علـي التاجـر: مراسلات أدبية ومقالات ومحاضرات
تقي محمد البحارنة * - 9 / 9 / 2008م - 2:39 م - العدد (42)

تدل مراسلات التاجر ومقالاته الأدبية المبكرة منذ عام 1937 على نضوج فكري وثقافة أدبية، وأسلوب مميز.

وقد تناول د. منصور محمد سرحان في كتابه بعنوان (النقد الأدبي في البحرين...) جوانب من مراسلات التاجر فيما بينه وبين الأستاذ العريض، ونبذه عن مقالاته في «جريدة البحرين» لصاحبها الأستاذ عبدالله الزايد (1941-1942) نستعرض منها ما يقتضية الإيجاز فيما يلي:

مراسلات إبراهيم العريض وعلي التاجر في الفترة من 1938م إلى 1939 م

تُعد المراسلات التي تمت بين الأديبين إبراهيم العريض وعلي التاجر في ثلاثينيات القرن المنصوم، وبالتحديد في الفترة من عام 1938 م إلى عام 1939 م أثناء وجود علي التاجر متنقلا بين أبوظبي ودبي، البدايات المبكرة للنقد الأدبي في البحرين. وتتمحور تلك المراسلات حول ثلاث قصائد من نظم الشاعر إبراهيم العريض، وهي: «التمثال الحي»، و «قلب راقصة»، و «الشاعر المجهول». وتم تخصيص الجزء الأكبر من تلك المراسلات حول قصيدة «الشاعر المجهول»، حيث بدأت حرارة النقد الأدبي في الارتفاع.

ويلحظ القارئ التدرج في عملية توجيه النقد في تلك المراسلات. فقد بدأ سهلا بسيطا، ثم أخذ يزداد قوة ووضوحا في المراسلات الأخيرة، وتحول إلى بحوث ودراسات. كما يستطيع القارئ أن يلحظ مدى الصراحة التامة في نقد الأعمال الأدبية والالتزام بالنقد البناء. وعلى الرغم من تلك الصراحة في النقد، فقد تميزا بروح رياضية مما ساهم في إثراء تلك المراسلات والحوارات النقدية التي سنعرض لها بالتفصيل.

قصيدة التمثال الحي:

يبدأ علي التاجر حواره الأدبي بقصيدة (التمثال الحي) في أول رسالة رفعها إلى الأستاذ إبراهيم العريض بتاريخ 11 ذي الحجة 1356 هــ الموافق 11 فبراير 1938 م من أبو ظبي فيقول: «أما القصيدة فكل ما أقوله عنها الآن هو «إنها تمثال حي». وسيأتيكم رأيي مفصلاً بعد حين. فالوقت ضيق في هذه الآونة. وقد قرأتها حتى الآن رغم احتدام العمل أكثر من عشرين مرة حتى كدت أحفظها عن ظهر قلب»

وفي رسالته الثانية بتاريخ 22 ذي الحجة 1356 هـ الموافق 22 فبراير 1938 م من دبي يطرح رأيه في القصيدة: «وعدتكم في كتاب سابق أن أذكر لكم رأيي في (التمثال الحي) مفصلاً. وماذا أقول غير أنها قطعة من الفن صورت فوق صحيفة من الورق. لقد قرأتها مرارا وتكرارا لأرى منفذا أستطيع أن أدلي فيه برأي غير الاستحسان والتحبيذ فلم أجد. وعليه فإني أرى أن اليوم الذي كنا ننتظره من بعيد قد آن أجله. اليوم الذي عيناه لتبدأ بكتابة الملحمة يا أستاذ، فأدبنا في حاجة ماسة إليها»

ورغم استحسانه القصيدة نراه يطرح سؤالا من نوع آخر: «يخيل لي أنني قرأت موضوع القصيدة قبل هذا، ولست أدري أواهم أنا..».

يجيب العريض عن سؤال التاجر في رسالته المحررة في 5 محرم 1357 هـ الموافق 6 مارس 1938م مبديا ارتياحه بما علق عليه التاجر إزاء القصيدة وطالبا في الوقت نفسه المزيد من التحليل والنقد ما أمكنه ذلك: «إن رأيك في (التمثال الحي) قد غمرني في فيض شعور لا أستطيع أن أصفه لك ولعل الأمر لا يعدو المجاملة. فأن كان كذلك فقد ظلمت أخاك أشد الظلم بعد أن كان يرجو منك كلمة تحليلية عن موقع القصيدة من نفسك.

أما أن حوادث القصيدة من بنات أفكاري فما في ذلك شك. إلا أن هناك رواية غرامية ل «هاينز اندرسن» مدارها على فنان عشق بنت أمير فنحت لها تمثالا كان آية في الفن، وهو يرجو بذلك أن تبادله عاطفة الحب. ولكن الأميرة، لما علمت بغرامه، أعرضت عنه كل الإعراض على حسب من هن في طبقتها. فما كان من صاحبها بعد أن بلغ منه اليأس مبلغا إلا أن أخذ التمثال وألقاه في الجب. وذهب لا يلوي على شيء... ثم نقب عن التمثال بعد أحقاب طويلة فنال ما يستحق من التقدير الفني.

هذه هي القصة التي كانت تلعب في ذهني عند ما كنت أنظم القصيدة ولا أخفي عليك أن الدافع الذي دفعني لنظمها هو أن أنحت تمثالا في الشعر كما فعل اليونان في المرمر. ثم دفعني شيطاني أن أحيلها في هذه القصة الشعرية وليس ثمة شبه إلا في الحكم بالخلود إلى الآثار الفنية ولا أدري فلعلك قرأت رواية في هذا الموضوع لم أطلع عليها وذلك جائز».

ويكتب التاجر رسالته المؤرخة في 19 محرم 1357هـ الموافق 20 مارس 1938م من دبي والتي هي عبارة عن قطعة أدبية رائعة خطها قلم رصين، شكى فيها لوعة الغربة وتأثره وانبهاره بقصيدة (التمثال الحي). فبالنسبة للشق الأول من الرسالة نقتبس التالي: «تلقيت كتابكم الأخير وقد جاء في أوانه كالأرض يباكرها هاطل الغيث. لقد كنت في حيرة معتمة من سكوت الصحب، وكنت أظن أن لي في أوقاتهم نصيبا يحدثوني فيه كما أحدثهم، ويبثون لي أفراحهم كما أبثهم أحزاني! ولكن... ولكن، والأسى يحز فؤادي أرى الأيام تكاد تكذب ظني فيمن كنت أظنه أخلص الصحب وأوفى الخلان ولولا شآبيب من بعض الإخوان تراوحني في الفنية بعد الفنية، مع إلحاحي في استهطال ديمها، لجفت في فؤادي أضغاث زهوره وقد كادت أن تصحو. ولكن رحمة ربي أبت أن أكون منبوذا من الجميع على السواء».

بعد أن اشتكي لوعة الغربة ونسيان البعض، تطرق إلى قصيدة (التمثال الحي) التي كان يتراقب نشرها في مجلة الرسالة. وكنّا قد عرضنا في رسالتيه الأولى والثانية مدى استحسانه لهذه القصيدة، ونراه يعاود الشعور نفسه: «التمثال الحي» وكم أسفت أن لم أرها فيه. وعسى أن تزين جيد عدد آخر عن قريب! أنا لا زلت مأخوذا بروعتها. ولعل ذلك هو السبب في تخيلي إنني قرأت ملخص القصة قبل هذا ولعلكم لاحظتم أن الإنسان تقع أمام عينيه حوادث هي بنت ساعتها، فيحس عندها أنه كان لها في وعيه الباطن منزلة تحدو به إلى تخيل حدوثها من قبل وآمل أن هذا نوع من الكهرباء اللاسلكية بين الأفكار... بين فكر الموجد وفكر المستلم - ولا أكتمكم إنني لا زلت على عزمي الأول في كتابة كلمة تحليله عنها. ولكنني لا زلت تحت تأثيرها وفي هذه الحالة أخشى أن لا أحقق ما تستحق من تقدير في البحث»

ثم يواصل الأستاذ منصور سرحان استعراض المراسلات بين العريض والتاجر حول نقد عدد من قصائد العريض منها (قلب راقصة) و(التمثال الحي) و (الشاعر المجهول) حيث يرد عليها الأستاذ العريض موافقا حيناً، ومتذرعا بالأسباب حينا آخر حتى يؤدي به المطاف إلى كتابة ثلاثة أبحاث قيمة عن موضوع القصائد من واقع نظرته للشعر والقصة والفن الأدبي يرسلها إلى علي التاجر: ثم يعلق المؤلف منصور عليها قائلاً:

يعد قراءة التاجر بحث وتعليق العريض على ما جاء في مقالته أو كلمته، نراه يرفع ثلاث رسائل قصيرة إلى العريض، يبين فيها الأسباب التي دعته إلى كتابة كلمته حول القصيدة، موضحا أنه وضع نصب عينية أثناء كتابتها الفكرة الفلسفية للقصة بين الروح والمادة. كما أكد على أن الموازين والمعايير اللتين استخدمها العريض في كتابة بحوثه هي نفسها التي عمل بها.

وبعد هذه الرسائل الثلاث أسدل الستار على ذلك الحوار النقدي المبكر الذي يعد مفخرة لنا، وعطاء جديداً في سماء الأدب البحريني.

وإليكم نص الرسائل الثلاث.

(نص الرسالة التي كتبها التاجر

في 6 يونيو 1939م)

حول الشاعر المجهول أستاذ(ي) الجليل إبراهيم العريض

حنيني وأشواقي

استلمت هذه الساعة كتابكم، وأظنها أحسن ساعة أستطيع فيها الكتابة أليكم، فأنا في شبه فترة من العمل أرى أن لا أجازف بإضاعتها. على أنني سأوجز فإنها رغم سنوحها جد قصيرة.

تتساءلون إذا كانت القصيدة تتطلب كل هذا التشذيب والتهذيب. حقا لست أدري بالضبط إذا كانت تتطلب (حقا) كل هذا، على أنني في كلمتي (كما يخيل لي) لم أغفل عن معاملة أبطالها معاملة الأحياء بما يمتلون به من شعور مكبوت أو ظاهر. بيد أنني وضعت نصب عيني أثناء كتابتها الفكرة الفلسفية للقصــــة (بين الروح والمادة) وهي التي أدت بي إلى ما رأيت. وعلى كل فأنا لا أتعصب لرأي من أرائي تلك لانقطاعي مدة من الزمن عن مجاراة الحركة الأدبية. غير أني للآن لا أرى ما يدعوني إلى الرجوع عنها. وعسى أن أرى في ملاحظاتكم وتعليقاتكم حولها ما يهديني إلى سواء السبيل.

وقبل أن أختم كلمتي هذه، أريد أن أشير إلى نقطة هامة، فقد أشرتم في موضعين من كتابكم إلى الدافع الذي يدفعكم للكتابة أو للإحسان في الكتابة. وما كان بودي أن أتصور أن هذه من تعلات النفس إذا ما أرادت الانصراف عن شيء ما اختلقت له العلل. غير أنّ ما أعهد فيكم من قبل قادني إلى هذا التصور. فما عهدتكم وضعتم نصب أعينكم عملا وحال بينكم وبينه حائل. وكانت هذه جبلة أخيك.

أما (البحرين) فقد استلمت عدة من أعدادها على دفعتين. ولو أن هذا ما أتطلبه لكان بوسعي أن أشترك فيها رأسا فتصلني عن طريق الباخرة، بيد أني أحببت أن أحصل عليها مباشرة غب صدورها فكلفتكم. فحبذا لو واليتم إرسالها منتظمة كالرسالة.

أبو ظبي في 6 يونيو 1939

تلميذكم المخلص

علي

نص الرسالة التي كتبها التاجر في 3 جمادى الأول 1358هـ الموافق 21 يونيو 1939م

أستاذي الجليل إبراهيم العريض

قبلاتي. لعلك أرسلت كلمتك الثالثة. فقد استلمت الأولى وكنت أشد الرحال واستلمت الثانية وكنت أشد الرحال أيضا. ولست أدري متى سأستلم الثالثة إن كنت أرسلتها.

بودي ألا أعرض (للشاعر المجهول) حتى تستوفي بحثك حول كلمتي. ولعلي استلم شطره الأخير في البحرين. لا أدري فتلك أمنية. بيد أني أود أن أذكر أن الموازين التي اتخذتموها لكتابة بحثكم هي نفس الموازين التي وضعتها نصب عيني أثناء كتابة كلمتي. ولعلني لا أغالي إن قلت إننا نكاد نتفق في الذوق الخاص.

وإن كان ثم فارق بيننا هذه (المرة) فما ذاك إلا لأن الباعث الذي نظمت تحت تأثيره القصيدة لم يسيطر على بينما سرى مفعوله إلى بقية الرفاق. (هذا ما يخيل لي ولعلي واهم)

مسقط في 3/2/1358

علي

نص الرسالة التي كتبها التاجر في 28 يونيو 1939م

أستاذي الجليل إبراهيم العريض

قبلاتي. لقد عدت توًّا من رحلة فوجدت كلمتيك الأخيرتين. كتبت لك من مسكت بيد أنه لم يتسن لي إرسال كلمتي. وعلى كل تجدها طيه. لقد تدبرت كلمتيك حول الشاعر المجهول. ولم يزدني ما فيها إلا إيمانا بما بسطت في كلمتي التي أشرت إليها أعلاه. الوقت ضيق والشواغل جمة. فرجائي عذرك على (ال) كتابة التلغرافية.

دبي 28 يونيو 1939

تلميذك المخلص

علي

ثانياً: علي التاجر

وجريدة البحرين

أصدر عبدالله الزائد، أول صحيفة في البحرين عرفت باسم (جريدة البحرين) وذلك في عام 1939 وكانت تصدر أسبوعياً حتى عام 1944 وهي الفترة التي قامت فيها الحرب العالمية الثانية - وانتهت.

وقد ساهم في الجريدة كتاب من البحرين وخارجها، ومن أهم أحداثها الأدبية السجال الأدبي الفريد الذي أستغرق أكثر من 35 مقالاً في الجريدة والذي دار حول تجربة الشاعر عبد الرحمن المعاودة الخاصة برباعيته الشعرية وشارك في هذا السجال مجموعة من أدباء البحرين والخليج العربي، ومعظمهم تحت أسماء مستعارة - وذلك في الفترة مابين 1940 و 1942. مضى ذلك السجال الأدبي وتشعب حتى وضع نهاية له فضيلة الشيخ عبد الحسين الحلي في العدد 26 من فبراير 1942.

وقد اشترك علي التاجر في تلك المقالات النقدية بما لا يقل عن ثلاث مقالات وفيما يلي نقتبس بعضا مما أورده د. منصور سرحان في كتابة (النقد الأدبي) ابتداء من الصفحة (107):

«من بين الذين دخلوا معترك السجال النقدي الأديب علي التاجر مستخدما الحرف (ت) كإمضاء له. وشارك في ثلاث مقالات نقدية تحت عنوان (ثلاث كلمات فقط» نشرت الأولى في العدد (143) من السنة الثالثة. الصادر في 17 نوفمبر 1941م رد فيه على مقالة القارئ (أنقد أم تهجم) منتقدا تجربة المعاودة. بدأ مقالته النقدية بمدخل بسيط ذكر فيه: «.. قبل أن نمضي معه في الحديث، نريد أن نطمئنه على أن نقد أبن الرومي لأشعار المعاودة نقد صميم لا تهجم. وآية ذلك أنه أكد صادقا أن ليس بينه وبين الأستاذ المعاودة خصومة ولا صداقة. فليس له غاية شخصية تحيد به عن جادة النقد الموضوعي إلى النقد الذاتي الذي قلما تسلم خطواته من العثرات. وقد رأينا كيف كان نقده موجها مباشرة لأشعار المعاودة، لا لأشياء أخرى كثيرة يستطيع أن يستغلها الناقد الذاتي، كما فعلت أنت يا سيدي في نقدك لمقال أبن الرومي، فاطمئن من هذه الناحية»

بعد هذه الافتتاحية راح يفند النقاط التي ذكرت في مقاله (أنقد أم تهجم) مبتدءا ببيت المعاودة:

هامت الروح بواد من خيال

فتراءى لي من الحق ضلال

«فقد نقد ابن الرومي هذه الدعوى الزائفة - دعوى تراءي الضلال من الحق - بما لا يدع قولا لمكابر. فجئت سيدي تحاول نقض هذه الحقيقة الثابتة الناصعة بقولك «أجل يتراءى مقلدا رب العزة سبحانه الذي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون»

إن هيام روح الأستاذ المعاودة واكتواء قلبه بلوعة الحب - على حد قولك - لا يبرر هذه الدعوى الزائفة التي يسري مفعولها للفلسفة والعلم. فيصح ترائي الضلال من الحق. فالحق هو خلاصة العناصر الطيبة التي تقوم على أساسها دعائم هذا الكون. فالفضيلة والخير والإيمان والحب والشرف والنبل عناصر تتمازج وتتحد في كلمة الحق ولهذا وصف الخالق نفسه بأنه الحق، والحق هو، أما الضلال - والعياذ باله - فكلمة أخرى لها معناها المغاير»

وتناول في بحثه هذه الأبيات من رباعية المعاودة»

غض طرفا وامشي هونا إننا

لم نزل في غمرة من جهلنا

صاح أن الكون رمز عندنا

كفراش نحن حول النار حام

«فجئت يا سيدي - والكبرياء تنفخ برديك - تتساءل، بأنه من المعلوم بأن المعري قبل الخيام، وإيليا أبي ماضي، وجبران، وميخائيل نعمة، كلهم شعراء معاصرون. فمن من هؤلاء أخذ هذا المعنى عن الخيام، حتى يصح أن نقول إن الخيام أخذه عن المعري. ثم يبلغ الإعجاب عندك بنفسك حده. فتقرر بعجرفة ما بعدها عجرفة، أن هذا السؤال حرج سيصم أذنه عنه.

هذه النقطة كنت أفضل أن أكتب عنها صفحات. ولكن سؤالك موجها مباشرة لأبن الرومي، ولولا تلك العجرفة المعيبة التي استولت عليك فجعلتك تتنبأ مبدئيا أن ابن الرومي سيصم أذنه عن سؤالك لحراجته! وليس في سؤالك أية حراجة بل ليست له أية مناسبة. فابن الرومي لم يقل - بل لا مبرر لأن تفهم عنه - أن الخيام اقتبس هذه الفكرة المبتذلة المنقولة عن المعري، وأن كان المعري قبل الخيام. أو أن أحدا من شعرائنا هؤلاء اقتبسها عن الخيام وعن المعري أو عن أي أحد كان.

ولكن أبن الرومي عني أن كلا من هؤلاء الشعراء نظر لهذه الفكرة بمنظاره الخاص الذي يرقب به الحياة حسب سجيته، فأصبح في شعره كائنا حيا تنبض بنفسه وتخفق بفؤاده. فالمعاني أو الأفكار - إن شئت - شائعة بين الناس وإنما تتفاوت مراتبها في السمو بما يسبغه الفنان عليها من روحه. وبعبارة أبسط، تتميز قيم هذه المعاني بالنسبة للزاوية التي يتطلع منها الفنان...»

ثم... ينشر علي التاجر أو (ت) كلمته الثانية تحت العنوان الذي اختاره «ثلاث كلمات فقط» في العدد (144) من السنة الثالثة، الصادر في 4 ديسمبر 1941م، حيث يبدأ بالتعاطف مع مقالة ابن زيدون من أن الخصام بين ابن الرومي والمعاودة ليس خصاما شخصيا، ولكن حرب قائمة بين مذهبومذهب وجيل وجيل، وكل منهما له مقاييسه ومعداته الأدبية ونوع ثقافته.

بعد هذه المقدمة يوجه نقده اللاذع إلى أنصار المعاودة وبخاصة ابن العميد: «وكنا نمني النفس أن نرى أبحاثا شائقة في الدفاع عن أدب المعاودة، بعد أن استيقظت أقلام أنصاره اندفاعاً في الذب عنه. فقد دأب هؤلاء الفوارس العظام - بالتأكيد - ينزل واحد منهم للمعمعة كل أسبوع. ينشر ما في جعبته من شتائم، ثم يتوارى حياء من الناس، بعد أن يكون قد تكشف لهم بما لا يغبط عليه، وآخرهم هذا البطل العظيم «ابن العميد» ولكنه - خلافا لسنة أسلافه العظام - ينذرنا في (خطبة العرش) العظيمة التي قدمها بين يدي دفاعه العظيم المنتظر، بالويل والثبور وعظائم الأمور. وأنه لن يكتفي بما كال من سباب وشتائم فإنما هي تمهيد لما سيأتيها من الدواهي العظام.

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً

أبشر بطول سلامة يا مربع

ثم يتجه (ت) بعد ذلك ليواصل تكملة مقالته الأولى في الرد على المقالة (أنقد أمر تهجم): «وبعد... فقد ودعنا سيدنا (قارئ) عند نهاية الحديث عن النقطة الرابعة. فأما النقطة الخامسة فقد تلاشت شخصية أبن الرومي من التواضع في بحثها، كأنما عز عليه أن يحارب في غير ميدان. فعلق على بيتي المعاودة:

أين هارون وأين الناصر

وزمان بذويهم ناصر

أين قيس قبلهم بل عامر

قد أحيلوا للشجيرات رماد

بقوله (وليس لهذا التساؤل من معنى سوى أن الخيام نفسه تساءل عن جمشير ورستم وسهراب. ولا بد للمعاودة من التساؤل أيضا. و إلا فكيف تتم له المعارضة) فقد شاء له تواضعه - غفر الله له - أن يقرن اسم المعاودة إلى اسم الخيام في هذا الصدد، والحق أن المعاودة (بريء) من هذه التهمة براءة الذئب من دم ابن يعقوب فهو لم يستأنس بروح الخيام في بيتيه هذين، وإنما استأنس بروح أخرى تغاير في طبيعتها روح الخيام روح تطالعنا من أفواه الوعاظ في مثل قولهم في مقام التذكير (أين هامان وفرعون؟ وأين عاد وشداد؟ أين ارم ذات العماد»).

ونكتفي بهذا القدر مما كتبه علي التاجر في «جريدة البحرين»، لنستعرض بعضاً من مقالاته في مجلة «صوت البحرين» 1950- 1954 م.

ثالثاً: علي التاجر

ومجلة «صوت البحرين»

ساهم علي التاجر مع مجموعة من الأسماء المرموقة في البحرين في هيئة تحرير مجلة صوت البحرين. التي استمرت إلى ما يقرب من أربع سنوات منذ أواخر عام 1949 إلى بداية عام 1954 وبالإضافة إلى شئون التحرير و الإدارة، كتب مقالات عديدة في صوت البحرين منذ سنتها الأولي وحتى السنة الرابعة والأخيرة وكان يستعمل أسمه الصريح حينا، أو يكتفي بالتوقيع بحرف (ت) وحروف (ع. ت) أحيانا أخرى ولا نستبعد أنه كان مشاركا في المقالات التصديرية تحت أسم (التحرير) أو عنوان «وخزات عاقل» أو تحت اسم «جهينة» وغيرها.

وقد ابتدأ أول كتاباته بمقالة افتتاحية بعنوان «استهتار» في العدد الرابع من السنة الأولى للمجلة فيها هجمة قوية شرسة شنها على مجلة الاثنين المصرية وعلى «دار الهلال» أو دار أبناء جورجي زيدان كما سماها وذلك لنشرها مقالاً يسيء إلى البحرين والخليج بعنوان: (اشتريت صديقي بمائه جنية) يزعم كاتبه أنه جاء مع صاحبه إلى الخليج وأختطف البدو صديقه ثم باعو ه له بمائه جنية.. إلخ.. وكان لهذا الرد الجريء من على التاجر صداه في البحرين والخليج.

كما كتب التاجر في صوت البحرين سلسلة مقالات مترجمه عن حضارة اليمن بعنوان (حضارة عربية تكشف عنها الرمال)

وكتب في العدد الثالث من السنة الثالثة مقالا حول (رسالة الإسلام) وكتب مقالة عن «الحيتان» في العدد الخامس من السنة الأولى وذلك بمناسبة جنوح أحد الحيتان على ساحل المحرق... حيث دفعت الحكومة مائه روبية تعويضاً للصيادين في مقابل ترك الحوت على الشاطئ ليتفرج عليه الجمهور كما كتب سلسلة مقالات مترجمة عن عرب الطوارق (الرجال الملثمون والنساء السافرات) في صحراء الجزائر.

والذي يعنينا هنا مقال كتبه في العدد الخامس من السنة الرابعة بعنوان (شذّ.. يشذ.. في المدرسة الثانوية..) وقد تعرض فيه إلى محاضرة أقامتها المدرسة الثانوية بالبحرين وحاضر فيها أحد المدرسين الوافدين وكان مما قاله في المحاضرة... (أن العرب هم شذاذ الآفاق) مما أدى إلى استنكار أهل البحرين لهذا الوصف... وجاء رد علي التاجر في هذه المقالة التي نوردها هنا لمصلحة المهتمين بالتعرف على أسلوب التاجر في ذلك الوقت:

شذّ.. يُشذّ في المدرسة الثانوية:

أقامت المدرسة الثانوية بالبحرين، حفلة أدبية في قاعة المحاضرات فيها ليلة الاثنين السادس من جمادى الأولى، قرأ فيها مدرس الأدب العربي في المدرسة، محاضرة بعنوان مشاكل الشباب، اتسمت بالارتجال، والسطحية، وعدم الفهم، والخروج عن الموضوع، أو على الأصح عدم الدخول فيه أطلاقاً. فبدل أن يتحدث المحاضر عن مشاكل الشباب الرئيسية في العالم العربي، وهي الإقطاعية، والرأسمالية، والاستعمار الأجنبي، والاستبداد الحكومي، والزعامة المضللة، والفساد الإداري، والانحلال الاقتصادي، وما أشبه ذلك من الأدواء والمصائب التي تعاورت على كيان هذه الأمة، تفتك به، وتهد من بنيانه، نقول بدل أن يتحدث المحاضر عن مشاكل الشباب الرئيسية، عمد إلى الحديث عن بعض المسائل الفرعية التي تنشأ عادة عن وجود المشاكل الرئيسية، مجتمعة أو منفردة، وتزول بزوالها، كأنما يرمي بذلك إلى صرف أنظار الشباب عن الاهتمام بمشاكله الرئيسية والانصراف إلى التفكير في أمور ثانوية تافهة قليلة القيمة.

لقد قصر الأستاذ محاضرته على دعوى الآباء الإحاطه بكل شيء، أو عداء الأجيال كما أسماه، ودكتاتورية الآباء، والتزمت الديني والسفور والحجاب والطائفية. فتحدث عنها حديثاً مغسولاً، متناقضاً، يضرب بعضه بعضاً، ويكذب آخرة أوله. فمثلاً لقد أنكر فرض الإسلام للحجاب، وقال في معرض التدليل على هذا الرأي أن الإسلام أجاز للخاطب أن يرى وجه من يريد الزواج بها قبل خطبتها. ومع أن هذا ليس مجال الأخذ والرد في هذه المسألة، ومع احتفاظنا برأينا فيها، نود أن نسأل عن معنى الجواز إذا لم يكن ثمة من خطر؟ ولكنها الألمعية والإدراك النافذ. ثم أقحم في الموضوع تعليق «صوت البحرين» في العدد الماضي على «حفلة المدرسة الثانوية بذكرى الرسول الأعظم»، إقحاماً لا مبرر له، فوصم العرب بكل نقيصة، وألصق بهم كل سبة، وأغدق عليهم ما جاد به معينه من الشتائم. ثم انتفخت أوداجه، وأنتفش ريشه، وتوترت أعصابه، وجحظت مقلتاه، وصرخ في حركة مسرحية يحسده عليها يوسف وهبي، بصوت مبحوح أخذ يتزايد علواً كلما تمادى به القول، حتى انتهى إلى ما يشبه الزعاق، فقال - وكأنما أكتشف حقيقة من حقائق الكون الخالدة: قال لا فض فوه، ولا شمت به عدوه:

«أقول، وأنا عارف بما أقول، مدرك لما أقول، عالم بتبعة ما أقول، مصر على ما أقول، ولأذهب أنا وعقبي إلى النار أن تراجعت عما أقول، أقول هنا، وأتحدى، لا متوارياً خلف صحيفة أو مجلة، أقول: أن العرب شذاذ آفاق.»

وعند هذا الحدّ دوت القاعة بالتصفيق من الصفوف الخلفية، صفوف التلاميذ، أبناء أولئك العرب الذين كرمهم المحاضر بهذا الوصف النبيل. أما الصفوف الأمامية، وفيها من غير العرب، فقد أصيبت بما يشبه الوجوم. اللهم إلا أستاذاً واحداً وطنياً من أساتذة المدارس الابتدائية!

وعندما أنهى الأستاذ محاضرته، دوت القاعة بالتصفيق ثم أعتلى عريف الحفلة المنبر، فشكر المحاضر على محاضرته القيمة، وفتح باب التعليق، فأسرع الشيخ دعيج الخليفة إلى المنبر فشكر المحاضر على محاضرته القيمة ثم قال:

«ما وقفت لا علق على محاضرة الأستاذ بشيء فهي قيمة ولها أهميتها، أنما وقفت لا دفع تهمة وأصحح قولاً وهو أن المحاضر قد أتهم العرب أو بالأصح بل سب العرب إذ وصفهم بأنهم شذاذ آفاق ولم يكتف بالوصف بل أكد ذلك وتحدى من يعارض هذا القول وأنه ليعز علينا نحن حفدة أولئك الغر الميامين، أن نترك مثل هذه التهمة تمر على أسماعنا دون أن نعرب عن اشمئزازنا واستنكارنا لها، وبالتالي أن نصحح هذا الخطأ الذي أرتكبه المحاضر سيما في هذا الوسط المدرسي، وبين طلاب يعز علينا أن تعلق بأذهانهم مثل هذه التهم التي هي ولا شك من أشد العوامل فتكاً في بناء الأمة إذ تزعزع الثقة، وتبعث الشك في القدرة القومية على الخلق والإبداع وذلك خلاف ما تقصده التربية الصحيحة من توجيه الشباب نحو التطلع إلى مستقبل رائع وحياة سعيدة عزيزة تستمد متانتها وقوتها من ماضي العرب وتاريخهم القومي. هذه هي الأسس التي يجب أن نعمل على غرسها في نفوس إخواننا وأبنائنا الطلبة، لا أن نسمح لأنفسنا بأن تتعامى عن أظهار الحقيقة فنجعل من أسلافنا «شذاذ آفاق» لا قيمة لهم ولا قدر. فالعرب كانوا قبل الإسلام من أشد الأمم حباً للخير وأكثرهم تعلقاً به، وكانت لهم التقاليد السامية، والصفات الإنسانية الرفيعة، حتى جاء الإسلام فأتم ما كان ناقصاً، ووحد ما كان متفرقاً، وجعل منهم الأمة المختارة. أما هذا الوصف فلم نعرفه إلا منذ مدة وجيزة حين أخذ الشذاذ الحقيقيون يتهافتون من كل صوب وافق على فلسطين محاولين اغتصابها واتخاذها وطناً لهم هؤلاء هم شذاذ الآفاق لا العرب الأمجاد، فما عرفت الجزيرة العربية غيرهم وما عرف الأفق العربي قوماً سواهم وما أختار الله محمداً من بينهم إلا لأنهم أرقى الأمم وأعلاها وأرفعها عند الله شأنا وقد أختارهم الله ليختار منهم نبيه. ويا حبذا لو عقدت المدرسة مناظرة بعنوان هل ساق الإسلام العرب إلى غير ما يحبون؟ ليتسنى لنا إفهام المحاضر الحقيقة العربية»

وقد وعد مدير المدرسة أن ينظم مثل هذه المناظرة.

وكاد ينتهي حتى أسرع المحاضر إلى المنبر، في حركة تجلي ّ فيما الذوق السليم، ولكن مدير المعارف الأستاذ أحمد العمران، كان أسرع منه إلى اعتلاء المنبر، فحاول المحاضر أن يزاحمه عليه فصده مدير المعارف عنه صداً.

افتتح الأستاذ أحمد العمران كلمته بشكر المحاضر، وأثنى على محضراته ثناءً جزيلاً، كما أثنى على كلمة الشيخ دعيج الخليفة، ولكنه أسف للنتيجة التي أنتهي إليها المحاضر، وعقب على قوله بما يشبه الاعتذار، بأن العرب في الواقع ما كانوا شذاذ آفاق.

وهنا دوت القاعة بالتصفيق، ما عدا الصفوف الخلفية حيث يجلس التلاميذ. ثم أشار إلى أقفال باب المحاضرات في الثانوية، واستبدالها بحفلات سمر أو ما أشبه، وأعلن انتهاء الحفلة. وما كاد ينزل عن المنبر حتى أسرع المحاضر إليه فاضطر مدير المعارف إلى مغادرة القاعة، فأضطرب نظام الحفلة، وتعالت الاحتجاجات من كل جانب، وساد الهرج والمرج، وبدأ الحاضرون يغادرون القاعة في حالة أشبه ما تكون بالفوضى.

وقبل أن أخرج من القاعة كان أحد الأخوان يتحدث إلىّ محتجاً على عدم السماح لمن يرغب في التعليق بالتعليق، فقلت له لا زال في الوقت متسع، فهناك وسائل أخرى. وكأنما كان المحاضر، فقــــال: «لا! هنا!» وأشار إلى المنبر. فاضطررت إلى أن أقول له: «ولكنهم لم يسمحوا بذلك» فسكت.

كنت قد سبق لي، بعد أن فرغ المحاضر من قراءة محاضرته، أن قدمت له بطاقة أسأله فيها عن معنى «شذاذ الآفاق». ولكنه لم يستطع الإجابة على سؤالي نظراً للحالة التي آلت إليها الحفلة، فانتهزت الفرصة وأعدت عليه السؤال شفهياً، فقال:

نفعنا الله بعلمه:

«لو راجعت المنجد صفحة كذا!!...».

أجل والله «لو راجعت المنجد!!» مدرس للأدب العربي، يحمل شهادة جامعية في الأدب يستشهد في اللغة بالمنجد.

ولكن ما علينا: «لو راجعت المنجد صفحة كذا لوجدت أن معناها رعاة الإبل المتنقلون..».

وأقسم بالله أن جوابه كان صدمة قاسية لي لا لاختلافي معه في الرأي ولكن لهذه.. ماذا؟ أأقول السطحية في التفكير؟؟ هبه صادقاً في تفسيره «شذاذ الآفاق» بأنهم رعاة الإبل المتنقلون، أفهل ذاك سبة وعار ينبزون بها؟ هل الكفاح في طلب الرزق للمحافظة على الحياة منقصة ورذيلة؟؟ ما حال هؤلاء التلاميذ إذا كان مدرس الأدب يمتاز بمثل هذه العقلية الفذة؟؟

ومع ذلك فلم يكن لنا بد من قبول تحديه، بكل تواضع، على كره منا، وعلى هذا فقد اضطررت إلى مراجعة المنجد!! على غير حاجة مني لذلك - كيلا أظلم الرجل، بل راجعت ما استطاعت الوصول إليه يدي من القواميس العربية، كأساس البلاغة للزمخشري، والأفعال لأبن القطاع الصقلي، وتاج العرس، والمحيط، ومختار الصحاح، والمصباح المنير، والبستان، وغيرها. فلم أجد في أي ّ منها ما زعمه الأستاذ من تفسير «شذاذ الآفاق» بل لم أجد أي وصف من الأوصاف، في مادة ش ذ ذ يمكن انطباقه على العرب، في أي قاموس من هذه القواميس. وها أنا أورد هنا ما جاء تحت هذه المادة في ثلاثة معتمدة منها بالإضافة إلى المنجد:

1- المحيط للفيروز أبادي:

شذّ يشذّ شذاً وشذوذاً: ندر عن الجمهور. وشذّه هو كمدّه لا غير: وشذذه، واشذه. والشذاذة القلال، والذين لم يكونوا في حيهم ومنازلهم. والشذان بالكسر: السدر، وبالفتح والضم ما تفرق من الحصى وغيره. وشاذ بن فياض. محدث، وأسمه هلال. واشذ، جاء بقول شاذ، والشيء نحاه واقصاه.

2- أساس البلاغة للزمخشري:

ش ذ ذ - شذ عن الجماعة شذوذاً: انفرد عنهم. وهو من شذاذ القوم: من الذين هم فيهم وليسوا منهم. وجاءني شُذّان الناس: متفرقوهم.

3- الأفعال لأبن القصاع الصقلي:

وشذّ الدابة شذوذاً: نفر، والرجل عن القوم: خرج عنهم، والشيء عن الشيء: مثله. وأشذذت الشيء: فرقته. وقيل شذذته، واشذذته، بمعنى.

المنجد: شذّ ـئِـ شذاً وشذوذاً: عن الجمهور أو الجماعة: ندرعنهم وانفرد. القول: خالف القياس. - عن الأصول: خالفها فهو شاذج شواذ والشذاذ من الناس: القلال. ومنه «جاؤوا شذاذاَ» أي قلالاً. الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم. شذاذ الآفاق: الغرباء. (شذّه - شذاً وشذذه) صيره شاذاً.

أي هذه المعاني ينطق على العرب في جاهليتهم يا مدرس الأدب العربي في ثانوية البحرين؟

ومع ذلك فالعبرة في مثل هذه الحال ليست بألفاظ القاموس. وإنما بالمدلول السائد للكلمة زمن الاستعمال. وذلك لأن الكلمات تتسم بسمة من سمات الإحياء هي التطور مع الزمن. من ذلك أن كلمة: علق: تعني النفيس من كل شيء. ولكن مدلولها اتسع مع الزمن حتى أصبحت كصفة لرجل من الرجال تعني شيئاً بعيداً كل البعد عن النفاسة بل والرجولة. والغانية: هي المرأة الغنية بحسنها وجمالها عن الزينة. ولكن أية امرأة طاهرة الذيل يرضيها أن يقال عنها غانية!

يلاحظ القارئ أن «شذاذ الآفاق» لم يأت ذكرها إلا في المنجد من بين القواميس الأربعة التي أقتبسنا ما أوردته من معاني «ش ذ ذ». والمنجد قاموس معاصر فمن أين جاء بها؟

في الواقع أن جميع القواميس التي رجعنا إليها، والتي ذكرنا قسماً منها آنفاً، لم تذكر هذه «الاستعارة» Idiom أطلاقاً، ما عدا المنجد. ونحسب، والله أعلم، أن أول من وضعها هو الحريري في المقامة «الواسطية». وقبل أن أفسر المعنى الذي قصد إليه الحريري بها، أورد القطعة التي جاءت فيها. قال رحمه الله:

«حكى الحارث بن همام: قال: الجاني حكم دهر قاسط، إلى أن انتجع أرض واسط، فقصدتها وأنا لا أعرف بها سكناً، ولا أملك فيها مسكناً. ولما حللتها حلول الحوت في البيداء، والشعرة البيضاء في اللمة السوداء. قادني الحظ الناقص، والجد الناكص، إلى خان ينزله شذاذ الآفاق، وأخلاط الرفاق، وهو لنظافة مكانه، وظرافة سكانه، يرغب الغريب في ايطانه، وينسيه هوى أو طانه...».

واحسبني في غير حاجة إلى القول أن الحريري عنى بها الغرباء في البلاد لا تصلهم بها صلة سابقة دون أن يقصد بذلك إلى شيء من الدّم. وهل ثمة أكثر غربة في البيداء من الحوت ذلك الحيوان الذي لا يعيش إلا في الماء؟

ثم أطلقها العرب مؤخراً على اليهود لما أخذوا يتساقطون على فلسطين تساقط البلاء من كل بقعة وينسلون إليها انسلال الأفاعي من كل أفق، خليطاً من الأمم والشعوب، فاكتسبت بذلك في أذهان العرب معنى أسوأ من معنى البلاء وأبشع من معنى الوباء. وعلى هذا فأن «شذاذ الآفاق» بمعناها الأول، قد يصدق إطلاقها على أي شعب من الشعوب، أو على الشعوب جميعها ما عدا العرب وحدهم وخاصة أن صدقت النظرية التاريخية القائلة بأن جزيرة العرب كانت مهد الجنس البشري ومنها هاجرت جميع الشعوب، في موجات متتالية على مدى الأزمان، لتتأثر بالبيئات الجديدة التي اتخذت لها أوطاناً فيها، وتنسى وطنها الأول مع الأيام أما إذا لم تصدق هذه النظرية فيبقى مع ذلك وصف العرب بشذاذ الآفاق آمر لا يمكن أن يصدر إلا عن عقل مريض ونفس مثقلة بمركب النقص. أن هذا الوصف لا يمكن أن ينطبق على العرب بأي حال من الأحوال والسبب بسيط جداً. هو أن التاريخ - أي تاريخ - لم يسجل هجرة واحدة أجنبية من الخارج إلى جزيرة العرب، ولكنه سجل عكس ذلك عدداّ من الهجرات العربية انداحت في صورة أمواج عارمة من الجزيرة إلى الأقطار المجاورة ومنها مصر.

وبعد فلعل القراء قد أدركوا الهزل الذي قصدنا إليه من هذا الحديث اللغوي فأن من لا يفهم أقواله ذاتها، لا يستطيع استيعاب مثل هذا الحديث أنني لا أتجنى في هذا القول ولا أبالغ ولكنني أقدم الدليل لقد جاء في قصيدة للأستاذ البيت التالي:

نجيب والله للإسلام أرسله

من عالم النور جبريلاً وقرآنا

فما معنى هذا الكلام؟ ما معنى هذا الإسفاف الممقوت الذي يأباه الخلق الكريم وينكره الذوق الأدبي المعاصر؟

أصحيح أن الله أرسل نجيباً للإسلام جبريلاً وقرآنا؟ أكان الإسلام بدون قرآن حتى يرسل الله نجيبناً له قرآنا؟ أم ناقصاً حتى يتمه بقرآن آخر، هو نجيب؟ وما معنى قوله تعالى إذاً: «اليومُ أكملت ُ لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام ديناً؟».

وما حكم القرآن الذي أنزله الله على محمد للمسلمين هدى ونوراً بعد أن أرسل لهم نجيبا قرآنا؟ هل نسخ أم الغي؟ ومن هو رسول الله الجديد الذي أنزل علية القرآن الجديد الذي هو نجيب؟ أم هي الفاظ يهرف بها مدرس الأدب العربي في ثانوية البحرين، دون أن يفقه لها معنى؟

نحن نعتقد أنها ألفاظ لا يعني بها الأستاذ شيئاً وألا فليلق علينا محاضرة أخرى، يفسر لنا فيها هذا الدين الجديد!

وعلى كل فهذه فرصة تتيح لنا أن نتحدث في أعداد قادمة عن أوضاع العرب في الجاهلية وأوضاع الأمم التي عاصرتهم، لنرى أن الله لم يختر محمداً من بين العرب اعتباطاً أو ارتجالاً أو عن طريق الصدفة، وإنما اجتباهم لهذا الشرف اجتباءً لحكمة بالغة لا تخفى على من له إلمام يسير بالتاريخ العالمي الصحيح لذلك العصر.

ونريد أن نقول منذ الآن أن حديثنا لن يتسم بالعصبية العنصرية أو بالعاطفة القومية، ولن نهدف فيه إلى الغض من شأن أي أمة من الأمم على حساب العرب ظلماً وعدواناً ولن ننسب للعرب فضيلة واحدة إلا إذا قام الدليل القاطع عليها وسنتحدث أول ما نتحدث عن مساوئهم ونشبع الحديث عنها تفصيلاً ولكننا لن نظلمهم كما لن نظلم غيرهم وسيكون رائدنا القرآن وسنة الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى أن هو إلا وحي يوحى وسنشير إلى كل مصدر حين الاستشهاد به.

فإذا كابر بعد ذلك مكابر في النتيجة التي نصل إليها فعليه أثمه فحسبنا أننا أنصفنا الحق.

وبعد فقد بقي أن ندلي بملاحظتين. الأولى هي أننا قد درجنا وكنا نفضل الاستمرار - على التوقيع بأسماء مستعارة، لا خوفاً من النقد، ولا فرقاً من المسؤولية، فمن البديهي أن أسرة تحرير أية مجلة تتحمل، مادياً وأدبياً، مسؤولية ما ينشر في تلك المجلة بتواقيع مستعارة، ولكن صدوفا عن الشهرة، وإنكاراً للذات. أما وقد ألجأنا الأستاذ إلى التحدي، فسنخرج كارهين، هذه المرة على تلك السنة التي لم نخرج عليها من قبل سوى مرات معدودات.

أما الملاحظة الثانية فهي أن تكالب بعض الناس على الشهرة من أهون السبيل، يدفع بهم إلى اتخاذ ظهور قوميتهم، ودينهم، وتاريخهم، مطايا لها ولهذا فقد أغفلنا في هذه الكلمة ذكر بعض الأسماء لنفوت عليهم الفرص.

هدانا الله والأستاذ إلى الخير، و اتجاه وعقبه من النار.

علي التاجر

علي التاجر... إطلالة تاريخية

من دولة الإمارات

أوقع اضطرار علي التاجر مغادرة البحرين في نفسه حرجا بالغاً، وهمّا على مصادرة مكتبته الخاصة في البحرين في أوائل الستينات من القرن الماضي... حتى أستقر في دبي الشقيقة، واستفادت دولة الإمارات من ولعه بالتاريخ وألحقته بدار الوثائق والمخطوطات في أبو ظبي مسئولاً وباحثاً خلال السبعينات وقد سافر لأداء مهمته إلى عدد من البلدان منها جمهورية مصر العربية للبحث عن الوثائق التاريخية لاسيما ما سيتعلق منها بالحملة المصرية على الحجاز والجزيرة العربية والخليج العربي.

ولا مجال هنا لاستعراض ما قام به التاجر من نشاط خلال عمله في دار الوثائق والمخطوطات التي استقال منها بداية الثمانينات على الأرجح ومن خلال ما استطعنا الحصول عليه من معلومات فأنها تشير إلى ما يلي:

1- تقدم علي التاجر في نوفمبر 1979 ببحث إلى الحلقة الرابعة للمراكز والهيئات المهتمة بدراسات الخليج والجزيرة العربية.. وموضوع بحثه هو: (مناقشات حول أبن ماجد).

2- أصدر الكتاب السنوي الثاني للأمانة العامة للمراكز والهيئات العلمية والذي يحتوى على مائه صفحة وذلك تحت عنوان (الصراع العربي البرتغالي في المحيط الهندي في القرن السادس عشر).

3- كتب سلسة مقالات تاريخية مطوّلة في التحقيق حول الربان أحمد بن ماجد وذلك في مجلة العرب الشهرية الصادرة عن دار اليمامة بالرياض ابتداء من عدد ديسمبر 1970 - وبين يدينا ستة من تلك البحوث القيمة ولا يستبعد أن تكون نشرت له أبحاث تاريخية أخرى في مجلات عربية في دمشق أيضاً

وختاماً... نكتفي بهذا الاستعراض حول كتابات علي التاجر في البحرين وخارجها على أمل أن يواصل المهتمون بآثاره إزالة الغبار عن باقي تراثه الفكري و الأدبي والتاريخي.

علي التاجر مع نادي العروبة

لم يكن الأستاذ علي التاجر حاضراً عند تأسيس النادي عام 1939 بسبب أسفاره ربما، ولكنه كان من أهم الفاعلين في أنشطة النادي الثقافية والتوجيهية وقد كان بطبعه عازفاً عن المناصب لكنه قبل الاشتراك في مجالس إدارة النادي وتولي على مضض النيابة عن أمين السر الأستاذ حسن الجشي في بعض الأحيان. وقد عرف عنه موقف مبدئي كان يتمسك به بالنسبة للمكتبة والكتب ولم يحد عنه. كان يطالب بأن يفتح النادي الأقفال عن خزانة الكتب ويبرر ذلك بالقول إذا لم يرجع أحد الأعضاء للنادي كتابا استعاره واحتفظ به يكون النادي قد أفاد عضوا واحداً على الأقل من قراءة كتاب، أما إذا بقيت الكتب خلف الأقفال فإنها تصبح كالمومياء الميته لا يستفيد منها النادي ولا من خارجه كمثل الحمار يحمل أسفاراً

ونترك لمؤرخ سيرة نادي العروبة تقي البحارنة المجال في كتابه «نادي العروبة وخمسون عاماً» لكي يحدثنا عن خصوصيات الأستاذ علي التاجر في النادي وذلك فيما يلي من مقتطفات عن فترة الأربعينات من القرن العشرين:

1- حفلات النادي...

ويفتتح رئيس النادي المرحوم محمد دويغر هذه الحفلات - عادة- بإسداء النصائح بأسلوب إذاعي رصين والتشديد على أهمية الأخلاق في نهضة الأمم وواجبات الشباب المتعلم تجاه المجتمع، فيتقبلها الحاضرون بالرضا وبهز الرؤوس بين حين وآخر، وسرعان ما يعقبه أمين السر الأستاذ حسن الجشي فيساهم أسلوبه المتقن وأفكاره المعارضة للجمود الداعية للتطوير والانفتاح على مفهوم العروبة الأوسع في رفع درجة الحماس عند البعض وتوتر الأعصاب لدى الآخرين... فإذا صادف وأن تلاه في الخطاب الأستاذ علي التاجر خيل إلى الحاضرين عندئذ أنهم يواجهون بركانا يقذف بالحمم، من جراء صراحة الألفاظ والنقد اللاذع ودفقات الحماس كالموج العاصف يغشاه موج من فوقه موج أكبر منه اتساعا.. وبقدر ما تتوالى الصدمات تتسع الأفواه المشدوهة حتى إذا أكمل حديثه لم يجد منظمو الحفل بدا من تلطيف الجو باستراحة للمرطبات أو قصيدة «رومانسية» من شعر المرحوم الأستاذ السيد رضا الموسوي من مثل:

انثروا فوق صفحة الدهر أزهارا

يفح ريحها مع الإشراق

والأستاذان حسن الجشي والموسوي غنيان عن التعريف... أما الأستاذ علي التاجر فلم يعرف عنه أنه كان يقول الشعر أيضاً.. لولا ما سجلته حفلات نادي العروبة - على حد علمي- وعسى أن يعذرني أن أشبعت فضول القارئ بإيراد شيء مما وجدته في مناسبة من هذه المناسبات منذ سنة 1360 هجرية (1941) ميلادية.

نحن في مهمه تهاجمنا

الأحداث فيه بكل باغ غدور

عزل لا نطيق أن ندفع الضيم

فنلوي بشره المستطـير

خنع لا طموح للمجد يحدونا

فنطوي برد الخنوع المرير

خمدت في صدورنا جذوة الدين

فتاهت عقولنا في القشور

وتلاشى الإباء فيها تلاشي ور

في لجة من الديجور

آهّ لو تبعث الحياة ضياها

ثانيا في نفوسنا والصدور

لجعلنا هذي الحياة نعيما

وفضحنا أسرارها بالنور

2- هواية علي في النادي:

إذا تجاوزنا ولع علي التاجر بقراءة الصحف والمجلات، فهو مولع أيضاً بالنقاش ولعب الطاولة حيث يقول مؤرخ النادي:

«وإذا كنت غافلاً تقرأ في صحيفة دون أن ترفع رأسك وسمعت صوتاً عصبياً عالياً موسيقي النبرة فذلك صوت الأستاذ حسن الجشي أما إذا سمعت جملاً قصيراً ضخمة ينتهي معظمها بكلمة «هامبغ» الإنجليزية، فذلك هو الأستاذ علي التاجر أما صوت الأستاذ إبراهيم العريض ونبراته فهما مميزان لدى معظم الأعضاء من أسلوبه الهادئ الحاني الرقيق تتخلله عبارة «يا أبني» والأستاذ نادراً ما يغضب.. فإذا فعل فإنه يزار زئير الأسد فيصمت المتجادلون!

ومعظم أعضاء مجلس الإدارة كان دأبهم النقاش دائما والخصام أحيانا ولا يجمعهم رأي واحد اللهم إلا في مواجهة الخطر المشترك وهو في الأغلب أحد الأشخاص من المتعصبين للرأي القديم أو أحد «المعممين» أي رجال الدين الذين يأتون لزيارة النادي أو يضعهم حظهم في طريق أحد الأعضاء وهو داخل إلى النادي فيعزم عليه بالدخول معه».

ثم يضيف:

«و يترامي إلى سمعك وأنت تصعد بشيء من المشقة درجات السلم العالية الصراخ متعاليا من غرفة السطح المخصصة لمزاولة الألعاب الداخلية وأول من يواجهك عادة في هذه الغرفة الأستاذ علي التاجر والسيد عباس العلوي في صراعهما الأبدي على لعبة «نرد الطاولة» وهما يلعبانها بمهارة وسرعة نادرتين ولا يمنع ذلك أحدهما أو كليهما من مشاركة الآخرين في تناقل الأخبار أو تشجيع اللاعبين أو تحدي من يلاعبه.

والأستاذ علي التاجر كان يحتفظ بمناقشاته التي لم تكتمل على ما يبدو في قاعة الجلوس إلى هذه الفرصة إذ يقوم بمجادلة جمهرة من الأعضاء وهو بمفرده فيستدير لكل منهم على حدة حتى يسكته بكلمة «طق» ثم يعود للآخر وهكذا دواليك. ومواضيع الساعة التي غالبا ما تكون مثاراً للجدل هي من مثل الملك فاروق وأحزاب مصر، والعرش الهاشمي وأحداث فلسطين، ونوري السعيد والهلال الخصيب، فإذا استنفذت الأحداث السياسية فهناك النقاش حول المفهوم الحقيقي للدين وتأييد آراء مجلة الأنصار المصرية حول العروبة والإسلام إلى غير ذلك.

وكان الأستاذ علي يلعب الشطرنج في بعض الأحيان وقد تعلمت هذه اللعبة بسببه أما الآخرون في غرفة الألعاب فتجدهم منشغلين بلعبة «الدامة» أو «الدمينو» ولكن اللعبة المفضلة لدى جمهور رواد النادي وكان بطلها أحد أبناء التاجر دونما منازع هي طاولة «الكيرم» وهي لعبة لا يميل إليها المفكرون عادة كالأستاذ علي التاجر لما تثيره من شغب وعبارات صبيانية وكانت تسبب لإدارة النادي صداعا مزمنا وقد استقال بسببها الأستاذ علي من النادي حتى تم أقناعة بالعدول عن الاستقالة.

3- علي التاجر وأنشطة النادي:

لقد ساهم علي التاجر بدوره في أحياء حفلات النادي الداخلية والعامة. ورغم أنه كان متقاعسا - باعترافه هو - في المشاركة الدائمة إلا إن كلماته تمتاز معظمها بالصراحة والعمق والنقد الحاد وفي الفترات الأولى كانت مساهمته تتجاوز النثر إلى الشعر أيضاَ ثم ما لبث أن توقف عن الشعر... ولكن بما أن المذكور تسلم أمانة السر وتحدث عن سيرة النادي وأحداثه فقد رأينا من المفيد إلقاء الضوء علي تلك المعلومات والآراء التي لا تنقصها الصراحة لنكمل لدى القارئ صورة النادي خلال تلك الفترة القريبة من عام 1363 هــ (1944) وهي من بين التقارير التي كان يلقيها تحت عنوان «من شهر إلى شهر»

>إخواني:

منذ أن أسندت إلى نيابة أمانة السر ألزمت نفسي أن أتحدث إليكم عن سير النادي مرة واحدة في كل شهر مستعرضا الخطوات التي نخطوها لنرى أين نحن من أهدافنا وأول ما أبد به هو أخي وصديقي الأستاذ حسن الجشي أمين سر النادي وسفره إلى مصر للدراسة.

تولى حسن أمانة النادي منذ تأسيس النادي فخطابه خطوات موفقة، لا أقول أنها حققت الكثير من أهدافنا الجسام ولكني أقول أننا بفضل هذه الخطوات أستطعنا أن نحدد أهدافنا ونوضح غاياتنا بعد أن كانت أحلامنا مبهمة وأمالا غامضة، وهذا هم كبير أهنئ أخي حسن وأهنئ أولئك الذين عاضدوه على تحقيقه، فأعمالنا منذ ذلك اليوم على ضالتها لا تذهب سدى في سبيل الأوهام وإنما هي وسائل وسبل إلى غايات نفهمها ونعرف قيمتها».

ويمضي الأستاذ علي التاجر في حديثه بعد ذلك فيتطرق إلى أخبار حسن الجشي ويقارن بين نشاط حسن وحركته الدائبة وبين خموله - بين الشعلة المتوهجة وبين البرودة التي تهيمن على أوصاله. ويعزو قبوله بالحلول مكان حسن إلى إصرار أعضاء النادي وحسن ظنهم، ثم ينذرهم بأنه لن يكون مسئولا عن الفتور الذي يصيب النادي بسببه إلا إذا أيدوه جميعاً بمساعداتهم وحبوه بآرائهم ثم يقول بعد ذلك: «وأني التمس منكم جميعاً أن ترجموا أعضاء الإدارة - وأنا معهم - بالحجارة إذا رأيتمونا توانينا يوماً في أداء واجبنا».

ومع التحذيرات التشاؤمية التي أسهب في عرضها على الأعضاء الأستاذ علي التاجر في كلمته المشار إليها فإن ما حملته تلك الكلمة / التقرير لا يوحي بهذا التشاؤم بل يدل على العكس: ففيها يذكر إن مجلس الإدارة قرر في هذا الشهر تأليف لجنة للتمثيل والخطابة وشرح مهمتها كالآتي:

«مهمتها ترشيح الخطباء والأشراف على تهيئة المواضيع والكلمات وتدريب الأعضاء على الإلقاء والإشراف على إخراج الروايات التمثيلية وتدريب الممثلين وقد قررت هذه اللجنة تمثيل رواية قصيرة للأعضاء فقط وهي قيد الإخراج وستشاهدونها قريباً».

كما ذكر أيضاً أن الإدارة وضعت صندوقاً للاقتراحات وسيتولى أمين السر عرض تلك الاقتراحات التي يدلى بها الأعضاء على المجلس واستعراضها بعد ذلك مرة في الشهر في الاجتماعات الداخلية لمناقشتها بمنتهى الحرية وفي نفس اليوم الذي وضع فيه صندوق الاقتراحات القي فيه العضو عبدالعزيز محمد القاضي اقتراحات صريحة ثم قام علي التاجر بالرد عليها مثنيا على تلك الصراحة باعتبارها من النقد البناء الهادف وموجز الرد كالآتي:

1- أن هيئة النادي لم تكن تقصد من وضع الصندوق أن يتملقهم الأعضاء بالثناء على جهودهم وإنما لكونهم يرحبون بالنقد في سبيل تطوير النادي

2- أن عدم انتظام ورود الصحف والجرائد سببه عدم انتظام البريد، وأن اقتراحه بهذا الصدد وافقت عليه الهيئة وتقوم بتنفيذ ما وسعها منه.

3- أن الهيئة الإدارية طلبت من الشاعر الكبير الأستاذ إبراهيم العريض في عدة مناسبات أن يتحدث في دروس الثقافة العامة عن بعض المشاهير من شعرائنا المعاصرين فتحدث حتى الآن عن أربعة منهم هم في القمة من شعرائنا المعاصرين.

4- لقد قام القاضي بنقد حديث علي التاجر عن «مذكرات دجاجة» للدكتور أسحق الحسيني باعتباره قد أضاع الوقت في مثل تلك الثرثرة ولكن علي التاجر لا يوافقه علي هذا الرأي لأنه أدرك قيمة الكتاب الاجتماعية - قبل أن تظهر نتيجة الاستفتاء الذي أجرته مطبعة المعارف - ناشرة الكتاب - والذي كانت نتيجته اختيار الكتاب ذاته على أنه أحسن كتاب في سلسلة (أقرأ) للسنة الأولى...»

ثم يختم التقرير بقوله: «من القرارات التي أتخذها مجلس الإدارة أخيراً جعل حبل الحفلات الداخلية متصلا مرتين في الشهر يدل مرة واحدة وهذه الخطوات ستضاعف جهودنا في سبيل الرقي بالضعاف من أعضائنا».

ولا يسعنا بعد عرض كلام الأستاذ علي التاجر إلا أن نختلف معه فيما ذكره عن نفسه وإن نشيد بجهده الذي بذله أثناء تغيب الأستاذ حسن عن ساحة النادي في سفرته الدراسية إلى مصر.

وما دمنا ما نزال مع الأستاذ علي التاجر ودوره في التوجيه والخطابة وتوعية الأذهان فسنواصل الاستشهاد بإيراد بعض النصوص من إحدى كلماته «خلال الفترة المذكورة أعلاه» لما نعتقده بأنها تلقى أضواء على نوعية ما كان يوجه في الحفلات الخطابية لأعضاء النادي من توجيه وتوعية.

وفيما يلي نص تلك الكلمة:

أخواني:

«نحن جميعا متساوون في صلة النادي بنا، لا فرق في هذا بين كبير فينا سنا ومنزلة (بابا دويغر) وبين أصغر صغير فينا سنا ومنزلة أخيكم الصغير (علي التاجر) فلكل منا ذات الحقوق التي يتمتع بها الآخرون. وعلى كل منا أن يؤدي نفس الواجبات التي يجب أن يؤديها الآخرون هذا بديهي لا يحتاج إلى أقامة دليل أو برهان ولست أقصد إلى أقامة هذا الدليل أو البرهان ولكنني أقصد إلى شيء آخر أقصد إلى أننا في صلتنا بالنادي غير متساوين. نحن نتباين في هذه الصلة تبايناً شديدا. أريد أن أقول أننا غير متساويين في أداء واجباتنا نحو النادي.

فبعضنا يقوم بواجبه في أداء هذه الواجبات. وبعضنا - وهم الأكثر - يخل بواجبه فلا يؤدي هذه الواجبات. وواجبات النادي - أيها الأخوان - كثيرة. بعضها مادي. وبعضها معنوي. وسأعرض لجانب من الواجبات المعنوية هو الجانب الفكري أو أن شئتم فقولوا الجانب الثقافي. فواجب على كل منا أن يفيد ويستفيد: أي أن يثقف فكره ويسمو بمداركه. ثم يسعى في تثقيف أفكار أخوانه أعضاء النادي. في هذا نحن طوائف شتى أستطيع أن أصنفها - إذا تساهلت وتساهلتم معي - في ثلاث طوائف، الأولى تستفيد وتفيد، أي تؤدي واجبها في هذه الناحية كاملاً وفي مقدمتها حسن الجشي وجعفر الناصر وسيد رضى وليس لي إلا أن أشكرها على إدراكها لواجبها وسعيها المتواصل في القيام به.

وطائفة لا تستفيد ولا تفيد وهي الطائفة الثانية فهي لا تقرأ ولا تبحث ولا تفكر هي كالأرض السبخة أن بذرتها أذابت أملاحها البذور وأن أصابها مطر بخرته أشعة الشمس وبقيت أملاحها حيث هي وليس لدى ما أقوله عنها سوى أن أدعو الله لها أن يأخذ بيدها إلى سبيل الرشاد. أما الطائفة الثالثة وهي التي أخصها بهذه الكلمة فتنقسم في نفسها إلى ثلاثة أقسام قسم يستفيد وفي استطاعته أن يفيد ولكنه لا يفعل إذ غلبته الأنانية والكسل على أمره فأستسلم للراحة واستنام للخمود. لهذا القسم أقول: حرام عليك أن تتغذى دون أن تقوم بعمل ما في سبيل هذا الغذاء! حرام عليك أن يتولى النادي تثقيفك دون أن تقوم أنت بتثقيف من هم أصغر منك.

هذا قسم، وقسم يستفيد ولكن استفادة محدودة فلا يستطيع أن يفيد. هو يقرأ ولكن للتسلية فلا تفكير ولا بحث ولا كتابة وخير له لو حاول أن يقرأ بجدية وحاول أن يفكر فيفيد غيره. ما قيمة من يعيش على هامش الحياة؟؟

والقسم الأخير يستفيد ويريد أن يفيد ولكنه لا يهتدي إلى كيف يفيد، يريد أن ينتج ولكنه لا يعرف كيف وماذا ينتج لهذا القسم أقول أننا كلنا مررنا بهذا الدور حاولنا أن ننتج فاعيتنا السبل، حتى هيا الله لنا من أحسن توجيهنا. والطائفة الأولى مستعدة إلى إسداء هذا القسم النصيحة وتوجيهه الوجهة الصحيحة.

أعرف أفرادا من هذا القسم يثلج صدري أن أذيع أن نفوسهم أخذت تتفتح كما تتفتح أكمام الزهور فتذيع عبيرها.

فرغبتهم في الإنتاج قوية ورغبتهم في البحث عمن يحسن توجيههم لا تقل عنها قوة، جاءني أحدهم يوما قائلاً:

أنت تعرف أنه طلب مني أن أعد كلمة للاجتماع الآتي فقلت أعرف هذا فقال: لا أريد أن أخبرك هذا فإني أعرف أنك تعرفه ولكنني أريد أن أقول أنني لا أدري ماذا أكتب فقلت له: أفتح عينيك جيداً وتطلع للحياة حولك فستجد مئات ومئات المواضيع التي تستحق أن تكتب فيها أفتح أي كتاب وأقرأه أو أقرأ فصلاً واحداً منه بل صفحة واحدة ووازن بين نظرتك للحياة قبل قراءتك وبينها بعد أن قرأت أتجد فيها فرقا لماذا؟ صف شعورك النفسي من النتيجة. وغدا يظلك رمضان ويتغير منهج في الحياة اليومية فيمكنك أن تقارن بين حياتك وحياة من هم حولك في الأيام العادية بحياتك وحياة من هم حولك في رمضان. الجوع الإفطار مجالس القرآن المقاهي الصاخبة إلى ساعة متأخرة في الليل الطبال وأغانيه السحور والعيد المنتظر وتأثيره فيك وفي من حولك. الفقراء في رمضان وفي العيد. كل هذه مواضيع يستطيع الكاتب أن يسبغ عليها جلابيب من الفن ترفع بها إلى مجال الأدب الرفيع وجئته بعد يومـــين فقـــــال: لقد حاولت أن أكتب فكتبت صفحة واحدة فقلت له أكمل وجئت في الغد فقـــــال: لقد مزقت صفحة الأمس واعدت كتابتها من جديد وهي خير منها بالأمس.

فقلت: حسنا فعلت فأكمل وأدركت أن شيطان النقد بدأ يرقص في دماغ صاحبي وفي اليوم التالي قال لي: لقد مزقت كذلك صفحة الأمس وأعدت كتابتها مرة ثالثة. وهي أحسن مما كانت عليه أخيراً. فقلت له خيراً فعلت فأكمل. ولكنه لم يكمل. فقد ارتأى أن يقتبس موضوعاً هذه المرة يلقيه في الاجتماع نظراً لتصرم الأيام. ثم يتفرغ لموضوعه مرتاح الفكر. وأقترح علي أن أقتبس له الموضوع وزارني ليكتبه. فلم يرض به. ومضى يتصفح إعداد مجلة أدبية كانت لدي حتى أختار منها بنفسه موضوعا. وكتب له مقدمة قصيرة. ثم ناولني إياه ليستطلع رأيي فوجدته خيراً مما أخترته أنا. وأكبرت في صاحبي اثنتين: الأولى حسن الاختيار. والثانية: عدم أخذه أخذا أعمى دون ما تمحيص ما اخترته له كما يفعل كثيرون غيره لا شيء سوى مجرد كوني أقدر منهم. فإنا أبشر هذا الفتى بمستقبل زاهر في دنيا الفكر أن أستمر على استخدام فكره واستعمال قلمه.

وزرت أحدهم يوما في دائرته وكان عهدي أن أجده يكتب قوائم كتابيه لا تشبه في طبيعتها كتابة القوائم فتطلعت متطفلا إلى ما كتب ورآني أختلس النظر إلى ورقته فناولني إياها باسما. الموضوع أثر الصيام في نفوس الشيوخ والشبان. قرأته فوجدت فيه عناصر الأدب جلية. الشعور متدفق والرغبة قوية والمحاكمة متزنة فقلت له: أكمل فهل أكمل؟

وزارني ثالث منذ يومين وهو من طبقة قد اجتازت هذا الدور فقد ألقى عدة كلمات في هذه القاعة وكنت قد أوعزت إليه أن يقرأ كتابا سميته له فجاء يشكرني على اهتمامي به فقلت له: أن واجب النادي هو رفع مستوى الثقافة في البلاد وأحدى وسائله إلى ذلك هو رفع المستوى الثقافي لدى أعضاء النادي فنحن نراقب الأعضاء مراقبة شديدة حتى إذا رأينا في أحدهم استعدادا تعهدناه بالرعاية والاهتمام وقد وجدت فيك البذور الناجحة كما وجدها غيري فأصبح واجبي أن أقدم لك ما في استطاعتي من معونة لتـقوم أنت أيضاً بقسطك في العمل. قص على هذا الفتي قصة تكوينه الأدبي فلمحت فيها وفيما قرأت له من قبل أديب الغد الموهوب فهل يستمر في جهاده النبيل؟ إن قصته تلك زاخرة بعناصر القصة الفنية التي يميل إليها هذا الفتى فهل يتولى كتابتها فما كتاب الأيام الخالد للدكتور طه حسين سوى قصة تكوينه الأدبي.

تلك بوادر تبشر بالخير ولعل خلفها جيشا عرمرما من أدباء المستقبل المستترين.

أجل تلك بوادر تبشر بالخير وتدعوني أن أهتف بهؤلاء الأدباء والمستترين أن ألقوا عنكم هذه الحجب وواجهوا أشعة الشمس. اتصلوا بإخوانكم قادة الطليعة تحدثوا إليهم فيما تفكرون فيه وجادلوهم فيما تتحدثون إليهم فيه حتى تتبلور أفكاركم ثم سجلوها كتابة وخذوا رأيهم بعد ذلك فيما سجلتم فكلنا سلكنا هذا السبيل وكلنا احتجنا إلى من يتولى توجيهنا أما ماذا تكتبون فليس بذي بال كل ناحية من نواحي الحياة تصلح للكتابة بل تصلح أن تكون هيكلا لعمل فني. أجل ليس مهما ما تكتبون ولكن المهم كيف تكتبون. أعظم فكرة لا تكون ذات قيمة إلا إذا تناولها الكاتب بإحساس صادق وأفرغ عليها من نفسه ما ينفخ فيها روحا جديدة. فأعظم الآثار الأدبية تدين بفطمتها للطريقة التي عالجها بها الفنان أما الأفكار فأشياء ثانوية فاتصلوا بالحياة وتذوقوا ما تقدمه لكم منبعا للإلهام لا ينضب اتصلوا بالحياة فأنتم رجاء المستقبل وأنتم أمل الوطن.

علي التاجر 

وأخيراً وفيما تقدم نأمل أن نكون قد أوفينا على قدر المستطاع الكتابة عن علاقة الأسـتاذ علي التاجر بنادي العروبة الذي أصبح جزءاً من حياته اليومية. وبذل من خلاله طاقاته الفكرية والثقافية في خدمة المجتمع في البحرين.

أديب
375200