دعوات الإصلاح في الخليج العربي (1)
العلاقة بين السلطة والمجتمع
هيئة التحرير - 18 / 10 / 2007م - 4:14 ص - العدد (38)

ترتفع في هذه الفترة من التاريخ الحديث لبلداننا دعوات التغيير والتجديد، وإصلاح الوضع المعاش في الخليج العربي
هذه الدعوات لم تقتصر على جانب دون آخر، فمن الدعوة إلى إصلاح المناهج الدراسية ترتفع حمى المطالبات حتى تصل إلى أعلى قمة الهرم لتطالب بتغيير صورة وطريقة التعامل بين السلطة وبين مؤسسات المجتمع المدني.
منتدى التنمية..الذي هو عبارة عن لقاء يمثل شريحة من أبناء دول مجلس التعاون الخليجي يلتقون سنويا لمناقشة شؤون التنمية في هذه البلدان، وعلى الرغم من أن المنتدى يطفئ شمعته الخامسة والعشرين من اللقاءات السنوية
إلا أن هذا اللقاء كان مميزا وحافلا بمجموعة من المحاور التي تلامس الإصلاح والتغيير في هذه الدول.
ففي هذا اللقاء الذي جرى في مملكة البحرين قدمت ونوقشت مجموعة من أوراق العمل الهامة، وجاءت الكلمات في هذا اللقاء كالتالي:
1- الانتقال من القول إلى العمل (د.علي فخرو)
2- إصلاح الخلل السكاني (د. علي الكواري)
3- اصلاح الخلل الإنتاجي (د. يوسف الابراهيم)
4- تصحيح العلاقة بين السلطة والمجتمع (د.محمد عبيد غباش)
5- علاج خلل الأمن الوطني في إطار وحدة مجلس التعاون (د.خالد الدخيل)
6- مطلب الديمقراطية وحقوق الانسان وتنمية المجتمع المدني (الاستاذ عبد الرحمن النعيمي)
7- متطلبات تحقيق أجندة إصلاح جذرية من الداخل (د.علي خليفة الكواري)
قد لايسعنا الوقت الا تسليط الضوء على بعض ماجاء في هذا اللقاء تاركين بقية الأوراق (على أهميتها) الى أعداد لاحقة إن شاء الله.
العلاقة بين السلطة والمجتمع
حملت ورقة الدكتور محمد الغباش هذا العنوان لتناقش الاطار التنظيري لهذه العلاقة معتمداعلى ثلاث نظريات رئيسية هي (نظرية القبلية الخلدونية، نظرية الميراثية العائدة إلى ماكس فيبر ونظرية الدولة الريعية العائدة إلى الباحث الإيراني مهداوي.)
أولاً: القبلية:
 يقول الدكتور الغباش: يجد هذا المفهوم مادته في الخلفية القبلية للمجتمعات الخليجية، في أن دول الخليج ليست إلا قبائل بأعلام (tribes with flags) بحسب تعبير أحد الكتاب الإنجليز، وفي أن الخليجي لا يشعر بمواطنيته في دولة حديثة بل كعضو في تحالف قبلي واسع يمحض فيه ولاءه للشيخ المترئس للتحالف مقابل حصوله على نصيبه من الغنائم، وينظر فيه على أن الحالة الخليجية لا تعدو أن تكون سلسلة من أعمال النهب والإغارة، وأن التحولات السياسية فيها ليست إلا نجاح تحالف قبلي أو جناحا في الأسرة أو ابن عم أو أخ أو ابن في الإطاحة بأبيه أو قريبه المتربع في السلطة والإتيان بتحالف قبلي جديد أو جناح محروم من الأسرة لتبدأ عملية جديدة من عمليات النهب وتقسيم الغنائم.
تشكل تحليلات عبد الرحمن بن خلدون الجذر الأصلي لهذا المفهوم والذي يلقى قبولاً من العديد من الباحثين. ونجد حيوية هذا النظام النظري مستمرة إلى اليوم. فعلى سبيل المثال نرى في كتاب “صراع القبلية والديمقراطية.. حالة الكويت” للدكتور خلدون النقيب أن المفهوم الخلدوني بتنويعات واختلافات في التفاصيل يحتل مكان الصدارة.
بداية، فإن الميزة الواضحة للنظرية الخلدونية في إجلاء دور في المرحلة السابقة للاستقلال من الاستعمار ليست أكيدة، وذلك لأن الإدارة الاستعمارية كانت تعدل بشكل مباشر أو غير مباشر من طبيعة الحكم القبلي. بل لا يمكن قبول النظرية بشكل تام ولتفسير لفهم العلاقات الاجتماعية السياسية السابقة لمجيء المستعمر، وذلك لأن الاستثناء كان يتمثل في تمتع الوحدات القبلية بالاستقلالية السياسية عن الكيانات السياسية المركزية في ذلك الوقت، أما القاعدة فكانت في خضوعها لهذه الوحدات سواء الدولة العمانية أو العثمانية أو السعودية الأولى أو الدولة العربية في عمان.
يلاحظ على المحاولات المبكرة لتطبيق النظرية الخلدونية على مجتمعات الخليج أنها تجاهلت التحول المادِّي الهائل الذي طرأ على هذه المجتمعات في العقود الأخيرة والذي أدى إلى ضعضعة البناء القبلي للمجتمع إن لم يكن قد قوّضه تماماً، ولعل هذا ما حدا بالباحثين كلارك وباون جونز، على سبيل المثال، إلى نقد كتابات الباحثة الراحلة آن فايف حول الإمارات حين ذكرا أنه “لا تزال تذاع أقوال بالغة الخطأ تتصل بالسكان غير المستقرين.
لقد زعمت فايف قبل وقت بأن 30% من سكان الإمارات العربية المتحدة هم من البدو. لكن في الحقيقة فإن نسبة السكان الناشطين في ميدان الزراعة منخفضة وتبلغ 3.2% (إحصاء الإمارات العربية المتحدة 1976). ومن هؤلاء قلة منهم يعملون في إنتاج الماشية. إن فايف تستخدم مصطلح “بدوي” لتعني سكاناً منتشرين بقطع النظر عن إن كانوا متنقلين من الناحية الجغرافية أو عن مصدر موارد رزقهم. في الواقع إن أغلب هذه الأسر تحصل على دخلها من القطاع الاقتصادي الحديث وبالذات من التوظّف في الخدمات الحكومية”.
هناك العديد من العوامل التي تزعزع صلاحية تطبيق مفهوم القبلية على دول الخليج في الوقت الراهن. فعلى سبيل المثال نجد أن نسبة المواطنين المتحدرين من خلفية قبلية يمكن لهم تذكّرها أصبحت تشكل نسبة يزداد تضاؤلها يوما بعد يوم (في حالة مواطني الإمارات لم تتجاوز النسبة 15% في نهاية السبعينيات).
إضافة لذلك، فإننا نجد أن من يسمون رجال القبيلة قد قطعوا روابطهم المادية مع نظامهم القبلي قبل عدة عقود. وهذا جاء نتيجة لاستقرارهم في مدن وللتحول في نشاطاتهم الإنتاجية، هذا التحول الذي بدأ حتى قبل اكتشاف النفط. لهذا فالبناء القبلي للعديد من القبائل متهدَم إلى درجة أن “أعضاء” القبيلة لم يعودوا يستطيعون تمييز شيخ قبيلتهم أو يقومون بفض المنازعات بالأسلوب القبلي أو أن يعبئوا قواهم لدى بروز صدامات ما.
لجملة هذه الأسباب ولغيرها فإن من الواجب الإصغاء إلى تنبيهات الباحثين ريتشارد وواتربري التي تحذر من رؤية أشكال لنظم سياسية معاصرة كإعادة إحياء للنظم التي سبقتها. وبحسب تعبيرهما، فإن القبيلة والتضامن القبلي بالشرق الأوسط في القرن العشرين يشكلان ظواهر مختلفة نوعياً عن القبيلة والتضامن القبلي في القرن السابع عشر والثامن عشر “الشيء الذي اختلف بشكل جذري هو الدرجة التي اخترقت بها الدولة والسوق كل قطاعات مجتمع الشرق الأوسط”.
أدى ظهور النفط إلى ولادة مجتمع حضري يتمتع بأغلبية سكانية على باقي المناطق وذلك نتيجة الهجرة الداخلية الواسعة من المناطق البدوية الزراعية إلى المدن. التحضر في دول الخليج لا يمثل فقط توافد أعضاء القبائل إلى المدن: إنه انصهار في داخل مدن تشهد عملية غير مسبوقة تاريخياً نحو التحديث من حيث السرعة (في أربعة عقود) ومن حيث العمق (التحول من اقتصاد ندرة بدائي إلى اقتصاد قائم على إنتاج النفط وتدوير المال. وقد عبّر عضيد داويشه عن جوانب هذا التحول الاجتماعية حينما كتب “مع تزايد التحضر وتسارع التعليم وزحف الثقافة الغربية، فإن القيم والاتجاهات التقليدية التي كان يمكن الاعتماد عليها لتثبيت استقرار النظم السياسية أصبحت تواجه التشكك بشكل حتمي. لقد أخذت القيم القبلية تتلاشى مع المعيشة الحضرية وأخذ التوسع في النشاط الاقتصادي يشتت الوحدة الفيزيائية والترابط الداخلي للأسرة...”.
لهذه الأسباب، فأكثر المتحمسين لهذه النظرية لا يملك إلا أن يرفق تطبيقه لها على الوضع الخليجي بالكثير من التعديلات للمفهوم وذلك بغية تجاوز المشكلات الظاهرة المتمثلة في أن مواطني الدول الخليجية في غالبيتهم الساحقة تحوَّلوا من أنشطة الإنتاج القبلي إلى أنشطة إنتاج مرتبطة بالدول النفطية. الجانب الذي توليه النظرية أهمية فائقة هو الجانب الثقافي، وهو جانب يرى أن المواطن الخليجي برغم تحوله الإنتاجي والاستهلاكي إلى أَنماط حضرية وحديثة، إلا أنه فيما يتعلق بمفاهيمه السياسية لا يزال متعلقاً بانتماءاته القبلية والأُسرية -ولا تزال العصبية القبلية هي المحرك الأول لسلوكه السياسي.
تجدر الإشارة إلى أن ابن خلدون قدم تفسيراً جديراً بالتأمل، وإن كان بالضرورة جزئياً، لغياب التسيّس عند قطاعات واسعة من المجتمعات العربية، خصوصاً المجتمعات التي خلعت قبليتها حديثاً. ولعل التفسير يهدم أطروحة القبلية نفسها لتفسير الظاهرة الخليجية من أساسها. فالدورة الخلدونية تختتم بالمُلك، وفيه تبرز ظواهر ما يسميه ابن خلدون “حصول المذلة للقبلية والانقياد إلى سواهم”، وسبب ذلك أن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها”... وأن العصبية “هي التي تكون لها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة وأن من فقدها عجز عن جميع ذلك كله”.
نحن إذن أمام ظاهرة سياسية جديدة تمثل نقيضاً تاماً للظاهرة القبلية القائمة على العصبية، نحن أمام ظاهرة الملك التي وإن بحثها ابن خلدون إلا أن بحثه لها لا يجد الصدى ذاته لبحثه حول القبيلة في الدراسات الحديثة. يقدم ابن خلدون أيضاً تفسيراً بسيطاً لظاهرة الخضوع المديني حتى قبل أن تفتر العصبية حينما يشير إلى أن العصبيات المغلوبة تسلم أمرها للعصبيات الغالبة ولا تبذل أي خطاب مضاد لهذا الغُلب.
مع ذلك فمن المهم ألا نقلل من أهمية مفهوم ابن خلدون القبلي كتفسير سيكولوجي لبعض المواطنين الخليجيين الذين برغم أنهم تخطوا وضعهم القبلي مادياً منذ زمن ليس بالقصير إلا أنهم يواصلون امتلاك بعض مكوناته النفسية. أحد هذه المكونات يقدم تفسيراً لخصوصية يجب رصدها في علاقة المواطن بالسلطة؛ هذه الخصوصية تتلخص ليس في سلب الغنيمة كما ينظر البعض بل في أن أغلب الخليجيين يرتبطون برابط الدم، بروابط بشرية، وليس جغرافية. فهم حديثو عهد بشعور الانتماء لأرض مسورة بحدود دولية والشعور بامتلاك الثروات الجيولوجية في أعماق هذه الأرض.
ثانياً: الميراثية Patrimonialism:
 أما عن نظرية الميراثية فيقول الدكتور الغباش: أشار العديد من الباحثين إلى سمة بارزة للنظم السياسية في الخليج ألا وهي ديمومتها مقارنة بالكثير من الدول الجديدة التي بعد أن نالت استقلالها عاشت اضطرابات سياسية عاصفة، انقلابات عسكرية، ثورات شعبية... إلخ. ينظر الأنثروبولوجيون الفيبريون إلى نشوء القوة الاستعمارية كأصل عملية التحوّل من سلطة ميراثية إلى سلطة ديوانية (بيروقراطية). فالنظام الاستعماري حافظ على وجود نظامين: النظام التقليدي المنظم لعلاقات الإخضاع ذات الطابع الشخصي، والنظام الحديث المعتمد على الديوانية الذي يؤسس علاقات أقل شخصية.
في النظام التقليدي، حسب مفهوم فيبر، تتولد الشرعية بقوة التقاليد والسلطة التي تتعاظم هيبتها بمرور الزمن عليها. وفي هذا يشير إيليا حريق إلى إساءة تقدير هذا النوع من السلطة من جانب التيارات الوطنية ومعهم علماء الاجتماع:
“... كثيراً ما أغفلوا حقيقة أن البنية تخلق الأسطورة. حينما يتم إنشاء بنية ما فإنها تطوّر قوى من المصالح الراسخة وتنتج شعوراً عند الأفراد، بمثل ما يشبه العادة، يجعلهم يتوحدون مع البنية. السلطة التقليدية كما يحدثنا ماكس فيبر هي قوة القبول المتعود لطرائق الأسلاف كطرائق صحيحة. وتطوير هذا الشعور المتعود للتوحد مع البنية لا يحتاج إلى قرون من الزمن”.
من بين أنواع السلطة التقليدية تشكل الميراثية أكثر حالات السلطة التقليدية أهمية للتطبيق على السلطة في دول الخليج. يعرِّف فيبر هذه كحالات تنشأ عندما تطوِّر الهيمنة التقليدية قوة إدارية وعسكرية لا تعدو عن كونها أدوات شخصية بحتة للرئيس. لحظتها فقط فإن أعضاء الجماعة تتم معاملتهم كرعايا. في السابق كانت سلطة الرئيس تظهر كحق متفوق للجماعة، لكنها الآن تتحول إلى حقه الفردي الذي يحوز عليه كما يحوز أياً من أشياء التملك. ومن حيث المبدأ فهو قادر على توظيف حقه كأي استثمار اقتصادي: بالبيع وبالرهن وبالتقسيم بين الورثة.
ويحلل فيبر بأن أساس الدعم الذي يلقاه الرئيس في النظام الميراثي هو العبيد والحرس الشخصيون والجيوش المرتزقة، بالإضافة للرعايا المجندين إلزاميا. ومن خلال هذه الأدوات يستطيع الحاكم أن يوسِّع مجال سلطته الاستبدادية وأن يضع نفسه في منزلة منح النعم والأفضال متجاوزا القيود التقليدية للبنى الحاكمة الأبوية أو القائمة على كبار السن (9).
رغم الجهود الكبيرة فقد شابت تطبيق مفهوم فيبر على المجتمعات الخليجية صعوبات عديدة. يعود سبب ذلك إلى أمور عدة منها أنه من النادر أن نرى أسلوب حكم واحد صرف في أي مجتمع خليجي: الأكثر شيوعاً أننا نرى نظام السلطة التقليدي -الميراثي- متعايشاً جنبا إلى جنب مع أشكال سلطة مغايرة قائمة على البيروقراطية، وفي حالة الكويت مع شكل سلطة يمتلك بعضاً من خصائص النظم الديمقراطية الحديثة، وفي حالة الإمارات يقوم النظام الاتحادي بتحجيم الكثير من قوة السلطات الميراثية على المستوى المحلي.
وبسبب تمازج أكثر من نظام يقدم لوشياني تطبيقاً خاصاً يمزج فيه بين مفهوم فيبر وتحديد خصوصي للدولة يطلق عليه استخدام مصطلح دولة حصصية “Allocation State”، وهو ينظر إلى هذه الدول لا كدول قبلية بل كأنظمة ميراثية، ويرفض النظر إليها كأنظمة إقطاعية أو تقليدية.
إن مفهوم الدولة الحصصية يمكّننا من التغلب على أحجية: إن الملكيات الميراثية الحاكمة لا هي بتقليدية ولا هي بإقطاعية. فهي لم تكن إقطاعية قط، أما كونها تقليدية فهو أمر قد يكون بمعنى امتلاكهم لتقاليد ما وليس لكونهم هم ذاتهم كما كانوا قبل 20 أو 30 سنة. قد لا تتغير المظاهر كثيراً (في الحقيقة فإنها تغيرت كثيراً) لكن المضمون هو شيء مختلف كلياً: إن الحكام “التقليديين” اليوم يديرون دولاً حصصية معقدة ومحنكة. الذي حدث هو أن شكل الحكم الميراثي جاء مناسباً جداً لخصوصية الدول الحصصية.
ولوشياني لا يرى أن الديمقراطية تمثل مشكلة للدول الحصصية، فبالرغم من أنه يبدو من النافع إنشاء نوع من المؤسسات التمثيلية للتنفيس وللسيطرة على بعض أشكال السخط إلا أن أعضاء هذه المؤسسات لا يملكون بالضرورة إلا ارتباطاً واهياً مع قاعدتهم الشعبية: حواراتهم تواجه بلامبالاة من الجمهور، والحاكم يستطيع حل هذه المؤسسات دون أن يواجه عملياً أي مقاومة.
تبدو الميراثية منطبقة أكثر على نظام الحكم المتولد من مجيء الاستعمار وقيامه بتحويل سلطة شيوخ القبائل القائمة على الدم والعصبية (بالمعنى الخلدوني) إلى حكام يسيطرون على رقعة جغرافية محددة، ويحتكرون السلطة في ذريتهم؛ شيء يشبه الإقطاع من جهة، ويشبه علاقة الوالي أو الوكيل المحلي بالسلطة المركزية الأجنبية.
لكن الوضع طاله تحول جوهري مع رحيل القوة المستعمرة وما تبعه من ترقية للكيانات السياسية ما قبل الدولتية pre state إلى كيانات دولية تتمتع بشرعية إقليمية ودولية. إضافة لذلك فإن السمة التي تميز الأنظمة الخليجية بعد الاستقلال ولا تلقى لها معادلاً في مفهوم فيبر للسلطة الميراثية تتركز في حقيقة أن النفط كان أساسيا ليس لتشكيل الدول في الخليج العربي وحسب بل وللتحول الذي أصاب نظام السلطة الخليجية نفسها. فالحكام التقليديون كانوا يعتمدون على شكل من أشكال الضريبة من المحكومين، لكن المداخيل النفطية عملت بشكل درامي على دعم سلطة الحاكم ومكنته من نيل الاستقلال المالي عن المحكومين.
يمكن أن نشاهد صعود الحاكم وتحوّله إلى حاكم ميراثي يتعزز بداية على يد قوى المستعمر، هذه القوى التي رقَّت الحاكم من موقع شيخ القبيلة أو شيخ التحالف القبلي (الذي نستطيع فهم آليته ضمن المقولات الخلدونية) ليكون حاكما ميراثياً. لكن الترقي من السلطة الميراثية إلى السلطة الراهنة على يد النفط أساساً لا يكفي فهمه عبر المقولات الفيبرية. ولعل هذا النقص هو الذي حدا بالباحثين لتطوير مفهوم جديد يناسب الوضع النفطي.
ثالثاً: الدولة الريعية:
 أما الدولة الريعية فيقول الغباش عنها: يحظى مفهوم الدولة الريعية بصدى غير قليل بين الباحثين في الشأن الخليجي. ولعل السبب يعود جزئياً إلى عجز النظريات القبلية والميراثية عن الاستيعاب النظري لآثار التحديث الواسع في هذه المجتمعات.
يعود هذا المفهوم إلى الباحث الإيراني مهداوي. وهو يقدم تفسيراً ليس للسلطة في الدول الخليجية وحسب بل للسلطة في دول أخرى لا تعتمد على النفط بشكل مباشر. وقد جاء التفسير لطبيعة السلطة السياسية معتمداَ على أن النظام الاقتصادي في الخليج ولّد دولة ريعية لا تفرض الضرائب والمكوس على مواطنيها، بل تقوم على عكس كل دول العالم، بالدفع لهم في دولة رفاه غير ضريبية، وعبر توظيفهم في ملاكاتها الإدارية والخدمية والأمنية.
وهو شيء يشبه عملية رشوة سياسية: أسر حاكمة تحتكر السلطة السياسية مقابل عقد اجتماعي تقوم بمقتضاه بضمان الوظائف والخدمات الاجتماعية، ومجتمعات تستقبل هذه الخدمات لا كحقوق مواطنة بل كهبات تقوم مقابلها بالصمت عن إطلاق يد الحاكم ليتصرف على هواه.
يُعرّف مهداوي الدول الريعية على أنها دول تتلقى موارد كبيرة من الريع الخارجي بشكل منتظم. الريع الخارجي بدوره يُعرّف كريع يتم دفعه من أفراد أو شركات أو حكومات أجنبية إلى أفراد أو شركات أو حكومات البلد المعني. يرى مهداوي أن دفع رسوم المرور في قناة السويس يمثل ريعاً خارجيا، كذلك الأمر مع دفع رسوم بناء واستخدام أنابيب النفط المارَّة في أراضي البلدان المعنية. والأهم أن مهداوي يعتبر العائدات النفطية المحصلة من طرف الدول المصدرة للنفط ريعاً خارجياً أيضاً.
والظاهرة التي تسترعي انتباه مهداوي في تطبيقه لمفهومه هي أن “الإسهام الأساسي لقطاع النفط يكمن في تمكين حكومات البلدان المصدّرة للنفط من الإقدام على برامج إنفاق عام كبيرة دون الحاجة لفرض الضرائب، ودون الوقوع في عجز في ميزان المدفوعات أو مصاعب تضخمية، وهو ما تعاني منه الدول النامية الأخرى. هذا لا ينتج بالضرورة نظاماً اشتراكياً لكن يمكن له أن يتحول إلى ما يمكن اعتباره دولانية محظوظة: إذ تصبح الحكومة عاملاً مهماً بل وحاسماً في الاقتصاد”.
إحدى النتائج المهمة للنظرية الريعية كما يرى الباحث نجم آبادي يتمثل في أن المجتمع المدني قد أسقط مطالبه عن الدولة، لأنه لا يرى من حقه التأثير في السياسة. كما أن الدولة نجحت بشكل ما في التخلص من وشائجها المدنية. هذه الاستقلالية عن المجتمع المدني مرتبطة بمداخيل النفط الكبيرة المدفوعة مباشرة للدولة.
ويربط حازم الببلاوي مفهوم مهداوي بالقبلية حين يعلن بأن “التراث القبلي الطويل المتسم بشراء الولاء والإخلاص تعزز عبر أُعطيات الدولة التي توزع المنافع والمنح لسكانها” (14)، والتي يتم توظيفها بحسب تعبير روجر أوين في شراء الشرعية من خلال الإنفاق العام بالإضافة إلى الأعطيات الممنوحة لأغراض كسب الولاء الشخصي. ويضرب أوين الأمثلة على مثل هذه الأنشطة: بالأعطيات النقدية بشراء الأراضي المملوكة للأفراد بأسعار كبيرة، وبوسائط مؤسساتية من خلال خدمات دولة الرفاه، ابتداء بالتعليم المجاني والرعاية الصحية وانتهاء بدعم أسعار الكهرباء والماء والسكن.
بالإضافة لذلك يرى أوين أن التوسع الديواني (البيروقراطي) والاقتصادي أتاح فرصاً أكثر لحيازة الرضا الشعبي من خلال توفير الوظائف والقروض وإمكانية الدخول في مضمار واسع من الأنشطة الرابحة.
ومثل أوين يوسع الببلاوي مفهوم الدولة الريعية ليشمل مجتمعاً ريعياً، لكنه يضيف أيضاً عاملاً ثقافياً: عقلية ريعية. تقوم هذه العقلية في رأي الببلاوي بكسر الارتباط بين العمل والمكافأة على أدائه: “... المكافأة تصبح كسباً غير متوقع وليس كثمرة للعمل الشاق المتواصل مرتبطة بالوضع الاجتماعي ولذلك فهي غير مضمونة وانتهازية”.
ويجمع منظرو الدولة الريعية على أن نشاطات الدولة الريعية تخلق حالة من الخضوع لدى المواطنين. فهؤلاء لا يرون أهمية للفوارق في توزيع الثروة، ولا تمثل هذه الفوارق حافزاً كافياً لمحاولة تغيير النظم السياسية. ويكمن الحل بالنسبة للفرد الذي يشعر بالغبن لمشكلاته أساساً في المناورة لحيازة منافع أكبر بواسطة النظام القائم وليس في التعاون مع آخرين يعيشون حالته نفسها لأجل التغيير.
وينحط الحراك السياسي لذلك في هذه المجتمعات ليصبح لا أكثر من دسائس يتم تدبيرها بين الحاشية في دواوين الحكومة، لكن هذه المناورات نادراً ما تتطور إلى حوار سياسي حقيقي. وبشكل مماثل يعلن الببلاوي أنه مع عدم وجود ضرائب تُذكر فإن المواطنين أقل إلحاحاً نحو المشاركة السياسية، وأن تاريخ الديمقراطية ترتبط بدايته مع نوع من الارتباط المالي “لا ضرائب دون تمثيل”.
تنطلق نظرية الدولة الريعية أساساً من تحليل اقتصادي لا يرى في النفط وهو مادة هيدروكربونية محسوسة تم تحويلها إلى سلعة عبر عملية البحث والتنقيب والإنتاج والتعبئة والشحن والتسويق إلا كريع إيجاري بدلاً من النظر إليها كجزء من الأصول الرأسمالية المملوكة للدولة. وإذا صدقت النظرية في اعتبارها رسوم المرور في قناة السويس ريعاً إيجارياً لاستخدام القناة، وإذا هي صدقت أيضاً في اعتبار رسوم استخدام أراضي الدول الأخرى لإقامة أنابيب نفط ريعاً إيجارياً. وإن هي صدقت أيضاً (بجهد جهيد) في اعتبار المعونات الخارجية ريعاً إيجارياً فكيف يتم اعتبار انتقال مواد تشكل جزءاً من الثروة الطبيعية المحسوسة للدولة منها إلى المستهلكين ريعاً؟
وإذا نجح دعاة النظرية في المجادلة بصدق ذلك، فكيف يمكن لهم أن يمنعوا اعتبار أي دولة أخرى تنتج معدناً في العالم دولة ريعية- سواء كان ما تنتجه هو الفوسفات كالمغرب، أو اليورانيوم كجنوب أفريقيا أو النفط كروسيا؟ ربما كان مهداوي معذوراً وهو يطرح المفهوم في نهاية الستينيات حينما كان عائد النفط يتخذ شكل الضريبة الإيجارية على شركات النفط. لكن لا يصدق الأمر الآن بعد التحولات العميقة في العلاقة بين شركات النفط والدول التي تعمل هذه الشركات فيها إلى حدود جعلت أكثر الدول تمتلك حصص الأغلبية في هذه الشركات بحيث أصبحت نسب كبيرة من الموارد تتخذ شكل بيع الملكية المباشرة للسلعة الهيدروكربونية.
الأسوأ من ذلك أن هذا المنظور الاقتصادي الضيق التبست عليه المسألة الشكلية، وهي ليست سوى أكثر من اصطلاح عرفي، فأصبحت العلاقة الفعلية -علاقة الملكية للنفط من قبل المجتمع- أو الدولة للموارد غائبة أو مغيّبة. كما أن تمحيص النتيجة التي يصل لها منظرو الدولة الريعية كل بلغته الخاصة والمتصلة بادعاء شراء الشرعية من خلال الإنفاق العام يكشف أن هذه النتيجة غير قابلة للتكذيب وهو الشرط الأساسي الذي وضعه كارل بوبر للتمييز بين ما هو قابل لأن يكون علماً وبين اللاعلم.
فالإنفاق العام بحد ذاته هو نشاط تخوضه كل الدول ريعية كانت أم لا ريعية. ولذلك فمن الشطط اعتبار أنه حينما توفر الكويت تعليماً مجانياً فإن ذلك نوع من الرشوة لكسب الولاء بينما حين تفعله هولندا فهذه من سمات دولة الرفاه. من جانب آخر فبالإمكان رؤية أن كل الدول تقريباً تقوم بتوظيف الإنفاق العام لأجل نيل رضا وكسب ولاء كل المواطنين أو قطاعات هامة في نظرها منهم، فكيف نقوم بتمييز أن السلطة الخليجية تمارس شيئاً آتيا بشكل طبيعي من كونها ريعية بينما الشيء ذاته تمارسه سلطات دول غير ريعية؟
ونحن إذا ناقشنا بعض نتائج التحليل الريعي وتطبيقاته على الوضع الخليجي فإننا نلاحظ تهافتا بيناً: فعلى سبيل المثال يعدّد الببلاوي أمثلة على شراء الولاء في الكويت بعد الاستقلال، لكن الكويت نفسها تقدم مثالاً مضاداً لأطروحة الببلاوي حول تعذر قيام ديمقراطية في دولة ريعية لا تفرض الضرائب على مواطنيها، فقد أثبت مجلس الأمة الكويتي مراراً أنه أكثر المؤسسات شبه البرلمانية استقلالية عن السلطة الحاكمة في العالم العربي. إلى ذلك فربط الببلاوي بين الضريبة والتمثيل يكشف أغلوطة منطقية بدائية في الاستنتاج بأن “لا ضريبة دون تمثيل” يعني بالضرورة ألا تمثيل دون ضريبة. ويقوم نجم آبادي مستشهداً بالثورة الإيرانية بالتحذير من المبالغة في دور غياب الضريبة، ذاكراً بأن مجتمعاً خالياً من الضرائب لا يعني بالضرورة أنه مجتمع خاضع وخال من السياسة
حتى محاولة توسيع مفهوم الدولة الريعية ليحتوي مجتمعاً وأفراداً ريعيين وعقلية ريعية، هذا التوسيع إذ يساوي بين كيفية حصول الدولة على ريعها مع كيفية حصول المواطن على دخله، لا يكلف نفسه تحليل كيفية حصول المواطنين على هذه المداخيل. حقاً إن جزءاً من موارد الدولة يتجه بشكل مباشر نحو المواطنين بالكيفية التي سبق ذكرها (الخدمات العامة، شراء الأراضي... إلخ) لكن غالبية المواطنين يحصلون على مداخيلهم من خلال بيع قوة عملهم كموظفين، وقلة منهم تستحوذ على مداخيل ريعية: إيجارات العقارات وأرباح المضاربات (مع استثناء أرباح المؤسسات التجارية والصناعية التي يمتلكونها والتي تعرّف في النظرية الاقتصادية كربح وليس كريع إيجاري). لكن هذه مع كونها مداخيل ريعية إلا أنها ليست مباشرة ريعاً نفطياً.
بخلاف فكرة تحرير المواطنين من الضرورة، إضافة إلى فرص الكسب المادي غير المتولد عن جهد، فإن مفهوم الدولة الريعية لا يقدِّم تفسيراً مرضياً لعلاقة امتلاك الثروات النفطية من قبل السلطات الخليجية التي تمارس حقوق التملك هذه دون اللجوء علـى سبيل المثال للدعم الأيديولوجي الذي يولِّده نمط الإنتاج الرأسمالي كمثل تبادل المتكافئات Exchange of equivalants أو صنمية السلعة Commodity Fetishism لتبرير استلاب فائض القيمة إذا نحن استخدمنا المقولات الماركسية. واضح لنا جميعاً أن عدداً كبيراً من المواطنين في الخليج إن لم يكن أغلبهم، حتى وإن لم يدفعوا ضرائب إلا أنهم ينظرون للنفط كمورد طبيعي مملوك لكافة المواطنين. حتى خطاب الإعلام في الخليج، وهو رسمي في أغلبه، يعامل النفط كملكية عامة ولا يزعم أبداً أنه ملكية للأسر الحاكمة.
تنقل النظرية التالية التحليل بعيداً عن الارتباط الاجتماعي والاقتصادي إلى حقل الأفكار


 

375196