قراءة في ذاكرة الزمن 1 / 2
تحليل تطبيقي لقصيدة (وقفة على أطلال خولة) للشاعر السيد عدنان العوامي
علي مكي الشيخ * - 2 / 11 / 2007م - 2:41 م - العدد (37)

وقفة على أطلال خولة
كان مشهدًا مرعبًا، ذلك الذي رآه ذات يوم حين بدأت الكاسحات برفع أبنية (القلعة)؛ الحاضرة القديمة للقطيف. لم تكن، في نظره، أبنيةًً من الطين تلك التي تطحنها الكاسحات أمام عينيه، بل هي تراكمات التاريخ، وذكريات الحضارة الإنسانية.
سلامًا، سلامًا، منازل خوله
سلامَ الخليلِ تذكَّر خلَّه
تذكَّر مدرج أحبابه
ضِفافًا ومشتل ضوءٍ ونخله
وملهى صَبًا سَوسنيَّ الأديـ
ـم تطوف المواسم بالعشق حوله
تذكَّر سِيفًا، ورفَّةَ قِلعٍ
ونجمةَ صيف تغازل تلَّه
وداليةً تستضيف المساءَ
سراجًا، وكوخًا، ومهدًا، وكِلَّه
وتحتضن الصبحَ شمسًا وهمسًا
وظِلاًّ وطلاًّ وتينًا وسلَّه
وجدول ماسٍ يسبسب عشقًا
وينضح شوقًا، ويخصب رمله
* * *
سلامٌ عليك، سلامَ الحبيب
سلامَ الغريب تعشَّق أهله
سلامَ المهاجر أدمى خطاه
هجيرٌ ووَحشةُ دربٍ ورحله
فعاد إليك بنزف الجراح
تكاد دماه تخضِّب رجله
على جفنه رعشة من سناك
وفي شفتيه اختلاجة قُبله
وفي ثوبه من بقايا ثراك
بَهارٌ، ونَورٌ وعِشبٌ وظِلَّه
ومن لفح شمسك في عارضيه
يرفرف نجمٌ، وتضحك فُلَّه
ومن وهَجٍ من هواك القديم
بقيَّة غارٍ تجلِّل رحله
* * *
أتاك يُفتِّش خلف الرُّكام
عن الأمس دارًا وجارًا وخِلَّه
عن امرأةٍ من أعزِّ النساء
جلالاً ورِفعةَ قدرٍ ونِحله
ومن أجمل الفاتنات الملاح
قوامًا، وجيدًا، وثغرًا ومُقله
ومن أكرم الغيد حين العطاءِ
إذا الحالُ يسرٌ، أو الحال قِلَّه
على بابها تستريح القوافل
من كل حدب ومن كلِّ مِلَّه
وفي بيتها تتقرَّى الضيوف
تؤم نداه، وتنشد نبله
وتسكن قصرًا منيعَ الجنابِ
بضوء المآذن يغسل ظِلَّه
وبوح الكتاتيب يثري ضحاه
ووحي المنابر يؤنس ليله
وتملك نخلا كنخل العراق
سخاءً، وماءً زُلالاً كدجله
ويحتضن النخلُ أثمن كنز
من الماس لم يؤتَ قارون مثله
ويومَ الكريهة، يومَ النزال
لها الطَّولُ باعًا، وبأسًا، وقوله
إذا زمزم الروع يدمي القلوبَ
إذا راش سهمًا وصوَّب نبله
تيمَّمها الجار زندًا حميًّا
وحضنًا وفيًّا وزادًا ونهله
* * *
فعنترةٌ تاه يومًا عليها
غرورًا وزهوًا وجرر ذيله
وجاء مذلاًّ بسلطانه
يجرُّ الكتائبَ تتبع خيله
يهزُّ سنانًا، ويرهف سَيفًا
ويرعف رمحًا، ويرشق نبله
ولكنها ألقمته التراب
وأردته قزمًا يلملم ذُلَّه
وعنترة في سيوف القبيلة
ليس الأشدَّ جلادًا وصوله
فكم في القبيلة عبل الذراع
طويل النجاد تجرَّأ قبله؟
وكم من أمير تمنَّى المهاة
فردَّته كِبرًا، ولم تشف غِلَّه
وكم صولجانٍ تعالت عليه
وأزرت بتاج وعرش ودوله؟
* * *
فما بالُه ازْوَرَّ وجه الزما
نِِِ ودارت رحاه بيومٍ وليله
فبدَّل ذاك الصبا والفتو
نَ غضونًا، وشيبًا، ووهنًا وعِلَّه
فلا هي تلك البتول القتو
لُ، بخدٍّ، ونهدٍ، ورمشٍ وخصله
ولا القصر قصرٌ منيع القِبا
بِ، ولا النجم صَبٌّ يسامر نخلَه
هوى القصر، والعشق والذكريات،
وعفَّى الزمان مفاتنَ خوله
سوى طللٍ من بقايا السنيـ
ـنَ جفاه الأنيسُ وأنكر فضله
* * *
أخولة، يا عنفوان الضفاف
وشوق النخيل، وعشق الأهلَّه
فداءً لعينيك ما في يديَّ
وردءًا لعمرك عمري كلَّه
كفاك أذىً من عوادي الزما
ن كفاك هوانًا، وغُبنًا وذِلَّه
بأن تتحوَّل عنك القلوبُ
فيهجر إلفٌ وتغدر خلَّه
ويفتك بالعشق والوجد يومًا
رصيد، وكشفُ حسابٍ، وغلَّه
فيبرأ منك أحبُّ ذويك
كأنك ذنبٌ، كأنك زلَّه
فلا تعتبي، يا هوايَ المقيـ
ـمَ، وإن عُدت نسيًا، فللمال جوله
وحسبك أن تسكني مُقلتيَّ
ظِلالً وخصلةَ ضوء وكحله
ويلهو ثراك على منكبـ
ـيَّ نثارة عرس وفرحة طفله
فأضفر منه لرأسيَ تاجًا
وأغزل منه لجسمي حله
وما بيدي أن يَضِنَّ البنون
بقطرة دمع تبلل رمله
* * *
الحروف الأولى:
>إن أقوى غرائز الإنسان هي غريزة البقاء، ثم تتلوها بقية الغرائز والتي تنصهر كلها لأجل هذه الغريزة، فغريزة الأكل والجنس وحب المعرفة وحب الذات كلها تقول في النهاية أريد أن أبقى، لهذا فقد ترجمت لنا هذه الغريزةُ كيف كان الإنسان منذ وجوده على سطح الأرض وكيف كانت الأمم في صرا عات مع بعضها فكل أمةٍ تحاول أن تكون هي الأقوى لتمتلك سر البقاء، ويعبر الإنسان عن هذه الغريزة بطرق شتى وقد يكون هذا التعبير عن طريق فردي أو جماعي، فالفردُ في تصرفاته تراه يميل إلى توخي الخير والابتعاد عن مواطن الضرر أما الصورة الجمعية فنلاحظ أن القبيلة أو الأمة تحافظ على أفرادها بوضع إيديولوجيات صحيةٍ ودفاعية لحمايتهم من أي خطرٍ يحدق بهم، أما التعبير عن هذه الغريزة دينياً فالإسلام جعل دفع الضرر واقياً شرعياً وأمر بحفظ النوع الإنساني وأمر بالتكامل وأشاد بالوحدة بين المسلمين. كل هذه من شأنها أن تحقق للإنسان هذه الغريزة، ويأتي دور الشعر عن هذه الغريزة فالشاعر قديما يعد لسان القبيلة وبه تفتخر القبائل لأنه سرُّ خلودهم فهو بشعره يخلد آثارهم وفضائلهم وتمتد مسيرة الشعر إلى زمننا وسوف تمتد إلى اللانهائية.
ونقف هنا أمام نص شعري تتفجر صرخته إعلاناً عن هذه الغريزة فهو بحثٌ في ذاكرة التاريخ وذاكرة خولة / الحضارة / الأرض لذلك جاء العنوان وقفة ‘على أطلال خولة وستكون لنا وقفة على بعض الآثار التاريخية التي حملتها لنا القصيدة معتمدين على ذاكرة >المكان والزمان< وتأتي هذه التجربة الشعرية طللية التاريخ فيتحول الطلل إلى حضارة التاريخ وتاريخ الحضارة وكيف استطاع الشاعرُ أن يجعل من هذه الطللية التي أمامه إلى رمزٍ دلالي يعني له خولة الحضارة وفي نهاية القصيدة نراه يداعبُ هذه الأرض / خولة ليتحول هو إلى خولة / الحضارة بعد أن وهبته مفاتنها وآمالها.
فوعي النص وذاكرته تتطلب منا قراءةً لوعي التاريخ >اللا مكاني< وذاكرته لهذه المنطقة خولة / القطيف.
وقفة على وقفة:
يقول ش –غريفل- >العنوان هو إعلان عن طبيعة النص<(1).
ويؤكد جيرار فينييه >إن العنوان والنص يشكلان بنية معادلة كبرى:العنوان: النص< أي أن العنوان بنية رحمية تولد معظم دلالات النص، فإن كان النص هو المولود، فإن العنوان هو المولِّد الفعلي لتشابكات النص...(2)
فسنحاول الوقوف على عنوان القصيدة لتكون وقفة على وقفة فعنوان القصيدة يبدأ بكلمة ‘‘وقفة’‘ والتي تعني أن هناك حواراً وحديثاً بين اثنين أو أكثر أو بين شخصٍ ونفسه فهو يقف ليتساءل عن أشياء أشعلت في ذاكرته عدة استفهامات اراد أن يصل إلى حقيقتها فكما هو معروف أن الإنسان يتصف بغريزة حب المعرفة والاستطلاع.
والوقفة تستدعي في أذهاننا جملةً من الاستفهامات فما نوع الوقفة هنا؟ أحسية أم معنوية؟ وهل حدث خلالها حوارٌ بين الشاعر وما وقف عليه؟...
ويحسن بنا أن لا نجيب بل سندع القصيدة / النص هي التي تفصح عن نفسها بعد قراءتنا لها..
أما الأمر الثاني الذي يستوقفنا في العنوان هو جملة ’’على أطلال‘‘ خولة وبمجرد قراءتنا لهذه العبارة ستتحدد لنا مكان الوقفة التي قصدها الشاعر وهو ’’على أطلال‘‘ والدلالة ولدلالة الأطلال رمزُ في ذهننا حيث تحملنا إلى معجم الألفاظ القديمة والجاهلية بالخصوص لأن الأطلال كثر استخدامها في القصائد الطللية وهي الوقوف على رسوم المنازل وما شخص من آثار الديار، فيأتي الشاعر ليصف لنا حال تلك الرسوم والأطلال ويسرح في دنيا الأحباب ومن ألِفَهم في هذه الديار، وقد أضاف أطلال إلى خولة فتصبح >أطلال خولة< فتكتسب الأطلال هنا تخصيصاً بخولة وتعريفاً حيث يحملنا التوقع لـ>أطلال خولة< إلى خولة الكلابية التي ذكرها طرفة بن العبد في معلقته المشهورة و التي يقول في مطلعها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمدِ
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد(3)
ولكن هل تكون خولة هذه هي المعنية أم غيرها، وهل خولة هذه الأنثى أم خولةُ الأرض والحضارة.
إذن نحن من خلال وقفة على وقفة تتضح لنا بعض ملامح القصيدة، وهي أنها وقوفٌ يحمل في أثنائه مواجهةً تساؤليةً إما مع النفس أو مع ظرفٍ آخر قد يكون الماضي الغابر، وتحديداً لطبيعة الوقفة نكتشف أنها وقفةٌ على أطلال مما يعني أن القصيدة تسير في حقل التذكر وإعادة الرؤى السالفة التي لطالما أرقت الشاعر.. وأما تفاصيل ذلك فستكشفه لنا بنية النص وجسديته..
غير أن القارئ لهذه القصيدة بعد أن ينتهي من عنوانها يقع بصره فوراً على بعض كلماتٍ أراد بها الشاعرُ أن يوضح من خلالها مناسبة الأبيات وأن يفكَّ دلالة العنوان، وماذا ترمز إليه >أطلال خولة< فيقول أنه شاهد الكاسحات وهي تطحن أبنية (القلعة) وهي الحاضرة القديمة للقطيف وفي منظوره أن هذه الأبنية الطينية امتدادٌ لبقايا تراكمات التاريخ وذكريات الحضارة الإنسانية. بعد هذه الكلمات التعليلية لا يدع القارئ يتساءل ويطيل أعمال تصوره عن تنبؤات العنوان وقد أحجم على القصيدة أن تجيب عن تساؤلات العنوان أيضاً لأن العنوان كما يقول د/جمال حمداوي >تساؤلٌ    يجيب عنه النص...<(4) إذن فقد انكشفت لنا دلالات الأطلال والإشارة التي يقصدها الشاعر من ’’خولة‘‘ فهي تسير مع ما توقعناه لها من معانٍ وهو انتقال ذهننا إلى بيت طرفة ومعلقته وارتباطه بأطلال خولة الكلابية، فسنتعامل مع القصيدة ومع الأطلال بالذات على أنها إشارة رمزية لتلك الحضارة القديمة وسنتعامل مع خولة على أنها دلالة مركزية نستشف منها خولة الحضارة وخولة الأرض وبما اننا في تصوراتنا وذاكرتنا أثناء تحليلنا هذه القصيدة قصيدة طرفة بن العبد وأطلال خولة فيستحسن بنا أن نلاحظ بعض الملامح التي تأتلف وتختلف فيها القصيدتان ذلك بعد أن عرفنا أن هذه القصيدة >وقفة على أطلال خولة< وريثة لتلك المعلقة الطرفية وأن علاقتها تناسلية من تلك.
* من لام >الملكية< إلى >سين< التنفيس:
تبدأ القصيدة بتكرير لفظة >سلاماً سلاماً<منازل خولة والسؤال الذي يرد هنا، لماذا نكر السلام؟ ثم لماذا كرر السلام أيضاً؟. فالتنكير قد يعلن عن طبيعة الشاعر النفسية ذلك عندما لاحظ اندثار المنازل وعفاءَ الأطلال وتكر الزمن لمثل هذه الرموز الحضارية أصبح الشاعر نكرةً لأنه يجد نفسه في تلك الآثار، ومن الدلالات الملاحظة على ظهور حالة الشاعر بروح الضعف وشعور الألم أنَّه بدأ قصيدته بحرف >السين< الدالةِ على التنفيس(5) لأن هاجس الألم النفسي يملأ قلب الشاعر ووجدانه فلم يستطع التعبير وإطلاق حسْرته إلا بهذا الحرف المهموس بخلاف القصيدة التي تناسلت منها هذه القصيدة ففي تلك الطللية الطرفية بدأت بحرف >اللام< الذي يدل على الملكية رغم أن الشاعرين يعيشان حالة السَّلب والهجران ويحملان هماً واحداً إلا أن الشاعر المورِّث كان يمتلك صوتاً بإمكانه أن يؤثر في مجتمعه وقبيلته فهو لسان القبيلة لذلك لاحظنا أسلوب الفخر وغرضه في الشعر الجاهلي ولدى الشعراء العباسين وما دمنا تحت مظلة طرفة بن العبدففي معلقته يقول:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه
خشاشاً كرأس الحية المتوقد(6)
لنعود إلى مقابلتنا في مطلع كلا القصيدتين الطرفية والعدنانية ونؤطر المطلع في بداية الحروف ليتضح لنا أنَّ >اللام< الدالة على الملكية والتي تدل على روح الفخر والإحساس بالأنا الجمعي والملكية الثابتة والتي لاحظناها عند طرفة قد تحولت إلى ’’لا ملكية‘‘ بل أصبحت سيناً تنفيسياً لدى قصيدة السيد عدنان وذلك لضياع الملكية التي تمنى الشاعر وجودها والحصول عليها فتصبح البدايتان:
- لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمدِ.
- سلاماً سلاماً منازل خولة.
فلماذا هذا التحول والنزول من لام الملكية إلى ? سين التنفيس ولعل التعليل الواضح لذلك هو أن جيل طرفة بن العبد وما كانوا يثيرونه من بكاءٍ على الأطلال كانوا يدركون أن ما درس من رسوم الديار الخوالي كان مقدراً طبيعياً قد يحدث بسبب الترحال المستمر ولجفاف المرابع التي كان أهلها يسكنونها فالبكاء يأتي نتيجة الترحال الذي لابد منه أما البكاء والحسرة في القصيدة التي بين أيدينا جاءت نتيجة اقتلاع الكاسحات لهذه الأبنية / الآثار أي أنه هدم إجباري مفروض عليه وليس باستطاعته أن يعترض عليه لذلك جاء تعبيره عن هذه الحرقة بحرف تنفيسٍ مهموس ليبقى الانفجار محتبساً دونما إعلان صارخ.
ماذا عن تكرار السلام:
بعد أن اوضحنا وظيفة التنكير الدلالية بالنسبة للسلام ولماذا بدأ بحرف السين. يتردد السؤال الذي يفرض نفسه أيضاً وهو:
لماذا كرر >السلام< وما وظيفة التكرار؟
هل يريد به التوكيد؟ أم أن هناك وظيفةً أعمق من مجرد التوكيد وهل أراد السلام أن تُرجع عليه المنازل والأطلالُ السلام؟
أن الشاعر في هذا الموقف ليس إنسانا غريباً على الأطلال ليؤكد سلامه، بل كما قلنا إنه يرى أنّ الأطلال روحه و ذاته إذن فهو هنا يسلم على نفسه ولا يريد من أحدٍ رد السلام وهذا العمل من وظائف اللغة التنبيهية(7) عند اللغويين، وكرر السلام ليُطيل ويسمح لنفسه بالمكوث كثيراً مع ع هذه الأطلال التي يراها تهدم وتقتلع وسلامه يُفهَم منه هنا أنه سلام وداعٍ وفراقٍ لا سلام لقاءٍ واستقبال ولعله اضطر لتكرار السلام لأنه اصطدم بهذا الحدث المرعب فكأنه يشيّع جثمانه وذاته مع كل حركة هدمٍ يراها في تلك المنازل والآثار المقدسة في ناطريه فراح يكرر لفظة >سلاماً< مرتين فالسلام غاية مايملك في تلك اللحظات الأخيرة ويحمل السلام في معناه أن هناك دعاءاً ونداءاً بين المسلِّم والمسلَّم عليه يدعو له بالسلام الذي يعني الأمن والسكينه فهو يدعو لها بعدم الاندثار والتدهور جراء تعدي الزمن وفتك الأيام، ونفهم من السلام أيضاً أنَّ هناك بعداً زمنياً حدث بين المتكلم والمتلقي للسلام أو أنه سيحدث انقطاع وبعدٌ زمني. فوظيفة السلام هنا لقاءٌ سيعقبه افتراق أو هو لقاءٌ وافتراقٌ في آن،فالسلام المتكرر أغنى الشاعر عن ايراد اداة النداء إذ السلام في ذاته نداءٌ و مناجاةٌ فصرح باسم من سلم عليه قائلاً ’’منازل خولة‘‘.
وجاء بكلمة منازل على صيغة الجمع ولم يقل منزل لأنه ليس أمام خولة المفردة وإنما أمام خولة التي تعني له الأرض/الخصوبة وخولة الحضارة والتراث بالإضافة إلى خولة الأنثى، فكل هذه العناصر كانت في ذهنه ويبدي سلامه وتنكيره للسلام في بدايةٍ حديثة أراد منه انفتاح النص كي يورد كلّ ما في نفسه من تعبير لذلك راح يعرف لنا صفة السلام هنا وبأي شوقٍ جاء أو وقف على هذه الأطلال وقال ’’سلام الخليل تذكر خله‘‘.
ويحاول أن ينطلق في تعريفه بسلامه وإيضاحه بكلمته ’’تذكر‘‘ والتي تكون دلالةً مركزيةً تجرُّ الأبيات التي تليها أو تستدعي المعاني والصور يدخل من خلاله في جملةٍ واسعةٍ من سرد الأوصاف التي كانت مزدهرةً بها تلك المرابع وتلك المنازل الخولية وأهم ما يُذكر هنا شيئين هما:
1- الضفاف / البحر:
وحين نذكر البحر /الضفاف يتجلى لنا علاقة الإنسان الخليجي بالبحر وارتباطه به بل يُعدُّ البحر كما يقول أحمد عطية(8) ’’وجهاً بارزاً من وجوه الحضارة العربية فعبر البحر نقل العرب تجارتهم وتجارة العالم ثم نقلوا دينهم ولغتهم وإنجازاتهم البحرية والحضارية إلى تراث الإنسانية وحضارتها فعبر البحر تلقّى العرب علوم العالم وثقافتهم واستوعبوها...‘‘ إن هذه العلاقة والارتباط الوثيق بين البحر وأهل الخليج متواصلة عبر امتداد الزمن فنلاحظ الشعر الجاهلي وما احتوى من تصوير لهذه العلاقة لرأيناه خير شاهدٍ على ذلك وما دمنا في قراءةٍ لقصيدة طرفة بن العبد لنلاحظ هل أثّر البحر على أدبه وشعره وخصوصاً في هذه المعلّقة يقول أحمد عطية(9) ’’أما لماذا أصف طرفة بن العبد بأنه شاعر البحر في عصر الجاهلية فلأن شعره غني بلوحاتِ البحر وصوره أكثر من شعر سواه كما أنه ولد في البحرين (سنة 64هـ تقريباً) فتفتحت عيناه على عالم البحر والسفن وكان مسكنه ومساكن قومه تطل على مياه الخليج ونلاحظ في الأبيات ونلاحظه في الأبيات الثلاثة التالية يصور لنا موكب الحبيبة ورحيلها كأنه مركب من سفن البحر:
كأن حدوج المالكية غدوةً
خلايا سفينٍ بالنواصف من ددِ
عدوليةٌ أو من سفين ابن يامنٍ
يجور بها الملاح طوراً ويهتدي
يشق حباب الماء خيزومها بها
كما قسم الترب المفايل باليد
والمتأمل في الشعر الجاهلي يجد كثيراً من الشعراء ممن أثر البحر على حياتهم فبرى لهم أثره على تصوراتهم وتشبيهاتهم وامتدت علاقة البحر بأهل المنطقة في نموٍّ واطرادٍ مستمرٍ فهو مصدرٌ هام يسترفد منه أهل الخليج رزقهم فالبحر يمثل العطاء والمغامرة والاقتصاد المنعش لحركة المنطقة العملية(10) فالبحر أول شيء حملته ذاكرة الشاعر في قصيدته وبما أن الشاعر من نفس المنطقة الخليجية تعلقت صورة الضفاف في مخيلته وراح ينزف أساه عندما وجد نفسه يبتعد عن مسرح البحر.
2- النخلة:
وهو الشيء الثاني ممّا جرته حركة التذكر لدى الشاعر والنخلة(11) ذات قدسية لدى أهل الخليج منذ القدم فهي رمز الخصوبةِ والبقاء، فلفظة النخلة تحيلنا إلى معظم النصوص الدينية والأدبية التي اختلفت بذكر النخلة ومنه قوله تعالى: ﴿وهزي إليكِ بجذعِ النخلةِ تُساقِطْ عليكِ رُطباً جنيًّا مريم- آية 25
وقول المصطفى K >أكرموا عماتكم النخل<(12)
وكذلك قول الأعشى:
وإن تمنعوا منا المشقر والصفا
فإنا وجدنا الخَطَّ جماً نخيلها(13)
وهذان الشيئان اللذان تذكرهما يتفقان في شيءٍ واحد وهو استمرارية العطاء والانفتاح فنلاحظ البحر في كل موسمٍ له نوعٌ من الزرق وتنوعٌ في منتوجاته وكذلك النخلة ففي موسمٍ لها إنتاج الرطب كما أنها مصدرٌ لصناعاتٍ يدويةٍ كثيرةٍ فكأنهما يمثلان المزاوجة في العطاء الذي تقوم عليه الحياة فالتذكر عند الشاعر جاء بزوجين اثنين أحدهما الذكورة والفحولة كما
يمثل الآخر رمز الأنوثة والخصوبة وهذا ما كانت تحملها المنطقةُ من مصادر طبيعية عظيمة وجليلة لذلك جاء التذكر بأسلوب المزاوجة ليصبح كالآتي:

إذن فخولة الأرض التي تذكرها وخولة الحضارة تتميز باستمرارية البذل والإنتاج والذي لها في كلّ موسم تنوعات وأصناف من البذل فنلاحظه يقول ’’ تطوف المواسم بالعشق حوله‘‘ والطواف دلالة واضحة لمعنى الحركة الدائبة والمستمرة وتربطنا هذه اللفظة بالطواف حول الكعبة المشرفة وما لهذه العبادة من فلسفةٍ عميقةٍ في وعي وصهر النفس المؤمنة في الإيمان بالمبدأ وقضية المصير، وحيث جاءت لفظة تطوف بصيغة المضارع مما يعني أنها تحوي الأزمنة الثلاثة (الماضي والحاضر والمستقبل).
سلاماً سلاماً منازل خَوْلَة
سلام الخليل تذكر خلّهْ
تذكر مدرج أحبابه
ضفافاً ومشتلَ ضوءٍ ونخلَهْ
وملها صباً سوسنيّ الأديم
تطوف المواسِمُ بالعِشق حولَهْ
السلام في تمرحله:
لا تزال عملية السلام هي الدلالة الثائرة في نفس الشاعر والتي تنسحب على أثرها كثيرٌ من الدلالات ففي المقطع الأول من القصيدة حيث يبدأ الشعر بالسلام ولا يكتفي بسلام واحد وإنما يكرر عملية السلام ثم بعد هذا التكرار الثنائي يعقبه بسلامٍ ثالثٍ ويربط السلام بـ’’التذكر‘‘ لأن عملية السلام من شأنها أن تجر حركة التذكر ‘ كما انك إذا سلمت على أحدٍ سرعان ما تتذكر العلاقة التي بينك وبينه وتتذكر مواقفك معه والتذكر أيضاً يجعل الإنسان يعبر عن شعوره بالسلام فتصبح العملية أنَّ السلام يحيلنا إلى التذكر والتذكر يحيلنا إلى السلام فتصبح لدينا علاقة متعدية ودائرية فنلاحظ
السلام - يصنع ? التذكر - يصنع ? السلام
وما نلاحظه هنا أن الشاعر يكرر السلام بصيغٍ مختلفةٍ وفي مراحل متنامية وهي:

فهو في ثلاثية سلامه يريد أن يضع أيدينا على ثلاثة إبعاد لمعاناته
1- فسلام الحبيب يمثل البعد النفسي:
فقد أراد أن يفصح عن عمق سلامه فوصفه بالحبيب ’’سلام الحبيب ‘‘ الذي لا يعلوه سلام والحب يثير في أذهاننا أن الشاعر ممتزجٌ بهذه الحبيبة امتزاجاً روحياً كبيراً حيث يلغي كلّ الفواصل المادية والدنيوية، فالحب هذا المفهوم الكبير الواسع الذي يعني الوفاء بأبعاده والولاء بأبعاده والطهارة بأبعادها جاء الشاعر ليجسد هذا المفهوم في سلامه الأول فوصفه بسلام الحبيب.
2- سلام الغريب:
والذي يمثل معاناة البعد المكاني، ولكن الملاحظ أن الشاعر أطلق مشاعره وهو في بلده وداخل أرضه. فلماذا عبر عن نفسه بالغريب؟
والجواب عن هذا التساؤل نراه في أن الشاعر يتحدث عن غربةٍ داخليةٍ وهي أقسى أنواع الغربة(14) ذلك أن يعيش الإنسان الغربة في الوطن، والشاعر جعل المكان الذي ظلّ ينعاه هو المنفى والشاعر هو الوطن لأنّ الأرض/الحضارة أخذت في الرحيل لذلك يتضح لنا من العنوان قصده هذا فقال ’’ وقفةٌ على أطلال خولة‘‘ وقال وقفة التي تعبّر عن قصر المدة التي حدثت بينه وبين المكان/الوطن، وسنلاحظه يكرر ويؤكد هذا المعنى في موضعٍ آخر.
3- سلام المهاجر:
والذي يمثل معاناة البعد الزمني، فالشاعر يتأسّى على التحول الزمني الذي تغيّرت أحواله مما أرّق الشاعر رحيل ذلك الزمن المفعم بالبطولة والفخر ولمّا كان ذلك الزمن منسيّاً أصبح مهاجراً، أدمت خطاه دروب المعاناة ووحشة الرحيل وإن كان الشاعر يتحدث عن نفسه إلاّ أنّه اعتبر نفسه ذلك الزمن المفقود فذاته أيضاً مفقودةٌ في هذا الزمن الذي يعيشه وهكذا يقع الشاعر بين ضفتين من المعاناة متمثلة في صوت الماضي المفقود والمكان الدارس فكل ما يبكي عليه موجودٌ في ذاته، فإذا كان ذلك الزمان غريباً فهو يرى نفسه غريبةً وإن كان مهاجراً فذاته مهاجرة، فروحه منصهرةٌ بتاريخ حضارته وإنسانية أرضه القطيف. ويؤكد هذا المعنى في مقطعه الآتي الذي يعقب هذه الإطلالة.
عودة الجراح:
فعاد اليكِ نزيف الجراح
تكادُ دماه تخضبُ رجلَهُ
بعد إطلالته بالسلام والتذكر يأتي هنا في أول صرخةٍ نفسيةٍ ليقرر أن ذاكرته تحاول أن تعود لتلتقي مع ذاكرة التاريخ الحضاري لخولة/الأرض والعودة هنا تقتضي أن يكون هناك حضوراً هذا الحضور أعقبه غياب ثمّ بعد هذا الغياب حضورٌ فنحن أمام ثلاثة أفعالٍ زمنيةٍ وركيزتها الفعل الأول فإذا لاحظنا حركتها فهي:
حضورٌ - أعقبه? غيابٌ - أعقبه ? حضورٌ
فالحضور الأول هو الأصل وهو ما أراد تأكيده في هذا المقام فلولاه لما كان غيابٌ أعقبه حضورٌ فالشاعر يريد أن يقول إن هذه الحضارة كان لها حضورٌ في ذاكرة التاريخ وكان لصوت الشاعر قوةٌ تفتخر بها المنطقة الخليجية، وهذا الحضور هو صلب هذه القصيدة ونواتها فحضور موضوعها وتذكرها جعل الشاعر يصب لنا مشاعره ويفرغ لنا أحاسيسه يذكر أمجاد الحضارة الخليجية فالقصيدة قائمة كما قلنا على التذكر ويضيق هنا العودة والحضور الذهني وأما ما دعاه إلى العودة هو رحيل واندثار الديار فغياب الآثار فجّر لديه إحساس الحضور الارتجاعي والتاريخ لذلك نلاحظه يقول أنّه عاد إليك نزيف الجراح وما هذه الجراح سوى التحولات الزمنية والتبدل المكاني يدل على ذلك قوله ’’تكاد دماه تخضب رجله‘‘ وكلمة الجراح هنا جرت معها لفظة الدماء التي تخضب رجله واستعار للزمن لفظة الرجل لأنها هنا هي عامل الحركة التي تشترك في صفة السير والمضي.
ومما يدل على أنّ ما ينعاه من حضارة الأرض وأصبحتْ غريبةً ومهجّرةً قوله ’’على جفنه رعشةٌ من سناكِ‘‘ إذ أصبح سناها رعشة فهي توصف بعدم الاستقرار والاطمئنان وقوله ’’ وفي شفتيه اختلاجة قلبه ‘‘ حتى شفتيه لا تستطيع أن تعلن عن قبلاتها وإنما تبقى مكتوبةً مختلجةً بين شفتيه.
فعاد إليكِ بنزف الجراح
تكاد دماه تخضب رجله
على جفنه رعشةٌ من سناكِ
وفي شفتيه اختلاجة قلبه
الماضي يبحث عن ماضي:
كل شيءٍ في هذا الوجود يبحث عن ذاته ويفتش عن جنسه فالوليد في أول لحظةٍ له في الحياة يبكي لأنه يريد حناناً وغداءاً كان يمتلكه وهو في ظلماته الثلاث وكما يقول أهل الاجتماع إنّ الإنسان مدنيٌّ بطبعه. لذلك نلاحظ أن نظام الحياة قائما على الأسرة لتتسع إلى القبيلة ثم إلى المجتمع الواسع.
ولو تأملنا شعرنا القديم وخصوصاً المعلقات سنلاحظ هذه الظاهرةَ واضحةً وجليةً وذلك في المقدمات الطللية فالشاعر في الحقيقة بقدر ما يبحث عن آثار الحبيبة وشخوص المنازل فهو يبحث عن ذاته أو بالأعم يبحث عن بني جنسه فلنقرأ بعض تلك المقدمات.
قال زهير:
أمن أم أوفى لم تكلم
بحومانة الدراج والمتثلّم
فلما عرفت الدار قلت لربعها
ألا عم صباحاً أيها الربع واسلم
فيقول الدكتور مصطفى ناصف:
>كلّ شاعر حريصٌ على معرفة الربع وكلّ شاعر على أن يقدم الإنسان نفسه فداءً في عملية المعرفة، وكأنما يجثوا تحت أقدام الربع، وكأنما تفنى حياته - كفردٍ - في حياة الربع وهذا ما قلنا عنه أنّ الفرد يهب نفسه لكل الذي يريد أن يستوعبه، لهذا العود الأبدي، لهذه الجذوة المقدّسة المشتعلة أبداً<(15) فالإنسان يبحث عن جنسه إما لينصهر فيه وإما ليستوعبه معرفةً وتقديساً وإما ليثبت من خلال معرفته ذاته ووجوده فالبحث عن الآثار القديمة والظاهر في الوقوف على الأطلال وما هو إلا بحث >عن عناصر الحياة أو بتعبيرٍ أدق قليلاً عن مشكلة النمو، ومشكلة النمو تعني مشكلة الصلة بين الماضي والحاضر. وسرعان ما يصبح الماضي - الذي يتحدث عنه الشاعر- حاضراً متوثباً، فالماضي يأخذ شكل وثبة والطلل أقرب إلى فكرة الوثبات المستمرة من الماضي إلى الحاضر<(16).
وهكذا تكون الصورة واضحة كما قلنا في المقدمات الطللية والوقوف على الأطلال الماضية والتي نفهم منها أنها بحثٌ عن الذات وعن الجنسية والهوية للشاعر ونستطيع أن نسحب هذا المفهوم على معظم القصائد التذكارية والتي تحاول أن تستعيد الرؤى الماضية.
إذن فنحن أمام هذا المبدأ القائل إن الأحلام والأخيلة الماضية تبحث عن نفسها وتثبت وجودها
الذكريات الماضية - إذا جاءت فهي تبحث ? عن الذكريات نفسها
فشاعرنا يقول:
أتاك يفتّش خلف الركام
عن الأمس داراً وجاراً أوخلّة
عن امرأةٍ من أعزّ النساء
جلالاً ورفعة قدرٍ ونِحْلة
ومن أجمل الفاتنات الملاح
قواماً وجيداً وثغراً ومقلة
ومن أكرم الغير حين العطاء
إذا الحال يسرٌ أو الحال قلة
لقد بدأ حديثه بفعل >أتى وهو فعل ماضً غير أنّه أعقبه مباشرةً بفعلٍ مضارعٍ فيه إيحاءٌ على الحركة والبحث وهو ’’يفتش‘‘ فهدف الإيتاء هنا هو التفتيش ولا يكون التفتيش إلا عن شيءٍ مفقودٍ وضائع وفي أيّ شيءٍ يفتشُ. إنه يفتش خلف الركام، قال الركام ولم يقل في الركام لأنّه لا يبحث عن شيءٍ من حجارةٍ وطينٍ ومادياتٍ رماديةٍ وإنما يبحث ويفتش عن شيءٍ أعمق في نفسه فهو يبحث عن الأمس/داراً/وجاراً/وخلّة.
وهو يبحث عن ذاته وهويته الضائعة وهي موجودة في الأمس فماذا يعني له الأمس فلأمس فترةٌ زمنيةٌُ رحلت فلماذا يريد الشاعر إعادتها ويدأب في التفتيش عنها. إنه يرى أن الماضي/اليوم هو بمثابة الجذر الأساسي لهذا الحاضر وما الحاضر إلا قرعٌ من ذلك الجذر فهو يشبّه الزمن(17) بالشجرة التي تضرب جذورها في أعماق الأرض فلا تُرى وهذا يمثل مرحلة الزمن الماضي أما الفروع التي تعانق السماء فيشبهها بالحاضر والمستقبل فنقطة الانطلاق لدى الشاعر في بحثه هي سبر أعماق التاريخ وتراكمات الحضارة الخليجية فالأمس يمثل تاريخ الحضارة التي غاشتها المنطقة, وسبب بحثه عن الماضي هو الماضي نفسه ذلك عندما غاب عن هذا الزمن الحاضر أصبح لغيابه أثراً في ذاكرة الشاعر لماذا غاب الماضي؟ ولماذا دُرِسَتْ آثاره؟ كل هذه الأسئلة والاستفهامات التي اشتعلت في روح الشاعر جذوة البحث والتفتيش كان سببها كما يسميه الغذامي(18) محظور الغياب في قراءته لقصيدة السيّاب ’’أنشودة المطر‘‘.. وقد طبق هذا المفهوم على حظور لفظة لها دلالة معنية ومن ثم غيابها في جملة مثيلة لها ولكنني أضيف هنا إلى أن هذا المبدأ ينطلق ليس فقط على الألفاظ والمفردات في القصيدة بل حتى على الموضوعات ذاتها وهذه المسألة تتكرر دائماً في حياتنا العملية والمستقبل المنشود فكلّ عودةٍ إلى الماضي تهدف إلى بناء حاضرٍ ومستقبل، فبحث الشاعر عن ذلك الأمس الشامخ يريد أن يبرهن لمعاصريه ولنفسه أنّ لديه قوةً حضاريةً وثقافيةً ليجعل إحساسه هذا جسراً يعبر به المستقبل ويبحر بما يمتلك من ثروةٍ ماضيةٍ في بحر الحاضر ليشرق له الغد الآ تي.
إنّ مما جعل ذلك الأمس مقدساً وجليلاً في وعي التاريخ وسطور الحضارة هو أنّه يمتلك امرأةً من أعزّ النساء ومن الواضح أنّ الشاعر لا يقصد بلفظة ’’المرأة‘‘ تلك الإنسانة البشرية فحسب وإنما يتجاوز حدود البشرية إلى مستويات الحضارة التاريخية فالمرأة تمثل للشاعر رمزاً دلالياً يطلق على مفاهيم متعددة فالمرأة/ الأنثى تتحول إلى المرأة/الأرض المعطاء وقد يتسع مفهومها إلى المرأة/الحضارة وكل هذه العناصر التي أوحت لها لفظة امرأة نسحبها على ما أطلقه الشاعر في عنوان قصيدته وقال أنّه جاء ليعيد ذكرياته على أطلال خولة.
فخولة هنا الأنثى وخولة الأرض وخولة الحضارة، فكما أنّه ركز في البيت السابق على الأمس، والذي يمثل الذكورة والفحولة التاريخية فجاء هنا ليركّز على الأنوثة الحضارية فتاريخه يمتلك فحولةً وأنوثة، إذ أنّه بالفحولة يمتلك القوة والشجاعة والفخر ومجابهة الأزمات والمخاطر الكونية وبالأنوثة يرمز إلى الخصوبة والتوالد، وبالأنوثة يحفظ نوعه و استمرار بقاءه، ويتضح لنا ما نقوله عن المرأة/الحضارة والأرض في أبياته التالية:
على بابها تستريح القوافل
من كل حدب ومن كلِّ مِلَّه
وفي بيتها تتقرَّى الضيوف
تؤم نداه، وتنشد نبله
وتسكن قصرًا منيعَ الجنابِ
بضوء المآذن يغسل ظِلَّه
وبوح الكتاتيب يثري ضحاه
ووحي المنابر يؤنس ليله
فهذه المرأة/الأرض أو المرأة الحضارة وضع لها الشاعر ثلاث إضافات وهي أن جعل لها ’’باباً وبيتاً وقصراً‘‘ وإذا تجاوزنا المعنى الظاهر لهذه العناصر الثلاث فسوف ينفتح لنا النص على دلالات أوسع ومعانٍ أكثر ثراءً فالباب يطلق على الطريق والسبيل الذي يفضي إلى النجاةِ والباب كثيراً ما يستخدم في أسلوب المناجاة الدينية بهذا المفهوم فنقرأ مثلاً دعاءً للإمام علي A المسمى بدعاء الصباح قوله: >إلهي كيف تطرد مسكيناً التجأ إليك من الذنوب هاربا، أم كيف تخيب مسترشداً قصد إلى جنابك ساعيا، أم كيف ترد ظمآن ورد إلى حياضك شاربا، كلا وحياضك مترعةٌ في ضنك المحول وبابك مفتوحٌ للطلب والوغول...< وقوله: >إلهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي<(19) فجاء معنى الباب هنا للدلالة على الرحمة الإلهيّة المفتوحة لمن طلبها وكذلك يعبر عنه بباب التوبة والرجاء، إذن فالنص الذي أمامنا قد يكتسب هذا المعنى الذي يتجاوز حرفيته إلى دلالته الشاملة ليدل على الطريق المفتوح والرحمة الواسعة والعطاء المستمر ولذلك أكّد هذا المعنى بقوله ’’على بابها تستريح القوافل‘‘ والقوافل تدلنا على استمرارية ورودها وعبورها على هذا الباب المرتجى حيث تجد في باب الحضارة هذه الوفرة من العطاء، فالخليج(20) بالذات كان لموقعه الجغرافي وبيئته الإستراتيجية جعلت القبائل العربية تتجه إليه من اليمن وتهامة
والحجاز وحيث(21) كانت تقام فيها بعض الأسواق الفكرية والثقافية قديماً مثل سوق هجر وسوق المشقر وسوق الزارة ودارين وكما يقول محمد سعيد المسلم: ’’عرفت هذه المنطقة ألوانا من النشاط الفكري، فكانت بحكم اختلاطها بسائر الأمم.. معتركاً للديانات والمذاهب.. وقد اصطرعت فيها الديانات والمذاهب والآراء حتى تهيّأت فكرياً لدين التوحيد, فآمن عدد من مفكريها بوحدة الخالق والبعث والنشور قبل أن يبعث الرسول K، كما تكون فيها استعداد عقلي لقبول الأفكار النيرة.. فدخلت في الإسلام دون قتال كما يجمع عليه المؤرخون‘‘(22) من هنا نعتقد أنّ الشاعر كان واعياً لمثل هذا الامتداد الثّر لذاكرة المنطقة فعبّر عنها أنّ القوافل على تنوع الزمن كانت تستريح وتحطّ رحلها على أرضها والاسترفاد من ينابيع وعيها الفكري وثمرها الاقتصادي.
وراح يضيف شيئاً أكثر عمقاً حيث جعل للمرأة/الحضارة- المرأة/الأرض بيتاً تتقرّى فيه الضيوف وأجد أن الضيوف هنا تراكم الحضارات التي مرت على المنطقة والقبائل التي قطنتها فمن حضارة(23) الفينيقيين إلى الجرهائيين إلى العصر الإسلامي وغيرها ممن سكنوا هذه البلاد ذلك أن كلّ أمّة تعدّ ضيفاً على هذه الأرض فهي تحتضن ضيوفها البشريين فتراتٍ زمنيةٍ ليعقبهم ضيوفٌ أخر ففي الصورة الأولى قال:
على بابها ? تستريح القوافل
والقوافل في استراحتها تكون في فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ على بابها ولم يقل في الدّالة على الظرفيّة المكانيّة أو الزمانيّة أما هنا فقال:
وفي بيتها ? تتقرى الضيوف
أي في داخل أرضها وفوق أحضان مروجها وعلى تربها حيث نفهم من معنى كلمة الضيوف أنّ المكث يأخذ بعداً زمنيّاً أطول من استراحة القوافل فهنا يعني حضارة الأمم السابقة الّتي استضافتها هذه الأرض وراح يرسم
لوحته الفنيّة عن بيئة هذه الحضارة وبما أنّه حضر لها باباً تستريح عليه القوافل وبيتاً تؤمه الضيوف وتتقرى بفنائه فقد جعل لها قصراً يتّسع في مداه عن مجرد البيت، فالباب والبيت اللذان ذكرهما الشاعر يصبان ويدخلان ضمن هذا القصر فإن كان الباب يعني الطريق والساحل الذي ترفأ عنده السفن التجارية من كل حدبٍ وملة وإذا كان البيت يدل سابقاً على الأرض التي مرّ عليها الضيوف/الحضارات من الأمم السابقة فهو يتدرج في صياغة نموها التاريخي فقد اتّسع الباب والبيت ليصبحا قصراً ليدل على أنها امتلكت هذا القصر عندما امتلكت وعياً حضارياً ونشاطاً ثقافياً وولاءً دينياً متأصل الجذور بمعنى أوضح أي أنّها امتلكت القصر بعد دخولها في الإسلام وارتباطها بولاء العقيدة الراسخ وأشار إلى أنّ هذا القصر له أضواءٌ تعلو مآذنه ولشدّة هذه الأضواء الّتي تتلألأ من كلّ جانب لا يبقى للظلّ مكان فهذا القصر بضوء المآذن يغسل ظلّه وأشار بقوله إلى ’’أضواء المآذن‘‘ فنفهم منها أنّ المنطقة تدين بالشعائر الدينيّة ونفهم منها أنّها إشارةٌ ودلالةٌ على الكرم والاسترفات كما عبّر سابقاً من لجوء القوافل على بابها وتوجه الضيوف إلى بيتها يقول محمد سعيد المسلم(24) في حديثه عن السلوك الاجتماعي للمنطقة:’’ ومن أبرز مظاهر الحياة الاجتماعية التعاطف والكرم والنجدة.. ويردّدون (الجار قبل الدار) كما كانت للضيف حفاوةٌ بالغةٌ، فكان لكلّ فردٍ ميسور الحال مجلسٌ لاستقبال الضيوف, وكان في البلاد عددٌ من البيوتات, التي كانت لها دار ضيافةٍ لاستقبال الوافدين من كل فج مكان النزيل يقيم ما يشاء في ضيافتهم إلى أن يستطيب الرحيل فيرحل معززاً مكرماً‘‘ وعبّر بالمآذن وأضوائها للتحول المرحلي فقديماً كانت المنازل الّتي تستضيف العابرين تشعل النيران ليلاً ليهتدي إليها المسافرون فالنار استبدلت هنا بالمآذن التي تكون معلماً للمحتاج والضيوف, بل مرتعاً لأي حضارةٍ تنشأ على ضفافها. كما انّه يتتبع المراحل الثقافيّة والفكريّة الّتي مرّت بها المنطقة ويوضّح لنا كيف بدأت تتعامل مع التطورات الزمنية
بوعي وإدراك حتّى تملّكت ذلك القصر المنيع فقال:
وبوح الكتاتيب يثري ضحاه
ووحي المنابر يؤنس ليله
فوضع أذهاننا على أوّل عمليةٍ مارستها هذه المنطقة لتسلّق جبال الثقافة والمعرفة وذلك عن طريق ’’الكتاتيب‘‘ وهي الطريقة الأولى للتعليم(2) والّتي تقوم بتدريس القراءة والكتابة البسيطة حيث يقوم بها أحد رجال الدّين ويعرف قديماً باسم ’’المعلّم‘‘وحيث يستقبل الطلّاب في بيته فمنزله هو المدرسة الأولى الّتي يطلق عليها إسم ’’المعلّم‘‘ وقد اختار الشاعر لهذه الكتاتيب صوتاً مناسباً لحركتها الأولى فقال ’’بوح الكتاتيب‘‘ ولم يقل صوت لأنها بداية نموٍّ وبداية حركةٍ تتبرعم في أحضان المنطقة، كما أنه اختار لها وقتاً مناسباً لعمر الحركة الثقافية فقال ’’يثري ضحاه‘‘ إذ أن الضحى هو في أوّل اليوم وهذه العمليّة التعليمية جاءت في أوّل المراحل التثقيفيّة، ثمّ ينتقل بنا إلى ما بعد البدايات الأولى ليجعلنا أمام الصورة الجديدة الّتي اكتسبتها المنطقة وكيف ارتقت إلى ركب الحضارة المعاصرة، وكيف تغيرت اثر تلك الوسائل التعليمية والاجتماعية فقال ’’ووحي المنابر‘‘ فقد تبدلت الكتاتيب - إلى ? منابر والّتي تعني وسائل التعليم الحديثة والانفتاح الواعي على حضارات الأمم فأصبحت أمّة الحضارة ولذلك أيضاً استبدل كلمة البوح - إلى ? وحي لتدلّنا على تنوّع العلوم وقوّة المعرفة العامرة ونلاحظ أيضاً في المقابل استبدل الضحى بـ?الليل لتدّلنا أيضاً على أنّ المنابر الحديثة جاءت لتثري وتؤنس عقل المنطقة وتغذي جسدها وهي في هذا تصل إلى كمال وعيها ونضجها الزمنيّ في الليل وهو آخر اليوم فقال يؤنس ليله بضوء المغرفة يحيل ليل القصر/الزمن لهذه المنطقة إلى نهارٍ وجهل التقاليد السالفة إلى نورٍ يسطع بكل الأرجاء.

الهوامش:
(1) عالم المعرفة-المجلد25-العدد الثالث 1997م-المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-دولة الكويت-الصفحة 109.
(2) نفس المصدر السابق-الصفحة 106.
(3) ديوان طرفة بن العبد- تحقيق كرم البستاني – مكتبة صادر بيروت -1953م- الصفحة22.
(4) عالم المعرفة-المجلد25-العدد الثالث 1997م-المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-دولة الكويت-الصفحة 109.
(5) المعجم الوسيط- مجمع اللغة العربية- دار المعارف مصر- ط2- ج1- 1392هـ- 1972م-الصفحة99.
(6) ديوان طرفة بن العبد- تحقيق كرم البستاني – مكتبة صادر بيروت -1953م- الصفحة5.
(7) ثقافة الأسئلة- د/ عبد الله الغذامي- كتاب النادي الأدبي – جدة- ط1- 10/7/1412هـ- الصفحة33.
(8) أدب البحر- أحمد محمد عطية- دار المعارف- 1978م- الصفحة 13.
(9) نفس المرجع السابق- الصفحة34.
(10) ساحل الذهب الأسود- محمد سعيد المسلم- دار مكتبة الحياة- بيروت- 9/9/1962م- صفحة211.
(11) نفس المرجع السابق- صفحة206.
(12) نفس المرجع السابق- صفحة206.
(13) عالم الفكر – صفحة 270.
(14) إضاءة النص- اعتدال عثمان- دار الحداثة- ط1- 1988م- صفحة13.
(15) قراءة ثانية لشعرنا القديم- د/مصطفى ناصف- دار الأندلس- ط2-1401هـ - 1981م – صفحة 61.
(16) نفس المرجع السابق صفحة 61.
(17) نفس المرجع السابق – صفحة 60
(18) القصيدة والنص المضاد- د/عبد الله محمد الغذامي- المركز الثقافي العربي- بيروت- ط1- 1994م- صفحة97؛ إضاءة النص- اعتدال عثمان- دار الحداثة- ط1- 1988م- صفحة33.
(19) مفاتيح الجنان- الشيخ عباس القمّي- مؤسسة الوفاء- بيروت- ط1- 1404هـ- صفحة 64.
(20) عالم الفكر – صفحة 270.
(21) ساحل الذهب الأسود- محمد سعيد المسلم- دار مكتبة الحياة- بيروت- 9/9/1962م- صفحة252.
(22) نفس المرجع السابق- صفحة252.
(23) نفس المرجع السابق- صفحة 103.
(24) القطيف- محمد سعيد المسلم- الرئاسة العامة لرئاسة الشباب- ط1-الرياض- 1410هـ- صفحة 88.

 

 

 

أديب
363648