شــاعـــــر الـكـفــاف
محمد رضي الشماسي * - 9 / 9 / 2008م - 4:15 م - العدد (41)

الإنسان الذي يعيش لعقيدته، أو لوطنه وأمته، أو ملتزماً لمبدأ من مبادئ الخير، هو الإنسان الذي يستحق التكريم في حياته.

والإنسان الذي يحيا لكلمة الصدق، في ما يقول ويعمل هو الإنسان الحري بالإجلال والإكبار.

والإنسان الذي يقف عند قضايا وطنه موقف المواطن الصالح، يتفاعل معها تفاعلاً إيجابياً، يضع الحلول، ويفكر في النتائج مستشرفاً للمستقبل، ذلك هو الإنسان الجدير باحترام الجميع.

والإنسان الذي يعيش الكفاف مع قدرته على أن يعيش اليسار، ذلك أولى به أن ينال إعجاب المعجبين.

والإنسان الذي يمارس أو حتى يحاول أن يمارس المثل في مبادئه أو سلوكه، في أخذه وعطائه، ذلك هو الإنسان المثال، وشاعرنا المرحوم الحاج أحمد بن سلمان الكوفي عاش في شعره لعقيدته ووطنه، ولكلمة الصدق، وللعيش الكفاف، ولحياة المثل. فهو - رحمه الله - من الأبدال الذين يندر وجودهم في مثل هذا الزمان. لذلك فرض نفسه على الجميع فاستحق التكريم في حياته، وها هو اليوم يستحقه بعد وفاته.

حالة نادرة في مجتمعنا، بل هي الوحيدة التي احتُفي فيها بتكريم شخص حي، قام به ثلة من الشباب المؤمن الواعي المثقف من أدباء وشعراء. قاموا بجهود ضخمة، يحتسبون ثوابها عند الله، جل عطاؤه.

أعود إلى شيخ شعرائنا فأقول إنه أخذ من كلمة(أدب) مدلولها التربوي، فكان الأدب سلوكه وأخلاقه. ما عُرِف عنه نزوع إلى باطل، ولا ميل إلى التواء. مستقيم في سيرته، ملتزم بعقيدته. عَرَف الله، وعَرَف الناس فعرف نفسه، ووضعها موضعها بين أساتذته، وبين مواطنيه، بين عارفيه ومريديه. متواضعاً مع علو شأنه ناكراً لذاته مع اعتراف الجميع بمقامه.

وأخذ - رحمه الله - من كلمة (أدب) معناها الفني، فكان الأديبَ الشاعر.

أديب بثقافته، بمحفوظاته التي كانت تطلع على ذاكرة واعية حتى آخر عمره الذي وقف عند مغيب شمس مائة عام. عاش شبابه وشيخوخته في مجتمع علمي، ومحيط أدبي، فأخذ من العلماء سلوكهم، وأخذ من الأدباء حسهم. سيطرت عليه نزعة الشعر، فأعطاها كل كيانه، وأعطته هي ما أعطت على الرغم من ظاهر يوحي لجاهله بأنه أمي. أخذ مكانه المناسب بين أقرانه من الأدباء والشعراء، خلال تلمذة سمعية فقط بين أيدي جيله من العلماء والأدباء والشعراء. وبين يدي أستاذنا الكبير، العلامة الشيخ ميرزا حسين البريكي على وجه التخصيص. فقد فتح له قلبه كما فتح له مكتبته، فراح يفيد منها كلما وجد فرصة للقراءة في شعر أو نثر أو معجم لغة، في كتاب أو مجلة. رُزق شاعرنا أذناً واعية تعي ما يلقي الشيخ البريكي على طلابه في الفقه والنحو والبلاغة وغيرها. أتذكر – هنا - أن الأستاذ الشيخ ميرزا قال مرة بلهجته المملوحة: (الكوفي يختم العلم بالسكتة)، أي إنه يستوعب ما يسمع فيتعلم بصمت، ودون ضجيج، ومن غير أن يحس به أحد.

شاعر لم يقتَنِ كتاباً، ولم يشتر مجلة أو صحيفة، وهو على كفاف عيشه، غني بروحه، ثري بإيمانه، ما رؤي يوماً مهتماً بأمور الدنيا، ولا مشغولاً بحطام الحياة. يكفيه من الطعام ما يقيم الأود، ومن اللباس ما يستر الجسد، ومن السكن ما يكن.

عاصر شيخ شعرائنا، في شبابه، حركة أدبية نشيطة فكان لها دور الفاعل المؤثر، وكان من شاعرنا دور القابل المتأثر. تأثر بالجو العام للشعر التقليدي، الكلاسيكي، كما يقولون، والشعر المحلي هو الظاهرة الأدبية الاجتماعية في القطيف، المحدود بالمناسبات الدينية في وفيات أهل البيت - عليهم السلام - وموالدهم، وكذلك في تأبين ومدح علمائهم. لذلك جاء شعر أستاذنا الكوفي واحداً من المصاديق للمضمون الشعري في تلك الفترة، التي لم تعرف – غالباً - سوى غرضين هما المدح والرثاء. كان ذلك في شعره الذي طواه الضياع، وبدده الإهمال.

أما ديوانه المخطوط، الذي ننتظر صدوره، ففيه من الأغراض الوطنية والاجتماعية، وفيه الموعظة والحكمة.

أما الشعر الوجداني أو الغزلي فيكاد يكون بعيداً عن الساحة الأدبية لدى طبقة الكوفي من الشعراء الكلاسيكيين. وإذا تغزل أحدهم فإنه ينحو في غزله منحى الحب الصوفي الذي لا يعرفه الصوفيون إلا من خلال الله سبحانه وتعالى، فهم لا يعشقون إلا ذات الله، عشقاً يتفانى فيه المحب في ذات المحبوب. نستمع إلى غزلية كوفية، يقول فيها:

ريم له الحسن الجلي

رضا به كالعسل

وشادن مبتدر

يفك ختم (البُطُل)

قلت أدر كؤوسها

وهاتها بالعجل

خمراً بنادي طرب

ألا اسقني قم غن لي

ويرسل خياله في هذا الغزل الرقيق إلى أن يفاجئك بقوله:

يا قلب دع عنك الهوى

وخل عشق الغزل

واترك سبيل الغي واسلك

مسلك الرشد الجلي

لو لا علي المرتضى

دين النبي لم يكمل

إني لأرجو في غد

أمناً بحبي لعلي

صلى عليك الله ما

ذكرت وسط محفل

ومثل شاعرنا الكوفي الأستاذ المعلم ملا علي الرمضان - رحمه الله - يقول في غزل طلبه منه بعض أصدقائه:

قسماً بالجميل بله الجميل

ونطاق زها، وخصر نحيل

وغزال بساحر الجفن يصبي

ورضاب فيه شفاء العليل

ودلال عن سكرة الحب ناشى

وقوام يسبي وخد أسيل

وإذ يطربك الشاعر بقوله:

وثنى خصره عليّ فأمسينا

نشاوى لكن بغير شمول

وشربنا كأس المدام مراراً

من رحيق بثغره المعسول

يفاجئك بقوله:

وكذاك اللذات تغني عن المـ

ـرء ولا بد من فراق الخليل

مثلما فارقت على الرغم منها

زينب الطهر لابن بنت الرسول

ومثل هذين الشاعرين شاعر آخر يقول في أهل البيت D:

عشقتهم عشق صوفي وهمت به

فوق الحدود فلا أرض ولا بشر

به سموت فلا شمس ولا قمر

مثلي فدون مناي الشمس والقمر

فالحب الصوفي حب سام يجري على شفاه الشعراء الملتزمين بالعقيدة مجرداً من عاطفة الجنس، وجنون الغريزة. فكما ذابت رابعة العدوية مثلاً، في حب الله ذاب شاعرنا الكوفي في حب أصفياء الله، فهو يعتدهم الطريق إلى الله.

ثم ماذا عن الديوان؟ الديوان الذي تنتظره المكتبة الإسلامية عامة، والمكتبة القطيفية خاصة. أرجو من القائمين على هذا الحفل إعطاء الديوان اهتمامهم حتى يخرج من عالم الطي إلى عالم النشر، وحتى يرى عيناً. وحتى يكون تكريم المرحوم موصولاً ختامه بأوله، والاحتفال به بعد وفاته كالاحتفاء به في حياته. وإنني من أمام هذا المنبر أحمّل الأخوين السعيدين سعيد علي العمران وابنه الروحي الشاعر الأديب الأستاذ محمد سعيد البريكي الذي أولاه ما أولاه من الرعاية الأبوية خلفاً لأبيه الشيخ الذي كان يوليه الرعاية العلمية والأدبية.

أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران - السعودية
363647