الـعــــــيــد
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 2 / 11 / 2007م - 2:48 م - العدد (37)

عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ
بِما مضى أَمْ بأمرٍ فيكَ تجديدُ
كان لهذا البيت أصداءٌ تتردد في آفاق نفسي يوم أطلت شمس يوم عيد الأضحى المبارك وأشرق ببهجته على سماء الدنيا وكانت شمسه تسكب الضوء مذاباً كالعسجد على رؤوس النخيل وعرائس الأشجار إنه يومٌ عظيمٌ فيه التضحيات وأعمال الخير ما يفتح الطريق للمؤمن الموحد إلى جنة الخلد إلى رضاء ربه سبحانه وتعالى لكن أصداء هذا البيت الذي افتتحتُ به حديثي كان له وقعٌ وجرسٌ حزين يتردد ويملئ آفاق بيتي وكلما رددته تمثَّل لي ما أعانيه من فراغٍ مشجٍ لغياب الزوج الحنون حيث لم يمر عيدٌ إلا وهي تدير مراسيم ذلك العيد وما يترتب عليه من استقبال الضيوف وإعداد المأدبة الكبيرة التي تجمع شريحة من الأهل والأصدقاء والأخوان، وهذه المائدة المباركة بدأت بعد رحيل والدي الإمام الخنيزي بعد عامين أو ثلاثة أعوام إلا أنها كانت تفرغ في حلقةٍ ضيقة وكلما أنعم الله عليَّ أخذت تمتد وتتسع تلك الحلقة حتى صارت إلى ما عليها اليوم غير أن ذلك الأسى الذي يعسر قلبي في كأسٍ مملؤةٍ بالدمع هتف بإيحاء صوتٍ فأخذتُ أفتش عنكِ وعما ألفته من مقعدكِ الذي تأخذينه في ذلك اليوم في مطبخنا السعيد الذي سعد بوجودك فأجد ذلك المقعد خالياً فأظل أفتش في البيت وفي زواياه، وأهتف بك فيرد عليَّ صدى صوتكِ إنني لستُ معكم أنا على السرير الأبيض أغرق في آلامٍ لا أحس ببهجتكم أو بعيدكم لقد تراكمت على جسميَ الآلام والجروح فأنا كسفينةٍ أو كزورقٍ صغير يعوم في تيارات الآلام أين أنا الآن وأين أنتم تستقبلون العيد دنيا بهجةٍ وسرور، وأنا أستقبل العيد في دنيا ألمٍ ممضٍ وبلوى تراكمت على جسمي الضعيف ولا ينفس عن كربي إلا خالقي لقد عجز الطب الحديث، ولكنَّ ربي وخالقي هو القادر ليضرب للطب معجزةً تُنسيه غروره أنا هنا أرقد على السرير الأبيض في ذلك المصح مع الذين قست عليهم الحياة وأنستهم كل حلوٍ ومر. لقد غبت عنكم في هذا العيد بالرغم لا بالرضا وكل ما أطلبه منكم ألاَّ تنسوا هذا السقيم وتهمشوه من ذاكرتكم. إنَّ المريض إذا طال به المرض قد يملَّهُ أهله وطبيبه وما أصدق قول الشاعر العملاق المتنبي:
ألحَّ عليَّ السقمُ حتى ألِفتهُ
وملَّ طبيبي جانبي والعوائدُ
هذه كرسالةٍ في يوم العيد أبعثها من قلبي إلى زوجي الحنون إلى أولادي حيث أول عيدٍ لم أشاهدهم ولم يشاهدوني وأنا أعد لهم مراسيم العيد وما يحتاجونه وأهيئ المأدبة الضخمة التي ألفناها في كل عيد لقد وصلت رسالتكِ أيتها الزوج الحنون، وكان لها أنغامٌ حزينة تضجُ في قلوبنا فتملأ أجواءنا بالشوق والحزن. الشوق لبعادكِ والحزن لم ألمَّ بكِ من كربٍ مؤلمٍ. لقد نظرتكِ وأنتِ على سريركِِ الأبيض فهالني ذلك المشهد فلم أتمالك إلا أن أسكب القلب دموعاً فأنتِ حياتي تتجسد في قلبي لا يغيب مشهدها عن عيني وأراكِ في كل زاويةٍ من بيتي تتمثلين في ذهابكِ وإيابك وفي نومكِ ويقظتكِ وفي كل حركةٍ من حركات حياتي وسكناتها أفتش عنكِ جميع زوايا بيتي وسمائه وأرضه فلا أراكِ وفجأةً تنتقل رؤيتي لسريركِ الأبيض ومنظركِ الدامي الذي يجرح قلبي ويبكي الأعين ماذا أصنع لكِ أيتها الحبيبة، وأنا لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشورا إنني عاجزٌ لا أستطيع أن أعمل لك شيئاً من ذلك لأنني عبدٌ لله والعبد لا يملك شيئاً إلا التسليم والرضا بما يفعله مولاه ويقدره على عبده ذلك تقدير العزيز الحكيم، وأضرع إلى ربي أن يخلصكِ من هذه الأزمة وهذه البلية التي ألمت بكِ إذ لا يقدر على ذلك إلا الذي خلقكِ وخلق كل شيء بيده ملكوت السماوات والأرض وإليه المرجع وبيده كل شيء فأسأل الله من أعماق قلبي أن يخلصكِ ويعيدكِ إلى بيتكِ ويرد لك سيرتكِ الأولى فهو القادر لا غيره، وهو المحيي، وهو المميت. فنسأله أن يجعل الصلاح في شفائكِ وشفاء كل مريضٍ من مرضى المؤمنين والمؤمنات، وسلامٌ لك على رسالتكِ التصويرية، وجوابها من زوجكِ الحنون، والله يقدر ما يشاء، ويفعل ما يريد. حبيبتي إن كانت الحياة لها طعمٌ أو ذوق فهي بالزوج الصالحة المطيعة لزوجها التي هي مثال الزوجية، وأنتِ أنموذجٌ من طرازٍ فذ تمثل تلك الشريحة المؤمنة فيتضاعف ألمي وأسفي وحسراتي لأنني ما رأيتُ منكِ يوماً من أيام حياتي معكِ أي نشوزٍ أو قسوةٍ بل كنتِ بسمةً تفتحين القلب وتخففين الآلام، وتطلبين رضائي في كل حركاتكِ وتحاولين تضميد جراحي وما يلمَّ بها من ويلات الزمان وبلاوي الحياة تسهرين إذا سهرتُ، وتنامين إذا نمتُ فأنا كلي لوعةٌ لما أصابكِ وألمَّ بكِ، ولو كنتُ أستطيع عملاً لعملته، ولكني أقف منكِ موقف العاجز لا يملك إلا الدموع والدعاء فكم سكبتُ دمعي على جراحاتي لعلها تكون بلسماً، ولكنها لم تكن بلسماً لأن الجرح ينز من القلب وجراحات القلوب تأبي على الآسي وتعجز كل طبيب ولا يقدر عليها إلا خالقها. حبيبتي لقد ناجيتُ روحكِ في هدأة الليل وتحدثتُ معها حديث الروح للروح ولكنها عادت إلى جوٍ قاتمٍ تضببهُ اللوعة والحسرة؛ إنَّ هذه النجوى تمر في كل لحظةٍ، ولكنَّ هدأة الليل تكون النجاوى فيها أبلغ لمناجاة الأحباب للأحباب ومناجاة الأرواح للأرواح فهي تختصر بمسافات وتلتقي على صعيدٍ من الشوق والحب ثانيةٍ من الثواني. حبيبتي هل أراكِ تعودين إلى بيتكِ وتديرينه بحكمتكِ الاقتصادية وتنظيمك الذي هو في دقة الروعة وكمال التنظيم ليس على الله بعسير فهو يحيي العظام وهي رميم لم يخالطني اليأس ما دمتِ على قيد الحياة وكل ما أسأله من خالقي أن لا يطول عليكِ هذا الخطب الممض وأن يخلصكِ منه سريعاً كلمحة الضوء.
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ.
وأختم حديثي بهذه الآية الكريمة اختتاماً بتفاؤلي بعودتكِ بمشيئته إلى بيتكِ.


 

شاعر وأديب
370314