المقامات البلدانية
(رواية أبي ناصر النجدي عن أبي زيد الخيالي)
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 9 / 9 / 2008م - 4:03 م - العدد (41)

- المؤلف: محمد بن ناصر العبودي

- من إصدارات النادي الأدبي بالرياض،

- الطبعة الأولى. 1426هـ،2005م

في آخر أيام رئيس النادي الأدبي بالرياض؛ الأستاذ الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع الذي ترك رئاسة النادي بمجرد انتهاء الفترة المقررة، وهي أربع سنوات، ترك كرسيه بلا جعجعة، وبلا ضجيج، وقد قدم أعمالاً منبرية، ومطبوعات أدبية تذكر فتشكر، وترك أثراً لا ينسى. من هذه المطبوعات الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه (المقامات البلدانية) للعلامة والرحالة الشيخ محمد بن ناصر العبودي نائب رئيس رابطة العالم الإسلامي.

لقد قرأت الكتاب بإعجاب، وشوَّقني للعودة إلى التراث لقراءة المقامات الأساسية لبديع الزمان الهمداني، والحريري وغيرهما. لقد شجعني على العودة لمعرفة أصل المقامات في اللغة؛ فوجدت الموسوعة العربية العالمية تقول: «إنَّ المقامات فن قصصي في الأدب العربي أنشأه بديع الزمان الهمداني في القرن الرابع الهجري، والمقامة، لغةً، تعني المجلس، ثم تطورت دلالتها لاحقاً فأصبحت تعني الحديث الذي يُلقى على الناس؛ إما بغرض النصح والإرشاد، وإما بغرض الثقافة العامة، أو التسول، ثم أكتسبت أخيرًا دلالتها الإصطلاحية المعروفة.

والمقامة الفنية، أو البديعية كما أجمع النقاد على تعريفها، أقرب ما تكون لقصة قصيرة مسجوعة بطلها نموذج إنساني مُكَدٍّ ومتسول، وللمقامة راوٍ وبطل، وهي تقوم على حدث طريف مغزاه مفارقة أدبية، أو مسألة دينية، أو مغامرة مضحكة تحمل داخلها لونًا من ألوان النقد، أو الثورة، أو السخرية، وضعت في إطار من الصنعة اللفظية والبلاغية».

وقالت الموسوعة في تعريف الراوي والبطل: «فالراوي، الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية متوسطة، هو الذي يمهد -غالباً- لظهور البطل، يتابعه حيثما حل، وهو، في كل هذا، يحسن طريقة تقديم البطل الذي يكون عادة شخصية ساخرة فصيحة ذكية بليغة تنتمي إلى طبقة اجتماعية متدنية، ولديه قدرة عجيبة على التنكر، فهو يجيد لبس الأقنعة، فتارة نراه ناسكاً واعظاً، وأخرى نديم كأس، ومرة ثالثة فقيهاً، وهكذا. وهو في كل هذه الأحوال يعتمد على الفصاحة، والذكاء، والحيلة، والخداع لنيل هدفه ممن ينخدعون بمظهره... » إلى أن تقول: «تعتمد المقامة، في أسلوبها، على قالب السجع، وعلى الإكثار من استخدام المحسِّنات البديعية واللفظية بأنواعها المختلفة، وعلى توظيف الغريب كما هو الحال في مقامات الحريري بصفة خاصة.

وحاول بعض الباحثين أن يربط بين المقامة وبعض الأجناس الأدبية الحديثة مثل القصة القصيرة والرواية والمسرحية، إلا أن المقامة، وإن شابهت هذه الأجناس في بعض خصائصها، ستظل هذه المشابهة سطحية؛ فالمقامة ليست أيًّا من هذه الأجناس الثلاثة. إنها جنس قصصي عربي قائم بذاته... »

بعد هذا التمهيد الذي عرف لنا المقامة ندلف لغرضنا وهو كتاب (المقامات البلدانية)، ولنعتبر المؤلف الشيخ محمد بن ناصر العبودي الذي قدم نفسه كراوٍ باسم (أبي ناصر النجدي) والبطل هو أبو زيد الخيالي.

قسم الكتاب إلى ثلاث مقامات هي: المقامة الهندية (ص3 -23 )، والمقامة الصينية (ص 23 -67 )، والمقامة البرازيلية (ص70 - 163).

من تلك المقامات سنختار مقاطع طريفة للتسلية والترويح عن النفس، ففي (المقامة الهندية) نجده قد تعرف على جماعة من (السيخ) الذين دينهم مسيخ، ولكنهم يأكلون اللحم، ولا يتعلقون، كالهندوك والبانيان، بالوهم. وقد كسوه من ثيابهم، وأطعموه طعامهم، بعد أن سطا عليه لصوص وهو نائم، وجردوه من كل ما يلبس ويملك، وبعد أن هدأ روعه، وعاشر القوم وارتاح لهم قال: «فإنني لم أنس، لسوء حظي طبعًا، ما كنت تعودت عليه حتى في أرضي، وهو أن أنظر إلى وجوه الحسان، وأتأمل محاسن الغزلان:

أمَتِّع في روض المحاسن مقلتي

وأمنع نفسي أن تنال محرما

فتعرفت على فتاة سيخية رائعة الجمال، كأنها غزال الرمال، وبدر الكمال (...) فكانت تكلمني على مهلها، حينما تطمئن إلى انشغال أهلها، وذات مرة أدنت مني شفتها القرمزية، تريد أن تخبرني بأشياءَ من أمرها خفية، وهي أنها كانت قد أحبَّت ابن عمها، ولكن المشكلة في إصرار أمها، على عدم زواجها منه، فلم أتمالك نفسي، لفرط نحسي، من قبلة طبعتها على شفتيها، فصرخت بكل ما لديها، فأسرعت أمها ناهضة، وسألت وهي راكضة، قائلة: ما الخطب؟ وما هو الأمر الصعب؟ فأخبرتها الفتاة بالخبر، فكان أن أسرعت الأم بخشبة في الدار، وأقبلت إلي لتخدش بها رأسي لولا أنني أسرعت الفرار».

وفي (المقامة الصينية) نجده يقول: «حدَّث أبو ناصر النجدي، عن أبي زيد الخيالي، قال: أصابتني عسرة، فسافرت إلى البصرة، وبقيت فيها فترة، في غاية الحسرة... ». إلى أن يقول أنه سافر من الهند إلى (جاوا)، ومنها إلى الصين، فأخذ يتجوَّل في شوارعها، فقبضت عليه الشرطة كأحد اللصوص فذهبوا به إلى السلطان الذي: «فتل شاربه، ورفع حاجبه، ونفخ بصوته شدقيه، وقال لي: أيا زيدون، فقلت: بل اسمي أبو زيد أيها السلطان، فضحك وقال: هكذا أنتم أيها العربان، تهتمون بالشكليات، ولا تبالون بالكليات، ما الفرق بين زيد وزيدون؟ فكلاهما عند السلطان لا يساوي روث حصان.

- وبعد أن ارتاح له السلطان - وأمَر بمنحه قصرًا ملئ بالطعام والإدام ما يكفيه شهرًا، وأجرى عليه لكل يوم من النقود قدرًا يعادل نصف راتب وزير، ولا تنس أن تجعل عنده بغلاً، واثنين من الحمير، وعبدنا الأسود (قطمير) لأنه بتدبير أحوال أمثاله خبير.

فسكت وأطرقت، فقال: مالك يا هذا؟ أأشفقت من أن لا يكفيك هذا لما تحتاج؟ فنحن سنزيدك في الخراج.

ولكن الوزير نسي ما أنا محتاج إليه، ومستعد أن أتنازل في مقابله عن كل ما لديه، وهو جارية تخدمني، وتقوم على أمري، فأنا رجل يوجعني ظهري، إذا بقيت بعض دهري، أفكر فيما يجري، في القصور حولي، وأنا قد ذهب حولي وطَوَلي.

فقال السلطان: قد فهمت الآن، أيها الوزير (شن رير)، أعطه جارية منشورية، وأخرى كورية، ولتكن الأولى حمراء، والثانية صفراء، وأضف إليهما ثالثة تايلندية فطساء، ذات منخرين ضيقين، وعينين مائلتين.

ثم قال: أتحتاج إلى رابعة، فمطالبك مطالب متواضعة، لأن لدي في قصري ألف وصيفة ووصيفة، كما ذُكر لي عن الخليفة الذي كان في بلادكم على عهد أجدادكم.

وبعد أن استقرَّ به المقام، وسر به السلطان من خلال مجالسته، ولكنه مع مرور الوقت مل من النعم، وتمنى الانتقال من الصين وما وراء سور الصين من الأقوام المجهولين، فقال إنه سيتجول في البلاد، والإطلاع على أحوال أولئك العباد، فزوده السلطان بأربعة رجال على أربعة بغال محملة بالزاد والمزاد.

وفي أحد الربوع هجمت عليهم عصابة فقتلت (جقماق) وأصابت (تمالله). أما هو: «فقد رفعت يدي علامة التسليم، وأشرت لكل ما لدي من حقير أو عظيم، بأن هذا لكم، ولكن لا تقتلوني، وأعيدوني من بلادكم فلا تبتلوني... ».

ثم أسروهم: «وفي أحد الحفلات، في الفلاة، ذبحوا الأبقار، وأوقدوا النار، وضربوا بالدفوف الكبار، فرقصوا رقصاً غريبًا، ليس مطربًا، ولا عجيبًا، وليس شبيهًا برقصنا، فتذكرت ما نفعله من الرقص في عرسنا، وتذكرتُ أيضاً العرضة النجدية، والأناشيد العامية، فبادرت إلى أخذ سيف صقيل، ورمح طويل، وأخذت أرقص كما كنت أرقص في شبابي بين أهلي وأترابي، أهز السيف، وأرمي الرمح مع أنني ضيف».

فأعجبوا به، وتجمعوا لمشاهدة حركاته: «فبان الفزع عليهم، ورموا ما بأيديهم من السلاح، وأشاروا إلي، وهم ركوع، علامة التعظيم والخضوع، حتى البنات غير المحصنات، اللاتي كن يتكبرن عليّ، ولا يقبلن إليّ، من أجل أنهن شابات، وأنا كهل ليس عليّ عباة، قد أخذن ينظرن إليّ بإعجاب، كدت أنسى معه هذا الاضطراب، وأقبلت واحدة منهن، هي أكملهن جمالاً، وأكثرهن كمالاً، ولكنني تمالكت نفسي، ورميت السيف والرمح، وزعقت وأنا في كامل وعيي وحسي:

اعتزل ذكر الأغاني والغزل

وقل الفصل وجانب من هزل

واترك الغادة لا تحفل بهـا

تمسِ في عزٍّ رفيع وتُجــل

بعد ذلك أقبل عليه أميرهم وفك قيده، وأخذ بيده، وأجلسه بجانبه، وقال له: «الواقع أنك أحق بهذا المجلس مني لأن دستورنا الذي اتَّبعناه لأمورنا، منذ قديم دهورنا، أن الذي يظهر الشجاعة، ويتحدى الجماعة، ويحمل السلاح فيطلب المبارزة، ولا يجد من يستطيع أن يناجزه، هو أحق أن يكون رئيس القبيلة...»

وقال بعد ذلك: «وقد زوجوني بإحدى بناتهم، من كبريات بيوتاتهم، ولكنني تركتها وهجرتها، لكوني رأيت بعض رجالهم يقتربون من تختها، ولما أنكرت ذلك قالوا: هذا عرف القبيلة؛ أن الحليلة، إذا كانت راضية، فالقول بما هي قاضية».

وقال: «لم أستطع أن أطلقها، ولكنها ولدت ولداً شككت بكونه من عشيقها، فقالوا: تستطيع أن تنسبه إلى العشيق، وأنت تكفله حتى يصبح قادراً على حماية نفسه في الطريق، من الغرق والحريق».

وبدأ القوم يثقون به، وأخذ يصف لمريضهم العلاج فيشفون، فعظموه، ورفعوا من قدره حتى قالوا عنه: «هذا رجل متصل بالآلهة، وآلهتهم شجر وحجر، يأنف بنو البشر، أن يكون لهم بهم أثر».

ثم ودعهم بعد أن حاولوا إبقاءه لديهم، وعندما أصر على مواصلة السفر؛ زودوه بالمال والبغال، ووصل إلى بلد (جوكن)، وقال عنها: «وبعد ذلك وقعنا في صحراء غبراء، أكثر ما فيها الضباب الصفراء، والجراد، الذي لم يجد من يصطاد، وقد أعجبنا فيها أن بيوت أهلها من الطين، فهي تشبه بيوتنا لولا أن كلام أهلها رطين، ولو لا أن نساءهم لا يتغطين، فضلاً عن ألا يتخطين إلى خارج بيوتهن، وإنما هن اللاتي يفعلن كل شيء، والرجال ليس لهم هم إلا الانتقال، من الشمس إلى الفيء».

ثم أنه وصل إلى عريفتهم وهي رئيسة النساء، وقد قيل لـه أنها ستعجب بجماله، وستنشد فيه أشعاراً لم تنشدها الخنساء تغزلاً بحسنه وجماله...

وهكذا نجده يقول: «وعندما دخلنا على العريفة، في دار لها منيفة، وجدت عندها جمعاً من الجلساء تأملتهم فإذا هم جميعاً من النساء، فلما نظرت العريفة، وهي الرئيسة، إليّ، ثبتت نظرها علي.. ولم تستطع أن تحول بصرها، حتى إنها نسيت أن تسوي شعرها، وأخذت من الذهول تقضم ظفرها، أما النساء الباقيات، وهن عندهم من الراقيات، فإنهن ذهلن عما في أيديهن، فبعضهن كن يمشطن شعرهن، فأنساهن منظري أمرهن، فصرن يخدشن جلود رؤوسهن بأمشاطهن، وذلك من إفراطهن في الإعجاب، وبعضهن قد قطعن أقراطهن من آذانهن من الذهول الذي سيطر على أذهانهن».

وكأن أبا ناصر – عفا الله عنه - يذكرنا بما فعلته زوجة عزيز مصر وصويحباتها عندما رأين يوسف A عندما قطعن أيدهن من فرط إعجابهن بجماله. فقال وهو يذكر قبح رجال (جوكن) وجمال نسائها:

«لم أر وجهاً حسنا

منذ دخلت الجوكنا

فيا شقاء بلــدة

أجمل من فيها أنا

فانزلته العريفة، منزلة شريفة والبسته حلة نظيفة، وقالت له: «أقم عندنا بقية أيامك، ولك علينا أن نساعدك في تحقيق أحلامك...». وهكذا أخذت العريفة تستشيره في الأمور الشريفة سواء كانت سارة أو مخيفة إلى أن قال: «واستمرت هذه حالتي عدة شهور، ولكنها كانت عندي بمثابة دهور، لأنني مللت من التغزل بحسني وجمالي، كما كنت مللت من الرثاء لحالي، وذكر الليالي، عند أم زيد التي كانت لا تبالي، فتذكر عدم جمالي، إلى جانب خشونة أفعالي، وقد أسرَّت إليّ العريفة أنها ستزوجني عشر زوجات، حتى تلد كل واحدة عشرة رجال، يكونون مثلي في الجمال، فقلت: إن هذا محال، لأنني مسلم لا يجوز لي أن أتزوج أكثر من أربع، ولن أكون عندهم كفحل الضراب، في الإنجاب. وذات يوم زارتني العفيفة، زيارة خفيفة، فرأت عليًّ علامات طفيفة من عدم الارتياح، فقلت لها: إن نفسي معيفة من البقاء هنا في الغدو والرواح، وأريد أن أسافر إلى البلاد التي خلف بلادها، وأفرغ من ارتيادها، ثم أعود».

وهكذا سافر (أبو زيد الخيالي)، كما يروي قصته أبو ناصر النجدي، وقد بعثت معه (العريفة) أربعة بغال معها أربعة رجال محملين بالزاد والمزاد، وحل في (بلاد الملحدين في الدين)، ثم إلى بلاد (القاوقاو)، ثم (الولوج في الثلوج)، ثم إلى (جار القصار) وهي بلاد الأقزام – الصين - وفي ختامها يقول: «ولم ألبث طويلاً في الصين، لأن ملكها الجديد لم يكن من ذوي العقل الرصين، ولذلك لا يحب أخبار الماضيين، ولا حتى معرفة أحوال المعاصرين، وأبغض ما يبغضه هو أحاديث المغامرين، وأخبار المسافرين»..

حتى قال: «واستأجرت بجميع ما تبقى بيدي، من الدراهم، من يحملني إلى بلدي، على أن أعود معها إلى البصرة، ثم يدفع هو لي الأجرة من البصرة إلى نجد، ورجعت صفر اليدين، إلا من السلامة في البدن والدين، وكان رجائي أن أكون مملّكاً، فصار رجائي أن أعود مسلّماً، وذلك لما لقيته من العذاب:

فقد طوفت في الآفاق حتـى

رضيت من الغنيمة بالإيـاب»

وبعد المقامة الصينية تأتي المقامة البرازيلية، وفيها من العجائب والنوادر ما فيها، وكان بودي لو عرضت للقارئ لمحات ولو موجزة عنها كما عرضت ما وقع لأبي زيد في الهند والسند، ولكن لعلي أعود لها مرة أخرى.

* باحث
365994