قـَانــَا
ياسر الكاظم - 11 / 9 / 2008م - 7:59 ص - العدد (5)

سَهْمٌ مُثَلّثٌ يَخْترقُ القَلبَ في كَرْبَلاءْ 

تُؤَجِّجُه فَوَاصلُ الوَقْتِ

فَيَنْطَلقُ منْ نَحْرِ الرضِيعِ

لا يَعْرِفُ أَحَداً

وَلا يريدُ أن يَعْرفَ أحَداً

لا في الكُوفَةِ ،ولا في تَلِّ أَبيب

لايَسْتَبْدِلُ دَوْرَهُ مَعَ أَحَدٍ ، وَلا يَتَوَقَفُ

يَكْتبُ مَأسَاتَه الخَالِدَةَ

دُونَ أن يَتَكَرَّمَ بالسُخْرِيَة من شكسبير

أوحتى أَنْ يَنْتَبِه لَه

رَأَوه آخرَ مَرة في الجَنوب

يُغَطي رَأْسَه بخرقَةٍ بَيضَاءَ ، فيِها بُقَعٌ حمراءُ

لم يسْتوقِفهُ أَحَدٌ ، وَمنْ يَجْرؤ؟

كان يَسيرُ في خَطٍ منْ نَارٍ

ووعيدٌ منْ عَينهِ الوَحِيدةِ يَسيلُ

الشمسُ كانت عنْ يَميِنهِ ، وَالقَمَرُ عنْ يَسَارِه

رَأوهُ مُتَجّهاً نَحْوَ قَصْرِ يزيدْ .

* * *

أنْ تَحْمِلَ طفْلتَكَ بينَ يَديكَ

دونَ أنْ تَعرِفَ وَجْهَهَا

وللصقُورِ مَنَاقيرٌ مُقَوَسةٌ دَائِماً

ولا تَعرِفُ الرَحْمَةَ.

منْ لهمْ ؟

أَطْفَالٌ بِلا قُبّعاتٍ تَرْفلُ بهم بَعيداً عنْ العَرَاءْ .

قَبلَ هُنيِهَةٍ

كان ذَيلُ الطَاووسِ مفروشاً

وعُنقُه مُتَوَّجٌ بالدمِ

الشَارِعُ يَتَعَرّجُ نَحوَ البيَّارةِ المهْمَلَةِ

وهمْ يَحمِلونَ بَقَايَا الأشيَاءِ

في أَبهَى زينَتهِمْ .

مُلتَبسونَ كانوا

في  نظرَتهِم الهادرةِ بالاستعاذَةِ ، والتَوحيدْ.

أيّ حُزنٍ يصبَغُ النَهرَ المتدفقَ منْ شُقوقِ الروحِ

أيامهم مُكتَنزةٌ بالشمسِ

والفلولِ المتسارعةِ نحوَ مافاتَ

وهذا القدحِ المستكينْ.

بيارقُ مهشمةٌ

أرواحٌ منسوفةٌ

ومراكبُ منتكسةٌ مذْ رأتْ وجوهَهُمْ

ليُلقّنوا الرحيلَ درسَه الأولَ

ويفتضّونَ المرافئَ 

* * *

في الليلةِ الفائتةِ

طرقتُ بابَ النومِ ، فلمْ يعرفْني

كان بائساً ، ويحنُ اليّ

كان يَحتضرُ

أفقتُ ، فكان الحلمُ زاهياً

أفقتُ على امرأةٍ تَحملُ النسائمَ في الجنوبِ

تذكرتُ الجِرارَ المكسورةَ في ماضٍ بعيدٍ

قالوا : تَمَهّلوا

فمنْ يعرفُ ما جَرَى ، ومنْ سيعرفُ

كانت الحروفُ مشتعلةً ، ومتناثرةً

ولا أحدَ يجرؤُ على لمسِها، أو لمِّها

مهرّجٌ وحيدٌ  برزَ بين الجمعِ

كان شهيداً وشاهداً وحيداً على المذبحةِ

لم يتوانوا عنْ نهبِ أعضاءِه

ومنْ حينِها

ظلّتْ زخارفَ دون أ بسطِ شرحٍ

* * *

كنتُ متوثّباً

والتماسيحُ منْ حولي دامعةٌ

الكونُ دائرةٌ مغلقةٌ ،

وجسدي كرةٌ "تُبنّطُ" في محيطِها

و روحي تحوّمُ في الفراغِ

الكلماتُ تتقافزُ في الجحيمِ

فتكويني دونَ فائدةٍ

الغناءُ تعويهِ الذئابُ

ولا أحدَ يلتفتُ في الطرقاتِ الدانيةِ

والنفسُ الفارغةُ أقسىَ من البلاءِ

فلتتجاسرَ ، ولستَ سوى وغدٍ

* * *

قريباً ستنهشُكَ القوارضُ

ويتبرّأُ تاريخُكَ منكَ ،ككريهةٍ

ياأيها الصاريةُ المنفلتةُ

اعلن توبتكَ

ومعها ، يفصلونَ رأسكَ عن جسدِكَ

إمعاناً في التدنيسِ

نعمْ

لستُمْ سِوَى دنسٍ

يدوسونَه على عتبةِ التاريخِ

عفنٌ وقشعريرةٌ

طوقُ الزيتونِ يتأوّهُ في الغابةِ

فوقَ ضريحِ الأطفالِ

في ليلِ الدمِ المسكونِ بالنرجسِ والياسمينِ

وللتاريخِ كراريسُ معتِمةٌ

تتطايرُ كنوارسَ ميساءَ ، دون انقضاضٍ

أو أدنىَ عدوانٍ

طفلةٌ تتهافتُ قربَ النافذةِ ، بلا حُلُمٍ

نارُ العينِ أخّاذةٌ أكثرُ منْ اللهبِ

شتلاتُ اللحمِ التائهةِ بين الأحمرِ ، والأحمرِ

عبثٌ في الجوِ ، وفي الأرضِ

فتكُ يسرِي

بين الحُبّ ، وبين التَتَرِ

لتروي لكَ أعضاؤكَ أنباءَ العجزِ

وأيامَ الألمِ المسجّى بدماءِ الطفلةِ في قَانَا

أنباءَ عينٍ لاتدمعُ

حيثُ لا أسلحةَ سوى بجانبِ البئرِ الملغّمةِ

والسلامُ يهبطُ منْ طيورٍ جائفةٍ

والأجسادُ الغضةُ "عناقيدُ" في الركامْ

حيث النارُ حرامْ

والماءُ حرامْ

ومظفّرٌ يتسامىَ ، متسائلاً ، وشاعراً وحيداً فوقَ المشهدِ

(أ عربٌ أنتم ...)

***

أينَ الشعراءُ ، الى قَانَا

ففيها يرقدُ قتلانَا 

أحلامُ اليقظةِ تطفُرُ فوقَ شَتاتِ الزيتونْ

وليالي هارونْ

تغربُ في الوادي ، قبلَ الليلِ المجنونْ

يفتحُ جلباباً ، فينفجرُ اللحمُ

يطيرُ القوسُ ،تطيرُ الدارُ ،ويطيرُ الجسدُ المشحونْ

والليلُ جنونْ ،والصبحُ جنونْ

وماريا تندَسُّ بيَن شَفَتيّ على مَهلٍ

والطفلةُ ترقبُ في وجلٍ

وأنا مُلقىً في أتّونْ

العشقُ توارى في الوَسَنِ

ناءَتْ أقدامي بالنارِ

وتمادى الصقرُ المكنونْ 

* * *

هاهمْ يَتَوالدونَ على الأبوابِ الخفيضةِ

والخفاشُ يمرُّ كجُرمٍ يتهافتُ في البدءِ

ينطلقُ منْ عنقِ الزجاجةِ

والحرائرِ المغزولةِ في التباسِ الجمجمةِ

ماردُ و قنينةٌ

النملُ يلهجُ في الفتاتِ

والأناملُ المعقوفةُ على الجيتارِ

كتاريخِ العازفِ ذاتِه ..والمكبوتِ

لوحٌ يتمايلُ في الوجهِ

غنجاً ودلالاَ

تارةً على الميمنةِ ، وتارةً على الميسرةِ

وشبيهُ جدّهِ في جناحينِ كيمامةٍ باسمةٍ

وروعُ يَزيْدٍ يهدرُ في المدائنِ المجفلةِ .

عندما يهزّ السيفُ خاصرتَه

ليَسحقَ القاتلَ ، ويطمئنّ القتيلُ

الشاهدُ  الوحيدُ، يقطرُ  دمعاً

كالسبَايَا  المستبسلةِ

كانت العنقاءُ  قد ناخَتْ على الجنائنِ

ليصطفعَ الرمادُ ، ويصرخَ المشعوذون.

* * *

قامتْ حفلةُ الغربانِ الساهرةِ

على نعوشِ الأحبّةِ

وفوهاتُ البنادقِ طاربةٌ بالدمِ

حيثُ لا لونَ للموتِ غير الأحمرِ

طرقتُ بابَ النومِ

فلم يفتحْ

رأيتُ الجزعَ عن قربٍ

علامَ أصواتُ البنادقِ متفائلةٌ

وعلامَ صوتُ( تَوسكَا) يصيحُ من بعيدٍ

وعلامَ ينخفضُ فجأةً ، ببرودةٍ شديدةٍ

ليُسمّيني (أسّاسينو)

وعندما يأتي صوتُها بعنفٍ:

" ماريو ..ماريو "

كانت الساحةُ خاليةً تماماً

وكنتُ مجرماً وحيداً أمام عشرينَ بندقيةٍ

وعلامَ يطاوحُ بي (سْكارْبيَا) كأراجوزٍ فارغٍ

وعلامَ الوديانُ لها صدىً غيرَ معهودٍ

وعلامَ تفترقُ الطرقاتُ عند جسدي

وعلامَ تشتبكُ الأصابعُ مخترقةً رأسيَ

في اتحادٍ عجيبٍ

رغبةٌ شائكةٌ في أشياءَ شائكةٍ ،في مسالكَ شائكةٍ

ستغرقُ في النهرِ

وبعدَها سيتقيّأُ 

أيّ قاعٍ سيرضَى بكَ أيّها المنتونُ

ستقضِي قبلَ طلوعِ النهارِ

فريسةَ نفسِكَ

سيُفتَكُ بكَ دونَ تدخّلٍ

* * *

كانت الحفلةُ قائمةٌ

ولم ينتبهْ أحدٌ للونِ السماءْ

لاأحدَ يجرؤُ على الإقترابِ

حيثُ حرملةُ يقنصُ نحراً

والفلولُ الزاحفةُ تفترقُ ،من بعدٍ

على جانبي الجسدِ المضرّجِ بالدماءِ

لم يعرفْ أحدٌ ما جرَى

رمالُ كربلاءَ هجرَتْ إلى صحراءَ أُخرى

خوفاً منْ الإدلاءِ بشهادتِها

الخيامُ سُوّيتْ رماداً

والأشجارُ لم تكنْ حاضرةً

لتشدو نحيبَ الماءِ

البطشُ يسيلُ من الأجسادِ المثقوبةِ

وجوهٌ متشابهةٌ تنعكسُ في قاعِ البئرِ

تطلقُ زئيراً خافتاً

ولا تَبرحُ مكانَها 

طاسّاً صوبَ طفلةٍ في قانا

الشمسُ تتوسّدُ الهشيمَ

كحبيبينِ خالِدينِ

سَوسَنةٌ نُسفتْ قبلَ أوانِها

و لم تشتعلْ

في الأزقّةِ ، كانتْ أكفانٌ مشرئبةٌ بالدمِ

كانوا متلفّعينَ بالسوادِ

كبقايا حطبٍ

موغِلينَ في التّنكيلِ بمنْ حجبَ الماءَ

متزاحِمينَ حولَ الأعناقِ المجزوزةِ في الطَفِّ

و أنا عقيبهم كوعلٍ خجولٍ

العمائمُ كانتْ كثيرةً

و أنا أرفلُ في عَرائِي، كمنْ يُعَمَّدُ قبل الموتِ بقليلٍ

كان الرفاقُ قد غادرُوا

حين اتجَهتُ نحو العشاءِ الأخيرِ

363415