سِير أعلام الزبارة 1-2
ماجد العويناني * - 2 / 11 / 2007م - 2:33 م - العدد (37)

كتابة تراجم الشخصيات وتدوين أحوال الأعلام وسيرهم يعدُّ جزءاً مهماً من علم التاريخ، وقد صنفت فيه الكتب المختصرة والمطولة التي تصل إلى عشرات المجلدات حتى عرف بعض العلماء بانتسابهم إلى مؤلفاتهم -هذه- مثل الثعالبي الذي اشتهر بـ(صاحب يتيمة الدهر)، والسيد محمد باقر الخوانساري الذي عرف بأنه (صاحب روضات الجنات).
وهو فن قائم بنفسه مع تداخل كبير في العلم المتجذر منه، وأعني به علم التاريخ، حيث يستسقي كثيراً من قوانينه منه، وفي بعضها الآخر ينفرد عنه.
والممارس له -وهو المترجِم- بكسر الجيم- يبتلي بما يُبتلى به المؤرخ من سعة وضيق في حرية إبداء رأيه، ويفترض فيه مثله من الحيطة، وتطلب الموضوعية، وطول النفس في الصبر على البحث عن المعلومة التاريخية، ومعالجتها معالجة حيادية علمية الوضع مع بصيرة في فهم النفوس البشرية ودقة في تحليل وتفسير بعض المواقف للمترجم لهم.
وقد تنوعت الأهداف من كتابة التراجم، وهي -الأهداف- الأساس في تحديد مساحة وحجم الكتاب الذي ألف في هذا المجال من حيث الضخامة والضآلة، فهناك كتب قد خصصها أصحابها لتراجم العلماء، وبعضها وضعت لكتابة حياة الأدباء والشعراء، ومن الكتب ما صنفت لأجل ترجمة الفلاسفة أو الأطباء أو النحاة، ومجموعة منها خصصت لأصحاب العاهات كالعميان والعوران أو لأصحاب الحرف كنساخ الكتب والخطاطين، ومن الكتب ما كان أهدافها ترجمة عموم الشخصيات البارزة في مجتمع وتاريخ بعض المناطق السكنية كالكتاب الموسوعي (تاريخ بغداد) الذي ألفه الخطيب البغدادي بهدف ترجمة معارف الشخصيات التي استوطنت بغداد أو نزلت فيها لمدة من الزمن، ثم رحلت عنها، أو كتاب الشيخ علي بن حسن البلادي الذي دوّن فيه جوانب من حياة علماء وأدباء البحرين والقطيف والأحساء والذي أطلق عليه اسم (أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين).
وكانت الزبارة البلدة التي ارتبط تاريخها بتاريخ البحرين بعد ضمّ عتوبها البحرين إلى حكمهم، فصارتا معاً تحت ظل إدارة واحدة لحقبة من الزمان، وقد مرّت على هذه البلدة فترة كانت فيها موئلاً لبعض العلماء والشخصيات التي حلّت عليها لأسباب متعددة من جهات مختلفة.
وعن تلكم الشخصيات كتب -وهو المتفرد في ذلك- المؤرخ النجدي البصري عثمان بن سند العنزي (ت 1242هـ/1826م) في كتابه (سبائك العسجد في أخبار أحمد نجل رزق الأسعد) ويتضح من الكتاب بل من اسمه أن مصنفه ابن سند لم يضعه بغرض ترجمة أعلام الزبارة -أولاً وبالذات- و إنما كان هدفه من كتابه -هذا- ترجمة شخصية أحمد بن رزق (1150 - 1224هـ) أحد أبرز شخصيات البلدة المرموقة آنذاك، وكان ذكره لأولئك الأعلام جاء مجرد استطراد عندما أراد جرد الشخصيات والأعيان الذين كانت لهم صحبة مع ابن رزق -هذا- ولم تكن ترجماتهم في الكتاب وافية بل كانت مقتضبة غلب عليها التكلف في تنميق الألفاظ المسجّعة التي ملأ بها ابن سند مؤلفاته وبذلك عرف واشتهر(1).
ومن المعلوم أنه كلما كانت ترجمة العلم جاءت من شخص لصيق به أو قريب لعصره؛ كانت لتلك الترجمة قيمتها، وكانت أحرى بالعض بالنواجذ عليها، وأجدى بالأخذ بما ورد فيها، وإذا كان ابن سند أفادنا قليلاً عن حياة أعلام الزبارة، وكان قد عاصر أو عاشر بعضاً منهم، فإن واحداً من بين نفس هؤلاء الأعلام يفيدنا ديوانه بمعلومات أخرى عن حياتهم، وكان من طليعتهم فهماً وثقافة وأدباً، وأراني أقول بلا تردد أنه أريبهم الأوحد، وأنه أبرزهم تفوقاً وأشهرهم تألقاً جميعاً، وهو -كما يبدو من ديوانه وكتاب ابن سند- ذو علاقات ببعض شخصيات الزبارة أوثق رباطاً من علاقات ابن سند بها.
إن ذلك الأديب الشاعر هو السيد عبد الجليل الطباطبائي المولود من أسرة علوية شريفة في البصرة عام (1190هـ) والمهاجر منها بعد فتح الفرس لها إلى الزبارة وعمره لم يتجاوز -ساعتها- السابعة والعشرين حولاً ليستقرّ فيها، ولتصيِّره مؤهلاته العلمية والأدبية من أخذان شيوخها، ورفاق علية قومها، ولم يبارحها ويعرض عن سكناها إلا في سنة (1225هـ/ 1810م) عندما تعرضت للغزو السعودي، فانتقل -مع من انتقل من أهلها- إلى البحرين، ثم للخلاف الذي دبّ بين الشيخ عبدالله بن أحمد -الحاكم الخليفي الثالث على البحرين- وابن ابن أخيه الشيخ محمد بن خليفة بن سلمان بن أحمد -الحاكم الخليفي الرابع- ترك البحرين عام (1258هـ/1842م) ليرحل عنها إلى الكويت التي بقي فيها حتى وافاه أجله هناك عام (1271هـ/1853م).
لقد كانت في ديوان السيد عبد الجليل الطباطبائي (روض الخل والخليل) نتافات من المعلومات حول شخصيات زبارية لم يتطرق لذكرها ابن سند، وكانت من الأهمية بمكان، ذلك لأنها -إضافة إلى ما ذكرنا سابقاً عن صاحب الديوان- تمس في العديد منها جوانب من حياة تلك الشخصيات يصعب على الباحث المترجم المستهدف لنفس الترجمة الاهتداء إليها، ولولا ديوان الطباطبائي لما كنا على اطلاع بها، ولبقيت في مقبرة التاريخ لا يعلم عنها خبر ولا أثر.
ولكون تلكم المعلومات مجرد إشارات ونتافات في أغلبها، وكانت متفرقة على صفحات الديوان، حاولنا ضمّ بعضها إلى بعضها الآخر، وترتيبها على شكل بحث منسق الأركان، وعملنا على الأداء ببعض التحليلات التي قد تتطلبها الاستفادة منها في صدد كتابة الترجمة.
ولكي نوضح للقارئ مدى ما استنتجنا من الديوان من معلومات ترجمية تتعلق بأعلام الزبارة وعلمائها انتهجنا في البحث نقل تراجم هاتيك الأعلام -نقلاً فيه بعض التصرف الذي لا يخل بمضمونه(2)- من أوسع كتاب -كما نعلم- قام بترجمتها إلى حدّ الآن، وهو كتاب (البحرين عبر التاريخ) للباحثين الشيخ عبدالله بن خالد الخليفة، والدكتور علي أبا حسين، وأعقبنا كل نقل بتلك الاستنتاجات.
أبو الحسن السندي الحنفي:
قال مؤلفا (البحرين عبر التاريخ) عنه: >من العلماء الذين أمضوا فترة من حياتهم في أواخر القرن الثاني عشر الهجري في الزبارة، وهو من تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق إجازة، وسمع عنه بعض العلوم من منثور ومنظوم، وحصلت لأبي الحسن عند شيخه ابن عفالق رتبة عليّة حتى دُعيّ بإمام بعض المدرسين في الأحكام، فكان لا يعتمد على راوٍ إلا بتوثيقه، واجتمع عليه للإقراء ما اجتمع على مالك ونافع. وقد أخذ من علماء مكة المكرمة، كما تخرج عليه جملة من العلماء<.
ويمضي مؤلفا (البحرين عبر التاريخ) ناقلين من ابن سند قوله في أبي الحسن السندي: >... وما زال يروي العلم حتى قدم الزبارة على أحمد بن رزق، فأكرمه إكراماً يليق بمقامه، ثم انتقل إلى البصرة فتولى التدريس بالسليمانية، وانتهت إليه فيها الرئاسة العلمية، وسله وزير بغداد وزاد ذكره، واتصلت به وقرأت عليه، فهو من أجلّ مشائخي الأعلام، وتوفي سنة (1216هـ).
وممن أخذ عنه وروى عن علومه ولده عبد الوهاب المعدود من جملة الأصحاب لأحمد -رغم صغر سنه-<(3).
أما ديواننا (روض الخل والخليل) فنقول بمعونته عن أبي الحسن السندي أنه كان بحراً من بحور العلم وينبوعاً من ينابيعه المتفجرة بالمعرفة، يروي عن الشيخ ابن سالم البصري بواسطة. قال محمد بن فيروز في أرجوزته التي نظمها لإجازة شاعرنا السيد الطباطبائي وهو في سياق ذكره لشيوخه:
والفاضلين أي محمدٍ سفر
من منهم ينبوع علم انفجر
والبحر بحر العلم ذي القول الحسن
والفعل شيخي سيدي أبو الحسن
فيا إلهي يا عظيم المنّة
اسكنهما أعلى علا في الجنة
فكلهم عن التقي الهادي
من ألحق الأحفاد بالأجداد
أي ابن سالم الذي تقدما
قد أخذوا أكرم بهم من علما
فأوّلٌ عنه بغير وسط
وغيره عن التقي المقسط(4)
ونلاحظ أن ابن فيروز لم يميز بوضوح الواسطة التي بين أبي الحسن السندي وابن سالم البصري، ويحتمل من قوله بـ (التقي المقسط) هو الشيخ الأول لابن فيروز -الشيخ عبدالله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي الشافعي- الذي تقدم ذكره في الأرجوزة قبل هذه الأبيات حيث قال:
شيخي التقي ذي المقام الأرفع
المتقن البر الإمام الشافعي
الشيخ عبدالله ذي القدر المنيف
ابن محمد بن عابد اللطيف(5)
فهنا في هذه الأبيات وصفه بـ >التقي< فمن المحتمل قوياً أن تكون >الأل< في >التقي< التي جاورتها لفظة >المقسط< هي (أل) العهدية.
ودعاء الراجز ابن فيروز لأبي الحسن السندي بدخول الجنة في أعلى درجاتها يشهد على أن السندي كان ميتاً قبل يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر شعبان لسنة (1211هـ) وهو وقت الانتهاء من إنشاء الأرجوزة -كما صرح لفظياً المرتجز في أرجوزته(6)- وهذا ما يخطئ ابن سند الذي قال أن ممات أبي الحسن في سنة (1216هـ) اللهم إلا إذا كان الرقم الأحادي لتحديد هذه السنة قد صحف من واحد إلى ستة.
وتضاف إلى معلوماتنا هذه عن أبي الحسن السندي التي استخلصناها من أرجوزة الإجازة الروائية التي نظمها ابن فيروز لشاعرنا الطباطبائي معلومات أخرى نستخلصها من أرجوزة للشاعر الطباطبائي أجاز تلميذه عبدالله بن أحمد بن عتيق الأحسائي، فمنها نعرف أن أبا الحسن السندي كان يلقب إلى جنب لقبيه >السندي< و>الحنفي< بـ>المدني<، ومن الطبيعي أن هذا اللقب عَلِقَ به جراء سكناه المدينة المنورة لبعض الوقت، ونعرف من خلالها أيضاً أن من شيوخه كان الشيخ محمد حياة السورتي أحد علماء ذلك الزمان، فعند تعداده لشيوخ شيخه ابن فيروز قال الطباطبائي:
ومن شيوخ شيخنا أبو الحسن
للسند يعزى المدني المؤتمن
وهو عن البحر محمد حياة
السورتي ذي العلوم الباهرات(7)
ويتبادر من اسم الشيخ محمد حياة السورتي أنه من علماء شبه القارة الهندية، ولأن أبا الحسن السندي من شبه القارة الهندية -أيضاً- فعليه يمكن القول بأن السندي قد تلقى -قبل دراسته في البلاد العربية- كثيراً من معارفه في موطنه الأصلي حتى أهله مستواه العلمي أن يتحمل إجازة رواية الحديث من شيخه السورتي، ولقد جرت عادة طلاب العلم في سالف الدهور أن ينهلوا من علماء أوطانهم أو من العلماء الذي يسكنون المناطق المجاورة لأوطانهم -إذا خلت أوطانهم من حركة التعليم- وريثما يجدون أنفسهم أنهم أخذوا من هؤلاء العلماء علومهم وأنهم لن يعطوهم أكثر مما نهلوا منهم ودعوهم وشدوا الرحال ميممين شطر علماء مناطق أخرى يكونون أكثر علماً من علماء الذين سبق أن أخذوا منهم العلم، والمطلع على حياة علماء الهند -بما فيها أقليم السند- يلمس أن سوق العلوم العربية والإسلامية قد راجت فيها خلال القرون: (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر الهجرية) فمن المستبعد والحال هذه أن يرحل أبو الحسن السندي عن بلاده دون الدراسة على علمائها.
عثمان بن عبدالله بن جامع الخزرجي الأنصاري البصري القطري:
قرأ كابنه أحمد الجامع على ابن فيروز، وتصدر المذهب الحنبلي، وولي القضاء في الزبارة ثم في البحرين فحسنت سيرته، وكان قد قرأ في مكة والمدينة الفقه والآداب والمواريث والحساب ففاق مشائخه.
من ابن فيروز عرف ما يحرم وما يجوز، وروى الأحاديث النبوية، وتصدر في الحنبلية، وشرح أخصر المختصرات في المذهب الحنبلي شرحاً أبان عن فضله.
جالسه وسامره وحمل أخباره بكر بن أحمد البصري الزباري القطري (ت1202هـ) الذي كان من أهل الأدب والثقافة في المنطقة وقتذاك.
وكان ابن جامع وابنه الآخر عبدالله معظمين أيام حياتهما من البدو والحضر، وقد وجدت له صورة وثيقة بإملائه عندما كان قاضياً في الزبارة مؤرخة بعام (1201هـ).
بهذا المضمون ترجم ابن جامع في كتاب (البحرين عبر التاريخ) (8) إلا أننا نقرأ في ديوان السيد عبد الجليل الطباطبائي وصفاً يبين دائرة نطاق علم ابن جامع وفضله، فهو -كما يذكر الوصف- >العالم العامل الآخذ من الفضائل بالمجامع<، وهو وصف يحويه تمهيد(9) قصيدة عملها شاعرنا في المناجاة والتوسل إلى الله -عزّ جلّ- ورفع الاستكانة إليه، والتنصل من الذنب بالاستغفار حيث أرسل ابن جامع -كما في سطور التمهيد- خمسة أبيات وطلب من شاعرنا الطباطبائي أن يبني عليها ما تيسر من منظومة سالكاً فيه قصد ابن جامع، فامتثل طلبه في رجب سنة (1240هـ)(10).
ولم يذكر الطباطبائي في قصيدته من أبيات ابن جامع الخمسة إلا بيتاً واحداً، ذلك لأنه -على حد تعبير التمهيد- أبلغها وأحسنها.
وعلى أساس سطور هذا التمهيد نقف على أن ابن جامع قد امتدّ به العمر إلى سنة (1240هـ) (11) وأنه كان يتعاطى نظم الشعر إلا أنه من الطراز الداني المتواضع الشعرية، وربما مرجع ذلك لأنه صدر من قريحة عالم لا شاعر، والعلماء إذا دخلوا ميدان الشعر فكثيراً ما يكونون ذوي نظم لا شعر(12).
وما يوقفنا عليه -أيضاً- ذلك التمهيد أن بين الشاعر والقاضي ابن جامع علاقة، وأن الأخير يكن للأول مكانة شعرية، ويرى فيه الإيمان حتى التمس منه إتمام أبياته الدينية.
وقد يفهم من إرسال الأبيات الخمسة إلى شاعرنا دون انتظار ملاقاته بأن ابن جامع -الذي كان قاضياً في البحرين آنذاك- لم يكن يعيش في نفس المنطقة التي يسكنها الشاعر الطباطبائي في البحرين، وإلا لو كانا في المحرق معاً أو في المنامة معاً أو في الرفاع معاً لتريث إلى أن يلتقي به، وليس يطول ذلك التريث حيث صغر هذه المناطق السكنية وقتذاك، اللهم إلا إذا وجد لذلك سبب آخر اضطر ابن جامع ليتخذ إرسال أبياته سبيلاً لطلب إتمامها من صاحبه الشاعر الطباطبائي.
والذي يؤسف عليه أنه لم يعين في التمهيد البيت الذي أبقاه الشاعر من أبيات ابن جامع الخمسة، كي يبقى للأخير ولو بيتاً واحداً يُذكّر بعده بأدبه، ولكن كون ابن جامع قد طلب من الشاعر أن يسير على نهجها، فالاعتقاد أن أول بيت في قصيدة الشاعر الطباطبائي هو البيت الذي فضله الشاعر وأنتخبه من بينها وعلى ضوئه لابد -كما هو الاعتقاد- أن يبنى عليه قصيدته، فيتعين حينئذ أن يكون أول بيت في القصيدة -لا بيت غيره- هو من أبيات ابن جامع، وهو:
أيا مبدي الجميل بمحض منِّ
ويا من سيبه من غير منِّ(13)
الحاج عثمان بن سلمان بن داود التيمي البصري:
في كتاب (البحرين عبر التاريخ) نقلاً عن (سبائك العسجد) لابن سند ضبط اسم والد عثمان -هذا- بـ(سليمان) أما في ديواننا فضبط بـ (سلمان) وهو الأصوب، لأن شاعرنا الطباطبائي كان صديقاً حميماً له ولم يكن -كما هو ظاهر تعبير ابن سند- كذلك مع ابن سند -وإن بينهما عشرة-.
ويذكر ابن سند أن عثمان بن سلمان البصري ولد في البصرة قريباً من عام (1170هـ) وأنه نشأ وقرأ فيها جملة من الأدب حتى أجاد في نظم الشعر وبرع في النثر وقد سلم له أهل عصره بذلك مع اشتغاله بالتجارة.
ويضيف ابن سند أنه لما استولى الزنديون الفرس على البصرة (سنة 1189هـ - 1193هـ) هاجر عثمان بن سلمان البصري إلى الديار الهندية ثم عاد إلى بلاده.
وابن سند يؤكد وجود صحبة بين عثمان بن سلمان البصري وأحمد بن رزق وأن الأخير يخصُّ صاحبه عثمان البصري بالمشاورة ويصطفيه في المحاورة حتى أنه كان يستشيره وهو في البصرة و ابن رزق في الزيارة.
ويذكر ابن سند أن عثمان بن سلمان البصري قد نزل الزبارة، وزار الحرمين وصحب في سفره إليهما محمد بن عبد اللطيف الشافعي فأجازه الأخير عدّة إجازات، وفي سنة (1226هـ) لقي حمامه(14).
إن ابن سند وإن كان قد قال بنزول عثمان بن سلمان البصري في الزبارة إلا أنه لم يُبن لقارئه متى كان ذلك، بيد أن ديواننا يسعفنا بالتعرف على فترة نزوله عبر قصيدة أرسلها إليه الطباطبائي سنة (1217هـ) من البصرة وكان هو حال ذاك نزيل الزبارة التي كانت مع البحرين محاصرة وقتئذ من قبل الأسطول العماني، وهذا يدلنا على أنه كان يسكن الزبارة في هذه السنة، وربما يكون نزوله فيها قبلها لكن لا يستبعد أنه خرج منها بعدها، فعدد السنوات أو لنقل مدة استقراره في الزبارة لا يسعفنا بها الديوان بمقدار ما يسعفنا بالتقرب من فترة نزوله فيها.
لقد نظم شاعرنا قصيدته -المشار إليها- جواباً عن مقاطيع وموالياً -حسب ما قيل في تمهيد القصيدة- بعثها عثمان بن سلمان البصري إليه، وتعرض الشاعر الطباطبائي في القصيدة إلى قضية حصار الزبارة وبطنها بالتشبيب والهجاء وختمها مادحاً عثمان بن سلمان البصري، وفي ثنايا مدحه له يصرح في أحد الأبيات بانحدار نسبه -نسب عثمان بن سلمان البصري- إلى الصحابي طلحة بن عبدالله، وهو -على ما يذكر علماء الأنساب والتراجم- من تيم بطن في قريش، فها هو الطباطبائي يقول:
هو الماجد المفضال عثمان من سمت
فضائله أوج النجوم الثواقب
همام تحلى بالكمال فلم تجد
له من يضاهيه بغرّ المناقب
ومن روحة طابت وحقّ لمنتم
إليها افتخار في كريم التناسب
إلى طلحة الخيرات تعزى فروعه
فيا حبذا فرع الأصول الأطائب(15)
وابن سند يلقبه بـ>القرشي التميمي< وقد أصاب في نسبته إلى قريش وأخطأ في نسبته إلى بني تميم، ويحتمل أنه نسبه إلى بني تيم القرشيين، فصحفه نساخ كتابه أو صحف عند طباعته من >تيمي< إلى >تميمي<.
وفي الديوان لم تنقل مقاطيع وموالياً عثمان البصري مما حال بيننا وبين الاطلاع على بعض شعره، لكن في جانب آخر من الديوان أبيات له كتبها إلى الشاعر مستفتياً وهي:
ماذا ترى يا سيدي يا ذا العلى
يا من أبوه شُبّرٌ وشبير(16)
يا وارث المجد الأثيل من الأولى
فهم السراة وفضلهم مأثور
في حال من قد غاص لجات الهوى
شغفاً فاصمته اللحاظ الحور
فقتلنه عمداً بمنعرج اللوى
إذ ليس ثم مساعف ومجير
أله الشهادة في الغرام اأبنْ لنا
إذ أنت في كشف الخفيِّ جدير(17)
فأجابه الشاعر بقصيدة أفتى له فيها عن سؤاله ومادحاً إياه بها، وإليك منها أبيات المدح:
يا من تملك رِقّ كل فضيلة
فطويل مدحي في علاه قصير
أنّى تجاريه الورى في حلبة
والمكرمات تدور حيث يدور
يا من يشار إليه بين ذوي النهى
في معضل فيه اللبيب يحور(18)
إن هذه الأبيات على رغم أنها محشوة بإطراءات الشعراء فضلاً على أنها رداً على مدح من عثمان بن سلمان البصري لشاعرنا الطباطبائي، بيد أنها لا تخلو من إشارات إلى مستوى واقع فضل وأدب وعلم البصري والتي مرّ علينا تأكيد ابن سند لها.
الهوامش:
(1) لابن سند كتاب آخر باسم >الغرر في وجوه القرن الثالث عشر< ويظهر أنه قد ترجم فيه بعض رجالات الزبارة، ولكن لم نحط بالكتاب علماً، ونظن أنه لم يطبع إلى هذه الساعة.
(2) نقلنا بتصرف كان يفرضه أسلوب كتابة البحث كما لا يخفى.
(3) البحرين عبر التاريخ: 2/226.
(4) روض الخل والخليل ديوان السيد عبد الجليل/130. وسنعبر عن الديوان فيما يأتي من هوامش بـ>الديوان< فقط اختصاراً.
(5) الديوان/130.
(6) الديوان/132.
(7) الديوان/193.
(8) انظر: 2/227.
(9) يتميز الديوان بسطور من التمهيدات تتقدم قصائده ونثرياته تتكلم عن دوافع إنشاء الشعر أو النثر، وتاريخ الإنشاء، والأجواء والحيثيات التي صاحبته، وفي بحث لنا حول الشاعر أثبتنا أن هذه التمهيدات -باستثناء بعضها ويعرف بالقرائن- كانت أساساً مستلهمة من تمهيدات دونها الشاعر لمقطوعات أدبه، وصاغها -من ثمّ- منظم الديوان وجامعه.
(10) الديوان/227.
(11) ثم لا ندري إلى متى بقي على قيد الحياة.
(12) ومما لا شك فيه أن الرجل إذا كان روحانياً -عالم دين أو متصوف أو فيلسوف إلهي- غالباً ما يكون ذا حسٍّ مرهف إذا نظم الشعر الإلهي الديني، ونفس هذا الغرض الشعري عامل مساعد على إرهاف الحسن، فإذا نظم متصوف أو عالم دين متعبد أو فيلسوف متأله في مثل هذا الغرض ولم يكن شعره قوي الديباجة الحسية وعالي الإرهاف فهو قرينة صريحة على ضعف شاعريته، وهبوط كعبه الخيالي.
(13) الديوان/228.
(14) البحرين عبر التاريخ: 2/234.
(15) الديوان/12.
(16) شبر وشبير من أسماء الحسن والحسين ابني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فشبر هو الحسن، وشبير هو الحسين.
(17) الديوان/117.
(18) الديوان/118.

 

 

كاتب
365996