري ليس إلا زيادة المعلومات ومطابقتها للواقع وقلة وتضاءل نسبة الأخطاء فيها أي أنه صعود كميّ لا يكفي. والحقيقة والواقع شيء، وعلمنا وعدم علمنا به وبها شيءٌ وأمرٌ آخر لا يؤثُّر فيه ألبته. وبالتالي فلا نسبية في الحقيقة. نعم يوجد فهمٌ نسبي للحقيقة والواقع لكن لا يعني ذلك أن نجعل الفهم مكان الحقيقة، ثم نضفي عليها النسبية. وهذا الخلط بين هذه المفاهيم نتيجة طبيعية للانجراف وراء الجديد بوعي وبلا وعي، فما دام جديداً فهو الصحيح ولا نقاش فيه وكيف يناقشه وبصره مأخوذٌ به وقلبه غارق فيه حتى القرارة. ولماذا يتعب نفسه؟ فكل شيء جاهز ومصنَّع مثله مثل الأدوات المنزلية المستوردة. فما عليه إلا أن يطبقه على كل ما هو أمامه قبله أم لم يقبله، استوعبه ذلك المطبق عليه أم لم يستوعبه فعلمه هو العلم. أما غيره فلا علم لهم، وليسوا إلا بقايا الماضي، وحصيَّات عثرة لابد أن تزال. كما أنه نقيضه الذي خرج منه، وثار عليه فهو الوجود وما سلف عدم وما عليه إلا الهدم والبناء من جديد وإلى متى؟ لا ندري.
أمّا أنا وأمثالي ومن هم على شاكلتي فنؤمن بالثابت والمطلق والحقيقة المطلقة والتطور الذي لا يناقض ذاته ولا يحمل في طيه نهايته، بل استعداده للولوج إلى درجة وجودية أرقى من السابقة. ولنا منطقنا الذي يفرضه تكويننا.
رابعاً: لو سلَّم بالثابت فإنه يقع في مأزقٍ آخر، وهو جعل اتفاق الناس على شيء مقياس ثباته، واختلافهم فيه مقياس تغييره، وتحوله فما اتفقوا عليه هو الثابت. وما اختلفوا فيه هو المتغير والمتحول. ونسي أن اختلاف الناس وعدمه لا يضفي على الواقع أو الحقيقة أو الثابت أو المتغير صفة الواقعية والثبات والحقيقة والتغير. فالثابت ثابت علمنا به أم لم نعلم. والمتغير متغير. والحقيقة حقيقة، ولا شأن للاتفاق وعدمه في ذلك من الأساس. وهذا يذكرنا بفخ الإجماع الذي ينعقد بواحد أو اثنين أو أكثر. ويذكرنا بمقولة ما حسنه الشرع فهو الحسن وما قبحه الشرع فهو القبيح، ويقصد بالشرع ما فهمه هو من التشريع - مع أن الحسن والقبح حقيقيان وثابتان ولهما واقعيةٌ، ويدركهما كلُّ إنسان خلِّي وطبعه وفطرته.
خامساً: عقدة النقص والدونية والانبهار إزاء القادم الجديد ومحاولة تقليده في كل حركاته وأفعاله وكذلك عقدة النقص والدونية والانبهار إزاء القديم. ومحاولة تقليده في كل حركاته وأفعاله وكله تقليد بوجه أو بآخر وهذا يعود للسبب الأول الذي ذكرته وعليه فإنه يصبح كالغراب الذي حاول تقليد الطاووس فنسي خطوته، ولم يصبح طاووساً وبقي محله لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ولن يكون منهم.
وليته بقي على غرابيته لكان افضل له ولنا من أن يصبح شوكةً في حرير غيره، ولكان أقرب إلى غرابيته وواقع حاله. وهذا بحدِّ ذاته تفرد وتميز عن الغير.
سادساً: التعامل مع التاريخ والتراث وما دوَّنه السابقون بروح انتقائية تتناسب مع اسقاطاته وتخرصاته هو، أي انه يجعل كل شيء يدور في فلكه ويسبح في ما اختاره له من المياه وبالتالي فإنه يلغي ويخفي ما يضر به ويوقعه في شرك المساءلة. ونسي أنه مسؤول أمام الأجيال القادمة، وأن ما بين يديه من نتاج السابقين أمانة في عنقه لا يجوز له حذفه أو إخفاؤه، حتى لو كان لا ينسجم مع آراءه ومعه هو. بل وصل به الأمر إلى أن يجعل جزءاً لا يذكر من النتاج القديم والتاريخ هو التاريخ وهو الموروث الحضاري وما عداه كذب وافتراء وبالطبع فالصلاحيات من عند نفسه فهو مسبع الكارات.
سابعاً: الابتعاد عن الشارع والناس والانغلاق على عالم النخبة بشكل يثير الشفقة والرثاء والتقزز وبحجج واهية من قبيل أنهم متخلفون، خارج عجلة التاريخ، لا يستحقون المساعدة، وكأنه لم يكن يوماً ما منهم. فالمجدد ينعتهم بالمتخلفين والحثالة وأعداء الحضارة والانفتاح على الواقع والكلاسيكي ينعتهم بالجهلة والفسقة، ومن نسوا الله فأنساهم أنفسهم إلى غير ذلك من القوالب الجاهزة والمسميات المخزَّنة في بنك الاحتقار العلمي. وأنا عندي سؤالٌ واحدٌ فقط أوجهه بهذا الخصوص إليهم: هؤلاء الجهلة والحثالة والفسقة والعوام مسؤولية من؟ وضحايا من؟ ألستم طيلة عقود تنعقون وتدَّعون وصلاً بهم، تزعمون أنكم المخلِّصون والمنقذون لهم؟ بل إن شرعيتكم وأساس قبولكم في هذه الساحة لم يكن إلا من هذا المنطق. فانتم النخبة نعم، ولكن لا لتخاطبوا النخبة وتتبادلوا الآراء بين بعضكم البعض، بل لتعطوهم ما عندكم.
لا أقل، بعضه ليتمكنوا من فهم خطبكم وقصائدكم وتنظيراتكم الحنانة الطنانة. إن هذه القطيعة وهذا الانفصال دليل خواءكم وعدم جدوى ما تحملونه من طروحات وأفكار، وإن ألقيت باللوم على السياسي فإن الملوم الوحيد هو أنت. لأنك الذي باركته وأيدته وسددته وأعطيته الصبغة التجديدية أو صبغة الحفاظ على المتبقي. بل أقول: إن السياسي ذاته هو أهم ضحاياك وأبرزهم والذي تفوح منه كل معاني خوائك وعقمك المقرف. أنت وحدك، ومن حولك من علية القوم الذين لا يتقنون إلا التشدق والتفيهق بالمصطلحات والكلمات العربية القديمة أو اللاتينية والروسية والإنجليزية المعربة وغير المعربة.
إن هذه الأخطاء وغيرها أدت إلى ما نحن فيه اليوم من تيهٍ وشتاتٍ لا قبل لنا به، والذي ينعكس على السياسة والفن والأدب والاقتصاد والصراع مع الآخرين بدون سلاح من صنع أيدينا.
قد يقول قائل: إنك تهذي. وما علاقة كل هذا بالشعر والأدب؟ فالشعر شعر على كل حال سواء فشلنا أم نجحنا وسواء تخلفنا أو تقدمنا.
وهنا أقول له أن للشعر والأدب كل العلاقة، لأن الشعر والأدب إبداع، والإبداع سمةٌ إنسانية أساسية تشكِّل أهم محورٍ فيه. وهي دليل تكامله وهروبه من النقص وبحثه عن ذاته في خضم الاغتراب. فالإنسان كائن ذو بعد روحي علوي وبه يتصف بالإنسانية. وأما بعده السفلي، وهو الحيوانية أي الكائن الحي المتحرك ذو الحواس والأطراف فهي الجنبة البشرية فيه وأحد المساعدات على التكامل والاتصال بما حوله من الكائنات(7). وهذا التكامل يتجسد في عدة جوانب تتجلى في النطاق الاجتماعي من سياسةٍ، وتطورٍ اقتصادي وقدرةٍ على تسخير ما حوله لخدمته وبالتالي تهيئة الأرضية للتجلي، والتجسد الروحي والإنساني الذي هو مقياس الحضارة. وهذا لا يتم إلا على أساس رؤية وإطار معرفي كما ذكرت سابقاً. وهنا يأتي دور الشعر والأدب، فهو المرآة الصادقة والعاكسة لما يدور في الإنسان من خلجات وتساؤلات وطموح وآمال وأحلام. وهو لغة التواصل والجسر الرابط بين الروح والروح الأخرى. إنه خطاب القلب للقلب والوجدان للوجدان. وإذا كان ذلك الخطاب نابعاً من ذات واعية ومطلة على الحقيقة ومستندة إلى إطار معرفي يوجِّه سيرها فإن خطابها سيؤثر في الأخر ويحاول أن يرفعه إليه ليستمتع بما يستمتع به هو من لذةٍ لم تحصل إلا بعد بحث طويل. ولا ننسى أن لغة العلم جافة لا تؤثر ذلك التأثير بقدر ما يؤثر الشعر والأدب ونحن ما زلنا في معرض الجواب - نقول إن هذا التأثير لا يتم إلا بلغةٍ. والشاعر والأديب لا يقدر أن يؤثر ويجعل المتلقي يتفاعل معه إلا إذا كان يمتلك أدوات ذلك التأثير واهم أداة لديه هي اللغة والخيال الخصب والقدرة على لمس وإيصال ما عجز أن يصل المتلقي إليه منفرداً. وفي المقابل لابد أن يكون المتلقي مهيأ لذلك التأثر والانفعال.
والآن نسأل كيف نهيئ ونؤثر في المتلقي الناطق باللغة العربية؟ ليس أمامنا إلا أدوات البيان والبلاغة من تشبيهٍ، واستعارة، وتمثيلٍ، ومجاز، وكناية، وغيره ممَّا تبرز قدرة الشاعر في توظيفها لإيصال ما يريد إيصاله إلى المتلقي عبر صورٍ خلابةٍ، وخيال تحلِّق معه النفس أينما ذهب، هذا مضافاً إلى الوزن والموسيقى النابعين من صميم اللغة وتراكيبها.
وهنا نقف عند محور الخلاف بين المجدد والحديث وبيننا من جهة، وبين الكلاسيكي والمحافظ وبيننا من جهة أخرى فأقول: إنه لا معنى لدي لكلمة قديم وكلمة جديد أبداً ولا علاقة للزمن بذلك. والتقدم والتأخر الزمني لا يمنحان النصَّ والفكر تينك الصفة لعدة أسباب وهي كالتالي:
1- إن الإنسان بما هو إنسان واحدٌ، ومشاكله واحدةٌ سواء في السابق، أو الحاضر، أو المستقبل. وكذلك أسئلته وميوله فهو باحث عن الكمال وهو محب للجمال وعاشق للخير بفطرته وما في أيدينا من آثاره يدلنا على ذلك والسؤال من أنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ واحد وأيضا الجواب واحد محدود، والمقابل له كذلك وإن تمثل في صور تبدو متباينة. فمادي ما قبل الميلاد وما بعد الميلاد والقرون الوسطى واليوم وغداً هو هو، وكذلك المؤمن بالله سواء كان قبل الميلاد أم بعد الميلاد أم من القرون الوسطى واليوم وغداً.
وكلٌّ يحاول أن يجيب ليفسِّر ويبرر وجوده وتصرفاته. بل إن صراع الكلاسيكي، والجديد، وسؤال ما هي اللغة؟ وما هو الشعر؟ واحدٌ ومكررٌ منذ سنين وقرون. وكذلك الإجابة. لأن السائل واحد محدود في حقيقته، ومثله الجواب وما يقابله ويناقضه من جواب. وإن شئت فعد إلى كتب الفلسفة واللغة والدين وسترى بعينك انه لا يوجد شيء اسمه قديم أو شيء اسمه جديد. نعم هناك أصالة وحقيقة. وهذه لا ترتبط بالزمن. وما يرتبط بالوجود الممكن، وهو ظرف له وبعد من أبعاده كالمكان والطول والارتفاع، فكل هذه ظروف للحركة الجوهرية.
2- من هنا فإن ما يسمونه تراثاً وقديماً بالنسبة لي ليس كذلك بل هو حاضر أمامي وماثل بكل حيثياته وأنظر إليه وأقرؤه وأتمثله بما هو هو وما هو غائب عني هو صاحب النص شخصاً لا روحاً وذاتاً فإن روحه تشع في كتاباته وتخاطبني. نعم هناك بعض الخصوصيات والاختلافات التي تميز عصره هو، وأوان تشكله، وقد تختلف مع خصوصياتي، لكن العنصر المهم المشترك بيني وبينه باقٍ وثابت ولن يتغير، ويتجسد في الرؤية والفكر والإبداع والتعبير عن ذاته الإنسانية.
وبمعنى آخر أن الإنسان الماضي هو إنسان اليوم بكل تجلياته ومشاكله ولم تختلف إلا الأسماء ولم يضف إلى إنسان اليوم إلا تراكمات وتجارب غيره المعرفية والوجدانية ولم يزد عليه إلا في التقنيات والوسائل التي هي ثمرة تلك التراكمات.
وأما الجوهر فباقٍ. ولو عكسنا الآية وجعلنا إنسان اليوم من الماضي والماضي من اليوم لكانت النتيجة هي هي لان هذا مقتضى الحركة الإنسانية الكلية والصراع هو هو بل إن إنسان الماضي يفوق إنسان اليوم في بعض الجهات ولديه من الحق ما يفقده إنسان اليوم، أي أن التفاوت الكمي حاصل أما الكيف فلا، وتطور العلوم التجريبية والتطبيقية والآلات والوسائل الطبية والحربية وغيرها من الوسائل والتكنولوجيا كل هذا ثمرة تواصل الخبرات وطرق التحكم في الطبيعة والكون. وهذا لا يعني بتاتاً تغير الثوابت والحقائق بل بالعكس يزيد من رسوخها وتجسدها أمام أعيننا، فالإنسان هو هو ذلك الباحث والحالم والطامح والمكتشف والمؤثر والمتأثر. وما نلمسه من تطور هو بعض تجسد أحلامه واكتشافاته على المستوى المادي، أما الناحية الروحية والمعنوية فلها مكان آخر، وعالم آخر، وأفق لا شأن لعالم المادة والتمدن به، ولا دخل له فيه لا من قريب، ولا من بعيد، نعم هو مهيئ ومساعد كما قلت سابقاً لولوج ذلك العالم الرفيع الذي أنكره عبيد النتائج الملموسة بالحواس الذين وقفوا حول أسوار المدينة ولم يصلوا إلى الباب ولم يدخلوا المدينة وظنوا أن ما عندهم هو المدينة مع انه الأسوار لا غير.
3- لا أستطيع أن أقيم وأطلق أحكاماً وأحدد ما أبدعه السابقون إلا إذا عشت إبداعهم كما عاشوه وأحطت بظروفهم هم أما أن أطبق عليهم أحكام واقعي أنا ومن خلاله أقيم ما أبدعوه فإن هذا هو نوع مصادرة وتحكم وإجحاف في حقهم، انه روحهم هم بكل أبعادها ومن هنا لابد أن استنطقها كما استنطقوها هم وإذا تم ذلك فعندها لي الحق في التقييم وفق القواسم المشتركة والقوانين التي تجمعنا معاً. أما ما يخصهم فلهم ولا يحق لي إلغاؤه أو نفيه بكل ما فيه، نعم لي الحق الأخذ به وتجاوزه لأنه أجنبي عني. أما إذا أخذت به فإني أقع في شرك التقليد. وبالتالي فإني أعيش اليوم بخصوصيات الأمس. وهذا يعني الانفصال عن الذات، والخروج من حركة الوجود والوقوف عند نقطة معينة وهذا هو السكون الذي معناه الموت.
فالمتنبي والبحتري، وأبو تمام وامرؤ القيس، وطرفة على سبيل المثال حاولوا أن يصلوا إلى الحقيقة وعبَّروا عن ذلك وجسدوه إبداعاً. ونقلوا خصائص عصرهم في الأثناء وربما ادعوا امتلاك الحقيقة والواقع. لكن المتنبي هو المتنبي وامرؤ القيس هو امرؤ القيس وأبو تمام هو أبو تمام ولن يتكرروا، لا لأنهم النموذج والمثل الأعلى للتجربة الابداعية، بل لأنهم بكل بساطة هم، ذوات وعوالم تجلت وتجسدت واتت ورحلت إلى الجانب الآخر من الحياة. وبقيت نصوصهم شاهداً عليهم، ودليلاً على إنسان ذلك العصر الذي عاش حياته وغاص في تفاصيلها وأثر، وتأثر وحاول التحليق والغوص والحصول على كنز الخلود الأبدي وفق ما أتيح له من وسائل تناسب عصره أو اقتضاها عصره هو. وبقي خالداً، لأنه أصبح حقيقة واقعية إبداعية فرضت نفسها على التاريخ الإبداعي، لتنبئ القادمين عنها وعنهم، وتدعوهم إلى التكون مثلها. وكأني بها تقول: كونوا مثلنا وعيشوا مع ذواتكم بكل أبعادها، ولا تكونوا اتباعاً ونسخاً عنا. وفرق كبير بين التماثل والندية وبين التشبه والنسخ القبيح لذلك السابق. نعم هناك من حيث النتيجة والرؤية والمنهج قد يحدث تشابه كبير لكن هذا يرجع سببه إلى الماهية الإنسانية الواحدة، وليس إلى التقليد، والفرق واضح.
4- في النظر إلى ما يسمى بالتراث لابد أن نميز بين التراث الإنساني الذي هو فعله وإبداعه وفهمه للحقيقة والواقع وتحليله له وبين الواقع والحقيقة بعينها. فما نسميه بالتراث الديني مثلاً هو نتاج، وإبداع إنسان حاول أن يفهم الدين أي النصَّ المقدس من قرآن كريم، وحديث نبوي شريف وقول معصوم.
فالتراث الإنساني المتعلق بالدين أمر يختلف عن الدين بحد ذاته - وأقصد بالدين جميع الأحكام والقيم والتشريعات الثابتة في نفس الأمر، والواقع أي الحقيقة، والتي هي الطريق والدليل لاكتشاف الذات الإنسانية وإيصالها إلى السعادة الأبدية - كما أنه لابد أن نميز بين المنهج والطريق الصحيح لفهم الدين وبين المنهج المشوه والملغوم، بين النظرة الشعرية والنظرة العلمية، بين النظرة الصوفية والنظرة العقلية المحضة، بين النظرة النفعية والنظرة اللانفعية، وبمعنى أدق لابُدَّ من اختصاص، ولابد من أدواتٍ هي من صميم الدين ذاته أي أنها منسجمة مع حقيقته وواقعيته هو. وهو الذي يدلنا عليها ويأخذ بأيدينا بعد أن نصل إليه نحن وهنا نصل إلى معنى ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بعد أن نكون تعرَّفنا على الذكر ذاته بأنفسنا، ووصلنا إلى أهله وهم النبي، وورثته الحقيقيون، أي أنه لابد أن نغوص ونعود إلى ذلك العصر لندرس حيثياته وظروفه الإبداعية واللغوية والمكانية لكي نمتلك بعض المفاتيح للوصول إلى أهل الذكر أنفسهم. ومن ثم إلى الذكر نفسه عن طريقهم، وهنا ينتفي الزمان تماماً، وتلغى كلمة تراث. فليس هناك إلا حقيقة نصل إليها لنصل إلى أنفسنا، لكن بالشروط الموضوعية. وهنا يتجسد ويتجلى الذكر وأهله حاضراً وواقعاً نعيشه لا ماضياً وتراثاً كما يتوهم البعض وذلك لأن النبيَّ رحمة للعالمين وليس لمن عاصره فقط وشاهده حتى نسميه تراث كما يتوهم - وأعتقد أن حالي حال من رأوه، ولا فرق ألبته - ومن هنا يأتي دور اللغة ونحس بنبضها وبدمائنا تسري في عروقنا، وأرواحنا من كل الجهات. ومن هنا نفهم سر خلود القرآن الكريم وسر بقاء النبي وورثته الحقيقيين، ومن هنا أيضاً ندرك ماهيَّة عصرنا وعصر من عاشوا معه فنحن وهم على حدٍ سواء، ونحن وهم الرحى التي تدور حول القطب النبوي الذي هو الحقيقة التي نحاول الوصول إليها.
ولا علاقة للتقدم الزمني في منح الأفضلية لمن سبقوا، أو العكس أخيراً. هنا لابد أن تكون النظرة شمولية إلى كل ما أنتجه السابقون من محاولات للوصول إلى الحقيقة لكي نميز الطريق الصحيح من غيره، ولكي نجد ما يجمعنا وإياهم من قنوات ومعابر، لا لكي نقول هؤلاء هم المثل الأعلى وخاتمة النجوم. بل لندقق في كيفية الوسائل التي بها وصلوا إلى نتائجهم لنرى هل وصلوا فعلاً؟ ونرى أين موقعنا من ذلك. وهنا لا معنى للجديد والقديم، بل المعنى والأساس هو الحقيقة والطريقة التي تناسب إنسانية الإنسان، لا أمزجة البعض وأهوائهم المتقلبة تقلب الحرباء. وأما النظرة الأحادية الجانب والمتحيزة وغير الشمولية فإنها ناقصةٌ ولا تفيد إلا تشويه الأجيال لصالح فئة لا يهمها إلا مصلحتها. فهنا تنتفي الأسماء، والشخصيات. ويبقى ما قيل بقدر ملامسته للحقيقة والواقع ونفس الأمر. وبقدر انسجامه مع الروح وليس من قال. نعم بقاء من قال وعدمه مرهون ومربوط بما قال. وليس ما قال مربوطاً بما قال، أي أنَّا نجعل الأشخاص مقياس الصحة والخطأ فما قال فلان فهو الصحيح وما قال فلان فهو الخطأ فما قال فلان فهو الصحيح، لأن فلان قائله واستثنى المعصوم لأنه لا ينطق عن الهوى.
لم أذكر هذه النقطة إلا لأحدد موقفي من أولئك الذين يبدعون وبمعنى أدق يظن أنهم يبدعون ويحسبون أن لأنفسهم الحق في الخوض في كل شيء بسبب وبلا سبب بحجة انه يجسد الواقع المعاصر، وغيره أشباح. ولأحدِّد موقفي من أولئك الذين يعبدون الماضي بكل ما فيه من غث وسمين وليس لأتفلسف في الدين والتراث كما يسمونه، فإن هذا ليس من صلاحياتي وله رجاله، كما أن هذا ليس مكانه. وأيضا ذكرتها لعلاقتها بنفيي ورفضي للقديم والجديد وإيماني بالحقيقة والواقع، والثابت الذي عنده ينتهي الزمان.
بقي أن أشير وأنبه على أن الشاعر لا يقاس بالسن وطول تجربته الشعرية وعرضها. بل يقاس بمدى أثره واتصاله بالواقع وتأثيره على المتلقي الطبيعي الذي لم تشوِّهه المدارس الذوقيَّة الحديثة أو القديمة، ولم تلج أذنه ايقاعات الروبوتات العروضية وأوهام الموسيقى الداخلية المزعومة. والحق انه لا يوجد شيء اسمه شاعر كبير وشاعر صغير أو شاعر مجدد وشاعر كلاسيكي أو شاعر ملتزم وشاعر غير ملتزم. فهذا التقييم يقوم على أسس مكانيةٍ وزمانيةٍ ويخضع لظروفٍ هي في الغالب غير موضوعية، ولا وجدانية صادقة. وأيضا هذا التقييم نسبيّ محض، وبعيدٌ عن المعيار الإبداعي. وإنما يوجد شاعر حقيقي وشعر حقيقي بغض النظر عن الشهرة وعدمها وكبر السن وصغره. وهنالك إبداع بغض النظر عن الشكل وكلُّ شاعر حقيقي عالم خاص له قوانينه ولغته ومنطقه. نعم الشعر وجودٌ، وعالمٌ له تدرجاتٌ، وتجلياتٌ يتفاوت فيها الشعراء. وليس كل إبداع شعر كما يخيل للبعض فللشعر قوانينه الخاصة النابعة من ذات طبيعته وتكوينه.
ولو عدنا إلى تاريخ الأدب والشعر وتابعنا سير حركته من أول نقطة ممكنة إلى عصرنا هذا، وقرانا ما وراء السطور بدقة وموضوعية وإنصاف لوجدنا عوامل كثيرة أدت إلى هذه التفرقة وإلى هذه التسميات وأولها العامل السياسي الذي لعب دوراً كبيراً في إبراز شعراء أفضل منهم. وهناك العامل الديني الذي تدخل في أحوال كثيرة مما شوه الصورة وغير بعض القناعات وعادةً ما يقترن هذا العامل بسابقه. وبمعنى آخر يكون الدين دين السلطة، والناطق الرسمي باسم الربِّ، وله الخيار في رحمة من يشاء والغضب على من يشاء. وهناك العامل الإعلامي الذي ركز على أماكن دون أخرى لحسابات كثيرة أكثرها عرقية وعصبية وتفوح منها رائحة العرق السامي المزعوم المختبئ تحت قناع العروبة مع أن الشعر ليس له وطن. وفي الوقت الحاضر لم يتغير شيء - بل ازداد الأمر سوءًا - فالجوهر هو الجوهر ولكن تغيرت الأزياء والأقنعة كما قلت سابقاً، فقديماً كانوا يكتبون ليمدحوا السلطان. واليوم يكتبون ليمدحوه أيضاً ولكن مع فارق الإنكار وادعاء الوطنية والثورية وما شابه ذلك من الهراء.
وكما كانوا سابقاً يقلدون رواد الشعر الجاهلي والعباسي والأموي، فإنهم اليوم يقلدون رواد الشعر الحديث وما بعد الحديث. وكما كانوا يقدسون القدماء فإنهم يقدسون من يسمونهم بالرواد، ولا يستطيعون الخروج من تحت إزارهم خوفاً من اتهامهم بالتخلف ومعاداة التقدم، وخشية نعتهم بالتقليد مع أنهم يقلدون ويحذون حذو سابقيهم تماماً من حيث لا يشعرون. وحجتهم التجديد والتحديث، ولا شيء من ذلك أمام أعيننا سوى الافتراء والضحك على المشوهين ثقافياً وفكرياً وعلى أشباه الأدباء وما هم بأدباء، وعليه يشتهر قوم على حساب قوم ويوصف هذا بالشاعر دون ذاك مع فارق بسيط وهو أن الحكم قديماً بيد أدباء السلطان اتباع مادحيه.
أما اليوم فهم أدباء الأنظمة وأتباع مدرسة مادحيها وقادة اللوبي الأدبي المتحكم بكل وسائل النشر والطباعة والذي بيده كل الخيوط، وله الحق في النشر والحجب والإبقاء والإقصاء ومنح هذا دون ذاك صك الإبداع.
الهوامش:
(1) الصديق هو الشاعر السوري محمد خير الحلبي.
(2) لا يظن من كلامي هذا أني أؤمن بنظرية الأدب أو الشعر بل على العكس ارفضها رفضا قاطعاً وإذا كان لابد فنظرية الشعر والأدب في عدم النظرية. وأظن القضية وصلت إلى منعطف النقد للنقد.
(3) للمزيد من الاطلاع يراجع كتاب بداية الحكمة للفيلسوف السيد محمد حسين الطباطبائي أو أي كتاب آخر عن الفلسفة والحكمة المتعالية التي تتحدث عن الامكان والممكن في ضمن بحوث مطوله.
(4) لا أقصد هنا الشرق والغرب المكانيين بل أريد النتاج والحضارة والفكر الإنساني المنبثق من هذين المكانين والذي تختلف نتائجه عن الآخر بسبب اختلاف الأدوات والمنهج ونظرية المعرفة. فكلاهما موجود، ولكن من يملك الحقيقة أو القدرة على الوصول إليها وهنا ينبغي أن يكون السؤال والبحث.
(5) للمزيد من الاطلاع يراجع كتاب فلسفتنا للفيلسوف والمفكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر موضوع أو مبحث الحركة وموضوع اجتماع الصحيح والخطأ.
(6) أسس هذه النظرية الفيلسوف العرفاني صدر المتألهين محمد بن إبراهيم الشيرازي صاحب كتاب الأسفار الأربعة. كما أسس وتطرق إلى مسائل معرفية لم يصل إليها السابقون.
(7) فالخطاب القرآني للإنسان يكون بكلمة إنسان ويعين به الكائن العاقل ذو الروح والنفس العلوي وحين يذكر كلمة بشر فإن الحديث  يكون عن الصورة والشكل المادي أي الكائن ذو الأطراف والمتحرك بالإرادة ولذا ورد في القرآن الكريم ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا و ﴿مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وغيرها من الآيات التي تذكر فيها كلمة بشر في قبال الملاك أو الروحاني.

 

كاتب
370314