تقنيات الحكاية في مجموعة (عابرة سبيل)
لمنصور جعفر آل سيف ونجيبه السيد علي
الدكتور محمد زيدان * - 21 / 5 / 2008م - 6:31 م - العدد (49)

1- تداخل صور الحكي

ظاهرة مزيدة تلك التي تجمع بين ذاكرتين قصصيتين في بؤرة حكائية وزمانية ومكانية واحدة، رغم ما يعتري كل ذاكرة من اختلافات جوهرية في الرؤية والتشكيل وجوهر الإحساس بالعالم، ومما يجعل هذه التجربة جديرة بالتأمل والدرس. هو التداخل التام بين صور الحكي التي تنتمي إلى كل صوت حكائي. وتتجلى هذه الصور في المراكز الدلالية التالية:

- عنوان المجموعة ينتمي إلى ذاكرة المرأة؛ فأيُّ الصوتين الحكائيين كان الأسبق في اختيار هذا العنوان اللافت لمجموعة قصصية متداخلة الصور؟

- المجموعة تحتوي على صورتين لذاكرة الحكاية، الأولى تنتمي لذاكرة الرجل، والثانية تنتمي لذاكرة المرأة، وقد محا المؤلفان -إن جاز وصف مؤلف ومؤلفة- بهذه الحدود وهذا يعنى أن التقارب بين صور الحكي تقارب مُحكم، ومخطط له لدرجة كبيرة تجعل الفصل بين الصور الحكائية فصلاً لا يخدم الدرس الأدبي.

- تداخل هذه الصور يوحي بالانسجام الظاهر بين كل صوت حكائي، برغم اختلاف الطبائع والأحاسيس، فهل يمكن اعتبار قصة تحكي عن ذاكرة المرأة من تأليف القاص (منصور جعفر)، وفي المقابل هل يمكن اعتبار قصة تتحدث عن ذاكرة الرجل من تأليف (نجيبة السيد)، وإذا كانت الإجابة بالنفي أو الإثبات؛ فإن تجربة أدبية مثل هذه تعيد إلى الأذهان الطبيعة الواحدة للإنسان، وتقصي كل اختلافات نوعية أو جنسية أو حتى ثقافية لتبقى ذاكرة الإنسان هي الأولى بكل براءتها في مواجهة وجوده في عالم متغير تتربص به المخاطر من كل مكان.

كل هذه الاعتبارات قفزت إلى ذهني وأنا أبحث في هذه المجموعة القصصية لهذا الثنائي القصصي، وقد قرأت لها -أيضاً- تجربة روائية، وهذا يعني أن الأمر يتعدى كتابة القصة القصيرة، وجمع عدد منها من كتاب واحد، وإنما تعمق لدرجة الاشتراك من كتابة عمل أدبي واحد «رواية» يحتاج إلى نوع خاص من الرؤية والبناء ويحتاج إلى ذاكرة واحدة ترتب في داخله الزمان والمكان وحركة الأحداث.

2- النزعة الإنسانية

يستخدم المؤلفان النزعة الإنسانية من الوصول إلى الغاية الدلالية التي يسعيان لأجلها، وهي نزعة ترتبط بالتفكير الاجتماعي والذاتي من أعمق صوره، تتعالى به الذاكرة الروائية على حالات الانعزال بعيداً عن صورة الواقع، وهي الصورة الأكثر تعبيراً عن خطوط الذاكرة، والتي تتعامل -بدورها- مع إشكاليات ترتبط بخصائص التفكير البشري القائم على الارتباط بالمكان والزمان، ففي قصة «البقية اليتيمة» نجد الراوي يتكئ على صورة من صور هذا التفكير، ومن خلال حدث بسيط يقع كل يوم وفي كل مكان ليعيد الإنسان بكل ما يحمل من آمال وطموح وانكسار وبعد إلى ذاكرة المكان المرتبطة بخاصية التفكير الشعبي في هذا الجزء الثري من الأرض (المنطقة الشرقية) في المملكة العربية السعودية (زوج يكتشف أن زوجته حامل)... هذا التأسيس الدلالي يقود الراوي إلى عدد من آليات تحفيز الحكي على آفاق دلالية متنوعة تبدأ بإرادة الزوجة (دباً) من نخل بيت الحاج علي هذا المكان في الأحساء، وهو من الرياض، ومن هنا يتخلى السارد عن التأسيس الأول للحكاية ليصل إلى التأسيس الثاني الذي يعتمد على معطيات عدة:

1- رصد المكان والعوامل التي أثرت فيه.

2- ربط هذا الرصد المكاني بالإنسان (الراوي) من جهة، و(الحاج علي) من جهة أخرى.

3- تحويل عملية التأسيس الحكائي إلى رموز قوية، وبخاصة إذا خصصت أشكال حكائية معينة يعتمد عليها في تحويل المعنى وتعميقه، يقول الراوي:

«أخذ طريقه إلى الأحساء التي لم يزرها منذ شهور، فقد اعتاد قضاء معظم سنته في الرياض بحكم عمله وعملها.. استقبلته قرى الأحساء بثوب أخضر نافش يأبى الأنطواء. على ضفتي الشارع مئات البساتين بنخيلها الفارعة، وسعفها المتدلي خارجاً كمن يلوّح بفتح الأحضان.. يدقق النظر حوله في طريق شديد التعرج ملغوم بجداول الصرف التي تتسع وتضيق على طول الخط»[184] .

ونلاحظ أن المؤلفين يستخدمان ذاكرة الراوي العليم، حتى وإن تحول من ضمير «الهو» إلى ضمير «الأنا» وهذا يعني سيطرة الذاكرة الروائية على خطوط الحكايات بشكل لافت، وهو استخدام يراوح بين بروز النزعة الدلالية المتمثلة في تحولات الراوي، وفي تحولات بنية الحكاية من الصورة المباشرة في قصة «البقية اليتيمة» إلى الصورة الرامزة في قصة «في انتظار الغائبة»، ومن ثم برع المؤلفان في استخدام تقنية مهمة من تقنيات الحكاية، وهي الرمز داخل الرمز، كما حدث مع ذاكرة الوالد عندما عاد يتأبط لوحة فنية وقد دلف بها إلى حجرة الضيوف، ثم يبدأ استخدام هذا الرمز «التشكيلي» اللوحة في بناء النص وإظهار التفكير الإنساني بكل ما فيه من معان تتصل بحالة الحضور (الوالد) وحالة الغياب ثم جلب الوالد للوحة أخرى.

ويستخدم الراوي -كذلك- المشاعر الأنثوية الخاصة في بناء الشخصية، معتمداً على إظهار النزعة الإنسانية وإخفائها، كما حدث في قصة (رنة جرس)، وهي تحكي عن ذاكرة الأنثى حينما تبدأ المشاعر الإنسانية في التدفق نتيجة العادات الخاصة التي تلف حياة العائلات في الأماكن المحافظة من الناحية الاجتماعية في فتاة موعودة لابن خالتها، وهنا يستخدم الراوي أو «الراوية» أسلوب المفارقة التي تعتمد على محاولة الرفض والقبول من قبل الفتاة، واضطرارها إلى تلوين مواقفها تجاه العادات.

3- الصراع الدرامي وبناء النص

الذاكرة الروائية في مجموعة «عابرة سبيل» تستخدم الصراع الدرامي بكل أشكاله، بل وتسعى من خلاله إلى بناء فني يعتمد على محاورة الذوات، والدخول والخروج من عوالمها إلى العوامل الخارجية التي تتصل بها، من فضاء وزمان، وأحداث تقترب أو تبتعد عن هذه الصراعات يمكن رصد مجموعة من الأشكال البنائية للنص.

الصراع النفسي:

وهو يتجلى من المواقف التي يختلط فيها الحس العام بالخاص، وتغلب نوازع النفس الإنسانية رؤية الواقع، وتتحول هذه النوازع بدورها إلى هواجس تعومه حركة الإنسان، وتقف حائلاً بينه وبين مواصلة الحياة، والتكيف مع الذوات الأخرى التي تفرض، بدورها، واقعاً مماثلاً أو مغايراً، يمكن الاختلاف معه، ولكن لا يمكن رفضه بصورة كلية، كما نرصد في قصة «قوة» وفيها بناء نفسي للذات الرئسية التي تسيطر على الحكاية التي يتقاسمها من الناحية الشكلية:

- أحمد عبدالله.

- حسين جابر.

والظاهر أن أحمد عبدالله هو بؤرة الحكي، ولكن حسين جابر، ذلك الذي لا يلفظ كلمة «السلام عليكم»، ويجعل بدلاً منها في جلساته وتحياته كلمة «قوة»، هو البؤرة الحقيقية للحكاية، بل يتعدى الأمر إلى نوع من الاسترجاع الخاص بحسين، ليبدأ الراوي في رصد الصراع النفسي بين حسين وذاته، وبين حسين ووالده.

«على بساط حارق من أشعة شمس (الرامس) بالعوامية، كان حسين جابر الصبي الذي لم يجاوز سنواته التسع يمتطي حمارته متجهاً نحو «حوطة النخل» المستأجرة، أو عائداً منها بين ضفتين كثيفتين من الحقول المثمرة والبساتين الخضراء تفصلهما جداول الصرف الممتدة كشريان حيوي، وممرات تضيق بأكوام من التبن ولفائف البرسيم لقد مارس أعمال الرجال منذ نداوة الطفولة، حتى لونت مهنته سماته فبدا شكله مجاوزاً عمره، قامته المديدة، عظامه العريضة، يداه الضخمتان، ولونه الأسمر.. خيوط الفجر تنبه عضلاته التي لم تستوف قسطها من الراحة، يجتره عمل نهاري شاق»[185] .

بهذا التداخل في بناء النص يعمد الراوي إلى:

- التأصيل لحالة حسين جابر منذ الصبا.

- العناصر التربوية والبيئية التي أثرت فيه.

- يمُد الراوي حالة الصراع إلى ما يحيط بالذات مثل: الرجولة المبكرة التي أثرت فيه.

- علاقته بوالده، والتي أثرت -بدورها- على حالته.

«لكن المشكلة إذا ما فاجأهُ أبوه متلبساً «ببعض اللعب» حينما يقف أبوه منتصباً مرسلاً يده إلى وراء ظهره، يهتز حسين جابر لكلماته التي تأتي دائماً من أعماق حنجرته:

إيه.. إيه.. السلام عليكم..[186] .

بدا هذا الصراع -أيضاً- في قصة «رنَّة جرس» ولكنه صراع لم يتجاوز مجرد الرغبة الداخلية الكامنة في النفس، ولكنه في قصة «قوة» تجاوز الرغبة إلى الفعل كما أنه في «رنة جرس» لم يقدم شيئاً لبناء النص، وفي قصة «قوة» مثل هذا الصراع البناء الأساسي للحكاية.

وفي قصة «الكفن المنسي» وهي من القصص البارعة في رصد حركة الصراع النفسي في كشف نوازع الإنسان وإصراره على مواصلة الحياة بطريقته، حينما نصر «العجوز» على إيقان حافلة يسيطر عليها «عرس» من أجل كفنها الذي لا تفارقه أبداً، وكأنها تعيش حياتها على إيقاع الموت الذي أصبح يحكم هذه الحياة بكل ما فيها حتى في لحظات الفرح التي تعيشها، ويتحول الصراع من نفسي إلى اجتماعي / مكاني بسبب المزاوجة بين نوازع الذات والواقع في قصة «مراسيم»؛ ذلك الزوج الذي يعيش على خلاف دائم مع زوجته، ثم يرتد الراوي ليشير إلى مراسيم الزفة، وكيف يتم مقابلة أرجل العروسين ويتم التنبؤ بحالتيهما بعد ذلك، حينما يجلس الزوجان إلى مقعدين مقابلين، والفتيات والنسوة يصفقن ويرجزن من حولهما، فما كان في حسبانه تلك العادات والتقاليد، وهنا يتحول الصراع إلى صراع خارج الذات مع الحالة الاجتماعية التي تعيشها الذات.

إن هذه الظاهرة الأدبية اللافتة جديرة بالبحث في بناءاتها النصية، وأشكال الدلالة والصراع الذي يحتويها، وكيفية الموازنة بين علاقة المكان والزمان بالذواتن وكيفية التماهي بين الأصوات الحكائية المختلفة؛ وتداخلها، كما تجلى في قصة (عابرة سبيل) هذه المفارقة الصامتة الموجبة، التي تحيل إلى دراما الموقف البليغ الخالي من التعقيدات السردية، وهي براعة فنية خارجة من ذاكرة سردية، كما إن اللافت اختيار عنوان المجموعة لهذه القصة القصيرة (المكثفة) التي تجمع بين «عابرة سبيل» ورجل «في لحظة عابرة» تنتهي بالضحك، إنها مفارقات فنية تجمع بين الصورة الشعرية والسرد المجازي جديرة بالبحث والتأمل.

[184]  عابرة سبيل، دار الصفوة، بيروت 2002م - 1423هـ، ص 3 - 4.
[185]  المجموعة، ص23.
[186]  ص25.
شاعر وناقد، مصر.
363415