فقدنا الشاعر الموهوب
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 9 / 9 / 2008م - 4:16 م - العدد (41)

تمر الليالي وتذهب الأيام وتنطوي الأعوام والأجيال وناقوس الحياة يدق إيذاناً للرحيل الذي ينتظرنا وكل حي، ونحن نراقبه وترتقبه حتى تحين ساعة الصفر وإذا بذلك الإنسان جسدٌ هامد قد سكنت نبضات حياته وإذا الأيام مرت به قد انتهت ونسيته كما نسيه التاريخ الذي ملأه حركةً ونشاطاً وقوةً حيث كان عاملاً في هذه الحياة كلٌ في مجاله الذي خصصه لنفسه أو أعدته له ظروفه بالبناء في مضمار هذا الكون وذلك حسبما تقتضيه الإرادة الربانية لإعمار هذه الأرض. ولا شك أن فقيدنا المرحوم أحمد بن سلمان الكوفي الذي كانت حياته في ضنك من العيش وإعسار المال ولهذا لم تمكنه الظروف من التعلم بشكل كامل فالتحق بالأستاذين الكريمين الفاضلين الشيخ محمد صالح البريكي وأخيه الشيخ الميرزا حسين البريكي وقت فراغه ويرتاد مجلسهما بين الحين والآخر فاكتسب من ذلك خبرةً ومقدرةً حين سماعه من دروسهما ولا سيما من الأستاذ الفاضل الخطيب الميرزا حسين البريكي فإنه كثيراً ما كان يحضر تدريسه للأستاذين المرحوم محمد سعيد المسلم والسيد علي باقر العوامي. ولا شك فإن الموهبة وقوة الذاكرة أعطتا فقيدنا مقدرةً على الاندفاع في مضمار هذا المجال بتعاطي الشعر كما أن فقيدنا العزيز هو من أولئك الذين نذروا أنفسهم للعمل، حيث كان عطاءً ملموساً، وليس أدل على ذلك من تقلبه في ميادين العمل أسوةً بالرجال العاملين. فقد كان مبدأ حياته العملية في الغوص مع الغواصين آنذاك، حيث كان الغوص حينها من الأعمال السائدة في الخليج لاستخراج اللؤلؤ وغيره، وله أوقات مخصوصة في الصيف من أيام السنة ثم يتوقف العمل فترة فيبتاعون ما يتحصلون عليه لأقواتهم في فترة التوقف. وعندما قلّ وارد هذا العمل وبدأ الناس يتركونه لوجود أعمال أخرى بديلة، أخذ الشاعر المرحوم يمتهن طبخ ثمر شجر الورد وتصعيده ليكون منه ماء الورد المعروف، وكذلك ماء البهار وهو زهر الحمضيات وطبخ قروف الفحال الذي يكون من ثمره حبوب لقاح النخيل عندما ينشق القُرْف عن هذه الحبيبات فيكون طحيناً عندما يجف. والقرف بعد ذلك يُطبخ طبخاً جيداً فيكون من بخار الماء قطرات تسمى ماء القُروف وهو طيب النكهة حسن الرائحة يضاف إلى ماء الشرب أحياناً فيكون الماء لطيفاً آنذاك.

ومع حاجته وما يعانيه من الضائقة المالية والمعيشة الضنكة فإن له موهبة شعريةً ممتازة. وكما نعرف فإن المواهب الشعرية هي من ألطاف الله تعالى وعطائه وهي قريحة فياضة متى ما رعاها الإنسان بالمواصلة والاهتمام أنتجت له نتاجاً خصباً، وهذا ما تحصل لشاعرنا المرحوم.

وعلى كلٍ فقد تعاطى الشعر أيام شبابه حيث كان-وكما أسلفنا- من جلساء مربي الجيل ورب المنبر الحسيني الخطيب المرحوم الميرزا حسين البريكي، فقد التزم معه في جلساته حتى انصقلت قريحته الشعرية في هذا الجو المفعم بالأدب والعلم وجاء شعره من المقفى الموزون الرصين السلس.

وإليك شيئاً من شعره أقدمه كنموذج حي، وهي أبيات من إحدى قصائده الثلاث التي قالها في رثاء والدي المرحوم في ذكرى أربعينه، وإن قرأ بعضٌ منها في فاتحة فقيدنا المرحوم الكوفي، ولكني سأذكر بعضها تيمناً بذكر سيدي الوالد وإشادةً بشعر فقيدنا الشاعر العزيز، وهي:

ذكرى تهيج شجى الصدور

وتثير للحزن المرير

ولهاً يشب لظى الجوى

في كلّ قلبٍ ذي شعور

ذكرى مرور الأربعين

لغيبة البدر المنير

يوماً به غشّى المصاب

جميع أنحاء الثغور

حيث العويل إلى السماء

يشق أمواج الأثير

متجاذباً نوح الرجال

بِندْب ربات الخدور

والحور من غرف الجنان

تُطل باسمة الثغور

مُستقبلاتٍ تلكم الـ

ـروح الزكيةَ بالحُبور

يا شيخنا المحبوب عنـ

ـدَ الشيخِ والطفلِ الصغيرِ

إلى آخر القصيدة... إذ القصد من ذكر بعضها عرض هذه الموهبة لشاعرنا الفذ وإليك أن تتأمل في قصائده المختلفة لتقف على جزالة شعره وعلوِّ نفسه. كما أن فقيدنا المرحوم كان يتسم بالهدوء والصلاح عند عامة الناس والثقة عند رجال الدين العلماء الأعلام الذين حملوا مشعل العلم والقداسة لمعرفتهم به. وقد استمرت هذه الموهبة الشعرية إلى آخر أيام حياته حيث لم ينضُب معينه بل هو عطاء متواصل لا سيما في مدائح ورثاء أهل البيت النبوي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فرحم الله فقيدنا العزيز برحمته الواسعة.

شاعر وأديب
363648