دعوة للمراجعة
التحرير - 11 / 9 / 2008م - 6:49 ص - العدد (5)

نقول ابتداءا، أن الله سبحانه وتعالى قد حبى بلادنا بنعمة الوحدة القائمة على اساس انتماء اهلها قاطبة  للاسلام شرعة وسلوكاً، فهو ـ أي الاسلام، هوية جامعة للمجتمع والدولة معاً، مما يقصي أي فرصة لنشوب صراع  على قاعدة دينية كما الحال في بقاع اخرى من العالم الاسلامي.

فمازال الاسلام يمثل اساس الوحدة الثقافية في بلادنا، وهذا الاساس المستقر في تعاليم الاسلام يصبغ سلوك المجتمع ويعكس نفسه في سياسات الدولة الداخلية والخارجية، كما يشكل حافزاً نشطاً على انسجام هذه السياسات والتشريع الاسلامي.

وبما أن بلادنا ـ والحمد لله ـ تدين بالاسلام، وهو مصدر قوتها وديمومتها، فقد تجاوزت محنة التشابكات الايديولوجية التي ظهرت في بلدان اخرى، مما جعلها عرضة لحروب داخلية يكون محرّكها الوحيد هو الصراع على السلطة فحسب.

فقد اصبح الاسلام رمز خصوصية التركيب الاجتماعي، والانتماء القومي لهذه البلاد، كما اصبح ايضاً رمز الانتماء الاجتماعي والشرعية السياسية، وأن تعدد التفسيرات للاسلام لا يضر بتلك الرمزية الراسخة للاسلام، وإنما هي تفسيرات تجري تحت سقف الاسلام وليس فوقه وخارجه.

ثانيا، وفي اطار البنى الاجتماعية، ساهمت الثقافة الاسلامية ـ والتي شاركت المؤسسات الدينية الرسمية والاهلية في تعميمها ـ  في تجذير الدور المركزي لتعاليم الدين الحنيف في الواقع الاجتماعي، فكان الانتماء للاسلام وضبط السلوك الشخصي والجماعي وفق الضوابط الشرعية، عنصراً فعّالاً في العلاقات الاجتماعية، مما يبرز الدور العام للاسلام باعتباره عاملاً اساسياً في التكامل والتلاحم المجتمعي، ويتأكد هذا الدور في فترات التحدي، أي حين يراد للدين الاسلامي أن يثبت وجوده وديناميته في المسرح العام.

وبالتأكيد، لابد لهذا الدين من حملة، يبلغون تعاليمه، وينشرون قيمه، فكان من الضروري لبلادنا وهي مهد رسالة الاسلام، والحاضنة للحرمين الشريفين، أن تنشأ فيها مؤسسات دينية تحدد قواعد السلوك الواجب على المجتمع اتباعها، كما تعين السلطة التنفيذية على ضبط قراراتها وفق الشريعة الاسلامية.

ويمكن النظر الى أهمية هذه المؤسسات بالنظر الى أهمية وظائفها وبوجه خاص خلال التحولات التي شهدها المجتمع في فترات جد حساسة ومصيرية، فقد هيّأت الوتائر العالية والسريعة للنمو الاقتصادي المرتبطة بارتفاع اسعار النفط، وازدياد المداخيل النفطية على شكل طفرات، مناخات فريدة لعصرنة البنى الاجتماعية والاقتصادية، وهي مناخات سادت جميع الدول النفطية تقريباً، خصوصاً مع الانخراط في خطط التنمية (التي بدأت في بلادنا في مطلع السبعينات)، وكان طبيعي أن تصاحب عمليات التنمية وما تفرضه من انفتاح على الخارج، والتبدلات في هياكل المجتمع، والانتقال من  البداوة الى التحضر، اهتزازات بنيوية عميقة، تطال اسس التفكير، وانماط العيش، والنظام القيمي بصورة عامة، وهي اهتزازات تكاد تكون اعراضاً جانبية ثابتة للتنمية، لا تفرّق بين بلد وآخر، وإن أُتخذت تدابير صارمة واحتياطات متشددة. فكان هناك أكثر من ضرورة لعمل دؤوب لدرء اخطار تلك الاعراض الجانبية، والانتقال الى المرحلة الجديدة سلمياً، أي تحويل البنى التقليدية الى عصرية دون أية هزات اجتماعية.

فعمليات العصرنة، المرتكزة على التطور السريع في نظام التعليم واتساعه وشموليته، في سياق الحاجة الى وجود فئة كبيرة من الاختصاصيين والخبراء لأجل تسيير عجلة التنمية، وتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد، وتحديث أجهزة الدولة، وتطوير ادائها، لم تفض الى تهميش دور هيئات الارشاد الديني المنبثقة من داخل الدولة والمجتمع سواء بسواء كما كان يتوهم البعض دونما معطيات موضوعية  وواقعية، بل على العكس من ذلك، كان من الحكمة ـ وحسناً فعل قادة هذه البلاد ـ تفعيل دور الهيئات الدينية والارشادية والمحافظة على مواقعها وفعاليتها في الميدان الاجتماعي، فقد كانت البلاد بمسيس الحاجة الى قوة فاعلة ومؤثرة لضبط تدابير هذا التطور وترشيده، وللحيلولة دون تسرّب بعض الافكار، القيم، والانماط الغريبة على تقاليد واعراف هذا المجتمع، بل كان موقف الدولة يتسم بالحكمة البالغة في اشراك هذه الهيئات في سياسة تحويل البنى الاجتماعية والاقتصادية بما يجعلها تمارس دور الكابح، أي بمعنى أن تتحول الى قوة وقائية ضد النزاعات المرشحة، على قاعدة تشابكات ايديولوجية مستحدثة تنشأ مع عملية التحول، والابقاء على فعالية  الاسلام وتأثيره في حياة السكان، ولذلك حالت انشطة العلماء واهل النصيحة دون تقويض النظام القيمي المرتكز على روح الاسلام، وتعاليمه، وتشريعاته.

وبالفعل، حققت الدولة نجاحاً كبيراً في هذا المضمار، فقد حافظ الاسلام ـ والحمد لله على نعمه ـ كطريقة للحياة على حيويته بين الناس، وفي نفس الوقت احتفظ العلماء بموقعهم كرقباء وامناء على العقيدة، كما حققت مجاميع الدعاة وأهل النصيحة والارشاد نجاحات جد كبيرة فكانت للدولة خير عون وسند لدرء أية سلبيات محتملة للتحول والعصرنة. 

ثالثا، وفي ضوء المعطيين السابقين، أن هناك اجماعاً عاماً على الاسلام، وارادة جماعية صلبة في تمثله واتباع تعاليمه وتشريعاته، بما يفقر مبررات المتذرعين بالاحتجاج على  قاعدة دينية، الامر الذي يثير سؤالاً هاماً وخطيراً وعلى علاقة وطيدة بتلك المستجدات حول المبررات غير المحلية للاحتجاج.

ونعرض لذلك باختصار ودون الخوض في تحليلات ونقاشات بعيدة عن صلب موضوعنا فنقول:

ـ في مطلع الثمانينات، برز نشاط سياسي يتخذ صبغة اسلامية في شمال افريقيا وافغانستان وشبه القارة الهندية، ازداد تأثيره في البنى السياسية المحلية في هذه المناطق، وتحوّل الشعار الاسلامي الى قناة تستقطب من خلالها الى الميدان السياسي فئات واسعة، وقد جرى توصيف هذا النشاط بـ "الصحوة الاسلامية"،  المرتكزة في مسعاها التغييري على رهانات تتراوح بين الدعوة السلمية ووسائل بالعنف تحت شعار "الجهاد الاسلامي" لجهة بعث الاسلام ومركزته في حياة المسلمين.

وكان ثمة قدر كبير من التأثير للتيارات الاسلامية المسيّسة التي اخذت تبشر وتسعى من اجل اقامة دول اسلامية، وتوصم حكوماتها بالالحاد ومناهضة الاسلام، ومخالفة الشريعة.

غير أن جوهر هذا التخاصم قد لا يكون بالضرورة ناشئاً عن صدقية تمثل الشعار الاسلامي، بقدر كونه ناجماً في أحد مساراته عن تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسكان، وكذلك فشل ايديولوجية السلطة ذاتها، وخصوصاً في البلدان التي تطبق نماذج ايديولوجية وسياسية غير اسلامية: ليبرالية، قومية، اشتراكية، وعجزها مجتمعة عن تسوية المشكلات العاجلة الملحّة.

وليس صحيحاً الاعتقاد بأن خصائص المبدأ الديني للاسلام تؤثر في نشوء النزاعات، ففي هذا تجني كبير على الاسلام، فقد يختفي وراء مشهد الحركات المتصارعة باسم الاسلام، مشهد آخر يدار بين تيارات سياسية وايديولوجية متناحرة على قاعدة الصراع على السلطة دون سواها، ولكن كضرورة سياسية، يجري التوسل بالشعارات الدينية لاضفاء مشروعية على هذا الصراع، ولكسب اصطفاف شعبي.

وأياً كان الحال، فإن ما نود التنويه اليه هنا أن حركات سياسية اعتراضية بدأت تنشط خارج الحدود، وتتخذ من تحكيم الاسلام، واقامة الدولة الاسلامية، شعاراً فدخلت في مصادمات اتسمت غالباً بالعنف والعنف المضاد، وهي في بعض حالاتها ترجمة لتقاليد اجتماعية، وأوضاع سياسية محلية  شديدة الخصوصية تؤول الى استعمال القتال السافر واراقة الدماء، وبدأت أصداء هذه المصادمات تنتقل الى فضاءات مناطق اخرى، محتفظة بذات العناصر، والمفردات، والوسائل في عملية التغيير.

وكانت بلادنا ـ حماها الله من كل سوء ـ بمنأى عن تأثيرهذه التموجات، وفي مأمن من عدوى العنف الغريب عن تقاليد، وقيم مجتمعها، فكانت تسير سيراً هادئاً طبيعياً، حتى داهمتنا أنباء تفجيرات العليا، فوجدنا من يحلو لهم نقل  بضاعة العنف الى بلادنا، ويصادروا منا أمننا تلبية لأغراض وتحولات خارجية غريبة عنا، وأصبح هناك من كنا نأمل فيهم الخير والصلاح، وإذا هم يستعيرون نفس مقولات الخارج، وكأننا عدمنا الوسائل الحكيمة السلمية في الابلاغ والتبليغ والنصيحة في اطار الوحدة الوطنية، وعوضاً عن أن يزاولوا مهمة الرقابة والاصلاح، أصبحوا منغمسين في اطارات احتجاجية متطرفة، ايذاناً بالشروع في مسلسل العنف، بدءا من مؤسسات الدولة ورجالاتها، وانتهاء بالمجتمع ومصالحه، واقحام البلاد والعباد في فوضى لا نهاية لها، ولا حدود، تماماً كما  حصل في بلدان اخرى اسلامية نرثي اليوم لحالها، ونبتهل في صلواتنا لانهاء محنتها.

وهذا يؤكد لنا مرة اخرى على ضرورة التمسك بالوحدة الوطنية، وضرورة تعزيز قيمها، وأن تكون مادة يتربى عليها النشء، حتى تكون حاضرة حضوراً مركزياً ودائماً  في الوعي العام، فالوونوأنوطن ـ كما الامن الوطني ـ ملك للجميع، ونعمة لا يجوز التفريط فيها، وأن الدفاع عنه واجب وطني وديني معاً.

358523