قراءة نقدية: النوم في الماء
رؤيا داخليَّة مُغْلقة وفانتازيا ممتعة
محمد حسين الحرز * - 11 / 9 / 2008م - 7:51 ص - العدد (5)

أتمنى أن تفتح هذه الورقة النقدية آفاقاً ابداعية لفاعليةِ القراءة النقدية، وأنْ تجعل القارئ أو المستمع يتحرك في خطٍّ متواز مع حركة النصوص الإبداعية في ساحتنا الأدبية . فالفاعلية المنشودة داخل هذه الحركة هي النقطة التي تنطلق من القارئ ومن ثمَّ تعودُ إليه ثانية . وعلى أساسها تبنى الذائقة الجمالية للنصوص الإبداعية . من هذا المنطلق ، ومن أحساسنا وإداركنا التام بضرورةِ توضيح المنظومة، أو العملية النقدية التي تهدف إلى اكتناه عالم الخطاب الإبداعي في جميع مستوياته توضيحاً يسهلُ على القارئ تتبع خطوات هذه القراءةِ ؛ سوف نحدد الأبعاد التي تنطلق منها هذه القراءة التي سوف نسلِّط الضوء عليها . فهناك بُعدان :

البعد الأول : نوعية القص

البعد الثاني : البنية السردية للمجموعة القصصية .

نوعية القص 

لكأني إخالُ أن الكاتب القاصَ ناصر الجاسم حين عمدَ إلى عنونةِ مجموعتهِ القصصية بعنوان ( النوم في الماء ) كان يشير بطرفٍ خفيٍّ إلى نوع من القص الفانتازي يتسلل داخل مجموعته القصصية . فدلالات كلمة النوم تحيلنا إلى فضاءٍ واسعٍ من عالم الأحلام ، أو كما يسميه اَرْيك فروم باللغة المنسية ، فهذه اللغة ، أو هذا الفضاء ، يخلق منه القص الفانتازي حركته داخل المجموعة القصصية . ففي قصة ( موت القصائد ) يتنامى القصُ الفانتازي حينما يبدأ السارد أو الراوي بالغطس في قاع النبع: ( فكرتُ وأنا ألعبُ في القاعِ كسمكة من أسماك الزينة في ما رواه لي راعي النبع ذات ليلة شتوية : سقطَ في ليلةٍ حالكة السواد ينزل من السماء فشق الأرض ، وتدفق ماء النبع ساخناً ثم سكنته جنيةٌ، فيما بعد قررت أن أغسل تاريخي وجرحي السابحين أو السابحات. شققتُ جلدي بشريحة زجاجية فنزف دمي، وفشلتُ في إخراج الجنية) . ولكن حينما نتساءل هل استطاع الكاتبُ أن ينجحَ  في توظيف هذه التقنية القصصية ، أم أنّه تعثر في مهمته؟  من الواضح أن القصة تريدُ البحث عن خلاصٍ من هذا الجوِّ المأساوي المسيطر عليها من ( كآبة، وحزن ، وألم ) ، فالخلاص لا يكون إلا بالموت . لذا نرى أن الكاتب نجح إلى حدٍّ ما في إرساء فكرة الخلاص، أو الهرب عن طريق المتخيِّل الوهمي لكنّه فشِل في تنمية الحدث الدرامي داخلَ هذه التقنية ، وبالتالي فشِلَ في شدِّ انتباه القارئ إلى هذا النوع من القصِ . أما في قصة ( عرس الجن ) فيبرزُ الأسلوب الفانتازي كبنية فنية تدخل في بناء الحدث الدرامي عبر السياق السردي للقصة ، ويبدأ حينما تنجذب الشخصية الساردة في القصة إلى حفلٍ للجن وراء المستنقع : ( كان الجن وراء المستنقع يحتفلون . يغنون ويرقصون . انجذبتُ بكل حواسي ، برغم الجرح الزاجر ، إلى عرس الجن. جعل الجنُ يعيقون تقدمي في عبور المستنقع. انقسموا إلى فئتين : فئة تعيق، وفئة ترقص وتغني.) ويبلغ الحدث ذروته. ركضت في المستنقع. الجرح بالركض ناقمٌ جداً ) إلى أن يصلَ الى الخاتمة. (رقصت على اليابسة، والرقص بالجرح قاتلُ جداً ) .

إنها فانتازيةٌ ممتعةٌ أراد الكاتبُ أن يعبًّر خلالها عن مراحل اليأس والإحباط التي يواجهُها الإنسانُ في حياتِه، وفي عالم مدنيته المسكونة بالحزن، والضياع، والبحث عن حل لهُ في عالم الماهيات. عالم الصفاء الروحي، والبعد عن ضوضاء العالم المادي.

أما بقية القصص في المجموعة فإنها تندرج ضمن القص الواقعي التي ترتكز على خلفيات ثلاث: خلفية ذاتية -  خلفية اجتماعية - خلفية سياسية. وعندما تنتقل من البعد الأول إلى البعد الثاني وهو مكونات البنية سوف نقوم بالتركيز على ثلاث مستويات:

السارد - المبني الحكائي - المتنُ الحكائي

السارد أو الراوي

إن الشخصية الساردة في معظم قصص المجموعة تتحرك داخل الحكي وتشكل الشخصية الرئيسية في القصة حيث تدخل في بناء الأبعاد المعمارية لها، ويتضح ذلك مثلا في قصة  (احتفالات نمل الجبل والغربان ). حين يبدأ العرض القصصي بوصول البطل (الشخصية الساردة)  إلى الجبل عند الغروب .

(وصلت الجبل وغناء الغروب يفيق . كان نعيق الغراب يزحف هادئاً إلى أذني. وقفت أرمي على الجبل حصى، ولم يرد عليَّ الا الصمت) . وهكذا يستمر السياق السردي على هذا النمط حتى نهاية القصة. وكذلك على هذا المنوال تبدأ قصة. ( النوم في الماء ) : (حشرة الخوف تتكاثر في عروقي معبأة بها عظامي. ) حتى نهايتها . ولكننا نجد ان القصة الوحيدة التي انفلتت من سلطة السرد، وتحررت منه هي قصة ( التكسرات ) حيث تكون وضعية السارد فيها خارجاً عن نطاق الحكي. انه مجرد راو متتبع لمسار الحكي لكنه لا يشارك في الاحداث داخل القصة حيث تبدأ. ( الموتُ ينتقل بين الأسرة . يقف على النوافذ يختبىء خلف الستائر . يسخر من وراء نظارات الأطباء . يطل من ثقب الباب.) وهكذا يستمر السياق السردي حيث يصل إلى لحظة ظهور الشخصية الرئيسية في القصة لتقوم بمهمة السرد: ( كان من ضمن الراقدين شاب ظل ساكناً مع الموت ثلاثة اشهر . صبيِّ أيتها البيضاء الماء المحلى بالسكر في دمي ، فدمي يسكنه سبنح ) . ويظل السرد تحت تصرف هذه الشخصية حتى نهاية القصة. نستنتج من هذا كله ان الكاتب من خلال تجلياته داخل مجموعته القصصية يعاني من الشعور الحاد بالضياع. نتيجة منطقية لما يدور  حوله من صراع وتمزق داخل بنيته الإجتماعية في عالمه الواقعي. لذا نراه قد لجأ إلى تجربة الكتابة هارباً من هذا كله إلى عالمه المتخيل راسماً شخصياته. متحاوراً ومتحركاً معها في فضاء النص القصصي. إذاً هناك معادلة مطردة فكلما تعمق الشعور بالضياع ازداد لجوء الكاتب إلى فضائه القصصي. ملتحماً معه كما بينا قبل قليل. أما حينما ننتقل إلى المستوى الثاني (المبنى الحكائي ) فسوف نتوقف عند ظاهرة الأسلوب السردي الذي اتبعه الكاتب في مجموعته القصصية. فمن خلال نظرة شاملة نجد أن السرد الذاتي (حسب تصنيف الناقد الشكلاني توماتشفسكي ) هو السرد المهيمن في معظم قصص المجموعة . فنظام السرد الذاتي كما نعلم يجعل القارئ يتابع مجرى الأحداث من خلال زاوية نظر الراوي فهو يعطي الأحداث تأويلاً معيناً يفرضه على القارئ ، ويحرك شخصياته من زاويته دون أن يعطي حرية لحركة لها والإستقلال بذاتيتها حيث يصبح الراوي هو الصوت الوحيد المسموع في عالمه القصصي بخلاف تقنية تعدد الأصوات التي نجدها في عالم دستوفسكي الروائي ومثالاً على ذلك في قصة (النوم في الماء) وعند نهاية القصة : (قد تكون حشرة الخوف في دم عنوانًا أصفر من التي في دمي- يبدو أنه مهمل تغذيتها بالبحث - مضت ساعة ولم أنم فأدركت أن الإنسان ينام ثلاث أرباع عمره، ويضيع الربع الأخير في انتظار النوم يأتي.) . بعد هذا  العرض يتبادر إلى أذهاننا سؤال يقول: لماذا اعتمد الكاتب ناصر الجاسم إلى استخدام هذا النوع من الأسلوب السردي في مجموعته ؟ إن مرد ذلك في اعتقادي راجعٌ إلى هيكلية البناء التربوي داخل مجتمعاتنا العربية وما تنطوي عليه من اسلوب يقوم على التسلط البطركي. فما الكاتب سوى فرد هذه البنية الإجتماعية. يتحرك ضمن إطارها الواسع . من هذا المنطلق تبرز أمامنا الرؤية الداخلية المهيمنة على عالم النص القصصي، وذلك بسبب ظهور الأسلوب السردي الذاتي المتبع في هذه المجموعة القصصية، ومن أجل تقصي أبعاد هذه الرؤية في المجموعة لجأنا إلى انتخاب قصة من قصص المجموعة ، وحاولنا عرض مظاهر الرؤى فيها. ففي قصة ( تغريدة الوهج ) تنكشف امامنا الرؤية الداخلية المغلقة التي تؤدي إلى عدم تحديد ملامح شخصية الراوي. فهو يظهر فجأة بدون أية مقدمات أو تعريف عن شخصية داخل النص. فمن هو؟ ومن أين أتى؟ ومن هذا التوأم الذي يشبهه؟ ومما يزيد من عمق إحساسنا بانغلاق هذه الرؤية ؛ بروز تيار الوعي أو (المنولوج الداخلي) كتقنية فنية يلجأ لها الكاتب في قصته ، ويتضح في المقطع التالي حين تجري الشخصية الرئيسية حواراً مع النفس عن الحزن وتصنيفاته. يبدأ متسائلاً: (لماذا لا يقسم الحزن إلى فترات عمرية تبدأ بطفولة تليها مراهقة يتبعها شباب وتختم بكهولة وشيخوخة؟ صنفت حزني اعتباطاً تصنيف باحث تنقصه الحيادية والموضوعية بأنه من النوع المراهق الذي يرفض الإنصياع للأوامر، ويجد في التمرد عليها.) وكذلك يستمر إحساسنا حينما يجري الراوي حواراً ذاتياً مع مذيعة الراديو داخل مركبته القيادية عن تصنيف الشباب . وهكذا يتبين لنا أن هذه الرؤية افتقدت القدرة على إعطائنا عالماً واسعاً منفتحاً على الواقع بجميع مستوياته. ولكن الشيء الذي يستوقفنا هو استخدام الكاتب في هذه القصة تكنيكاً سردياً بارعاً وظفه في بناء الحبكة القصصية. إنه لجأ إلى إعطاء الشخصية السارده بعداً آخر يتمثل في هذا التوأم الشبيه . إنه الوجه الآخر للراوي. إنه تكنيك يذكرنا براوية ( هاتف المغيب ) لجمال الغيطاني . من كل هذا نصل إلى أنَّ تضافر الرؤية المغلقة مع هذا التكنيك السردي أوجد صورة لها مدلولا تها العميقة التي تحيلنا -كما قلنا من قبل - إلى ظاهرة التمزق الإجتماعي، والفكري، والثقافي الذي يعيشه الإنسان داخل مجتمعه. وهذا ما يفسر بروز هذه الرؤية المغلقة بجميع سلبياتها التي تنسحب على أغلب قصص المجموعة.

والآن قبل أن تنتقل إلى المستوى الثالث نلاحظ احتفاء الكاتب بالأسلوب المجازي التشبيهي،  أو بما نسميه بشاعرية التعبير في سياقه السردي ، ولكن لنا أن نتساءل: هل دخل هذا الأسلوب في نسيج البناء الفني للقصة ؟ أم انه سقط في حضن الشطحات اللغوية الذي لا يخدم أي نص إبداعي؟ فحين نستعرض بعضاً منها مثلاً : (. والوجع متجذر في صدري كعروق شجرة طلح عجوز ...) ، أو: (أنشأت أصيح كطائر ببغاء في قفص يخطط بصوته للحرية...) أو : (بدا لي لحمي مطهوًّا في محرقة الوجود...) . (استشعرت عقلي يخر افكاري النجسة كدم دبر. بدأت اضراسي تسلم على لحم أصابعي...) أو : ( افكاري تحفر في الغروب خطوطاً بيضاء. تجرحه كجسد ملقى أمامها...). نجد أن هذا الأسلوب بإستعاراته وتشبيهاته لا يرسم لنا صوراً متتابعة تسقط ظلالها ورموزها على عناصر مكونات العمل الفني من ( مكان، وزمان ، وحدث ، وشخصية) ، بل يبقى مأسوراً ضمن نطاق لغة الكاتب وحده. فماذا يفيدنا مثلاً حين يشبه الوجع المتجذر في الصدر كعروق شجرة طلح عجوز ؟ لا شيء أنه يثير دفقة عاطفية تجاه السارد فقط. لكنه لا يخدم العمل الفني إطلاقاً. هنا. يجب ان نهمس في أذن الكاتب لنقول له: إن اللغة داخل العمل القصصي هي لغة مهجنة - كما يقول الناقد الروسي باختين - تتشكل حسب تشكل الشخصيات والأحداث والمواقف بخلاف اللغة في الشعر فتلك تعتمد على لغة الشاعر وحده.

اما بالنسبة للمتن الحكائي سنقتصر حديثنا على اتجاه القصة فمن الملاحظ أن الكاتب يتجه في بعض قصصه من الإتجاه التقليدي إلى الإتجاه الحديث للقصة. فليس هناك عقدة تشتمل على تمهيد وخاتمة، بل تنطوي على مواقف تتداخل فيما بينها حتى تصل إلى لحظة تسمى لحظة التنوير. فلهذا لا يمكن أن نمسك بخيط مضامينها إمساكاً واضحاً. وفي اعتقادي أن قصة (الفرس) هي من أنضج قصص المجموعة. فهي قصة ذات حبكة متقنة. وذات مغزى عميق ؛ حيث يتنامى الحدث فيها مع نمو الشخصية فشخصية (نادي) نابضة بالحياة والحرية. إلا أننا نجد أنها لم تسلم من اللغة الخطابية التقريرية المباشرة كما لم تسلم غيرها من قصص المجموعة ، ويتضح ذلك في القصة حين يتحدث نادي مع الراوي داخل المطعم: (المطاعم أماكن الحب، والبوح، والترف، والسعادة، والمطر ماء ميمون سأغرس الخصلة غداً قبل أن تجف الأرض. ارض العيون لا تمحل . إنها أرض ميمونة ، وشيوخها ركع معمرون.) إنها خطابية مباشرة فلو انتزعناها من جسد القصة لما اختل بناؤها الفني على الإطلاق.

والسبب لوجود هذه الخطابية في القصة راجع إلى انشداد الكاتب لمدينته العيون التي برزت في هذه القصة دون غيرها من القصص مما أغفل بقية الجوانب الفنية في القصة. لكنها تبقى قصة جميلة من دون ادنى شك.

وأخيراً . يقول الناقد الروماني لوسيان جولدمان: ( كلما كان الأدب عظيماً. كان شخصيًّا ) . إن الأدب الشخصي كما يقرره جولدمان هو الرؤية الخاصة التي تشكل وعي الكاتب للحياة والكون وموقفه منهما ، وبيئته الإجتماعية المتجذر فيها. كما نرى في أدب انطوان تشكيوف ، وماركيز وغيرهم. من هنا نتساءل هل الكاتب انفتح على هذه الرؤية وحاول الوصول إلى مخابئها ؟ نحن نتمنى ذلك في تجربة الكاتب المستقبلية.

*  *  *

عرس الجن ..

امشي وجمر سجائري يثقب بردة الليل المسبلة على كل الكائنات. التبغ يدفِّىء صدري، والبرد يعض أصابع قدمي. الهواء المرسل من خلفي يشد ذيل ثوبي إلى أعلى. اصطدمت قدماي بحجر فسُلخ بعض جلدها. الجرح مؤلم جدًّا في الليل البارد. مابين المقبرة والمستنقع أمشي وبيني وبين العيون حجاب كثيف. قول شافي المرهق بالمشي كان الخدين: "وجود انثى في قلبك يعني وجود نقطة ضوء في طريقك ، وعلاج النفس التي تعاني الوحشة المشي في طرق موحشة ". التبغ أنيس مؤذ لمن لا انيس لها ، والطريق نصف موحش فأوله مقبرة عتيقة وآخره مستنقع لا يسمع صوته إلا في الليل. أخذت عيوني تتكيف مع الظلمة الطاغية فبدأت أرى حدود الأشياء المعتمة. رأيت في البعيد بقعاً من الضوء تكبر باهتة البياض تدور حول نار تدخن، وسمعت نهايات أصوات طرب تدعو لحضور الأجساد.

كانت تتحرك في ذهني صورة. ما اشقى الذهن إذا تحركت به الصور. حتى الصور الجميلة إذا تحركت فيه اتعبته. رمي علي حجر أخطأ رأسي. لم يكن الرامي يريد قتلي. ربما أراد إيذائي بمزاح ثقيل غير مؤدب كان الجن وراء المستنقع يحتفلون، يغنون ويرقصون. انجذبت بكل حواسي برغم الجرح الزاجر إلى عرس الجن. جعل الجن يعيقون تقدمي في عبور المستنقع. انقسموا الى فئتين. فئة تعيق، وفئة ترقص وتغني. الجرح في ماء المستنقع البارد غاضب جداً. لمن ترقص الجن؟! ولمن تغني؟! عبرت وصوت المستنقع يعلو. حملت بجسدي إلى اليابسة جالون ماء.كان بعض أفراد الفئة التي تعيق تقدمي يحركون ماء المستنقع تحتي وأمامي. الجن يفوقون التبغ في الإيذاء، وإيذاؤهم لا يخلو من أنس. وضعت قدمي علىاليابسة فاختفى عرسهم ونارهم. وانتقل الغناء والرقص والعرس كله عند المقبرة العتيقة. عجباً لأمر الجن. يحيون أعراسهم وراء المستنقعات، وبين الأموات. تمثل لي أحد أفراد الفئة المعيقة في صورة حمار واقف في المستنقع يغريني بركوبه، فقررت أن أركبه لألحق بعرس الجن قبل أن ينتهي. ركضت في المستنقع. الجرح بالركض ناقم جداً. وضعت يدا على أذن الحمار وأخرى على رقبته ففر وتركني أقبل ماء المستنقع بلغدي ، وأمسح بعضه من على شفتي. قد يكون فرد آخر من الفئة المعيقة جر قدمي وسقطت، أو قد تكون مجموعة منها. كان الحمار مستسلماً إلى أن مددت يدي ورفعت رجلي اليسرى، وفجأة فر كالملدوغ.

وأنا في المستنقع مبلول، صوت العرس يحلو ويتناغم. لغة الجن لا تختلف عن لغتنا. عبرت المستنقع ثانية، وحملت إلى اليابسة بجسدي جالون ماء ثان.حططت قدمي على اليابسة وانتقل العرس والنار وراء المستنقع ، وعاد الحمار إلى الماء. رقصت على اليابسة والرقص بالجرح قاتل جداً.

ناصر الجاسم الأحساء

*  *  *

الغرس

العيون غافية. نائمة بملابسها الطينية والأسمنتية تحت المطر. شوارعها تغتسل ، ودكاكينها مغلقة. سماؤها مطلية بتشكيلات مخيفة من السحب السوداء الداكنة تقودها ريح مجنونة. اعتادت العيون كما هي عادة المدن المحرومة أن تغتسل مرة واحدة في السنة. فصل الشتاء فيها فصل الإغتسال ، وفصل الصيف فيها فصل الغبار. العيون في الشتاء أنثى باردة الأطراف ، وفي الصيف بدوية يسكن صدرها الغبار.

كنت أنا وناوي نبتهج بالمطر على طريقتنا الخاصة . أنا أدور بسيارتي في الشوارع المضاءه بالبرق وهو يتمرغ تحت المطر كحيوان جذلان بالشبع يتقلب على العشب. أخذته من بين الفقاعات في وسط الشارع يتنشق.

قال ناوي وهو يعصر ثوبه : كنت قبل التمرغ أمشي وحيداً والخصلة في جيبي . أدخن وأغني ولا أحد يلومني، إنني أعتقد أن المطر جعل مني شاعراً والتبغ جعل مني ملحناً ، والمشي قد علمني الغناء. آه لو كنت تركتني قليلاً لكنت شبعت تمرغاً. هذا التمرغ قد يكفيني لعام قادم.سيعذبني الصيف كثيراً.

زخات المطر تحد من قوة أنوار المطعم الساهر. تخفتها. تبدو صفراء شاحبة منكسرة. دخلنا المطعم ووجدنا أناساً يقهقهون على الكراسي. يقلقونها بأجسادهم الضاحكة، وآخرون يدخنون في صمت ، وقليل منهم الذين كانوا يأكلون. اخترنا طاولة منزوية لم يكنسها النادل البليد . فضلات طعام تسكنها بغير انتظام. تحدث ناوي ونحن جلوس: المطاعم أماكن الحب ، والبوح ، والترف ، والسعادة . والمطر ماء ميمون سأغرس الخصلة غداً قبل أن تجف الأرض ، أرض العيون لا تمحل، إنها أرض ميمونه، الخصب في الأرض وفي من يسكنها من إنس وجن وطير ودابة. لا بد أن نبياً دعا لهذه الأرض بالخصب الدائم فبهائمها رتع، وشيوخها ركع معمرون.

دخن ناوي بعد انقطاع طويل، إنه لا يدخن إلا عندما تغتسل الأرض، دخن كثيراً في ذلك اليوم، والنادل طال انتظاره. كان ناوي يرقب المطر والصبح من خلف زجاج المطعم، ويزداد عصبية. أيقنت أن أعصابه بدأت تدخن من فورة الغضب. قام من كرسيه ليصرخ في النادل. ضربه الدوار قبل أن يطلق صيحته. وضع يده على جيبه وابتدأ في السقوط.

أقطار الخوف تكبر على مساحة وجهه الضيقة. إنه يفكر في الغرس. مد ذراعيه يستنهضني وأشار برأسه وعينيه إلى ما خلف الزجاج. كان يريد أن يحتضن المطر وخيول الوقت المحملة بنور الصبح تركض وتزيد من دوخته. كان ينظر إلى ساعته ، وإلى الزجاج ، وإلى وجهي.

قمت إليه حين قام الجالسون. لأول مرة أحتضنه من خلفه . أجلسته على كرسيه المندَّى. واصل مرتادو المطعم الضحك والنزف والبوح وغرْس الطعام في أفواههم. أتى النادل يكنس الطاولة ورائحة الشواء تخرج من تحت إبطه. كانت عينا النادل - وهو يكنس - تنظران إلى ناوي في قلق واستغراب. لمعت الطاولة لمعان المرايا المصقولة. طرح ناوي عليها الخصلة. أخرجها بحذر من منديل مبتل لُف في منديل ثان ، وأخذ يدخن ، ويتحدث إلي وعيناه إلى ما وراء الزجاج: المسافة بين الموت والحياة خصلة. اختر أرضاً لينة للغرس، وتجنب الأشياء القاسية وارو الأشياء التي تحب. فالأشياء التي تحب تتعب ، والغرس في أرض قاسية غير مثمر. الإنتظار واقع يطارد الإنسان حتى موته، انتظار وقت الغرس أجمل أنواع الإنتظار، واحذر الريح. إنها عدو للأشياء الجميلة، إياك أن تتأخر أو تتردد في الغرس فسيذوي النبت، في هذه الخصلة رائحتان، رائحة مطر ورائحة جسد. إن استطعت التمييز بينهما أصبحت غارساً جيداً، لا تكن مثلي فأنا تأخرت في الغرس وفي التمييز، وتذكر أن الأرض هي الوحيدة التي تجيد الإحتفاظ برائحة المطر.

سماء العيون تزداد خصباً ورضىً والريح تجر السحب من سماوات المدن الأخرى والأرض تتشرب بعمق الرغبة في الري، والشوارع تمارس التطهر كعروس جديدة، وخيول الوقت واقفة تستأذن السحب في الرحيل.

الرغبة في الغرس تقطع عصب ناوي. مسافات يقطعها من الطاولة إلى باب المطعم. قال لي ناوي وهو واقف عند الطاولة يلف الخصلة في منديلها المبتل: الريح قررت تأجيل وقت الغرس وخيول الوقت ناكصة. إذا كانت الريح قد نجحت في أن تحول بيني وبين الغرس فلن تفلح في الحيلولة بيني وبين التمرغ. سأتمرغ قليلاً لأصل المقطوع من عصبي. لا تنتظرني. كل حتى لا يبرد الطعام.

ترك ناوي المطعم والصينية قادمة على يدي النادل. حط النادل الصينية على الطاولة ولحق ناوي حتى الباب ناداه بعبارات الأسف والإعتذار، ولم يرد عليه إلا برفع يده اليسرى وراء كتفه استخفافاً. نظر النادل إلي خجلاً وانصرف مواصلاً عمله. أكلت قلقاً وخوفاً. شبعت انتظاراً ورائحة ، فانصرفت. بحثت عن ناوي في الشوارع التي يحبها. وجدته قابضاً على المنديل، والخصلة سابحة، وجسده محتفظ بنكهة المطر، والفقاعات التي حوله قد تغير لونها.

ناصر الجاسم الاحساء

كاتب وأديب
363415