عروس الخليج
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 11 / 9 / 2008م - 7:52 ص - العدد (5)

هذه القصيدة يُصوِّر فيها الشاعر صوراً لواقع القطيف، حين كانت عامرةً بالبساتين ، ومنظر البحر، الذي يقع شرق عاصمتها: قلعة القطيف؛ وتغفو الرِّمال الذَّهبية على ذراعيها، في الغرب.

ويُصوِّر عيونها، التي هي مِنْ آثار القطيف البديعة، التي وُجدت قبل الإسلام، ولا تزال تحكي - في صورتها الحاليَّة - آثارها، التي أذهلتِ الأفكار في هذا العصر؛ حيث لم يكن في عصر إخراجها شيءٌ من الأجهزة الفنيَّة، والتنظيم في سقي البساتين.

فسجَّلَ الشاعر هذه الَّلوحة، مع موسم الغوص، الذي كان مصدر رزقٍ، يدرُّ على سكان الخليج، ليبقى تاريخاً للعصور القادمة. 

ربَّةَ الشعرِ ! إرسمِيْ الخطَّ دنياً

مِنْ حروفٍ ، ولوحةً مِنْ ضياءِ

يومَ كانتْ رياضُهَا مِنْ : نعيم ،

وجنانٍ ، مِنْ واحةٍ خضراءِ

البساتيْنُ والورودُ معَ الَلوْ

زِ: تلالا فيْ أبهجِ الأزياءِ

فَرَشَ الخصبُ فيْ صحارِيْكِ ظلاًّ

وارفاتٍ مخضّلةَ الأفياءِ

وعيونُ السُّيَّاحِ فيْ الجدولِ الرَّقْـ

ـراقِ : لحْنُ الحياةِ فيْ الأصداءِ

قَدْ بَنَتْهَا أيدٍ فأحكَمَتِ الصُّنْـ

ـعَ ، فكانَتْ مِنْ أبدعِ الأشياءِ

وسْطَ شكلٍ مِنْ الفنونِ غريبٍ

هندسيٍّ فيْ: قعرِها، والبناءِ

تُبصرُ العينُ ما يدورُ على القعْـ

ـرِ ، إذا رقَّ ماؤُهَا فيْ الصَّفاءِ

فهيَ فيْ عمقِهَا تضيقُ ولكنْ

فيْ سماهَا رحيبةُ الأرجاءِ

شرقهَا البحرُ والنخيلُ عذارى

مثلَ جنٍ أعناقُهَا فيْ السَّماءِ

وغَفَا الرَّملُ فوقَ زنديْكِ فيْ الغرْ

بِ ، تِلالاً على فمِ الصَّحراءِ

*  *  *

ماتَ قلبيْ على صخوركِ يَابحْـ

ـرُ! وغابَتْ معالمُ الذِّكرياتِ

وانمَّحى الشَّاطىءُ الجميْلُ ولُـ

ـفَّتْ صوَرٌ للحياةِ والسَّهراتِ

وهنَا صخرةٌ أبثُّ عليهَا

ألَمَ القلبِ والشَّجى والشَّكاةِ

سُفُنٌ كالحمائمِ البيضِ كالـ

ـأنجم ، تطفُوْ على فمِ الموجاتِ

وأغانيْ النَّهامِ فيْ اللّيلة القمرَا

ءِ : لحنٌ يسيلُ فيْ الأنَّاتِ

يُرسْلُ اللَّحْنَ فيْ شظَايَاهُ قَلْبٌ

فَيَسيل الفُؤادُ بالحسراتِ

وأغانيْ المجدافِ فيْ الموْجِ أحْـ

ـلامٌ ودنياً مِنْ عالمِ الأُمنياتِ

أينَ تلكَ الضِّفاف؟ أينَ القلوعُ البيْـ

ـض ، تسرِيْ كالنَّجمِ فيْ الحالكاتِ ؟

دفَنُوا البحرَ فانمَّحَى شكلُهُ الحلْـ

ـوُ ، وغابَتْ معالمُ الضِّفَّاتِ

وأقامُوا القصورَ فوقَكَ يَابَحْـ

ـرُ ! فغطَّوْا مياهَكَ الدَّافئاتِ

منظرٌ للجمالِ منَّا تلاشَى

أينَ منْهُ مناظرُ الغُرُفاتِ ؟!

كلَّمَا غَنَّى كالطيُّورِ لحوناً

وثَبَ البحرُ حائرَ الوثَبَاتِ

وقَفَ الموجُ مصغياً لغناءٍ

ذَابَ فيهِ الغناءُ فيْ الآهاتِ

*  *  *

وأطلَّتْ مواكبُ الغوصِ - يابحْـ

ــرُ ! ولاحتْ منْ كوَّةِ الأزمانِ

سُفُنٌ كالعُقابِ مدَّتْ جناحاً

ما خراتٍ فيْ البحرِ كالعقبانِ

إنَّهُ الغوصُ كالرَّبيعِ ازْدهاراً

وانفتاحاً على سنَا المرجانِ

إيهِ يابحرُ ! قدْ شهدتَ حياةً

مِنْ لياليْ الفنونِ والألوانِ

المَواويلُ كالْحياةِ إلى الغَوْصِ

دروسٌ فيْ صَفْحةِ الأكْوانِ

إنَّهُ موسمٌ كعيدٍ جميلٍ

يتمشّى كالماءِ فيْ الأغصانِ

ولَهُ الحكمُ كالدَّساتيرِ فيْ البرِّ

وفيْ البحرِ هيبةُ السلطانِ

وَرَعَايَاهُ " جزوةٌ و " القعيدان "

بأمرٍ عليهمَا يحرسانِ

يأكلونَ الأسماكَ مِنْ كلِ نوعٍ

ويُغنُّونَ نهمةً مِنْ حنانِ

وهُمُ تحتَ " نُوْخَذاءٍ " مطاعٍ

فهوَ : ربُّ السَّفينِ ، والصَّولجانِ

وهناكَ السَّفينُ يُلقي مراسِيْـ

ـهِ ، بأمرٍ مِنْ سلطةِ الرُّبَّانِ

ويغوصُونَ في الصَّباحِ بعمقِ البَحْـ

ـرِ ، بحثاً عن، لؤلؤٍ، وجمانِ

واللآلِيْ مجدُ الخليجِ ورمزُ الغَوْ

صِ، تاجٌ على صدورِ الغوانيْ

*  *  *

وعلى المزودِ الصَّغيرِ سطورٌ

كتبتْهَاَ يدُ الشَّقاءِ المريرِ

فيهِ : بعضٌ مِنْ الغذاءِ وتمرٌ ،

وبقايَا كُسَيْرةٍ مِنْ شعيرِ!

والشَّقاءُ الذيْ يُخطَّ على الجبْـ

ـهةِ، لاحتْ حروفَهُ فيْ الحصيرِ

طُوِيَ البُؤْسُ فيْ المنامِ، وفيْهِ

لفحاتُ الشَّقاءِ والزَّمهريرِ

زوَّدُوْهُ مِنَ النُّقودِ ببعضٍ

جعلوهَا " قلاطةً "  للنَّفيرِ

قيَّدوهُ مِنَ السقامِ  بقيدٍ

رهْنَ دينٍ على ممرِّ العصورِ

هوَ : عبدٌ لِنُوْخذاءٍ على البرِّ

وعبدٌ لِنُوْخذاءِ البحورِ

فإذا الغَيْصُ فيْ يد المو

جِ ، كالأحلامِ فيْ عمقِ قعرِهِ المسجورِ

يتمشّى فيْ قعرهِ مِثلَ جنٍّ

بينَ حوتٍ ، فيْ عالمِ الأخطارِ

عائماً فيْ المياهِ تحتَ زئيْرِ الموْ

جِ ، بينَ الرِّمَال، بينَ الصُّخورِ

*  *  *

يبحثُ الغَيصُ عنْ لآلىءِ في ْ العمْـ

ـقِ ، فتصطادُ كفُّهُ المُحَّارَا

فيْ يديْهِ حبلٌ يشدُّ بهِ السَّيْـ

ـبُ ، فيُلقى فيْ موجِهِ إعصارَا

فشُعاعُ السَّماءِ ألقى لهُ الضَّوْ

ءَ ، فكانتْ فيْ عمقِهِ أنوارَا

فإذا الغَيْصُ كدَّ جسماً عنِ البَحْـ

ـثِ ، وضَاقَتْ أنفاسُهُ أخطارَا

حَرَّكَ الحبلَ ، كالنَّذيرِ إلى السَّيْـ

ـبِ ، فيلقى إشارةً وشعاراً

فإذا السَّيْبُ يسحَبُ الغَيْصَ كالْبَرْ

قِ : سريعاً يُشقِّقُ الأستارَا

وإذَا الغيصُ فوقَ موج إلى جنْـ

ـبِ سفينٍ يُهتِّكُ الأسرارَا

وهنَاكً المحَّارُ فيْ الصَّدرِ كالْـ

ـأنوارِ ، لاحتْ تداعبُ الأفكارَا

فَيَفُكُّ المحَّارَ عنْ فجرِ أنْـ

ـوَارٍ ، تراءَتْ إلى العيونِ عذارَى

شاعر وأديب
363660