حديث مع النخلة
جاسم الصحيح * - 11 / 9 / 2008م - 7:57 ص - العدد (5)

لم تكوني غير وشمٍ رائعٍ للآهِ

منقوشٍ على صدرِ السنينْ

وأنا

لم أكنْ غير امتدادٍ

لا نطلاقاتِ الأنين

والتقينا

بين أنيابِ التماسيحِ لقاءَ المتعبينْ

آهِ يا سيّدتي النخلة

ما أشجى لقاء المتعبينْ

آه يا توأمَ آلامِ المخاضاتِ

التي ماتَ بِأحشاها الجَنيِنْ

آه يا وَهْجَ الحكاياتِ

التي تشعلُ أسرارَ الحنينْ

جرّديني من سُعَيفاتِكِ أسياف غَضَبْ

أطلقيني من تُميراتكِ أفراسَ لهَبْ

أشعليني من معاناتكِ موّالاً حزينْ

فأنا توأمكِ الخالدُ في القهرِ

على ثورة إعصارٍ خفيٍّ

في جذورِ الياسمينْ

عَرَقي نافذةٌ تحتكر الأضواءَ

وقْفاً للعيونِ المترفه

عرقي منتجع الأحلامِ..

أحلام الليالي المسرفَه

عَرَقي ...

تدرينَ ياسيدتي

كَمْ هُوَ غالٍ في موازين التفاهاتِ، ثمينْ

         ****

بَسَقَتْ منه شرايينُكِ

وأمتدتْ كأعناقِ السحائبْ

وأَبَتْ ذاتُكِ مرأى البومِ

منبوذاً بأطرافِ الخرائبْ

فحفرتِ الجسدَ الطاهرَ

أعشاشاً

لهذا الطائرِ الموشومِ

بالنحسِ وبالنفيِ وآلافِ المصائبْ

أنتِ ياسيدتي دلّـلْــتِهِ

حين ارتمى في صدركِ الدافيءِ

من حبلِ المتاعبْ

لم يزلْ يرتعُ ما بينَ التراقي والترائبْ

يقضمُ الخضرةَ ... يمتصُ أريجَ التمرِ ...

يفتضُّ بكاراتِ الرغائبْ

ومُـذِ اهتزَ له القصرُ

ونادتهُ النوافيرُ التي تنطفُ أثداءَ الكواعبْ

بَصَقَ التمرةَ هزؤاً ورمى

بأيادينا لأشداقِ الجدائبْ

آه ما أكرمنا نحن السليبونَ

وما أبرأنا نحن الأريبونَ

متى تكبرُ روحُ الطفلِ في أعماقنا العذراءِ

كي تدركَ أنّ البومَ عنوانُ الخرائبْ

والمقاصير التي تُؤويهِ

لن تُسقِطَ من معناهُ عنوانَ الخرائبْ

         ****

آه يا سيدتي النخلة

ما أقربَ - من عينيَّ -

عينيك التي تجتاح ما بين حروف العشقِ

أسوار الفواصلْ

آهِ ما أبعد - عن كفيَّ -

كفّيكِ التي تمتصُّ ألوانَ السلاسلْ

لم تزلْ تمتدُّ فيما بيننا الأبعادُ ...

تمتدُّ خيالاتِ مقاصلْ

غير أني ...

وانتفاضُ الجرحِ لا يكتُمُ سراً في المَقَاتِلْ

قادمٌ

عبر بوّابةِ تاريخِ السنابلْ

قادمٌ

أحملُ نبضَ القمحِ

في صدرِ الينابيعِ

وأحشاءِ الجداولْ

فأشرإبي يا عصافيرُ وثوري يا بلابلْ

وهناك انتظريني

عند أغصان الشُجَيْراتِ التي لا تهتدي دربَ السواحل

فعسى أنْ تعرفيني

حينما أمتدُّ موجاً من خيولٍ ومشاعلْ

وعسى أنْ تفهميني

حينما أعلنُ ميلادَ الزلازلْ

إن إسمي هجريٌّ

وانتمائي هجريٌّ

ومواويلي وأشواقي وروحي هَجَرِيّه

الحقولُ اقتطفتْ خضرتها يوماً

وأعطتني حروفَ الأبجديّه

الحقول اقتطفت خضرتها يوماً

وأعطتني جوازاً وهويّه

ثم شدّتها الأعاصيرُ

وفرّتْ بالخمائلْ

الأعاصيرُ استرقّتْ وطني

واستباحتْ فيهِ تاريخَ المناهلْ

من هنا تبدأُ أبعاد القضيّه

من هنا ينطلق التحريرُ مجنونَ القوافلْ

وأنا أمتدٌّ ما بين دمي

وترابي معبراً نحو الفضائلْ

فاعبروا يا أيّها الأحرارُ

ولتَسْقُطْ على أيديْكُمُ الريحُ ضحيّه

واصرخوا بالنخلةِ الشمّاءِ:

إنّا قادمونْ

قَسَماً أيتها النخلةُ

إنّا قادمونْ

يشهدُ السوطُ الحديديُّ وجدرانُ السجونْ

قادمون

فارجعي من غُربةِ الجُرحِ ... فداكِ المعدمونْ

رجعَ النهرُ إلينا فارجعي

رجع الرمل إلينا

فارجعي

رجع الأفقُ إلينا

فارجعي

واحلمي

ها نحن يا سيدتي

نحلم فيمنْ يحلمونْ

شاعر
363415