إيما موسفتش
عمر الشيخ - 11 / 9 / 2008م - 8:03 ص - العدد (5)

هذه إيما التي بعثرها القصفُ الجنوبي إلى عدة أشلاء...

ولم يقضِ على النورِ الذي بين المحاجر...

لنرى المأساة في وجهٍ بريءٍ...

يتلوى فوق جسمٍ متناثر

لنرى ما يفعلُ الإنسانُ بالإنسان ،

فالوحشُ الذي يقبعُ في الأعماق...

لا يُفلِح في إخفائه الملبسُ والقولُ وديكورُ المظاهر

هاهي البسمةُ في العينين لا تخبو ولا الحزنُ يغيب...

وهي لا تكتم أو تبدي الشكاوى لنجيب...

فعلامَ الصمت يحتدُ اتهاما...

ومقاضاةً وحكماً صارما...

من غير أن تفتح فاها وتحاور

هذه إيما التي تحتضنُ الدُمية حباً دافئا...

وحنانا حالما...

"  كيف ستغدو هي للدميةِ أُماً...

تُبْعِدُ الخوفَ وأنواع المخاطر"

وهي مَنْ يقتلعُ الطبُ لها من مخلبِ الموت،

بشقِ النفسِ يومينِ قصيرينِ لتمضي للمقابر

         *  *  *

هذه إيما التي تسقط من فوق السرير...

نفساً بعد نفسْ...

أترى يصمدُ في عاصفةِ الليلِ القبسْ

أترى يفلحُ في طرد الظلام الرابط الجأشِ ضمادٌ أبيضُ

أترى تمنعُ من أن يسقطَ الجسمُ أنابيبُ المغذي...

وهي تمتد كحبلٍ معدني...

ترفع الجسر الذي صار صراطا...

ربما يعبُرهُ مَنْ يمرضُ

أترى يبقيه رهنَ الأسرِ لفُ الأربطة...

كقيود السجن إلا أنه لا ترفضُ

أم ترى الدمية حقا...

هي ما يبقيه حياً ينبضُ

         *  *  *

ربما تبقين أو تمضين يا إيما ولكن...

لست أدري ما يكونُ الأنفعُ

حصدت قنبلةٌ أُمَكِ بالأمسِ فما أخسرَ من...

يحصدُ الإنسان فيما يزرعُ

مالذي يربطُ هذا الجسدَ المقطوعَ بالدنيا وقد...

أخذَ الأهلَ جميعاً مدفعُ

ربما في الموت ، يا إيما اعذريني...

راحةٌ رغم الفظاعة

فالتي فارقها كلُ ذويها...

مثلما تنحلُ في الماءِ الفقاعة...

طفلةٌ لا ترضِعُ المستقبلَ المشرقَ فيما ترضِعُ

والتي أصبح ما يربطها بالعيش لا غيرَ رمقْ...

مثلَ خيطٍ من دخانٍ يخنعُ

والتي مغبونةً...

قايضت من عمرها العامَ بساعة...

طفلةٌ جاوزت التسعينَ عاما...

وكأن  العمر حبرٌ في الورقْ...

والذي يمضي عليه ليس شيطانا رجيما ، ليس جانا...

ليس إلا آدمياً دحر الشيطانَ والجانَ بشاعة

فتنحّى ليس من عِلمٍ وفكر وحضارة...

بل تولى حينما أصبح شيئاً زائدا لا ينفعُ

فاسألي الدميةَ فالدميةُ ثكلى تدمعُ...

اسأليها فهنا لا يسمعُ الإنسانُ والدميةُ حقاً تسمعُ

اسأليها أترى للريح والصخر على القتل استطاعة

أم هو الإنسانُ من نسّقَ في الصخر القذارة

وهو الإنسان من أفسد في الريح الطهارة

وهو الإنسان من حوّلَ هذا الغيثَ شيئاً يصرعُ

         *  *  *

هذه إيما التي عبر الضمادات،

إلى الدمية مدت يدها نهر حنان ومحبة

أشرق النورُ بعينيها ولم تشعر...

بوخزِ الألمِ القاتل من فرحة لعبة

أولا تعرف إيما أيّ معنىً للتشكي...

أولا تدرك ما حاق بها، من ذنب، من مظالم

أيُّ قلبٍ أبيضٍ في الصدر،

وحش الغابة الأسود لم يقطعْ مداه...

فتبقّى مثلما أوجدّهُ اللهُ حنوناً ومسالم

هي لا تبكي ولا تشكو ولكن...

تغمرُ الدمية بالحب على ألف نمطْ

حينما الدمية تبكي...

فهي تدري...

إن إيما سوف تبقى قبل أن ترحلَ أياماً فقطْ

         *  *  *

آه يا إيما

ستمضين ولا تدرين ما معنى الفواجع

أنت لم تُمضِ من الوقت الذي يكفي لتفسير المدامع

ولإدراك المواجع

هل ترى أدركتِ يا إيما

بان الشمسَ لا تُشرقُ إلا لتغيب

وبأن المرأ لا يكبرُ إلا ليشيب

وبأن العيشَ في الدنيا سرورٌ ومصائبْ

أنت لم تُعْطِ من الوقت الذي يكفي لإدراك الحقيقة

ولإدراك الفواجع

فتظنين بأن الأمر لاشك خطأْ

مثلما تسقطُ من كفك الصدفة دمية

وترين الدميةَ الحلوةَ أشلاءاً فما أقسى النبأْ

آه لو تدرك إيما...

أن من بعثر إيما...

قصد القتلَ ولم يأتِ يصافحْ

وبأن القتل مشروعٌ

لكي لا يخسرَ الإنسانُ مالاً ومصالحْ

وبأن القاتلَ الآثم لم يحزن ولم يأسفْ...

ولم يخفقْ لهُ قلبٌ وما اهتزت جوارح

لست يا سيدتي محظوظةً حيث ستمضين...

ولا تدرين للثقب الذي في الصدرِ تفسيراً ومعنى

فعلى الرغمِ من البسمةِ ينثالُ من الثغر سؤالْ

ما الذي يجعلُ فوق الصدر أعباءاً ثِقالْ

وكأني في رمالِ التلِ غرقى

أو كأني أرتقي أعلى الجبال

         *  *  *

هذه إيما التي...

تشهد أن الظلم ما زالت له الدولةُ ملكاً ووزارةْ

وبأن الدولَ العظمى التي أسست الإنسان في أرقى حضارة

مارست في حقها الظلم إلى أقصى حقاره

فالذي تعني الدساتيرُ إلى من وضعوها...

محضَ إنسانٍ كريمٍ أزرقِ العينينِ

أو عبدٍ لئيمٍ حينما يؤمنُ بالله وبالغيب

فصار الشيءُ شيئين نقيضينِ

فلا مطلقَ في الكونِ وحقْ

إنما نسبيةٌ تعتمدُ الحكمَ لتأتي...

بالبراهينِ ، على ما تشتهي النفسُ ، المهارة

وبأن الكلب في الغرب له الحقُ بأن يحيا كريما ...

والقوانينُ تُجازي كلَّ من للقط والكلب يسيءْ

حينما نفسُ القوانين تغضُ الطرفَ عمَّن...

يقتلُ الشيخَ ويرمي السقفَ مزهواً على الطفل البريءْ...

...

آه يا إيما البريئة

إنه الطقس الرديءْ ...

وهي الحال من الحال

فهذا الوطن المسلم كالمسلول ،

لا يستنشق الأنفاس إلا حشرجات وشهيقْ

وأمانيٍ لا تجيء

363415