يقظة الأمم
التحرير - 18 / 5 / 2008م - 12:46 م - العدد (12)

تمثل الحاجة لحماية الذات جسمياً ونفسياً عنصراً جوهرياً في الحفاظ على النوع كما تمثل شرطاً من شروط البقاء، ويبدو هذا المنزع الفطري واضحاً في عالم الحيوان، فالحيوانات تستجيب فطرياً للخطر الخارجي، والتهديدات التي تستهدف القضاء عليها، إما بالهرب أو بالقتال، تحقيقاً لمقتضى الصراع من أجل البقاء، ولذلك تسعى بكل ما أوتيت من قوة وقدرة لدرء الأخطار المحدقة بها.

وما يجري في عالم الحيوان، يسري على الكائن البشري، فالوعي الشخصي بوجود التهديد الخارجي، سواء من بني جنسه أو الأجناس الأخرى الساعية إلى تهديد حياته وتعريضها للخطر، يقابله رد فعل فوري يقترن -في المرحلة الأولى- بتبدلات فسلجية كالتعرق المتزايد، وزيادة سرعة التنفس، وتسارع معدلات ضربات القلب... إلخ، ثم تعقبه خطوات دفاعية عملية كالهرب أو القتال الدفاعي.
والدفاع البشري، يهدف إلى الحفاظ على النوع والانطلاق نحو العمران والرقي الإنساني، وغالباً ما يتم استزراع هذا العنصر في مرحلة مبكرة من حياة الإنسان من خلال الوالدين، عبر قيامهما بتعريف الأبناء على مصادر التهديد والخطر وسبل الوقاية منها وكيفية مجابهة التحديات الخارجية، تماماً كما هي الأمم في حاجتها لمعرفة مصادر التهديد الموجهة إليها، الأمر الذي يدعونا للقول بأن الاستجابة للمنبه- التهديد الخارجي- يمثل عنصراً ضرورياً في حياة الأمم والمجتمعات.

ولعل من أهم الافتراقات الكبرى بين الإنسان وغيره من الكائنات الحية، أن الوعي البشري بالتهديد لا ينحصر في المستوى المادي، وتالياً لا يتوقف اطمئنان الإنسان عند حد إشباع الحاجات المادية الطبيعية، بل تتفوق عليها الحاجات المعنوية.

إن رغبة الإنسان في ملء وجوده بالكامل، وتشبع إحساسه الداخلي بالحاجة إلى تأكيد إنسانيته باعتباره مؤسساً -بالنيابة للعالم، وفيماً عليه ومستخلفاً فيه، يعتبر حاجة أعلى وقيمة سامية يتطلع لها الإنسان، وهي كفيلة بأن تنمي فيه تلك الطاقة التنبيهية التي تنفخ روحاً نشطة متحفزة لمجابهة التحديات الخارجية رغبة في تحقيق تلك الذات الطامحة إلى الامتلاء في الكون والامتداد المطلق والكامل فيه.

وهناك نوعان من المنبهات:

- منبه داخلي/ ذاتي.

- ومنبه خارجي/ أي من الخارج.

يعتقد المفكر المسلم والشاعر محمد إقبال بأن ثمة آليتين ممكنتين لتوجيه البشرية نحو الرقي والتقدم: التنظيم والضمير. وقد نجح الإسلام في توفير هاتين الآليتين، فقد حققت منظومة التعاليم الدينية إمكانية اندراج المؤمنين في رابطة إيمانية مشتركة يتماهون فيها بصورة جمعية، وفي الوقت ذاته استطاع الإسلام أن يغذي بصورة فاعلة ومستمرة الضمير الفردي، فنبه فيه شبكة المشاعر الخاصة بالسمو الإنساني والتسابق نحو البناء والخير والحضارة، وفي الواقع إن الإسلام تحول إلى منبه خارجي فاعل، اضطلع بدور تفعيل وتنشيط طاقة المنبه الذاتي/ الداخلي- الضمير. فكان لابد من منبه خارجي حتى يمارس المنبه الداخلي وظيفته بصورة صحيحة وكاملة، والإسلام بما يحققه من وعي بالكون والحياة وحركة التاريخ وسير الأمم يكشف أمام الإنسان الحقائق التي تعكس نفسها على جهازه التنبيهي الداخلي - الضمير الذي يرسل إشاراته المستعجلة والملحة كيما يتخذ الإنسان موقفاً محدداً إزاء الأحداث الخارجية.

وهناك -أيضاً- اتجاهان تنبيهيان:

- تنبيه مادي (الجوع والعطش)، وهذا الاتجاه تتقاسم فيه الكائنات الحية بكافة أجناسها وأنواعها، إذ لا فرق فيه بين الإنسان والنبات والحيوان، فهذا المنبه المادي ضالع في التكوين الغريزي والطبيعي الذي بتوفره تستقيم حياة الإنسان وتدرأ عنه الفناء.

- تنبيه معنوي (الظلم، القهر، عدم المساواة، التطفيف الاجتماعي والسياسي..) وهذا خاص بالإنسان وحده، لأن حاجاته تتفوق على المجال المادي المحض، وأمام الأخطار المادية، يستفز الأفراد -كما الجماعات- من أجل الدفاع عن حاجاتها المادية، ولكن الحاجات المعنوية لا تستشعر إلا بالوعي، فكلما ازداد وعي الأمم ازدادت تبعاً له حاجياتها المعنوية.

ولأن الإنسان كائن عاقل يمتاز عن الكائنات الأخرى بالوعي والإحساس بالكرامة، فلابد أن يستشعر ما يقع عليه من ظلم بني جنسه، وقهرهم له، واستعبادهم لأهله وأخوته، ومصادرة حقوقه، ولابد أن ينبه هذا الواقع إحساساً معيناً يدفعه إلى تمثل طريقة تفكير وسلوك معينين نابعين من ذلك الإحساس.

وهناك كذلك مستويان تنبيهيان:

- منبه على مستوى الشخص
- منبه على مستوى الأمم..

إن إطلاق العنان للمنبه الذاتي في اتجاهه المادي الخاص بالعمل بمفرده مستقلاً عن أي منبهات خارجية ذات الاتجاه العمومي يفضي إلى تورم الذات، وتضخم الأنا بصورة مقيتة.

إن تنمية الإحساس العام أو التنبه العمومي داخل الفرد لا يمكن أن يتم في غياب إطار مؤسسي، ونشاطات مشتركة، أو قيم معينة تنفخ الروح العامة في الفرد والمجتمع، ولذلك فإن تولد هذا الإحساس متوقف على صناعة إطارات مشتركة ينجذب إليها أفراد المجتمع تفسح المجال لهم لتطويرهم نحو العمل الجمعي، يجعل من كل فرد بؤرة مشعة للمبادرة، عندئذٍ يغدو كل واحد قيمة في ذاته، كما يصبح كل واحد واعياً بذاته وبالعالم من حوله، وهكذا تصنع المؤسسات، وكذلك القيم.

وأحياناً، قد يصل الفرد إلى حد التخشب في ذاته والتسمر في شأنه الخاص حين يلاحظ العجز حاضراً حضوراً طاغياً في كل مكان في مجتمعه، فهو على المستوى الاجتماعي يشعر بأن الأشياء تسير سيراً معاكساً لطموحاته وتطلعاته وأهدافه النبيلة الأصلية، فالفساد يعم العلاقات التجارية، وتتفوق المحسوبية في الدوائر الحكومية على القيمة الشخصية، وتسود الفوضى والاعتباطية المؤسسات والإدارات العامة، وبلا شك يمثل كل هذا ضغطاً اجتماعياً كبيراً على الفرد، ولكن هذا الضغط وأن جاءت الاستجابة له سلبية إلا أن الضمير الفردي كمنبه داخلي والتعاليم الدينية كمنبه خارجي تفرض ضغطاً مضاداً تدفع عكسياً إلى العمل على تغيير الأوضاع الفاسدة وقلبها، حينئذٍ يتنبه الإنسان إلى الثغرة الحقيقة في عملية التغيير ألا وهي الوسائل الممكنة والسليمة في عملية التغيير الاجتماعي وليس نفي الأخيرة.

وأخيراً، هناك ثلاثة أنواع من نظم التنبيه الاجتماعي:

- نظام الكوارث: وهذا النظام التنبيهي، يخبر عن وقوع الكارثة بعد أن سمع بها القاصي والداني في الخارج، بينما يقوم هذا النظام باستكمال إجراءات الإبلاغ عن نبأ الكارثة بعد مرور وقت يقصر أو يطول على وقوعها، وكذلك يعطي توجيهاته في كيفية تخفيف نتائج الكارثة، وسبل تغطية حاجات المناطق المنكوبة، وهذا النظام يعكس تخلف الأمة وتردي مستوى اليقظة فيها، وهذا النوع من الأمم يكون أسيراً للتبدلات الخارجية، محكوماً إلى ما يقرره الآخرون ويرسمونه من سياسات، وبسبب عطالته وتخلف جهازه التنبيهي، يظل خاضعاً لغيره مستلباً، سادراً في تخلفه مستكيناً لواقعه المحتضر.

- نظام الطوارئ: والذي لا يعمل سوى حال وقوع الأزمات والمشاكل، حينئذٍ يكون رد الفعل ارتجالياً فوضوياً متشرذماً وضمن حدود الانفعال الآني، ولا يتجاوز دور هذا النظام دور مطفأة الحرائق، والتي تعمل لإخماد نار المشاكل بعد اشتعالها، وأيضاً في حدود ضيقة للغاية.

فكثير من الأمم لا تستشعر التحدي قبالة التهديدات الخارجية إلا بعد أن تصبح واقعاً مرئياً ومحسوساً، وبات يهدد المصالح المباشرة للأفراد.

- نظام للتنبيه المبكر (على غرار نظام الإنذار المبكر): وهذا النظام المتطور، يعمل بدرجة حساسية عالية، يرصد بدقة ومتابعة التحولات الخارجية، بما تحمل من عناصر تهديد للذات وللأمة سواء بسواء، بما يتطلب هذا الاستشعار عن بعد من مراقبة دقيقة لحركة الأحداث واتجاهات التحول والتبدلات في موازين القوى، وهذا النظام في الواقع يتشكل ويتطور تبعاً لمستوى الوعي العام، فكلما تنامى هذا الوعي ازدادت درجة تعقيد وحساسية نظام التنبيه.

وليس من سبيل إلى نصب هذا الجهاز في مجتمعاتنا إلا من خلال رفع مستوى الوعي الفردي إلى ما يعلو على الحاجات المادية، وتجاوز حالة الأنا والانشغال المفرط بها، ورصد الأحداث بدقة ومراقبة حركة التحولات باهتمام، وعدم الاكتفاء بالموقف العاطفي دون العملي الواقعي، فنحن مقبلون على مرحلة جديدة تتطلب اليقظة الكاملة.

358523