ومضات من حياة رجل كبير
الأستاذ علي التاجر كما عرفته
تقي محمد البحارنة * - 9 / 9 / 2008م - 2:35 م - العدد (42)

في أواخر الثلاثينات وأنا مازلت صغير السن كنت منجذبا إلى الأعلام الملونة، واللافتات التي كانت تُحمل في مواكب العزاء، وكانت لافتة مأتم مدن الخشبية الكبيرة، والثقيلة على الحمل، تجذبني إليها بشكل خاص لأنها تحمل على صفحتها بيتين جميلين من الشعر قيل إنهما بخط يد الشاعر، وتحتهما اسم كنت أجهل صاحبه، وهو علي التاجر. والبيتان هما:

ريحانة المصطفى المختار إن سفكت

دماك فوق الثرى ظلما وعدوانا

ففي سبيل العلا ما نلت من مِحَنٍ

فقد أقمت لدين الله أركانا

وفي مواكب العزاء هذا العام وجدت اللوحة بعد تجديدها بدون اسم علي التاجر، وقد مضى ما يقارب من ستة وستين عاما تقريباً، فدنوت من أحد الأشخاص الذين يحملون اللوحة، وسألته هل يعرف من هو قائل هذا الشعر، فقال: «لا أدري»، فأخبرته أن صاحب الشعر هو علي التاجر، فقال: «إنها قديمة جدًّا، وأنا لا أعرفه، الله يرحمه ويحسن إليه». فتداركت وقلت: «إن صاحبها مازال حيًّا». فاستدرك بدوره وقال: «جزاه الله خير الجزاء».

وشاء القدر أن يعرفني على الأستاذ علي التاجر بعد خمس أو ست سنوات من تلكم الذكرى، وإذا به يصبح جزءاً من حياتي، وانشغالي، وهمي. بجانب الأستاذ إبراهيم العريض وحسن الجشي. ثالوث يتحرك بعزيمة واطمئنان في فلك الثقافة والتعليم والشعر والأدب وشؤون الفكر من جيل الرواد المتنورين في البحرين بجانب المصلح الاجتماعي محمد دويغر الذي لم يتسنَّ لي مخالطته كثيراً.

كان حضور علي التاجر في نادي العروبة يكاد يكون يوميًّا باستثناء فترة غيابه في العمل خارج البحرين حيث كان يقوم بأعمال الترجمة والمرافقة لمسؤولي شركة امتيازات النفط، التي كانت تعرف بحروف: P.C.L حيث كان على اتصال، ومعرفة شخصية بالشخصيات القطرية، والعمانية، والإماراتية.

ثم يحدثنا حينما يرجع لا عن الاقتصاد أو الحالة الاجتماعية، ولكن عن حبه للشعب العماني الذي يحفظ - حتى البداة وأفراد القبائل فيه - أشعار المتنبي، ويحتفظون بديوان شعره.

لقد زاول علي التاجر مهمة التدريس في مدرسة الأستاذ إبراهيم العريض ردحاً من الزمن، ثم زاول نفس المهمة بجانب العريض في الأقسام الدراسية، والمحاضرات في نادي العروبة، وكان مكبًّا على القراءة، ملمًّا بتاريخ الماضي، وثقافة الحاضر. لا يُذكر أمامه كاتب مشهور ولا كتاب قديم أو حديث إلا وله فيه رأي، ولديه معه موقف، وكان شأنه كذلك أيضاً فما يصل إلى البحرين من جرائد ومجلات؛ كالمقتطف، والهلال، والرسالة، والثقافة، ومجلة الأنصار القاهرية، والمستمع العربي، وغيرها، وقد شارك في الكتابة في جريدة البحرين الوحيدة التي كان يصدرها الأستاذ عبدالله الزايد أنذاك.

وفي أثناء الحرب العالمية الثانية 1939 - 1944 عُهِد إليه بإدارة مكتب الاستعلامات الذي كان من مهامه تفتيش البريد الوارد من رسائل ومطبوعات. ثم يأتي إلى النادي ونسأله فيجيب.

أضحكني كثيراً أحد الخبثاء حين فتحت رسالته فوجدت فيها هذا البيت:

«عندي رسائل شوق لست أذكرها

«لولا الرقيب» لقد بلغتها فاكِ»

وكان المسئولون يأخذون عليه تساهله في الرقابة على الصحف والمجلات، ولا عجب في ذلك. وكذلك كان من ضمن نشاط مكتب الاستعلامات تنظيم مسابقات ثقافية للطلاب، وقد اشتركت في إحداها، وحصلت على جائزة.

وامتاز علي التاجر بالصراحة، وحدَّة الانفعال في مناقشاته حيث كان يعض على شفته السفلى بصورة لا إرادية حتى يكاد يدميها في بعض الأحيان. أما كتاباته فكان فيها بطيئاً، مترددا يختار الكلمة المناسبة بعد عناء طويل، ويتحري الدقة، والتوثيق فيما يكتب.

سألته مراراً عن سبب الغضب والانفعال عند النقاش فأجاب ما معناه إن العقلية الجامدة كالماء الراكد لابد من إلقاء حجر كبير فيه أو «قنبلة أعماق» لتحركه، ولهذا فهو يفتعل الانفعال، ولا يؤثر ذلك في أعصابه لأن نفسه مطمئنه، هادئة، رغم أنه طوال حياته كان يشكو من الاضطراب في معدته وجهازه الهضمي، وكانت هذه الشكوى مألوفة منه، وجوابها المألوف الذي كان ينزعج منه: (يا أخي، تمالك أعصابك).

لم يكن النادي هو المكان الوحيد الذي فيه التقي مع علي التاجر، فقد كان يتردد على محلنا في السوق معظم أيام الأسبوع، ولا سيما صباح الجمعة. وكذلك كان دأب الأستاذ إبراهيم العريض، والأستاذ حسن الجشي. وكان من عادتنا بعد إقفال المحل عند الغروب أن نتمشى معاً إلى خارج المنامة تجاه شارع الجفير، ثم نعود للاستراحة في بعض المقاهي الشعبية قبل أن نتفرق كل إلى منزله.

وحين نبدأ في التمشي ننشغل بالأحاديث والأخبار الأدبية، والمناقشات لدرجة أننا لا نشعر بما يدور حولنا في الشوارع التي نجتازها بلا حذر لقلة عدد المركبات آنذاك.

ومنذ أوائل الأربعينات، قبل حرب فلسطين عام 1948 وما بعدها، كان الأستاذ علي منشغلا بهموم وأطماع الصهيونية، ليس في فلسطين وحدها ولكن على مستوى العالم كله. كان يعتقد بأن النشاط اليهودي الصهيوني هو مصدر الشرور في العالم، وأن المحافل الصهيونية تتآمر للاستيلاء على ثروات الشعوب، ومراكز النفوذ، وتدير العصابات المتسترة تحت أسماء مزيفة، وأن استقرارها في فلسطين سيؤدي إلى كوارث للعرب وللعالم.

ومن المعروف عن علي التاجر التزامه بمقاطعة البضائع الصهيونية طيلة حياته، وكان يقص علينا، مرارا وتكرارا، كيف أن ولده أحمد، وهو صغير، أصابه المرض والهزال لنقص الفيتامينات والتغذية حيث نصحه الطبيب بالإكثار من الفواكه لاسيما البرتقال والتفاح، وحينما علم من البائع أن مصدرهما من يافا وفلسطين من مزارع اليهود امتنع عن الشراء قائلا: «أنا لا أدفع لليهود قيمة رصاصة تقتل عربيًّا حتى ولو مات ولدي...».

ولكي يثبت لنا أن موقفه تجاه المدّ الصهيوني اليهودي ليس مجرد عاطفة، فإنه كان يحمل تحت إبطه، دائماً في كل مرة يخرج معنا، كتاباً ضخماً باللغة الإنجليزية هو كتاب «كفاحي» لزعيم النازية «أدولف هتلر» على اعتبار أنه يقوم بدراسته في مجال أبحاثه عن «الصهيونية»، ويعد بترجمته للعربية، حتى كادت نسخة الكتاب أن تبلى وتتمزق حيث كان يقرأ علينا مقاطع مما قاله (هتلر) عن اليهود تؤيد مواقفه وآراءه.

وفي أواخر الأربعينات انشغل علي التاجر بشؤون تحرير «صوت البحرين»، وتراكم العبء عليه بعد انسحاب عدد من أفراد هيئة التحرير حتى بقيَ لوحده مع الأستاذ حسن الجشي، والسيد إبراهيم حسن كمال، وواصل العمل في صوت البحرين، حيث كان له الدور البارز في ترجمة كتاب الأستاذ (مجيد خدوري) من الإنجليزية، وإصداره من قبل صوت البحرين، وكان هذا الكتاب (البحرين وإيران) يفند دعاوى إيران في البحرين، ويسند جهود صوت البحرين في الدفاع عن عروبة البحرين تجاه أطماع شاه إيران فيها.

ويبدو أن ممارسات علي التاجر في مراجعة تاريخ المنطقة، وتصحيح الأغلاط التي وصلت إلى مستوى المسلمات المقبولة - جمدت نشاطه بالنسبة لموضوع الصهيونية اليهودية، حيث اتجه إلى التحقيق التاريخي في مزاعم تدين منطقة الخليج بممارسة (القرصنة) التي تذرعت بها دولة بريطانيا للتوغل في الخليج، وإلزام حكامه بقبول الهيمنة البريطانية، وتوقيع معاهدة «الساحل المتصالح» المذلة، بعد أن كانت تسميه (ساحل القرصنة).

وتتميَّز طريقة علي التاجر في معالجة قضايا التاريخ، عادة، بالإحاطة، والشمولية، والبحث عن الجذور الأصلية. وهو يهتم بالتوثيق عن طريق النص، أو الشهادة المكتوبة، بعد بذل الجهد في تفنيدها، والتأكد من صحتها، وكان يتوقف عن البحث إذا صعب عليه التحقيق، وكل تلك الظواهر في طريقة كتابته ذات أثر سلبي على إنجاز مهمة البحث في وقت معقول.

وأتذكر أنه، في أوائل الخمسينيات، قرأ علي فصولاً من هذا الكتاب، وكان قد كتب ما يربو على خمسين صفحة منه ليأخذ رأيي فيه، فقلت له ما معناه أن طريقته في البحث والاستطراد غير مألوفة، ومتعبة، وصعبة الإنجاز.

فقد أخذه موضوع القرصنة في الخليج إلى دراسة أول مظاهر نشوء القرصنة في العالم، ثم إلى ممارسة القرصنة من قبل اليونان والرومان في حوض البحر الأبيض المتوسط، وأخذه ذلك إلى تاريخ الفينيقيين، ونشأتهم في الخليج، وأن كلمة (فينق) تشير إلى طائر ذي لون أرجواني، وهو اللون المفضل للثياب عند البرتغاليين في لبنان، وفي عمان على السواء، وأن مصدر اللون الأرجواني شجرة في عمان...إلخ.

فقلت له: «هذا بحث يطول بلا داع، هلا اختصرت الطريق، وكتبت عن القرصنة في الخليج في القرن كذا وكذا، وحددت الموضوع، والفترة الزمنية كما يفعل المؤرخون الآخرون؟» فقال: «لا. هذا هو أسلوبي، وسوف أكمل الكتاب إنشاء الله». فأجبته: «كان الله في عونك».

وكما شغلت صوت البحرين علي التاجر عن تكملة دراسته حول الصهيونية، فقد انشغل عن إعداد كتابه عن القرصنة بالنشاط السياسي الوطني مع الهيئة التنفيذية العليا 1954-1956، ثم مع هيئة الإتحاد الوطني، بعد الاعتراف بها. وكان علي من ضمن لجنة الثمانية الاستشارية للهيئة، حيث كان يعمل بجد ونشاط، واستمر مكوثه في البحرين حتى أوائل الستينيات حيث تعرض للتوقيف بعد مداهمة منزله، والاستيلاء على مكتبته العامرة ومصادرتها، وغادر البحرين حتى استقر نهائيًّا في دبي، وحلق بعيداً عن السرّب في عزلة عن أحداث البحرين، وأصدقائه فيها وكأن لسان حاله يقول:

وإنَّ رحيلا واحداً حال بيننا

وفي الموت من بعد الرحيل رحيل

علي التاجر في الغربة

التقيت بعلي التاجر حينما كنت سفيراً في مصر عام 1971 -1974، وقد مكث في القاهرة ما يناهز ستة أشهر، فقد تم تعيينه مسئولاً في دائرة الوثائق والمخطوطات في أبو ظبي، وسافر إلى بعض الدول العربية ثم إلى القاهرة في مهمة جمع الوثائق والمعلومات عن الخليج من إدارة المخطوطات والوثائق في جمهورية مصر العربية، وكان آنذاك معنيًّا بالحملة المصرية على الحجاز والجزيرة العربية والخليج العربي بقيادة إبراهيم باشا. وزرته، بعد ذلك، في مكتبه بدار الوثائق والمخطوطات في أبو ظبي في مجال متابعة اهتمامي بتاريخ البرتغاليين في البحرين، وكانت الزيارة مناسبة للاستفسار عن كتابه (الموسوعة) حول القرصنة، وأطلعني على استكمال فصول جديدة من الكتاب الذي لم يكمل تأليفه بعد.

ولعلّ من حسنات اشتغاله في دار الوثائق والمخطوطات أنه وجد ضالته من المراجع التاريخية والوثائق، فعكف عليها ليكتب هذه المرة مقالات يدفع بها الاتهامات عن البحار العربي العماني (ابن ماجد)، ونفى أنه قاد الحملة البرتغالية بقيادة (البوكرك) إلى أبواب الهند والخليج. وكان من حصاد هذا الاهتمام ما يلي:

1- ألقى محاضرة عنوانها (مناقشات حول ابن ماجد) في مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية في أبو ظبي - نوفمبر 1979.

2- ألف كتابا حول الصراع العربي البرتغالي في المحيط الهندي في مطلع القرن السادس عشر، ثم نشره من قبل الأمانة العامة للمراكز والهيئات العلمية المهتمة بدراسات الخليج والجزيرة العربية (الكتاب السنوي الثانوي)، وتم طبعه على نفقة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - أمير دولة قطر.

3- كتب سلسلة مقالات مطولة حول الربان أحمد بن ماجد نشرتها مجلة «العرب» الشهرية - دار اليمامة - الرياض.

ثم استقال علي التاجر من عمله في دار المخطوطات والوثائق في أبو ظبي، ربما بسبب خلاف في الرأي مع الإدارة العليا بما هو معروف عنه من تمسكه برأيه وبموقفه المبدئي.

وهكذا عاد إلى منزله في دبي في الثمانينات، واستقر عاكفاً على مابين يديه من مشاريع أبحاث ودراسات، يتخلل أوقاته اليومية سويعات ينزل فيها إلى السوق في مكتب صديق ودود هو عبد النبي الحاج محمد آل رحمه، حيث يمارس أحب هواياته في النقاش، والاحتجاج رغم شعوره بافتقاد المثقفين الأنداد الذين كان يحاورهم في البحرين.

وكنت - في ترددي غير المنتظم على دبي - أحرص، دائماً، على زيارته، والجلوس معه، والسؤال عن أخباره، وآخر مستجداته في البحث، وفي إحدى المرات سألته عن كتابه حول (القرصنة) فأجاب: «علمهُ عند الله»، وأنه يتقدم فيه ببطء بسبب عدم توفر المراجع التوثيقية اللازمة، ثم رجاني أن أساعده في التحقيق في أمر غريب لا علاقة له بأبحاثه، لكنه أصر على أهميته، ألا وهو الحصول على شاهد كبير السن يعترف بأنه رأى بأم عينيه جبلا صغيراً جنوبي المستشفى الأمريكي في منطقة يسميها ساكنوها في المنامة بفريق «السنكي» (وهي كلمة فارسية تعني الحجارة أو الجبل).

وعلى مدى ثلاث أو أربع سنوات كنت أفتش له عن شخص يشهد بوجود ذلك الجبل الصغير - حيث كان علي يتصل بي، تلفونيًّا، ليذكرني بالموضوع. وقد قدمت له عدداً من الشهود المعمرين، وكان يرفضهم، الواحد تلو الآخر، حتى تطوع الأستاذ إبراهيم العريض بشهادته بهذا الخصوص، فرفض علي شهادة العريض مدعيا: «إن موضوع جبلة (السنكي) هو قبل مجيء العريض للبحرين، فكيف أستطيع قبول شهادته؟» وهكذا أوقفت تحرياتي بين (زعل) العريض لعدم قبول شهادته، وبين إحباط علي التاجر من عدم إنجاز مهمتي، وبين الغموض الذي يحيط بهذه الشهادة ومدى أهميتها.

وسألته، في زيارة أخرى، عن موعد انتهائه من تحقيق كتاب والده المرحوم محمد علي التاجر عن تاريخ البحرين، وهو كتاب كثرت الإشارة إليه في الصحف والمراجع، والإشادة بقيمته باعتبار أنه يسد فراغا كبيراً في المسكوت عنه من تاريخ البحرين، وكان جواب علي أن كتاب والده على شهرته يعتريه النقص في التوثيق، وأن والده ترك فراغات كثيرة حول معلومات وتواريخ كان يريد التوثق منها، ولم يفعل ذلك. والمصادر التي اعتمد عليها والده غير متوفرة لديه. لهذا فهو يرفض أن يصدر الكتاب على صورته الحالية دون إكمال التحقيق، ولكن كتاب والده اختطف، ونشر على علاته، وربما اعتبَر عليٌّ ذلك نوعاً من «القرصنة» الأدبية، وإن كانت، في نظري، قرصنه مفيدة للباحثين على علاتها، ولا نعرف اليوم عن مصير النسخة الأصلية من كتاب الشيخ محمد على التاجر، وفيما إذا كان علي التاجر قد أضفى عليها شيئاً من جهده.

وأخيراً، تلك هي سيرة الأستاذ علي التاجر كما عرفته. اقتبستها من الذاكرة والأوراق، قبل أن تضمحِلَّ الذكريات، وتجف الأوراق، وأنا أدعو، هنا، غيري من معاصريه، ومعارفه للمساهمة بالمزيد للكشف عن هذه الشخصية الفذة من بين رواد الثقافة والفكر في البحرين. ليكون موضع التكريم اللائق به رسميًّا وشعبيًّا.

وفي نهاية المطاف بودي أن أبعث رسالة إلى الرجل الصالح الذي كان يحمل لوحة مأتم مدن، وترحّم على (علي التاجر) قبل موته. أجل، يا أخي، رحم الله عليا، وعفا عنه، وأحسن إليه، وجزاه عنا وعن البحرين خير الجزاء.

علي التاجر بشهادة زميل

من المعاصرين للأستاذ علي التاجر شخصية أدبية عصامية؛ ألا وهو السيد عبد العزيز الشيخ علي الذي بدأ تعليمه الابتدائي ثم انصرف إلى شحذ شخصيته الأدبية بمخالطة الأدباء والمتعلمين أمثال الأستاذ رضى الموسوي، وحسن الجشي، وأحمد العمران، وعبد الله الزائد، وإبراهيم الخلفان، ومحمد دويغر، والأستاذ العريض وغيرهم. وكانت رحاب نادي العروبة هي التي أتاحت له هذه المخالطة لتنمية قدراته الأدبية والتعليمية، وكان له التصاق ومواقف مع الأستاذ علي التاجر لاسيما في تعلمّ الكتابة، وإنشاء المقالات، ولعله واحد ممن أشار إليهم علي التاجر في كلمته بنادي العروبة المنشورة في مواضعها من مقال «علي التاجر ونادي العروبة».

وخلال أواخر الثمانينات من القرن الماضي قام عبد العزيز الشيخ علي بكتابة سلسلة مقالات في مجلة «بانوراما الخليج» تتضمن ذكريات طفولته في البحرين، وأورد فيها بعضاً من تلكم الذكريات فيما يخص علاقته بالأستاذ علي التاجر الذي قال عنه أنه: «الأستاذ الذي قتل في نفسه موهبة الشعر، وجذوته، وذلك بسبب إصراره على كونه «غير شاعر»... وأعني به طيب الذكر زميلنا الأستاذ علي التاجر، والذي يعيش بالإمارات حالياً...».

وفي موضوع آخر من مذكرات عبد العزيز يذكر أن أستاذه الذي يعتزّ به في مدرسة الخميس الابتدائية السيد رضى الموسوي فاجأه بالاستقالة من المدرسة بسبب رفض إدارة المعارف مساواة راتبه في مدرسة الخميس بما يتقاضاه مُدرسو مدارس المنامة والمحرق. وأنه سيفتتح مدرسة «صيفية» بالتعاون مع الأستاذ علي التاجر. حيث يقول في ذلك ما نصه: «كما أخبرني عن عزمه على افتتاح «مدرسة صيفية» بالتعاون مع أستاذ آخر يدعى علي التاجر، وذلك في بناية يملكها المرحوم الحاج منصور العريض، والملاصقة (للباقجة). وقررت أن أكون أول طالب بتلك المدرسة».

كانت الدراسة في مدرستنا الجديدة دراسة منتظمة في حدود إمكانياتها، وكان أستاذنا الجديد، علي التاجر شابًّا نشيطا، متوقد الذكاء، لا تفارق الابتسامة شفتيه. كان يحنو علينا بشكل غريب، وكان ينظر من خلالنا إلى يوم تتغير فيه ملامح البحرين بشكل كلي. يوم كان يتطلع له ويأمله هو وعدد من رفاقه، طلائع النهضة في هذا البلد.

وذات يوم جاءنا شاب نحيل تبدو عليه علامات التردد والخجل، وقال لنا بدون مقدمات: (هذا ابن عمي، وسيحل محلي ابتداء من نهار الغد، أما أنا فسأغادر إلى الظهران، فلقد التحقت بشركة أرامكو هناك). ولم أتردد ساعتها أن أهمس في أذنه برفضنا جميعاً، بل وكرهنا جميعاً لذلك (بن العم)، والذي بدا وكأن الابتسامة لم تعرف طريقها قط إلى شفتيه.. ولكنني سرعان ما غيرت رأيي عندما اكتشفت أن ذلك (ابن العم) وهو عبد الرسول التاجر».

ثم يورد عبد العزيز الشيخ علي في مقالات تاليه كيف أن أخاه الأكبر طالبه بإرجاع مذَّخراته لديه، وهي سبعمائة روبية، لأنه يريد أن يتزوج بها، وكان عبد العزيز قد أنفق مذِّخرات أخيه بلا حساب للعاقبة، فلجأ إلى علي التاجر متوسلاً بتخليصه من هذه الورطة. وفيما يلي نص ما كتبه عبد العزيز الشيخ علي حول هذه القضية:

«ومن أين لي أن آتي بمثل هذا المبلغ، أو حتى بربعه، أو ثمنه؟ وفكرت في الذهاب إلى إحدى المقابر وأدفن نفسي في أحد القبور «الدارزة»، ولكنني لم أجرؤ على الولوج في إحداها في مثل ذلك الوقت من الليل.. وأخيراً وجدت نفسي أمام نادي العروبة والذي كنت أعمل به يومذاك «مديراً ونائباً لكاتم السر» وخطرت لي فكرة «قد تكون صائبة» ووجدتني أسأل فراش النادي عن (الأستاذ علي التاجر)، ثم أتناول وريقة وأكتب عليها «أخي علي. أنا في حاجة ماسة لسبعمائة روبية، فرجائي - إن كنت تملك مثل هذا المبلغ - ألا تتأخر عن إقراضي إياه، ولك شكري وامتناني...عزيز». ثم أرسلها بيد الفراش ليأخذها له في حجرة الألعاب بالدور الأول، وما هي إلا لحظات قليلة حتى وجدته أمامي وهو يبدي «جليل أسفه» لعدم توفر المبلغ لديه في تلك اللحظة، ويعد بإعطائي في صباح الغد، إذا أمكن التأجيل.

وفي صباح اليوم التالي حضر إلى إدارتنا بالقرب من البنك الشرقي - فراش شركة الـ«P.C.L» التي يعمل بها الأستاذ علي التاجر، ومعه مظروف به «شيك» موقع على بياض، وملاحظة تقول: «لدي بالبنك أربعة آلاف وثمانمائة روبية يمكنك سحبها والتصرف بها.. علي»، وشعرت لحظتها برعشة باردة اهتز لها كياني، فكل شيء تصورت أمكانية حدوثه في حياتي إلا أن أبلغ من «الاقتدار» مرحلة تسمح لي بولوج أحد «البنوك» وبيدي «شيك» به مثل ذلك المبلغ «الخرافي» لأسحبه لحسابي ولأتصرف به كيف ما أشاء. وذهبت لمقابلة الأستاذ التاجر، وأنا بين مصدق ومكذب، ورجوته أن يكتب لي شيكاً بالمبلغ الذي طلبته، ولكنه أصر على أن أقوم بسحب «ثروته وثروة أبنائه» وكانت حجته، في ذلك، هي «عدم حاجته هو شخصيًّا، وأن مرتبه - في الوقت ذاته - يلبي حاجاته وحاجات أسرته، و «يزيد»، وأن الشيء الذي لا يحتاجه الإنسان يجب إعطاؤه لمن يحتاجه من الناس، ليستفيد منه...» وعبثا حاولت إقناعه بأن «فلسفته» تلك قد يصلح تطبيقها على بعض الأشياء، وفي قليل من الظروف، ولكنها - وبألف تأكيد - لا تندرج على المال... «على الفلوس»، ولكنه أجابني وبكثير من الإصرار والعناد، وبطريقته الخاصة التي اشتهر بها: «طز في الفلوس. أنها ليست كل شيء في الحياة». وأصر على رأيه، وأصررت، أنا، على رأي، وقلت له: «أنني أحتاج إلى نصف عمري لأتمكن من إيفاء «السبعمائة روبية»، وقد أحتاج إلى عمر نبينا نوح عليه السلام لأتمكن من تسديد ضعف ذلك المبلغ، ولكنه أرسل ضحكته المجلجلة والتي عرف بها يومذاك، وقال وهو يكاد يختنق ضحكا: «ومن قال لك أنني سأطالبك بتسديدها؟ أو أن أحدا من أبنائي سيفعل مثل ذلك؟ أن شالله مارديتها..!».

وخرجت من مكتب الأستاذ علي التاجر وبيدي شيك بسبعمائة روبية، وصك آخر بذلك «الدرس المدمر».. والذي لخصته وعشت معه فترة مديدة من عمري: «الفلوس ليست كل شيء»، والذي لولاه لكنت اليوم واحدا من أغنى أغنياء الخليج، فالفرص النادرة التي صادفتني في حياتي، وخاصة في المملكة العربية السعودية لم تصادف سوى قلة قليلة سواي، ولقد أدركت - وبعد فوات الأوان - أن «الفلوس» لا تدرج، بالتأكيد، تحت غطاء تلك «الفلسفة» الخيالية، وغير الواقعية، ويكفي أنها تحقق للإنسان أكثر من تسعين في المائة من رغباته وأمانيه، بينما لا يحقق عدم وجودها في حوزة الإنسان سوى شيء واحد فقط، هو أن يعيش جائعا، مريضاً، منسيًّا من قبل أقرب الناس إليه، ويموت كالكلب دون أن يشفق عليه أحد، ويطلب له الرحمة والمغفرة».

نكتفي بهذا القدر من مذكرات عبد العزيز الشيخ علي بما ورد أعلاه من شهادة في حق المرحوم علي التاجر صاحب الأريحية والشخصية الفذة التي لا تخضع لسلطان المال.

أديب
375196