وعينا التراثي وتحدّي الهويّة
التحرير - 11 / 9 / 2008م - 8:27 ص - العدد (7)

التراث في أبسط تعريف له هو السجل الكامل للنشاط الانساني في مجتمع ما على مدى زمني طويل، بكلام آخر حفظ مجمل المناشط الانسانية في الذاكرة الجماعية لشعب من الشعوب بحيث تعكس نفسها - أي هذه المناشط -  في حاضر الامة تفكيراً، وسلوكاً، وهذا السجل التراثي قد يكون قصيدة شعرية، أو وثيقة تاريخية، أو ابداعاً ادبياً، أو اختراعاً علمياً، أو مؤلفاً ثقافياً، أو لوحة تشكيلية، أو نحتاً فنياً، أو شكلاً معمارياً، أو أقصوصة اسطورية، أو مثالاً شعبياً، أو احتفالاً  شعبياً، أو تقليداً عائلياً، أو عرفاً اجتماعياً..باختصار أن التراث هو تراكم تاريخي طويل متعدد المشارب (ثقافي، أدبي، اقتصادي، اجتماعي، سياسي، معماري..الخ)، وهذا السجل بكامل حمولته يشكل هوية كل مجتمع وخصوصيته التي تميّزه عن باقي المجتمعات.

والحال، أن المنتج التراثي مازال يمثل قيمة عالية وبكل المقاييس المادية والمعنوية، بالنسبة لشعوب العالم، وأن الاهتمام بجمع التراث الخاص واحيائه وتعميمه أصبح مندكاً في سياسات الدول المتحضرة التي ترى في البعث التراثي وسيلة فاعلة في بعث الروح الوطنية وتعزيز الولاء الوطني، وليس خافياً أن الدول التي تولي تراثها اهتماماً زائداً تصبح اكثر تماسكاً وصلابة، بمعنى أوضح أن التراث أصبح عنصراً فاعلاً في الوحدة الوطنية للدول.

ومن هنا، أصبحت الوثائق - كجزء هام في المنظومة التراثية -  ذات قيمة علمية وقانونية وتاريخية بالنسبة لدول ومجتمعات الارض، وخصوصاً في الفترات التي يراد لها - الدول والمجتمعات - اثبات حقها وخصوصيتها، ونحن نعلم بأن اهتماماً كبيرا زاد بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية، حيث بدأ كثير من الدول الاهتمام بجمع الوثائق وتنظيمها وتوفيرها للباحثين والمؤرخين  انطلاقاً من مقولة فلاسفة التاريخ (لا تاريخ بدون وثائق) اذ اصبحت الوثيقة المادة الاولية لكتابة التاريخ، قياماً على أن الوثائق بمقدار ما تمثل توثيقاً تاريخياً لنشاط مجتمع ما، فإنها بالتأكيد تسهم في انماء الشعور الوطني.

ومن هنا جاء اهتمام هذا المجلة بالوثيقة بحثاً ونشراً وتحقيقاً طمعاً في أن تكون وعاءا لحفظ النشاطات الانسانية التي جرت وتجري على تراب هذه المنطقة، وانقاذ ما يمكن انقاذه من تراث عريق وخصوصاً المكتوب منه، حيث لاحظ المهتمون بجمع المخطوطات الاهمال غير المبرر من قبل سكان أهل هذه المنطقة، بين اندثار كثير من المكتبات الخاصة، وبين الحالة السيئة التي وصلت اليها المخطوطات باختلاطها بالاتربة والرطوبة والاملاح، فيما نمت على اطرافها (=المخطوطات) البكتيريا والحشرات فتآكلت وضاع كثير من أوراقها أو اسطرها أو كلماتها، ولا يتوقف الامر عند المخطوطات الورقية، بل هناك الاواني القديمة، والصور، والخرائط، والرسوم، والنقوشات، والعملات، فكثير من مناشط المجتمع يمكن الكشف عنها من خلال هذه الآثار والمواد.   

إن اهتمامنا بالوثيقة نابع من اعتقاد مؤسس على أن "الوثيقة" تعني بالنسبة لنا توثيق الصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل، فتراثنا يصبح عنقا مشرئبة للمستقبل حين نزوّده بكل ما من شأنه توثيق مسيرتنا اليه، فمن لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل، فالتراث يمثل ذاكرة الامة، التي عبرها يتطور النشاط الانساني ويستلهم منها ما يحول دون تكرار اخطاء الماضي، وعلى حد سانتيانا "إن الذين لا يذكرون الماضي مكتوب عليهم أن يجربوه مرة أخرى" فالتراث قسم منه ماضي ثري يكتنز العبر وماضي يجب استذكاره حتى لا نكرر اخطاءه.

* إذا لم نحافظ على ارثنا الوثائقي فإننا نلغي تاريخنا ونجعله عرضة للتزييف والتزوير والدس، فكثير من العسف وقع علينا لأننا لم نوثّق تاريخنا ووجودنا، بل يجب أن ندرك أننا في زمن تشكّل فيه الوثيقة عماداً في العلاقات الدولية (المعاهدات السياسية، والاتفاقيات التجارية..)  وفي اثبات الولاية القانونية (كترسيم الحدود..)، وفي الملكيات المعمارية والتجارية، وفي الاحوال الاجتماعية (الزواج والطلاق، والمواليد..)، وفي كل الاحوال،  فإن تطور الزمن لم يضعف من أهمية الوثيقة  بل ضاعف  - مع استقرار النظام الدولي - من أهميتها وزاد في أنواعها، فهناك التوثيق الصوري، التوثيق الصوتي، والتوثيق الكتابي، وأصبح التأريخ لا يقتصر على ما يدوّن في الاوراق بل وما ينعكس على الشاشة الصغيرة وما يبث عبر المذياع، وما يحفظ على اقراص كمبيوترية.

*وهنا نؤكد على الاثريات الشفوية، فهي  لا تقل أهمية عن الاثريات الكتابية وإن كانت الاثريات الشفوية في الغالب تؤرخ لفترة قريبة، ولكنها في المدى البعيد تتكافىء من حيث الاهمية مع الاثريات الكتابية.

*إن التراث الذي نريد احياءه أو اعادة انتاجه نهدف منه تعزيز انتماءنا وتأكيد هويتنا الوطنية عبر المزيد من  الكشف عن إرثنا التراثي التاريخي منه والادبي، والثقافي، والمعماري، والتحصن بمجد تراثنا العربي والاسلامي القديم ومخزونه الحضاري، ثم بلورته في مشروع نهضوي، وبالتأكيد سيحمل هذا المسعى معنى تحقيق الذات واثباتها أمام محاولات الاحتواء والادماج القسري، أو أي صورة من صور الالغاء الثقافي، فوراء تراثنا يثوي مخزوننا الحضاري ووعينا التاريخي اللذين نفيد منهما في الاقلاع بواقعنا والنهوض به.

*نحن لا نبحث عن تراث يفصلنا، يقوقعنا، يعزلنا عن محيطنا الاقليمي، والقومي، والديني، وإنما نبحث عن تراث يمدنا بقواسم، جوامع مشتركة توفّر لنا مبررات وحوافز للانفتاح على هذا المحيط، صحيح هناك من يرجّح البحث عن مبررات الاعتزال والتشرذم وسيجد في تراثه ما يعزل نفسه واتباعه عن الفضاء العام، وعلاج ذلك يكمن في اذابة الحدود الضيقة الفاصلة بيننا، والبحث عن التراث المشترك الذي يزخم واقعنا بروح وطنية عامة.

*المجتمع بين جهله بذاته - بهويته، وبين عمليات المحو المتصلة لتراثه منذ عقود من الزمن حيث الانقطاعات بين الاجيال والازمنة قد بغلت حداً خطيراً، بحيث أصبحت هوية المجتمع وتراثه عرضة للضياع.

*لا يسعنا في هذا المقام سوى الاشادة بالدور الكبير الذي تقوم به دارة الملك عبد العزيز والمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق القائمين عليها في توثيق تاريخ المملكة، عبر مسح المصادر التاريخية الوطنية الاولى الكتابية والشفهية، وهي مهمة بلا شك جبّارة بالنظر الى الانجازات الفعلية التي تحققت حتى الآن، حيث ضمت الدارة 80 ألف وثيقة بمختلف اللغات اضافة الى اهتمامها بجمع المخطوطات النادرة وتسجيل المقابلات الشفهية مع كثير من المعمرين الذين عاصروا احداث تأسيس المملكة، زائداً عشرات المهمات التي تقوم به الدارة كاقامة الندوات والمعارض وعمليات ترميم المخطوطات.

واخيراً نأمل في أن تتحول الدارة الى مركز وطني لتوثيق تاريخ الجزيرة العربية، وأن تشجع باقي المناطق على بعث ما فيها من تراث تاريخي وادبي وفني وثقافي وآثار مادية كيما تحفظ هذه الثروة الوطنية من الضياع، وتنفخ روحاً مشتركة في عموم ابناء هذا البلد.

358516