بـــابـــــل.. مـن السـابـي ومـن الـمسبــي؟
أحمد مكي الغانم * - 2 / 11 / 2007م - 2:39 م - العدد (37)

رسم مخطط لموقع لم يعد قائماً إلا في الذاكرة وبطون بعض الكتب، غالبيتها يشوبها القلق والضبابية، مما أثر بعقلية أجيال مضت، وستبقى مؤثرة في أجيال قادمة، ورسم خارطة لمكان من الماضي، أصعب بكثير من قراءة عشرات لمجلدات الكتب التاريخية والأدبية من كتابة موضوع تاريخي يعتمد النقل فقط.
في سنة 1988 م صدر كتاب بعنوان (شمال الحجاز) لمؤلفة أستاذ الدراسات الشرقية بجامعة براغ ألويس موسل، مترجماً من الإنجليزية للعربية، على ما أظن أن له طبعة سابقة لهذه الطبعة، هذا ما يوحي به تاريخ مقدمة المترجم (الدكتور / عبد المحسن الحسيني) عام 1952م إسكندرية.
لا شك أن المؤلف بذل جهوداً مضنية في إبراز هذا السفر النادر الوجود، النتيجة التي خرجت بها، من إطلاعي للكتاب يريد المؤلف أن يثبت أحقية اليهود في اغتصاب فلسطين، فهو ما ذكر القدس إلا وأضاف عبارة (الهيكل) وتكراره (أرض الميعاد)، ومصادره الأساسية لذلك أسفار اليهود أنفسهم.
لم يعتمد المؤلف على النقل، بل قام بزيارات ميدانية لكل منطقة الهلال الخصيب وشمال غرب الجزيرة العربية، وتحمل من العناء، ما لم نتحمله نحن أصحاب الشأن فشكراً له وللمترجم.
إذا مررنا بكلمة (بابل) تبادر للذهن فوراً، تلك البلدة الخالدة الكائنة في ما بين النهرين التي أعطاها البابليون اسمهم، بعد أن كونوا بها أعظم الحضارات الإنسانية في حدود (1830 ق.م) على يد سرجون وأشهر ملوك الدولة البابلية(حمورابي) الذي اقترن اسمه بتشريعه وعاش في حدود سنة (1700 ق.م) أول مرة قرأت فيها اسم (بابل)،كان في القرآن الكريم الآية (102) سورة البقرة: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ... الآية؛ قبل الوصول لمقعد المدرسة الابتدائية.
ومررت بها لأول مرة أواخر عام 1969م 1389هـ، مرور الكرام وعدت إليها مرة ثانية يوم الجمعة 13/4/1973م 9/3/1393هـ، برفقة (خولة) هروباً من عيون بغداد، حيث ترصد كل خطواتي وأنفاسي، هذه حقيقة لا مبالغة، أذكرها للتاريخ فقط، لأن البعض من الناس يعتقدون أن من يعيش خارج بلدته التي ولد فيها لظرف ما، يكون طليق اليد واللسان، هذا ممكن أن يكون في غبر بلداننا العربية إلا من يعمل على تبييض وجه هذا النظام أو ذاك.
ما أن بدأنا خطواتنا الأولى في شارع الموكب، وهنا أنقل الوصف من كتاب الدليل الأثري والحضاري لمنطقة الخليج العربي: >وهي بوابة مزدوجة تتألف من بوابتين الواحدة خلف الأخرى ولكل منهما باب خارجي وآخر داخلي يوصل بينهما جدار قصير يشكلان وحدة بنائية واحدة، ويوجد في مدخل بناء كل بوابة منهما برجان بارزان وخلف كل واحد منهما فناء زينت البوابة بحيوانات في صفوف أفقية تبدو فيها الثيران...لكل من يدخل وكأنها المدينة تتقدم لاستقباله<.
قالت: محظوظين الذين ساروا بهذا الصرح العظيم، ثم تلت الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. سورة الأنبياء آية (105) بعد ذلك صحيح أن اليهود أتوا سبايا إلى هنا؟.
بادرتها ادعاء يهودي كاذب كادِّعائهم أنهم بناة الأهرامات في مصر، وهم لم يضعوا فيها طوبة واحدة ولم ينفقوا عليها قرشاً، حسب علمي لا يوجد أي مصدر يذكر سبي اليهود إلى هنا غير كتاب سطره اليهود أنفسهم (التوراة) فلو كان الأمر كما زعموا لما أغفلته الوثائق البابلية التي سجلت كل ما يخص الدولة البابلية منذ تأسيسها حتى سقوطها.
عجباً أغفل غالبية المؤلفين العرب والمسلمين عامة، ذكر العديد من المواقع التي حملت اسم (بابل) إلى إن غدت الأجيال لا تعرف سوى هذه البلدة، وكتب التاريخ والجغرافيا تورد بعض البلدات التي تحمل اسم (بابل) إن هذا التجاهل ساعد على انتشار الأراجيف اليهودية الإسرائيلية.
>وتذكر الكتابات الآشورية أنه في سنة 866 ق. م أخضع الملك الآشوري سنحريب منطقة أدوماتو وحمل معه إلى نينوي الآله المحلي كما أسر ملكة تعلخونو. ولكنها لم تنس ما حصل لها من ذلك فتحالفت مع الثوار البابليين ضد الآشوريين وتحالف أيضاً مع رئيس قبيلة قيدار المجاورة لها ولكن يبدو أن الثورة لم تنجح ضد الآشوريين<.
لعل حادثة أسر هذه الملكة العربية من شمال غرب الجزيرة العربية من قبل الآشوريين سرقها كُتّاب العهد القديم ونسبوها لأنفسهم، من الملاحظ أننا حتى الآن لم نقف على نص بابلي أو غيره من النصوص القديمة المعتمدة يؤيد ما جاء به كتبة اليهود القدامى أو المحدثون على حد سوى يؤيد مزاعمهم، ويحز بالنفس أن غالبية المؤرخين العرب والمسلمين مازالوا يعتقدون (التوراة) أصدق القائلين، والمصدر الوحيد عندهم متناسين قول الله سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين، واصفاً اليهود بالذين يحرفون الكلام عن مواضعه “فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا ً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون” سورة البقرة آية (79)، وجاء في نص الآية (46) من سورة النساء: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ.... الآية.
إن الكذبة التي سطرها اليهود في التوراة، ما تزال تسري كسريان النار في الهشيم ويرددها القاصي والداني مع الأسف: >إن نبوخذ نصر الملك البابلي قام بغزو فلسطين الحالية المأسورة وسبي اليهود منها واستقدمهم إلى بابل العراقية<. ولم يعودوا لفلسطين إلا بعد سقوط بابل بيد (كورش) الفارسي عام 539ق. م كورش في المخطوطات البابلية تعني سيداً، >إن القصاصين الشفاهيين الذين يصوغون بصيغ تقليدية (خلاصة) الأحداث ومجريات الأمور، في (أقاويل) و(حكايات) تحتل أحياناً مكانة (شبه رسمية) نظراً لأهميتها، حيث يسجل الساردون، ضمن تقاليد الكتابة آنذاك<.
>عرفت بابل بأسماء عدة، ففي السومرية (كا- دنكر- را) وفي النصوص المسمارية (باب إيلي) وعرفت بأسماء أخرى أيضاً (تل- نر- كي) و(شو- آنا- كي) وبابل من أكبر العواصم في العالم القديم، خاصة أيام ازدهارها في العهد البابلي<وتقع على نهر الفرات جنوب بغداد، وقال المؤرخون المسلمون: سميت بابل لتبليل الألسنة فيها أي تعددها واختلافها.
أن تعدد الآراء تجعل الإنسان دوماً، متردداً في إعطاء الجواب الجازم بصحة الشيء المعروض على بساط البحث، وفي اشتقاق اسم (بابل) سوف نورد بعض الأقوال التي صدرت من المؤرخين والباحثين في حد سواء، ولكل منهم رأيه وقناعته، ونبدأ بما نسب إلى (عبيد بن شرية الجرهمي): >لما كثر ولد سام وحام ويافث أولاد نوح في بلاد الله< -لاحظ أنه قال بلاد الله ولم يحدد بلداً أو مدينة بذاتها-، ويضيف: >وأراد الله أن يفرقهم في البلدان ويخالف بين ألسنتهم، بعث عليهم الأرواح الأربع وهي الشمال والجنوب والصبا والدبور، فضمتهم الأرواح الأربع من أربع جوانب من كل ناحية كانوا بها وساقتهم ببابل. وكانوا بها، ثم مكثوا بها ثلاثة أيام يموج بعضهم في بعض. وعلموا أن أمراً من السماء ولا يدرون ما يراد بهم، غير أنهم لا يشكون أن الله هو الذي فعل بهم ذلك، والله مظهر إرادته. فلما كان اليوم الرابع سمعوا من قبل السماء صوتاً ينادي: ألا إن الله مفرق بين ألسنتكم ومسكنكم أطراف الأرض فأيما قوم توجهوا وجهاً فكلامهم ولسانهم واحد. وكان اللسان السائد سابقاً هو السرياني، وهو لسان آدم ونوح وإدريس. ثم تبلبلت ألسن الخلق، فأقاموا بالمجدل وبأرض بابل يموجون ويعالجون اللغات، فسلبوا اللسان السرياني إلا أهل الجودي فأنهم لم يعتوج لهم لسان يتكلمون بالسرياني. وأجرى جبريل على لسان كل أمة لغة فنطق الناس بالألسن العجمي والعربي وأفصح يعرب بالعربية وهو أبوه وفالغ بن عابر أو هود بالجودي يتكلم بالسرياني<.
يزعم بعض المؤرخين: أن يعرب هو أول من تفوه بالعربية، ولعل مرد هذه القناعة وجود حرف العين بـ/ يعرب وعربية، وكما هو الحال بالنسبة إلى عابر وعبري وعبرية، وأعدادهم أن عابر أول من تكلم بالعبرية، هذا القول مردود على قائله، لاعتبارات سوف ترد في سياق الحديث.
و تعقيباً على النص الذي أوردناه للجرهمي يقول الباحث/ عبد الرحمن غنيم: >هنا نلاحظ أن لغة نوح وسام وأرفخشذ وشالخ (لعله صالح) وعابر كانت السريانية القديمة التي ترجح أنها السومرية، وقد حافظ فالغ وبنوه على هذه اللغة، بينما افترق هود ويعرب وتكلما بالعربية. وعليه تكون لغة إبراهيم هي السريانية القديمة وليس العربية. ويرجح اسم أرفخشذ الذي يعني (مصباح مضيء) حيث أور بالسومرية تعني (نور) سومرية لغة أرفشخذ ومن ثم إبراهيم. وأرفخشذ على هذا النحو هو جد معظم العرب مثلما هو جد السومريين. فإذا كان إبراهيم عبرانياً فإن ذلك يضعنا أمام احتمال بأن يكون العبرانيون سومرييين، كانوا يجتازون نهر الفرات إلى بلاد الشام ومصر لسبب أو لآخر يتعلق بظروف الصراع بين الممالك في بلاد ما بين النهريين، وتفاقم مشكلة العبيد في المجتمعات الشرقية القديمة<.
وإن كان السومريون قد وصلوا بلاد الشام ومصر، من الشرق فهذا يمثل دليلاً على أن موطن السومريين الأصلي شبه الجزيرة العربية، حيث تورد بعض المصادر أنهم دخلوا العراق عن طريق الخليج العربي بقيادة الزعيم السومري (أوانيس).
ما من شعب من شعوب الأرض إلا له رأي في هذه المسألة، من ذلك الشعب الغجري على اختلاف مواقعه ومشاربه، ينقل عن الزعيم الغجري/ كاكوجودي. أنه قال: “ عاش جدنا الأعلى نوح بعد الطوفان مع أبنائه ومنهم كامو (حام) الذي انحدرنا منه. وسخر كامو (حام) من أبيه ذات يوم وكان سكراناً فلعنه أبوه من أنه سيعيش عبداً. قينا لفترة طويلة، أما أحفاد سامو (سام) وخاصة أحفاد جافيتوس (يافث) فقد عاملونا بقسوة شديدة، واكتشف أحدنا المدعو نوبالو (طوبال قاين) طريقة صهر النحاس والحديد وصناعته، ثم أجبرنا على العمل تحت ضرب السياط، ثم ثرنا ذات يوم واسترجعنا حريتنا واستولينا على بلد يسمى كالدى (أرض الكلدانيين) وضاق بنا هذا البلد، فأشار علينا رؤساؤنا وعقلاؤنا بأن ننقسم إلى جماعتين تبقى إحداهما وتهاجر الأخرى. فاستعدت الجماعة الأقوى للرحيل شرقاً باتجاه الهند بعد أن جهزت بالفلك ومجموعة من كتبنا المقدسة. وقبل انقسامنا تم تعليم الباترين (وهو فن معرفة رموزنا في الطريق) لمئات من أفراد العشائر. وتم التنبؤ بأن أطفال جميع العشائر ستجتمع مرة أخرى سوية في المستقبل غير المحدود. فقام نصف شعبنا بالهجرة نحو الهند التي جلبوا إليها معهم لغتهم وصناعتهم للذهب والحديد مع علومنا الأخرى. ولا بأس أن نذكر هنا إن نزاعاً نشب أثناء الرحيل بين بعض العشائر، فاتجه بعضنا إلى جهة معاكسة وقادهم هذا إلى بلد يدعى جال (مصر).
وبقيت الجماعة الأخرى في بلاد كالدي حيث تحالفت مع شعب أسيرى (الأشوريين) وحكم الدولة أثنان من ملوكنا هما بوديلو وأبنه لامانونيرانو، وقمنا ببناء مدينة ضخمة سميت بابيلا (بابل) وأتخذناها عاصمة لنا، واستمرت الحال على هذا المنوال إلى أن قام كيرشو (قورش) - ملك الفرس - بإعلان الحرب علينا، فاضطررنا إلى ترك كالدي، فاتجهت جماعة منا شرقاً والأخرى غرباً. واستقر بعضنا في بيلاسجى (اليونان القديمة) وفي الجزر القريبة منها. وتمكن الأخر من الحصول على تصاريح بعبور بلاد الفرس فوصلوا الهند حيث وجدوا هناك أخوتهم الذين هاجروا من أرض كالدي قبل الآف السنين<.
النص السالف ذكره حقيقة كان أم أنه من نسج الخيال، كاتبه لم يذكر المنطقة التي كانوا بها قبل الرحيل الأول علماً بأنه أورد البلاد التي احتلوها والمدينة التي أشادوها وجعلوها عاصمة لهم. والبلد الشرقي الذي توجه قسم منهم إليه وهو الهند، والبلد المعاكس الذي ذهب له قسم آخر لم يذكره النص المذكور، ويروى عن الغجر الذين يقيمون في أوروبا، قولهم نحن أمراء مصر. ولا يتوقف الحديث عند هذا الحد، ويروى عن رئيس الغجر في فرنسا الأب (فلورى) أنه قال: >قام فخذ من هذه العشيرة الغجرية وهم السندهو أو السنتي، كما تقول الحكاية، بالاتجاه غرباً بعد أن عبروا تخوم الهند وعملوا في تدريب الخيول والمتاجرة بالأحجار الكريمة، وامتلكوا البهائم لنقل أحمالهم. وصلت قوافلهم بعد زمن في أرض الكلدانيين. فرح بهم سكان البلاد إذ كانوا مهرة في صناعة النحاس والذهب. ولقنوا الكلدانيين فنون اليوغا الشعبية والقفز وكيفية السير على النار مقابل ذلك بتلقينهم علم التنجيم. وقد حدث هذا قبل عهد إبراهيم الخليل<.
لعل حديث الأب هو تكملة لما جاء به كاكوجودي، وهو يدلل على أن الغجر يتابعون قراءة تاريخهم بشكل مستمر، لذا تلحظ الترابط فيما بينها والتعويض عن النقص في أي نص مكتوب في نص يكتبه إنسان آخر حتى وأن أختلف الزمان والمكان بين الكتاب الغجر، وفي الوقت الراهن مهر في العراق بصناعة الذهب والنحاس بكافة أشكاله الصابئه، فمتى يعود بلاد ما بين النهرين إلى سابق عهده الذي عرفناه به بلد التآخي والمحبة والأمن والسلام ويتجدد اللقاء.
يبدو أن ما أورده بعض مؤرخي الغجر، من عن هجرة أجدادهم الأوائل كانت من بابل العراقية للهند، له ما يؤيده في التنقيبات الأثرية بوادي السند بالهند، وهذا دليل على ترابط الحضارات القديمة في كل الأرض بعضها ببعض. >في عام 1922م عندما كان عالم الآثار الهندي ر. د. باترجي ينقب عن أحد الأديرة البوذية القديمة التي ترجع إلى سنة 300م عند نهر السند الأدنى في موهنجودارو (تل الموتى)، تبين له أن الأجر الذي استخدمه البوذيون الأوائل في بناء الدير إنما يرقى إلى أزمنه أسبق من ذلك بكثير، وأنه إلى أسفل الدير وتل الموتى توجد مدينة مطمورة منذ زمن سحيق. وقرابة الوقت عينه بدأ جون مارشال- مدير هيئة الآثار الهندية- بأعمال تنقيب واسعة النطاق في هارابا، وسرعان ما ثبت لديه ان حضارة ما قبل التاريخ في نهر السند هذه قد شملت رقعة مترامية من الأراضي امتدت إلى بلوخستان، وانه قبل هجرة الشعوب المعروفة بالشعوب الآرية التي جاءت من منطقة بحر قزوين إلى الهند في حوالي 1500 ق.م بزمن طويل. لا بد وأن حضارة أقدم عهداً قامت في شمال غربي الهند، وقد ازدهرت في الفترة ما بين 1700-1500 ق.م فكيف توصل العلماء إلى هذا التاريخ بالنسبة إلى موهنجودارو وهارابا ؟<.
غير انه لم يعثر إلا على أقل القليل من الوثائق المكتوبة في وادي السند باستثناء الأختام التي كتبت بأحرف غامضة ملغزة لم تفك رموزها بعد، ومن ثم لم تسفر الأبحاث عن إجابة على السؤال الذي طرح. بيد إن علماء الآثار الذين قاموا بالتنقيب في المدن السومرية في وادي الفرات ودجلة كانوا قد عثروا على أختام تماثلها تماماً، وعلى بعض قطع فخارية مهشمة، ليس من الخطأ إرجاعها أصلاً إلى المدن القديمة التي كانت تقع على نهر السند وحيث ان الرموز السومرية المسمارية قد تم حلها وتفسيرها، وأمكن تحديد تاريخها بدقة. فإن طبقات الأرض التي تنتمي إليها أختام نهر السند والآثار السومرية التي أمكن تحديد تواريخها، هي التي حددت تاريخ موهنجودارو وهارابا، وبذا اتضح إن شعب هاتين المدينتين قد عاصر الفترة السومرية فيما بين 1700 و1500 ق.م فمن أين وفد بناه هذه المدن القديمة؟<.
كل ما يعرف عنهم إن مدنهم بلغت أوج ازدهارها قبل وصول المهاجرين الآريين إلى شمالي الهند بفترة طويلة، وربما كان سكان هارابا أنفسهم دخلاء جاؤوا من مكان ما وراء حدود الهند الشمالية الغربية، والذين كانت لهم بلا شك حضارة زاهرة عندما قاموا ببناء مدنهم، وحيث إن كتاباتهم لم توجد إلا على الأختام (ولعل هذا كان ضرباً من التمائم) وبعض الشذرات والأدوات الفخارية، وحيث إن الرموز التي وجدت في مختلف مستويات الحفر الدالة على مختلف العصور في هارابا وموهنجودارو لم تتغير، فإن هذه يدل على إن هؤلاء الناس لم يشهدوا بعد حلولهم في الهند غير مستوى ضئيل من التطور الفكري، ولعل المناخ هو السبب، ولعل الافتقار إلى وثائق أضخم من هذه يعزى إلى سبب أخر، فمن المحتمل أن تكون مثل هذه الوثائق قد كتبت على لحاء الشجر أو القطن أو الجلد أو سعف النخيل أو الخشب التي لا يخفى أنها تحللت جميعاً منذ أمد بعيد بفعل رطوبة التربة الهندية وملوحتها.
ونص غجري ثالث ينسب إلى (الأب بي شاتارد) لم يكتف بالقول بأنهم أحفاد الفراعنة الذين يطلقون عليهم (الفرافونا) جاء في كتاب (نهاية العام الأول)، بل يشكو فيه من حالة ضياع وإهمال فيما يتعلق بهم في كل شئون الحياة العامة، ومما ورد بالنص: >أنهم -أي الفراعنة- شنوا حرباً بقيادة رئيسهم على الهوراشاي (الحورسيين). ولما جدف الفارفونا على الله - كذبوا أو افتروا على الله - ابتلعهم البحر إلى أعماقه، نجا بعض الفارفونور (وهم الغجر) من الغرق ونحن أولاد أولئك، ومنذ تلك الكارثة لم تبق لدينا أي قوة وبلدة ودولة وأي رئيس وأية كنيسة وأية كتابة، إذ أن قوانا وقوتنا ورؤساءنا وكتاباتنا (اليدوية) غرقت في البحر إلى الأبد<.
هذا الحديث يذكرنا بما جاء في بعض الكتب الدينية عن غرق فرعون موسى وجنده في البحر أثناء تتبعهم موسى ومن معه هرباً من بطش الفرعون المتعالي الجبار. وحالياً في بعض البلاد العربية يطلقون على الغجر بعض الأسماء والأوصاف التي لا تليق بكرامة الإنسان، مثلاً في نجد يصفونهم بالخضيرية - أي منقطعي النسب - وأحياناً يقصد بها الحط من كرامة الموصوف أو النيل منه، متناسين قول الباري عز وجل: >إن أكرمكم عند الله اتقاكم<. وفي شمال وشمال غرب الجزيرة العربية يطلق عليهم صَلَب أو صُلب ويقولون أنهم من بقايا الجند الذين كانوا يحملون الصلبان أو يرفعونها أيام غزو بيت المقدس. وفي سوريا الكبرى يطلق عليهم نَوَر، وفي العراق يطلق عليهم ثلاثة ألقاب: قجقج بالجيم الفارسية ونَوَر وغجر، وينسبون لهم أعمالاً لا تليق ومكانة الإنسان الذي كرمه الله حياً وميتاً.
وفي حادثة الغرق يجب أن لا ننسى ما يقوله غجر روسيا، ويذكر ذلك بعد قولهم أنهم من أصول مصرية: >عند عبور البحر الأحمر وعندما غرقت جيوش فرعون، نجا فتى وفتاة بأعجوبة من الكارثة وتزوجا فكانوا أشبه بحواء وآدم بالنسبة للغجر<، ويروى أن البرونز لم يصل لأوروبا إلا عن طريق الغجر، فإن صحت هذه الرواية فهي تشكل دليلاً على براعة الغجر في صناعة المعادن منذ زمن بعيد، ويذكر عن (فولكاينوس بونافينتورا): >إن الغجر جاءوا من بلاد النوبة<، والأوروبيون عامة مازالوا يصرون على أن أصل الغجر مصري وليس هندياً.
وقيل في سبب التسمية باسم بابل أيضاً: >كان نبو خذ نصر الثاني نفسه قد اعتنق المندائية، بعد أن اعتنقتها ابنته (مريم) من زوجته (أوميت) ابنه أمير ميديا، والتي شاد الجنائن المعلقة تلبية لرغبتها، في عصر ازدهار بابل التي سميت آنذاك (باب الآلهة) و(عروس الشرق) وليس عجباً ذلك، ولا مجرد خلاف مع اليهود، فلم يكن هو أول من أدخل الديانة المندائية إلى بابل، بل منذ مولد إبراهيم الخليل في أور الكلدانيين، كان الناس على دين الصابئة المندائيين<.
وقيل إن الذي حارب العرب وفراعنة مصر واليهود هم بنوخذ نصر الثاني، ويل >في سنه ثماني لملك أحاز غزه شلما نعسر ملك بابل، وكتب أحاز نفسه عبداً له. وأخذ جميع ما وجد في بيت الرب والملك من الذهب والفضة والآنية. وحاصر مدينة شمرين ثلاث سنين وفتحها وقيل هو سعى وسبى العشرة الأسباط وفرقهم في جبال أثور وأراضي بابل والفرس<.
ويقال أيضاً >وفي السنة الرابعة من ملكه، حزقيا بن حزاق، صعد شلما نعسر ملك بابل إلى أرض السامر ثانية وسبى جميع من تبقى من العشرة الأسباط وفي السنة الثامنة من ملكه أنفذ شلما نعسر قوماً من الأثورين إلى أرض شمرين لحرثها فكانت تخرج عليهم السباع تقتلهم فقيل لشلما نعسر: إنما ابتلوا بذلك لأنهم لا يعرفون سنه تلك الأرض. فأرسل إليهم عوزيا الكاهن ليعلمهم التوراة، فلما تعلموها وعملوا بسنتها أمسكت السباع عن الإضرار بهم ومن ذلك الزمان صار السحرة لا يقبلون من الكتب الإلهية سوى التوراة وفي السنة العاشرة من ملك حزقيا غزا اسحاريب ملك أثور ديار القدس<.
وذكر أيضاً أنه في السنة الثالثة من ملكه، يوياقيم بن يوشيا،،من ملكة صعد بختنصر ملك بابل إلى بيت المقدس وسباها وجلا أكثر أهلها إلى بابل ومعهم دانيال النبي والفتية الثلاثة أولاد أعمام دانيال النبي ووضع الجزية على يوياقيم ورجع عنه. ثم وصل فرعون الأعرج إلى الفرات مرة ثانية والتقاه بختنصر هناك وقتله.
ويروى أنه في السنة الرابعة والعشرين من ملك بختنصر التي فيها احترق الهيكل وخرب أورشليم وجلى اليهود عن أوطانهم إلى بابل الجلاء الكلي.
أكثر دقة في تغيير بعض الألفاظ والإبدال في النطق وفي تركيب الجمل الإنشائية. إن الاعتراف بعدم القدرة على متابعة ما قد سرق، لا يعفينا من أن نأتي ولو بجزء يسير، ومن ذلك (السبي البابلي)، فمن قائل إنها كانت بالأساس (اليمن) وآخر لفلسطين الأرض المباحة في وقتنا الحاضر، ليس من قبل الصهاينة فقط بل من الأنظمة العربية المتعاونة مع الإمبريالية والعصابات اليهودية، فما أصدق قول الشاعر المناضل العراقي / مظفر النواب:
>القدس عروس عروبتكم فلماذا
أدخلتم كل زناة الليل لحجرتها
ووقفتم على الأبواب تستمعون
صرخات بكارتها
وتنافختم شرفاً وسحبتم خناجركم
وطلبتم منها أن تسكت صوناً للعرض
أولاد القحبة كيف تسكت مغتصبة<.
الأرض المغتصبة، أرض كنعان وفي التاريخ لأنبياء التوراة ثمة إجماع، إن النبي موسى عاش في القرن: 12ق.م، وداود بين 1000 و960 ق.م وسليمان بين 960 و22 ق.م، وإن السبي البابلي الذي اجتاح مناطق تواجد عشائر اليهود يعود لعام 585 ق.م وقيل 586ق.م، وإنهم عادوا لبناء الهيكل عام 539(أي بعد 46 عاماً) طبعاً بناء الهيكل في أورشليم أنه لم يكن في فلسطين الحبيسة ولا حتى السبي المزعوم. وكان جمع مرويات الأنبياء قد جاء متأخراً 800 عام عن أيام موسى، و400 عام عن أيام سليمان، علماً أن السريانية كانت لهجة قراءة التوراة أو حفظها حتى القرن الثاني ق.م فيما يقف الفيلسوف اليهودي: باروخ سبنيور، ليقول: >أن الأسفار كتابة رجل واحد أراد أن يروي تاريخ اليهود منذ نشأتهم حتى خراب أورشليم< لكنها كتابة أسقطت المرويات من الذاكرة.
ويقال لمصر في سنة 597 ق.م: >أن نبو خذ نصر، قد غزا فلسطين وبعد احتلالها أخذ معه عدداً من اليهود سبايا- إلى بابل، ومن بينهم النبي- حز قيال (حز قيال هو ذا الكفل، الذي ورد اسمه بالقرآن الكريم)، فلماذا شطب اسم ذي الكفل من التوراة واستعيض عنه بحز قيال في سجل الأنبياء في التوراة اليهودية أو ليس هذا الإلغاء متعمداً لإخفاء أسماء الأنبياء العرب، والاستعاضة عنهم بأسماء يهودية وذلك لتحقيق هدفين، الأول: أن ليس من العرب نبي سوى النبي محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام وللتقليل من مكانة العرب والآخر: حتى لا يقال أن بني إسرائيل يزورون التاريخ ويسرقون التراث وذو الكفل عربي يماني عاش ومات فيها مثله مثل - هود وصالح ويونس وشعيب والياس وكلهم أنبياء عرب<.
ومن بين السبايا ملك اليهود يواقيم - ونحن نشك في هذا الادعاء الذي ينفيه البعض من المتابعين لدراسة التاريخ قديمه وحديثه، وهم يذكرون عكس ما هو متعارف وشائع بين الناس، يقول ظفر الإسلام خان، (يؤكد المؤرخ العربي الطبري، إن حملة بخت نصر لم تكن خصيصاً لفلسطين وإنما كانت لإنزال العقاب بملك مصر، الذي قد كان رفض إرجاع بعض الفارين من رعيته، فغزا بخت نصر مصر، وقتل ملكها وسبى أهل مصر وفي رأينا ليس مصر الدولة الحالية، بل مصر الأنبياء اليمنية، كما أن الطبري يذكر أيضاً أنه سبى أهل شمال أفريقيا، وكذلك سبى من العرب كثيرين وأسكنهم بالأنبار - فقيل أنبار العرب سميت الأنبار، وخالطهم بعد ذلك النبط ويروى وكانت أرض الحجاز منازل بني عدنان الذين غزاهم بخت نصر، ونقل منهم إلى الأنبار من بلاد العراق.
ومن البلدات التي كانت تعرف باسم بابل جزيرة في نيل مصر، أطلق عليها العرب المسلمون (الفسطاط) وقصة تبديل الاسم معروفة لدى المؤرخين العرب والمسلمين، من يدري لعلنا في وقت لاحق نكتشف أكثر من موقع يحمل اسم بابل، حيث آلاف القرى والبلدات والمواقع تغيرت أسماؤها وأكثر من ذلك مازال مطموراً تحت الرمال في كل مكان ولا أحد يعرف عنها شيئاً، وبابل بمعناها السليم لا تعني بلدة أو مدينة بذاتها، بل دولة تمتد من جنوب العراق إلى شمال سوريا، بما في ذلك فلسطين الطبيعية، أنظر الصابئة المندائيين ص 102.
ما عرضت قضية من قضايا التاريخ إلا ودار الخلاف حولها فيما بين المهتمين بها إن كانت حقيقية أو خيالا، بغض النظر عن الظروف الزمانية والمكانية، بابل كأمر قائم أمر واقع، لا يمكن الحنث به، أما ما اصطلح الرواة على تسميته منذ زمن بعيد ب/ السبي البابلي، أمر قابل للأخذ والرد، وحوله يتباعد المؤرخون من حيث الزمان والمكان، لدينا ثلاثة أزمنة لا نعلم أيها الأصل وأيها المستنسخ.
المكان: يورد المؤرخون مكانين، واحد بالجنوب من شبه الجزيرة العربية، وآخر في الشمال ونحن نميل للجنوب، أصحاب الشمال في رأينا يهدفون لتحقيق غرض سياسي أكثر منه بتثبيت حادثة وقعت في زمن ما، وأصحاب الرأي الثاني: ليس لديهم أي دليل، غير ما ورد شفاهـاًَ أو ما سجل بعد مضي وقت طويل على وقوع الحادث المشار إليه. والرأي الأول: لدينا بعض المستندات التاريخية والتي هي من جهة التثبت أقرب إلى الصواب من مستندات الرأي الثاني.
ولعل التقنيات الأثرية التي جرت وستجري تكون مجمل نتائجها في تثبيت صحة أي من الرأييـن، ورغـم ثبات الرأي الأول، مـا يزال أعـوان الطـرف الآخـر متشبثين بـه ويعتبرونه (كتاباً) لا يأتيه الباطل رغم ارتجاجه وباطنه باطل كما ظاهره.
ولكل حادث حديث: يقال إن رجلاً يمتهن السطو على أملاك الغير سمه ما شئت لصاً حرامياً... الخ والخيار لك قدر له أن اقترن بـ/ امرأة تعمل بنفس الصناعة، لما حضرها المخاض استدعي لها بالقابلة، فجاء المولود وإحدى قبضة يديه مضمونة، فحاولت القابلة ما استطاعت بسطها فلم تفلح فأرسل الطفل البريء للمستشفى، وكانت المفاجئة عند فتح يده(دبلة القابلة) أمر غريب لكنه قابل الحدوث في أي زمان ومكان وقصتنا تجسيد لواقع قائم على الأرض، الأبناء يتبعون الآباء والأجداد ذرية يتبع بعضها بعضاً أمة حادت عن الصواب واتخذت الدس والتزوير متراساً تحتمي به.
إن سرق الأبناء الأرض في القرن العشرين، الآباء والأجداد عملوا من قبل على تزوير التاريخ، وسرقوا التراث وحرفوا كل شيء حتى بات الدس والبهتان حقيقة في نظر عامة الشعب المغلوبة على أمرها لقد ادعوا توراة غير المنزل وكتبوه بعد مرور وقت طويل على التنزيل.
غربلة التاريخ وإعادة كل شيء إلى ما كان عليه، يحتاج لوقت طويل وجهد كبير، التوراة الكنعانية، هي إنتاج فكر إنساني عظيم وهي ملك لمن كتبها أو ساقها شفاهاً، وما جاءت به مكتبة (أوغاريت) خير من يوضح القصص والأساطير والأفكار والحكم وهي من إنشاء شعراء وكتاب كنعانيين، هذا التراث العظيم سرقه من يعرفون ببني إسرائيل، وأسموه بتوراتهم، ولم يفعل بنو إسرائيل سوى اقتباس هذه القصص والأساطير والحكم والأمثال..... الخ.
واقع الحال يقول: كل ما فعلوه هو تغيير في بعض الأسماء سواءً كان لأماكن أو أشخاص، وبما أن التوراة اليهودية جاءت بعد الكنعانية، فمن الطبيعي أن تكون المتأخرة قد أخذت من الأولى.
ويقول ظفر يتضح أن السبي الذي يبكي عليه اليهود كثيراً ويؤكدون بذلك حقهم في العودة، لم يكن السبي والنفي أسلوبا من أساليب بخت نصر المعتادة، ولم يسلم من العرب أنفسهم ومن ثم يعود إلى الطبري وينقل منه أنه بعد هذا السبي على يد بخت نصر تفرقت بنو إسرائيل، ونزل بعضهم ارض الحجاز بيثرب ووادي القرى وغيرها.
ويعلق الأستاذ ظفر على ذلك فيقول: لقد كانت آلام اليهود والفجائع التي أصابتهم على أيدي الشعوب الأخرى خاصة الأوربية تعود إلى حد كبير إلى اشتراكهم النشيط في السياسات العالمية حينذاك - مثلما يفعلون في القرن العشرين - وقد جنوا ثماره على أيدي هتلر قبل الحرب العالمية الثانية بسبب دورهم المقيت في إسقاط ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وتحالفهم مع بريطانيا والحلفاء، فقد تحالف اليهود في وقت أو آخر مع جميع الأجناس والشعوب التي حكمت العالم القديم أو ذلك الجزء، كان اليهود يسكنونه، لقد تحالفوا مع الفرس، والمصريين القدماء وها هم حكام (مصر الجدد والأردن يضعون أيديهم بأيدي الصهاينة الذين فاقوا بجرائمهم جرائم النازية، ضد شعبهم والشعوب العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصة والرومان، والبيزنطيين، والآشوريين والأنباط من الشعوب).
إن كل ما حدث لبني إسرائيل من إذلال في تلك الحقبة إنما كان عقاباً لهم من الرب لأنهم كانوا ارتدوا عن ديانة موسى وراحوا يعبدون أصناماً تمثل المعبودات الكنعانية ولقد مر بنا في الروايتين السالفتي الذكر، هناك تاريخين للحملة المزعومة، يفصل بينهما اثنا عشرة سنة وهذا دليل على كذب ادعاء بني إسرائيل بأن بخت نصر غزا فلسطين وسبى آلافاً منهم وإن سلمنـا جدلاً أنهـا كـانـت لفلسطيـن الحـاليـة، كـم كـان عـددهم فيهـا يروي المـؤرخ اليهـودي (سالوبارن): >أن اليهود خارج فلسطين كانوا أكثر من ضعفي اليهود داخلها وعندما قام نبو خذ نصر، بسبي يهودا ومعه طبقة الأغنياء والكتبة والكهنة إلى بابل خلال القرن السادس قبل الميلاد وجدت غالبيتهم نجاحاً اجتماعياً واقتصادياً في موطنهم الجديد ففضلت الاستمرار هناك وعدم العودة إلى فلسطين عندما سمح الفرس بذلك وتمتعت الجالية اليهودية في بابل بحرية تامة في المسائل الدينية، ومنها خرج الأحبار الذين درسوا تعاليم التلموذ. وحتى عصرنا الحالي وفضل أكثرية اليهود الإقامة خارج فلسطين ولم يختاروا فلسطين لأقامتهم<.
وإذا علمنا أن في سنة 1165م كما يقول الرحالة الأسباني بنيامين: من تطيلة لم يكن غير (5000) نسمة أيـن ذهبوا خـلال المـدة الممـتدة من (597ق.م 1165م) والمقـدرة بـ/ 568سنة لو سلمنا أن الخمسة آلاف وهم أصل المسبيين لم يخلفوا أحداً ولو قدرنا جزافاً أنه لم يلد في السنة غير (150) نسمة فسيكون عددهم في نهاية المطاف (750000) نسمة، وبفرضية حسابية مات سبعمائة فرد، علماً بأن الموت مرفوع عنهم لأن الرب قد أعطاهم عهداً بأن لا ينقصون وسيورثهم الأرض ومن عليها على حد زعمهم سيكون المتبقي (50000) هل عادوا كلا، ونحن نعلم أنه لم يعد أحد بتاتاً بعد السماح بالعودة أثناء الاستيلاء الفارسي على بابل قلة قليلة من الفقراء حيث الغالبية منهم كانت في مصاف الأغنياء وارتبطت مصالحهم بالدولة الفارسية ببابل وفارس.
اسم بابل حسبما يخبرنا الجغرافيون القدامى: ليس مقتصراً على المدينة المعروفة ببابل حالياً بل على المنطقة الوسطى من بلاد ما بين النهرين، وبلاد الرافدين هو مصطلح يوناني يعني (بين النهرين) ولفظة عراق كما يذكرون: عراقيان عراق العجم ويضم المنطقة الممتدة من سهول الرافدين غرباً حتى صحراء الملح بإيران أما عراق العرب فيشمل السواد والجزيرة الفراتية وبادية الشام وسواحل البحرين، وكان العرب قبل ذلك تطلق اسم العراقين على الكوفة والبصرة.
وما ذكره دعاة السياسة والتاريخ من جرائم نسبوها لهتلر بحق اليهود، ينفيه الشرفاء والمنصفين، ليس من العرب والمسلمين بل من الغربيين عامة وغير المسلمين ومنهم يهودا أيضاً، من الذين لم يتعاونوا ولم يقعوا في شرك اليهودية المقيتة والإمبريالية وعن اليهود الذين كانوا يقيمون في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية يقول كل من (روبير فوريسون وماري بول ميمي): >الكثير من اليهود قد ماتوا والكثير منهم قد بقوا على قيد الحياة. لم يكن هناك أمر بإبادة اليهود، وفي الواقع أنه لم تحصل إبادة. أنه لمن المؤكد بأنه كما في كل حرب، قد حصلت مجازر وكان اليهود وغير اليهود ضحية لها. باختصار، أن ما عاشه اليهود من عام 1939م وحتى 1945م قد كان عادياً جداً<.
وفي عرض قضية الإبادة لليهود من قبل النازيين الألمان كما يسمونهم بأمر من هتلر بلغ عددهم (ستة ملايين يهودي) إنه كذبة في المرحلة الحديثة إن الإبادة الجماعية لليهود هي أمر لا يستند إلى ركيزة صلبة. أرجو الانتباه، إنني أقول جيداً إبادة جماعية لا يجب مزج هذه العبارة بعبارة مجزرة، افتحوا أعينكم وانظروا من حولكم إلى أصدقائكم اليهود، إنهم أكثر عدداً مما كانوا عليه قبل الحرب. هذا الواقع البسيط يقودكم إلى الشك بأن هتلر، الذي احتل فرنسا لمدة أربع سنوات قد عمل على إفناء منهجي منظم لليهود. السؤال يطرح نفسه بنفسه.
القول بإبادة اليهود في الحرب العالمية الثانية كذبة مفضوحة منذ بدايتها، وكان مطلقوها يسعون لتحقيق غرضين في آن واحد استعطاف الشعوب على اليهود والثاني استغلال الشعب الألماني الذي دفع وما يزال يدفع وسيظل يدفع من عرقه، طالما بقي عتاة اليهود ومن ورائها الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تسير الحكومات الألمانية المتعاقبة منذ عام 1945م وحتى الآن، وليس الألمان وحدهم الذين يدفعون بل كل شعوب الأرض قاطبة وفي طليعتها الشعوب العربية التي تستغل من قبل شركات النفط وبأغطية واهية وبمباركة الحكومات العربية الخانعة.
نعود لحملة بخت نصر (إن حملة بخت نصر كانت موجهة إلى اليمن وليس إلى فلسطين) إن الغزو البابلي المزعوم، كان بالأساس موجهاً نحو اليمن وليس فلسطين كما أن لقب ملك في تلك المرحلة يطلق على كل وكيل أو زعيم عشيرة كانت محط صراع مع ملوك مصر الحاضرة، ولوعورة مسالكها كان لها حصون تهتم بالجباية وحماية القوافل. ويبدو أن عشيرة يهوذا كانت تهادن الغزاة ثم تغتنم الفرصة لعدم دفع ما يجب دفعه، لذلك كان الهجوم والإحراق والسبي الذي كان يطال العشائر الأخرى أيضاً، خاصة أن اليمن والطريق الساحلي إلى البحر الأحمر نحو تبوك، كانت مجال مناوبة السلطة البابلية والمصرية لذلك قال الهمداني: (أن الكثير من أنساب اليمن بعد غزوة بخت نصر. أو نبو خذ نصر عام 587ق.م.
فكيف نوفق بين تاريخين أحدهما: يقول 597ق.م كانت حملة بخت نصر على فلسطين وكان منها السبي المزعوم والآخر يذكر أن عام 587ق.م هو وقت الغزو البابلي لليمن ومنه كان السبي البابلي إنا لفي هذا في شك مريب، وثالث يقول: كانت الحملة على مصر أولا ومن ثم على اليمن كما هو واضح من الفارق بين الحملتين ومقداره عشر سنين، هذا من خلط اليهود للأوراق وتزوير للتاريخ وحتى خلط الحبل بالنابل مثلما يقال، معتقدين أنه لن يأتي يوم تظهر فيه الحقيقة وبيان الزيف في شطب اسم مصر واليمن وتثبيت فلسطين فقط، حتى يروجو بضاعتهم لعودة مدعاة لفلسطين وتخليداً لأكاذيب ابتدعوها.
ويمضي صالح ديب في قوله: >والكلمة الأخيرة للهمداني / في كتابه الإكليل، إن غالبية أنساب اليمن قد ضاعت منذ غزوة بخت نصر إلى اليمن، وفيها حدث ما يسمى السبي البابلي لليهود ولغيرهم في أواخر القرن السادس قبل الميلاد”، ويقول صالح: “ ومن شذرات الهمداني المتوفى عام 250/360هـ ما رواه عن النبي شعيب الذي كان مسجده في رأس جبل حدة حضور ابن عدي. وهو جبل عظيم البركة لا يزال متعصباً بالغمام، ولم يزل الثلج على جبل باليمن إلا عليه وعند المسجد معين ماء يسمى راس الجبل بيت خولان فبعثه الله إلى قومه رسولاً فكذبوه وقتلوه، فأوحى الله إلى برخيا بن اضنيان زربابيل بن شالتان من سبط يهوذا، أن أت بخت نصر الذي غزا العرب الذين قتلوا نبيهم فلما غشيهم الجنود، جنود بخت نصر أي نبو خذ نصر البابلي الذي سبى اليهود< هربوا يركضون إلى تهامة فلقيهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ويردونهم إلى حضور. يقول الله عز وجل: >وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ.
أي علام قتلتم شعيباً ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ إذاً الآيات تتحدث عن قتل عشائر خولان اليمنية للنبي شعيب ثم غزوة نبو خذ نصر إلى اليمن.
 في ربيع عام 720 أحرز الملك البابلي نصر على التحالف السوري في مدينة قرقر فخضعت أرباب عاصمة بيت أجوش وسيمبر، ودمشق للسيادة الآشورية ومعها أقاليمها كاملة ثم تابع زحفه إلى غزة فاحتلها واشتبك مع قائد الجيش المصري وعند رفح على الحدود المصرية وكبده خسارة فادحة ودمر المدينة.
وفي نهاية العام نفسه عاد إلى السامرة، عاصمة إسرائيل، حيث أعاد بناءها وجعلها حاضرة إقليم سامرينا، بعد أن اجتاحها في بداية حكمه، كما يقول في نص له: >في بداية حكمي، وفي السنة الأولى احتللت سامريا 17290.000 من سكانها سقتهم من هناك وغنمت منها 50 عربة لقواتي الملكية. وأسكنت فيها أناساً من أسراي البلاد الأخرى، وعينت عليها حاكماً من أتباعي الشخصين، وفرضت عليها الجزية والضرائب<، وثمة نص عبري، يذكر الواقعـة المفجعـة التي وضعـت نهـايـة لدولـة إسرائيـل يقـول (سفر الملوك الثاني، 417): >وعندما علم ملك آشور (شلما نصر الخامس) بتآمر هوشع الذي أرسل مبعوثين له إلى ملك مصر سو، ولم يدفع لآشور الجزية السنوية المعتادة أمر بالقبض عليه وزجه في السجن<، ثم يتابع النص 617 في العام السادس من حكم هوشع احتل ملك آشور (سرجون الثاني) السامرة وأسر الإسرائيليين، وساقهم إلى آشور، وأسكنهم في هالة وعلى الخابور... وفي مدن (بلاد) الميديين في إيران<.
ومما ذكره نستنتج كم هو الخلاف الشائع في تحديد الزمان والمكان المنسوب لحملة بخت نصر، ونحن مع القائلين: كانت موجة نحو اليمن وليس فلسطين الحالية أو مصر التي ذكرها الطبري في سياق الحديث الماضي نرى أنها مصر اليمن ومصر دولة معروفة في جنوب اليمن، وليس مصر الدولة المعروفة حالياً، فمهما أخفيت الحقيقة بشكل متعمداً أو عرضياً لابد وأن تبصر النور يوماً ويعرفها القاصي والداني يتذكر طغاة اليهود جيداً ومعهم الإمبريالية، وبخت نصر وقد مر عليه ما يقرب من (2597) ويتناسون جرائمهم بحق الإنسانية جمعاً، وفي مشرق الأرض وغربها والرفض البيوريتاني الأمريكي للتاريخ الأوربي، يقابله الرفض اليهودي الإسرائيلي للتاريخ اليهودي في الدباسبورا (الشتات) يرون أن الوجود اليهودي في أي حضارة غير يهودية ظاهرة شاذة وعلامة المرض الروحي.
يتباكى الإسرائيليون على السبي البابلي ويتناسون الجرائم التي ارتكبوها وما زالوا في الأرض الفلسطينية منذ عام 1948م وما قبلها حتى يومنا هذا، ومن ينسى صبرا وشاتلا وقانا في الجنوب اللبناني، ومدرسة بحر البقر بـ/ مصر وحرق المسجد الأقصى، والجريمة الصليبية الحديثة بحق الشعب العراقي (إن الجنرال الأمريكي مثل الجنرال الإسرائيلي) عنده إحساس بأنه صاحب رسالة خاصة أنه اختير لتنفيذها، ولذلك فهو يقوم بالتخريب والتدمير والفتح والغزو والنهب في منتهى البراءة والبرود، دون أن يهتز له جفن ولم يسلم من جرائمهم حتى النساء والأطفال الرضع.
لقد دخل علم الآثار التاريخ من أوسع/ أبوابه، وكشف الكثير من الزيف الذي كان لوقت قريب تعتبر حقائق لا يرقى إليها الشك، ويؤكد المعتدلون من الباحثين أن أول محاولة آشورية للاستيلاء على سوريا، كانت سنة 859، أيام الملك الآشوري (شلمناسر الأول) وكان هدفه الدخول لدمشق، غير أنه فشل فاتجه نحو الجنوب السوري (فلسطين) وظلت المحاولات تتكرر حتى تم لهم إخضاع دمشق عام 859 ق.م - لكنه لم ينجح في الاستيلاء، على دمشق - وسادت فترة سلام في إسرائيل عندما انشغلت آرام بمواجهة الخطر القادم من عبر الفرات ولكنه سرعان ما اتجه الآشوريون أنفسهم جنوباً إلى أرض فلسطين فقد ملك منحيم بن جادي على إسرائيل في السامرة عشر سنين وعمل الشر حسب التعبير الإسرائيلي في عين الرب فجاء (فول) ملك آشور على الأرض فاعطى منيحم (لفول) ألف وزنة من الفضة لتكون يداه معه ليثبت المملكة في يده... فرجع ملك آشور ولم يقم هناك في الأرض ولكن هذا الوضع لم يدم طويلاً، فبعد ذلك بسنوات عدة، عادت آشور هجومها على منطقة شمال فلسطين وليس على إسرائيل فقط، جاء تغلب غلاسر ملك آشور وأخذ عيون وابل وبيت معكة ويانوح وقادش وحاصور وجلعاد والجليل وكل أرض نفتال وسباهم إلى آشور ومع ذلك ظلت السامرة في يد ملوك إسرائيل، على حد زعمهم، وتتابعت هجمات الآشوريين على آرام حتى سقطت لهم دمشق أخيراً في عام 732ق.م، وأصبحت مطامع آشور التالية هي:الاستيلاء على فلسطين كذلك قصد شلمار ملك أشور على إسرائيل فصار له هوشع (ملك إسرائيل) عبداً ودفع له الجزية. ووجد ملك أشور في هوشع خيانة لأنه أرسل إلى ملك مصر، ولم يؤد جزية إلى ملك أشور حسب كل سنة، فقبض عليه ملك أشور وأوثقه في السجن وصعد إلى السامرة وحاصرها ثلاث سنوات في السنة التاسعة لهوشع. أخذ ملك أشور السامرة وسبى إسرائيل إلى أشور وأسكنهم في حلح وحابور ونهر جوزان وفي مدن مادي...وأتى ملك أشور بقوم من بابل وكوث وعواحماة وسقر وأيم وأسكنهم مدن السامرة عوضاً عن بني إسرائيل فامتلكوا السامرة وسكنوا في مدنها.
إن الاختلاف في الروايات الإسرائيلية ناتج عن أن الرواية الواحدة أو الحادثة الواحدة يكتبها أكثر من واحد، وكل واحد يأتي بأشياء من خياله مما يجعل الوهم حقيقة، والقصة توحي لنا ببعض الأمور، أولها: أنها مختلقة وثانيها: أنه الأساس الذي عليه ارتكزت أسطورة السبي وثالثها: الإبدال في اسم الملك الآشوري، إلى فول بدل (شلمناسر) ورابعها: أن الملك اليهودي دفع رشوة للملك الآشوري، كي يقره في الحكم وأنه أصبح عبداً، ومن الثابت في القصة، كل المناطق التي أتت بها موجودة في اليمن ويمكن الإطلاع عليها في كتاب فرج الله صالح(التوراة العربية) بعد عشر سنوات من تدمير مملكة إسرائيل الذي تم خلال الربع الأول من القرن الثامن ق.م وكان حزقيا يملك على يهوذا، وإن صعد سنحاريب ملك أشور على جميع مدن يهوذا الحصينة وأخذها، وأرسل حزقيا ملك يهوذا إلى أشور ويقول قد أخطأت، ارتحل علي وأنا أدفع ما تفرضه علي من جزية. فدفع حزقيا جميع الفضة والذهب في بيت الرب وفي خزائن الملك.
ومثلما دفع ملك السامرة رشوة للملك البابلي دفع حزقيا هو الآخر رشوة لكنها أكبر من سابقتها، ولما مات حزقيا خلفه ابنه منسي، وفعل ما فعل سابقوه حب الشر، وتقول الرواية أيضاَ: >وعمل منسي الشر في عين الرب رجاسات الأمم وأقام مذابح للبعل وعمل سارية ومجداً لكل جند السماء النجوم الكواكب وعبدها<، وتضيف الرواية >وهزمت بابل أشور واستولت على كل بلاد الهلال الخصيب<، أن نبو خذ نصر جاء إلى يهوذا في أيام ملكهم يهوياكين، فخرج يهو يا كين ملك يهوذا إلى بابل هو وأمه وعبيده ورؤساؤه وخصيانه، وأخذ ملك بابل من ملكه وسبى الرؤساء وجميع جبابرة البأس، عشرة آلاف سبي وجميع الصناع والأقيان لم يبق أحد إلا مساكين شعب الأرض. ويضيف الكاتب >أن صدقيا صار ملكاً على ما تبقى من حطام يهوذا بعد ذلك، إلا أنه هو الآخر واجه جيوش البابليين وتبعت جيوش الكلدانيين الملك فأدركوه في برية أريحا، وتفرقت جيوشه عنه. فأخذوا الملك واصعدوه إلى ملك بابل في ريلة وكلمدة بالقضاء عليه، وقتلوا بني صدقيا أمام عينيه وقلعوا عيني صدقيا وقيدوه بسلسلتين من نحاس وجاء به إلى بابل<.
يمهد كتبة التوراة بأعين السواد من بني إسرائيل بقولهم: (إن الرب قد وعد بالعودة) ويذكرون >صوت سمع في الرامة نواح بكاء راحيل تبكي على أولادها وهي تأبى أن تتعزى عن أولادها أنهم ليسوا بموجودين، هكذا قال الرب امنعى صوتك عن البكاء وعينيك عن الدموع لأنه يوجد جزاء لعملك يقول الرب فيرجعون من أرض العدو، يوجد رجاء لأحزانك يقول الرب فيرجع الأبناء إلى تخمهم<.
هذا ما يعتبره بنو إسرائيل دليلاً على وعد الرب لهم بالعودة إلى الأرض الموعودة التي منحها الرب إليهم من وقت طويل، وفي مبررات السبي يقول اليهود: >سبيت يهوذا من المذلة ومن كثرة العبودية هي تسكن بين الأمم، لا تجد راحة، قد أدركها كل طارديها بين الضيقات... نجح أعداؤها لأن الرب أذلها لأجل كثرة ذنوبها ذهب أولا السبي قدام العدو<.
تروى بعض المراجع (أنه من الثابت عندما دخل الملك البابلي نبو خذ نصر، مدينة القدس كان يقيم فيها سكانها الأصليون اليبوسيون، أما اليهود فلم يكن لهم أي وجود فيها، وإن الذين فنيو عن بكرة أبيهم هم اليبوسيون، وهم الذين هدمت معابدهم في القدس ونقل كل ما كان بها إلى بابل وقد نسبها بنو إسرائيل إليهم وتقدر محتوياتها بـ/ ثلاثين طستا من ذهب وألف طست من فضة وتسعة وعشرين سكيناً وثلاثين قدحاً من ذهب وأقداح فضة من الرتبة الثانية (و) أربع مئة وعشرة وألف من آنية أخرى جميع الآنية من الذهب والفضة خمسة آلاف وأربع مئة).
وهـذا خلاف لمـا يدعيه الإسرائيليون، وعند انهزام البابليين أمام الفرس، بقيادة ملكهم (قورش) عمد قورش على إعادة بناء المعابد التي هدمت في فلسطين وارجع كل ما أخذ منها، تحت إشرافه أو إشراف أحد موظفيه المدعو(شيش) كما سمح بعودة كل المسبيين من كـل الشعوب بالعودة إلى فلسطين، لا شك في ذلك رغم الإشكالات الواقعـة فيـه بيـن الباحثين، عرباً كانوا أو مسلمين أو غربيين، ومن المؤكد عودة معظم الشعوب المسبية قاطبة باستثناء الأغنياء من اليهود، بقيادة رئيسهم (زروبابل).
حيث أن مصالح الإسرائيليين، قد ارتبطت بمصالح بابل، أي الحكام البابليين والذين عادوا ليس منهم أحد من المقيمين (اليهود) بالقدس علماًَ بأن المواقع التي ينتمون إليها تقدر بـ/ 17موقعاً في بعض أراضي فلسطين، ويعتبر مذبح الصخرة من أهم المراكز الدينية لمن يسكن فيها بل حتى إلى من يقيمون شرق نهر الأردن.
ومصر هي البلد الثاني على ما يقال، خرج إليه اليهود في القرن السادس ق.م وأقام عدد كبير منهم في جزيرة (فيله) التي تقع وسط نهر النيل أما أسوان وفي القرن الثالث أيام البطالمة والإغريق، استوطن عدد كبير مهم منطقة الإسكندرية والفيوم والمنطقة الواقعة شمال عين شمس، وفي عهد الإمبراطور (ثريان) الروماني 115ـ117 قام اليهود بحركة في ليبيا ومصر، وعلى أثر هذا التمرد طرد عدد منهم من مصر وليبيا، كما منعوا من دخول (قبرص) وفي أيام الإغريق انتشر عدد منهم في كل المدن السورية والفينيقية ومدن آسيا الصغرى.
ومن التلفيقات التي سجلت في التاريخ: (أن اليهود) أجبروا على مغادرة فلسطين في سنة ميلادية عند دخول الرومان لها، ودمر هيكل القدس وأحرقوها، والصحيح أن اليهود أنفسهم هم الذين دمروا الهيكل وأشعلوا النيران في كل القدس ومن مفتريات التاريخ المزور القول(نيرون) هو الذي حرق (روما) والثابت أن اليهود هم الذين قاموا بحرق روما، ونسبوا فعلتهم الشنيعة لنيرون. ومن المؤسف إن الغالبية من الشعوب الأوربية ما زالوا مقتنعين بهذه الجريمة، ولو لم توجد تليفزيونات أثناء حرقهم المسجد الأقصى لقالوا إن العرب أنفسهم أحرقوا الأقصى.
في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، أصبح وجود اليهود في المنطقة المعروفة حالياً (بالشرق الأوسط) قليلاً جداً، إذا ستبعدنا حضورهم في كل من بابل وبلاد فارس وهذا ناتج عن فشل التمرد الذي قام به أو قاده (باكوخيا) وكادت صلتهم بفلسطين أن تنقطع لو لا نفر متخفون في الجبال.
وابتداءً من عام 135م واليهود يعيشون في عزلة، بسبب تعاليم التلمود التي هي أسوأ من التوراة المزعوم، الذي حل محلها، حتى جاء الإسلام ومنحهم مكانة ما كانوا يحضون بها قرون عدة، فلقد ساوى الإسلام بين كل أصحاب الكتاب بما فيهم اليهود الذين تآمروا على الإسلام ونبيه، ومن نتائج هذه المؤامرات طردوا أولاً: من المدينة وثانياً إلى اليمن ومن ثم إلى بعض مناطق الشام.
وفي الجزيرة العربية كانت لهم بعض الهيمنة الاقتصادية ويعود الفضل في ذلك إلى مساندة الدولة الفارسية قبل الإسلام. هل يعيد التاريخ نفسه ويذل بني إسرائيل، كما ذلوا من قبل، ورغم كل الإذلال الذي تعرض له اليهود وما زالوا يحلمون بأنهم سيسيطرون على العالم، في سنة 1870م شوهد في نجران مستكشف فرنسي يدعى (هالغي) وهو يهودي، ولما سئل عن وجوده قال: (إنه يستكشف آثار لأخوة له في الدين من الذين عاشوا فيما مضى في نجران) وبما نشر من معلومات عن آثار رغبة الغربيين في استكشاف هذه المنطقة المعزولة عن العالم، ومن بعده قام (جون فلبي) الجاسوس البريطاني بزيارة للمنطقة بين عام 1936م 1937م ويعد فلبي ثاني أوربي يزور نجران.
يقول البعض من أبناء نجران: >أنه ما زال حتى يومنا بقايا من اليهود في نجران، رغم رحيلهم إلى فلسطين المحتلة منذ عام 1948م< كما هو الحال في بعض مناطق جنوب شرق الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي.
يقول المثل (رب صدفة خير من ألف ميعاد) في 7/6/1992م دخلت مطعماً في المنامة وصادف أن جلست بطاولة ليس بها غير مقعدين، وقبل أن يأتي عامل المطعم جاء شخص واستقر بالمقعد الثاني، وطلب طعاماً بلهجة غير خليجية، وهو ليس من الأطعمة التي يفضلها أبناء الخليج، وقبل أن أهم بالخروج بادر: >مصري، فقلت (لا) فأجاب إذاً عراقي رغم إني قلت لا فلم يصدق ذلك ثم أردف قائلاً: ألم تر ماذا فعلنا بكم >فهممت بالرد عليه غير إنه كفاني مؤنة الرد وقال: أنا يهودي من نجران بيتنا وأرضنا هناك أعرفهما جيداً لكني لم أعش فيهما وأعرف أين دفن جدي وجد جدي، وإن كنت تشك سآتيك بما يدلل على صدقي فقاطعته سلالة مجرمي الأخدود، فوقف عن الحديث وخرج من المطعم.
وشاءت الأقدار أن أعود للبحرين في 20/7/ 1995م، وبينما أنا أقف أمام واجهة أحد المحلات التجارية أنظر لبعض الأشياء فيه، وإذا بيد تربت على كتفي، فتلفت وإذا هو (سعد) فقال بسرعة ها نحن نلتقي مرة ثانية، وأردف قائلاً: تشتري مني شيء فأجبته لا أرى عندك شيء فوضع يده بجيبه وأخرج خرزتين وقال من جبال نجران.
يروى: أن اليهود قد جاءوا لنجران واليمن، في أوائل القرن السادس للميلاد وهذا القول ليس صحيحاً، فوجودهم كما سبق وان قلنا، يعود إلى ما قبل السبي البابلي ويعضد ذلك الآثار التي ما تزال فيه، في جميع جبال اليمن، ومن الآثار التي تم الكشف عنها وهي يهودية وبالنسبة لنجران يوجد (نقش) يعرف باسم نقش (حمى) ويحمل اسم الملك السبئي (دهونواس) يعود تاريخه لعام 518ق.م وجاء فيه(تقدير عدد الضحايا الذين قتلهم الملك اليهودي دهونواس بـ/ 14000قتيل 11000 سجين وغنيمة 290000 رأس من الجمال والبقر والماعز) وجاء في النص أيضاً (بإذن إله السماء والأرض وقدرة الجنود سيحفظ هذا العمل من جميع الإعطاب. إمضاء تميمون السبئي)، وفي رواية أخرى لنفس النص يقال: >الملك السبئي يوسف عزار وهو اسم آخر للملك دهونواس الذي قاد حملة انتصر فيها على الأثيوبيين سنة 518م وكانت الحصيلة (13000من القتلى و2500سجين و280000رأس من الحيوان منها الكبير والصغير ويذكر أنه تم العثور في نفس المنطقة على تمثال من الذهب<.
ومع إن أعمال الكشف الأثري في الأجزاء المختلفة من جزيرة العرب ما زالت في مراحلها الأولى، إلا أنه تم العثور على العديد من البقايا الأثرية والنصوص القديمة التي لا بد وأنها ستحدث تغييراً جذرياً في ما كنا نعتبره قضايا مسلمة من قبل. ومما نمى لعلمنا إن إدارة متحف نجران سوف تقوم بالتنقيب في مدينة الأخدود المشهورة في التاريخ.

 

 

كاتب
365995