بين التاروتي والجواهري
قيس آل مهنا * - 9 / 9 / 2008م - 4:06 م - العدد (41)

ربما اختلف الزمان، وتغير المكان، ولكن ائتلف التوجه والسياق، فتلاقحت نخيل القطيف بنخيل العراق، وحاكت العيون الهدارة فيها مسيل دجلة والفرات، تعانقت الفكرتين وإن فصل بينهما قرن من الزمان إلا أن وحي الحسين بدا لكل من الشاعرين رؤية جديدة فكانت قصيدة كل منهما درة في تاج الشعر الحسيني، خلدت بخلود الشهداء؛ فكانت لحنا من الأعماق، ونشيدا من الضمائر تجاوز السنين وما تجاوزته.

بين عينية التاروتي والجواهري رؤية وإطلالة لنمط من الشعر ندر أن نرى مثلَه في عصرنا الحالي، فهما عينان لمن أحب الشعر، وتذوقه، وأغرم به، وهما عينان لمن أراد الحقيقة الحسينية، وتطلعها. هما عينان من الماضي تنظران الحاضر، وهما من الحاضر تستشرفان المستقبل.

لقد دعاني إلى كتابة هذا النص ما يردده البعض من أن الجواهري ربما اقتبس عينيته الشهيرة من عينية التاروتي. مدفوعين بالسابق الزمني بينهما، وذيوع قصيدة التاروتي، وانتشارها، وأنها ربما مرت بيد الجواهري فقرأها، واقتبس منها، ولرفع هذا اللبس الحاصل سنقوم بعرض القصيدتين عرضا يوضح مضامين كل قصيدة، وما احتوته بالإشارة لمدلولاتها، ومعانيها بشكل مبسط.

أولاً:

قصيدة الشيخ حسن التاروتي الذي عاش في القرن الثالث عشر هجري، إبَّان الحكم العثماني، في وقت بلغ فيه الشعر من الضعف مبلغا، ولكن كان لهذه القصيدة صدى واسع غطى على ما عداها من القصائد؛ لسلاسة ألفاظها، وسهولة تراكيبها، وبما حاوله الشاعر فيها من الخروج عن اللغة الضعيفة، والمعاني السطحية لذلك الزمان. القصيدة من بحر المتقارب وتقع في 70 بيتا تقريبا.

لقد استهلت القصيدة -كعادة ذلك الزمان- بذكر الحنين، والتفجع، ونوح الحمام، وسجعه:

أللراعبية بالأجرع

صبابة وجد على أدمع؟

ونحن إذا اطلعنا على القصيدة كاملة نستطيع أن نقسمها إلى عدة مقاطع كالتالي:

المقطع الأول: ذكر البكاء، والتفجع، والحنين؛ على شكل مخاطبة نفسية، وصراع مرير، ودعوة ملحة إلى إرضاء النفس بالبكاء، وإطفاء لاعجها.

المقطع الثاني: يذكر حادثة الحسين، وما آل إليه المسلمون من ذلٍّ وخنوع حتى غَدوا ألعوبة في يد حكام بني أمية، يتصرفون بهم كيف شاءوا:

فقالوا أطعنا يزيدا فكن

له طائعا وامض في مهيع

فقال أطعتم، ولمَّا أطعِ

له وسمعتم، ولم أسمع

المقطع الثالث: يصف الحرب بصورة رائعة، وما رافقها من أحداث، فإباء الحسين وأصحابه فوق سيف يزيد، وجنوده، ثم يبدي أسفه -فيما بعد- لذبح الحسين بيد شمر اللعين:

فليت وماليت من علة

ولا غالك السهم بالمنقع

ولا شَمَّر الشمر من جهله

لذبحك عن ساعد أكوع

ولا كرت الخيل إصدارها

بمقدس صدرك والأضلع

ثم يُنهي المقطع بذكر مصيبة العقيلة زينب، ولقد أجاد في حسن تخلصه حيث يقول:

وصارخة إن أراد الحيا

لها الخفض قال أساها ارفع

ثم يذكر الحوار الهادئ بين الحسين (عليه السلام) وزينب (عليها السلام)، وتمنيها عليه ترك هذا الطريق الصعب:

وكلت بأهليك قلب العطوف

واسكنتهم بحمى الأمنع

فخل السرى يا ركاب الوفود

فخير من السير أن ترجع

المقطع الأخير: ربما يكون هو المقطع الأكثر إلفاتا حيث انتقل من عرض المصيبة إلى خطاب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بما لم يسبقه عليه أحد، وذلك في عتاب حار يتصدع القلب لسماعه:

وناد وقل يا زعيم الصفوف

ويا قطب دائرة الأجمع

قعدت وبالطف أم الخطوب

تقعقع في ضنك الموقع

ولعل ما ألهب القلب، وزاد في دوي المأساة، جاعلا لها رنة قوية هو تباطؤ النهضة العلوية دون سرعة فتك الشمر وطغيانه:

إذا قعد الشمر في صدره

فما لقعودك من موضع

أجل، هذا هو السؤال الذي يجعل النفس تتصارع مع بعضها. أتخمد أم تثور؟ ومتى يكون ذلك، وينهي هذا المقطع الرائع الذي هو لب القصيدة بذكر مصيبة الأسرى، وما حل بهم من ألم، وتفجع بين يدي عدو لئيم لم يعرف الله لحظة يرحم هؤلاء الثكلى.

هكذا كانت قصيدة الشيخ حسن في مقاطعها الأربعة، وروائع أبياتها، وما امتازت به من جزالة الألفاظ، وقوة المعنى، ودقة التصوير، وحسنه، وروعة الإيجاز، والإطناب، والعرض الدقيق للحدث، حتى وإن لم تخرج عن طبيعتها (الكلاسيكية)، ولكن نمت عن شعور روحي تفاعل مع الحدث فأبرزه بأروع مظهر.

القصيدة الثانية:

وهي قصيدة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، العظيم، التي قالها في منتصف القرن الرابع عشر تقريبا، وهنا نرى في هذه القصيدة منحى مغايرا لمنحى القصيدة الأولى؛ فتلك القصيدة لم تخرج عن الإطار التقليدي العادي وإن أبدع فيها أيما إبداع، أما قصيدة الجواهري فهي، بحق، نقلة كبيرة في مسيرة الشعر عموما، والشعر الحسيني خصوصا حيث أنها، وعلى خلاف عادة الشعراء القدامى، فإن الخطاب كان خطابا فكريا محضا صاغ فيه الشاعر مجموعة الإشكالات، والتساؤلات التي ألحت على نفسه طيلة السنين التي عاشها، فهي عبارة عن مخاض لأزمة عارمة إنفتقت عن قالب شعري رائع أخذ بمجامع القلوب لتصبح نشيد الأجيال، وربما، لما حوته من معان جديدة، كتب منها خمسة عشر بيتا بماء الذهب على البوابة الرئيسية لضريح الإمام الحسين المسماة بباب القبلة، لأن القائمين على أضَرحة الأئمة، ومراقدهم من العلماء والعقلاء الذين ينظرون لما يقال لا إلى القائل، إذ يعيب البعض على الجواهري بأنه أصابه الزيغ والانحراف، وكأنما قد وُكلوا من قبل الله جل وعلا بالإطلاع على سرائر الناس، والحكم عليهم، حتى بلغ التحجر ببعضهم عدم قراءة هذه القصيدة الخالدة أو حتى الاستماع إليها بالرغم من أنها درة من درر المنبر الحسيني، وجوهرة من جواهر النهضة الحسينية، ونشيدها الخالد لآخر الزمان.

ولكي نتعرف على ما حوته هذه القصيدة الرائعة سنعرضها محاولين إيضاح دقائقها ما أمكن:

المقطع الأول: وبدأه الشاعر، أيضا، بخطاب حماسي، ولوعة حارة، أدرك من خلالها عمق التضحية، وأن المبادئ التي أستشهد من أجلها أصحابها لا تزال قائمة بقيام الزمن، بل على العكس فإن الدهور ركع وسجد أمام عظمتها؛ مستلهمة معاني الشرف والكرامة، خالدة بخلودها.

فداءً لمثواك من مضجع

تنور بالأبلج الأروع

المقطع الثاني: وفيه انتقل الشاعر لمشهد عظيم رآه بنفسه رؤية عينية وقلبية فكانت الصورة في دقة التجانس من حيث عرض مشاهدها. فمن خيال عابر إلى يد مبتورة تحولت بعزيمتها إلى يد منقذ انتشلت هذا العالم من غياهب الغواية إلى نور الرشاد، ومن الخوف المطبق إلى الأمن الأبدي.

كأن يدًا من وراء الضريح

حمراء مبتورة الإصبع

تُمد إلى عالم بالخنوع

وبالضيم ذي شرقٍ مترع

لتبدل منه جديب الضمير

بآخر معشوشب ممرع

وتدفع هذي النفوس الصغار

خوفا إلى حرم أمنع

تلك هي المبادئ الحسينية التي هي امتداد لمبادئ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، التي خلقت من المؤمنين بها أبطالا صمدت أمام قادة الضلال وزيفهم.

المقطع الثالث: وفيه شرح الشاعر أسس النهضة الحسينية، وعمق الثورة، فمن إمامها قائد النهضة وبانيها وما امتاز به، إلى رجالاتها وما تحلوا به من أروع الصفات السامية. فالحسين (عليه السلام)، هو الشمس المضيئة قاشعة داجية الظلام، فلقد تجاوزت رؤيته رؤية الحاقدين وغلهم، حتى امتد الضياء إلى أرحب فضاء لتنعم فيه النفوس بحرية وشمم.

تعاليت من صاعق يلتظي

فإن تدج داجية يلمع

تأرَّمُ حقدا على الصاعقات

لم تنْءِ ضيرا ولم تنفع

ولم تبذر الحب إثر الهشيم

وقد حرقته ولم تزرع

المقطع الرابع: سطر الشاعر، في هذا المقطع، ما أرجت به الدوحة الهاشمية من كريم الحسب، وأصيل النسب، وخصوصا دوحة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ارتبط بها، فهذا الثائر العظيم لم ينهض لأنه دعيٌّ في نسبه، أو وضيع في حسبه؛ ثار لنفسه إرضاء لغرورها. إنما ثار للإسلام، ولمبادئه، وللقيم التي اختطها رسول الإنسانية، وحاد عنها من حاد:

فيا ابن البتول وحسبي بها

ضمانا على كل ما أدعي

ويا ابن البطين بلا بطنة

ويا بن الفتى الحاسر الأنزع

ويا غصن هاشم لم ينفتح

بأزهر منك ولا أروع

ويا واصلا من نشيد الخلود

ختام القصيدة بالمطلع

يسير الورى بركاب الزمان

من مستقيم ومن أظلَع

وأنت تسيِّر ركب الخلود

ما تستجد له يتبع

أجل هذا ركب الخلود لا يزال يجد للحاق بك وأنى له الوصول فأنت منشئه ومبدعه، وهو تابع لك يستشرف منك الحقيقة الناصعة.

المقطع الخامس: وهو الصورة الملهمة سؤالا وجوابا، فهي تزخر بالإشكالات المعقدة، وربما كان للعامل الزمني دوره الكبير في ذلك، فقد أثمر الزمان ظلما لمفاهيم النهضة الحسينية، وتجنت عليها حتى غدا كل من يتبناها محاربا في كل عصر ومصر، تلك الجنايات التي تحجرت عليها العقول المتبلدة، والتي أغرتها المطامع فأصبحت رهينة لمطامعها بعيدة كل البعد عن الله.

تمثلت يومك في خاطري

ورددت صوتك في مسمعي

ومحصت أمرك لم أرتهب

بنقل الرواة ولم أخدع

لعل السياسة فيما جنت

على لاصق بك أو مدعي

وتشريدها كل من يدَّلي

بحبل لأهليك أو مقطع

لعل لذاك وكون الشجي

ولوعا بكل شج مولع

يدا في اصطباغ حديث

الحسين بلون أريد له ممتع

 فهل السياسة هي التي أبعدتك؟ أم هي التي اصطنعتك؟ أم إن محبيك أرادوا لك أكثر مما أردته لنفسك؟ هل إن المتعاطفين أصابوا؟ أم إن الحاقدين أخطأوا؟ هل أراد محبوك تخليدك فأضافوا لك ما لم تفعله؟ أم إنك صنعت ما فاق حد تصورهم فأراد الحاقدون إخفاءه لكنك أصبحت بين ذا وذاك دائرة التساؤلات التي نفث بها صدر الزمن؟

ولما أزحت طلاء القرون

وستر الخداع عن المخدع

أريد الحقيقة في ذاتها

بغير الطبيعة لم تطبع

وجدتك في صورة لم أرع

بأعظم منها ولا أروع

وما ذا أأروع من أن يكون

لحمك وقفا على المبضع؟

وأن تطعم الموت خير البنين

من الأكهلين إلى الرضع؟

نعم هذا جزء من الصورة الرائعة التي كان عليها الحسين (عليه السلام) في تضحيته، وفدائه. قدم نفسه، وبيته، وأصحابه، وكل ما يملك لدينه؛ فكان حبه في الله، وبغضه في الله. ليس لدنيا يصيبها أو هوى يتملكه.

المقطع الأخير: وهو الرحلة من الشك إلى اليقين، ومن نزعات النفس غير المطمئنة إلى تلك الراضية المرضية بمبادئ النهضة الحسينية، وهي ربما كانت متأثرة بما حل في ذلك الزمن من مد فكري تشكيكي، أو إلحادي.

وقدست ذكراك لم أنتحل

ثياب الثقاة ولم أدع

تقحمت صدري وريب الشكوك

يضج بجدرانه الأربع

وجاز بي الشك فيما مع

الجدود إلى الشك فيما معي

إلى أن أقمت عليه الدليل

من مبدأ بدم مشبع

فأسلم طوعا إليك القياد

وأعطاك إذعانه المهطع

فنورت ما اظلمَّ من فكرتي

وقومت ما اعوجَّ من أضلعي

وآمنت إيمان من لا يرى

سوى العقل للشك من مرجع

بأن الإباء ووحي السماء

وفيض النبوة من منبع

تجمع في جوهر خالص

تنزه عن عرض المطمع

تلاشى الغيهب، وتجلى نور العقل، وسطعت تلك الحقيقة الكائنة في قلوب المؤمنين، حيث لم تستطع الأقلام الزائفة والمأجورة العبث بها أو تزييفها، فلقد دفعت بجوهر خالص ألهمها الإبداع الأبدي.

وفي الختام نلاحظ الآتي:

1- اتفقت القصيدتان في الوزن والقافية شأنهما شأن القصائد العربية المختلفة، ولكن اختلفتا في الفكرة والتصوير مابين عرض تقليدي ركز فيه التاروتي على وقع المعركة وتفاعلاتها، وما أصاب النسوة الحسينية من سلب وتشريد، وآخر تجديدي أشار فيه الجواهري إلى معالم النهضة، وآثارها، وما أنارته من غياهب، وأضاءته من دروب مظلمة.

2- ظهرت في القصيدة الأولى صورة جديدة ربما لم تكن موجودة في السابق، وكانت بحق نقلة نوعية ومنها قوله:

وصارخة إن أراد الحيا

لها الخفض قال أساها ارفع

أو في مثل قوله أيضا:

قعدت وبالطف أم الخطوب

تقعقع في ضنك الموقع

ولكن بالمقارنة مع الصور الكثيرة في القصيدة الثانية نرى أنها أكثر إرضاء لطموح الأدباء والمتذوقين، وذلك مثل قول الجواهري:

كأن يدًا من وراء الضريح

حمراء مبتورة الإصبع

تمد إلى عالم بالخنوع

وبالضيم ذي شرَقٍ مترع

أو في مثل قوله أيضا:

وجدتك في صورة لم أرع

بأعظم منها ولا أروع

وما ذا أأروع من أن يكون

لحمك وقفا على المبضع

أو في مثل قوله أيضا:

تعاليت من صاعق يلتظي

فإن تدج داجية يلمع

وغيرها من الصور الكثيرة التي زخرت بها القصيدة.

4- لقد حوت كلتا القصيدتين قاموسا لغويا، وتراكيبَ ومفردات تنبئ عن الحقبة التي ظهرت فيها وعاشتها، فهي قد تكون غريبة بعض الشيء، وتحتاج لقاموس كما في القصيدة الأولى، ومنها: الراعبية - الأجرع - المهيع - المنقع - الأكوع.

أما في القصيدة الثانية فلم تخل من تلك الألفاظ وإن كانت أقل مثل: أظلع - المهطع.

5- إن القصيدتين، وإن اتفقتا وزنا ورويا، فإنهما اختلفتا في صورهما وتراكيبهما، كما اختلفتا في سياق الموضوع، وطريقة الطرح، ولئن كان الموضوع واحدا، وهو واقعة الطف، ومقتل الإمام الحسين (عليه السلام) إلا أن كلاًّ منهما أخذ منحى مختلفا، ففي حين عرض التاروتي المعركة، وصدى الواقعة، وتأثير المصاب، وما حل بأهل البيت (عليهم السلام)؛ ركز الجواهري على البعد الفكري وإبراز أبعاد النهضة، وإظهار شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) بأنه المنقذ لهذا العالم بما بذله من دمه، وبما فاض به منبره من دروس وعبر جعلت منه سيدا للشهداء، وأبا للثوار والأحرار.

6- بمجمل النظر، ولذي الرأي الحصيف، والقارئ المتمعن، ما لا يدع مجالا للشك، ولا موضعا للبس أن الجواهري قد تفرد في قصيدته، وجدد في معانيه، وتراكيبه، ولم يقتبس من التاروتي شيئا، وهذا ليس لأن التاروتي لم يبدع، ولكن مما يدل على أن الساحة الحسينية لا زالت ثرية، ومنتجة شعرا وأدبا، وسيأتي في كل زمان شاعر ومبدع ليخرج بفكرة جديدة، ورؤية مغايرة وإبداع عظيم يحمل بصماته.

* كاتب. السعودية
365993