عبد الرحمن بن محمد المنصور (آل حمودا)
قراءة في سيرة الراحل
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 4 / 9 / 2009م - 3:54 م - العدد (51)

ولد في حي (البلاد) بمدينة الزلفي عام 1340هـ 1921م من أسرة معروفة باسم (الحمودا) وقد علمت منه أنه اختار أن يسمى باسم جدِّه (منصور) عند سفره لمصر، وقد اختار أحد إخوته هذا الاسم، أما البقية فيعرفون بـ(الحمودا) إلى الآن.

وقد بدأ طلبه للعلم على يد المطوع محمد العمر، وحفظ شيئاً من القرآن الكريم. وعند بلوغه العاشرة من عمره، وبعد انتصار الملك عبد العزيز في معركة السبلة، واستتباب الأمن؛ شجعته جدته على السفر لطلب العلم بالرياض.. وهكذا وجد ضالَّته باصطحاب طالب العلم الضرير مقبل العصيمي ليعمل دليلاً له، وبعد استقراره بالرياض، وسكنه ببيت الإخوان بقرب مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بدخنة. فبعد تعرفه على الشيخ محمد صار يشاهد ممسكاً بيده ليدله في الطريق من منزلـه للمسجد، وبالعكس؛ إذ كان، وقتها، صغيراً، ولا تتحجب عنه النسوة، فلمس منه الشيخ علامات النبوغ المبكر، فآواه واختصه بالسكن مع أولاده، فلازمه ملازمة الابن لوالده، فأصبح يُعِدُّ لـه القهوة، ويقدمها لضيوفه، ويأخذ بيده للجامع، وبدأ يقرأ على يديه ما تيسر من علوم الدين.

في عام 1360هـ،1940م صحب الشيخ لأداء فريضة الحج بمكة المكرمة، فوجد مجموعة من طلبة العلم، ومعهم دفاتر وأقلام، فعرَف أن هناك مدارسَ ودروساً تختلف عما شاهده في الرياض، فطلب من الشيخ أن يبقى بمكة ليلتحق بمدارسها، فطلب منه فضيلة الشيخ أن يصلي صلاة الاستخارة، وكان له البقاء، وصادف وجود الشيخ حمد الجاسر- بعد عودته من مصر مع بداية الحرب العالمية الثانية - قاطعاً دراسته هناك، فسكن معه في غرفة واحدة في رباط الحنابلة، وبدأ يذهب إلى سوق الليل – غرب المسعى – حيث المحلات التجارية، وتجار الأقمشة لجمع ما تساقط من أوراق ولفائف الأقمشة، وكان يرتبها، ويخيطها على شكل كتاب، وكان الشيخ الجاسر يقوم بكتابة كلمة أو كلمتين ثم يقوم المنصور بتقليد ما يكتبه الجاسر، وشفع له الشيخ حمد، وكتب لوزير المالية عبد الله السليمان الذي خصص لـه مبلغاً ماليًّا قدره 25 ريالاً، ثم دخل المدرسة الابتدائية، وبعدها التحق بالمعهد السعودي. ويذكر أن هذه المرحلة قد أثرت في شخصيته، وصقلت موهبته الشعرية. وبعد تخرجه من المعهد عرض عليه زميله عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ (ابن رئيس القضاة بالحجاز) الذهاب معه لمصر للدراسة هناك، فوافق بلا تردد، ويذكر أنه قد درس المرحلة الابتدائية بسنتين، وقد تعرف على عدد من الزملاء، وأن من زملائه بالمعهد السعودي الشيخ محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى السابق - رحمه الله-.

تقدم بطلب لوزير المالية على أمل أن تشمله البعثة إلى مصر، ولكن طلبه رُفِض بسبب عدم دراسته بمدرسة تحضير البعثات، فتوسط لـه الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ لمرافقته ابنه عبد العزيز فذهب للجوازات للحصول على جواز السفر فكتب تاريخ ميلاده عام 1345هـ، وركب الباخرة لأول مرة عام 1367هـ متوجِّهاً إلى مصر، وعلى الفور التحق بالبعثة السعودية على حساب الدولة، وأقام بدار البعثة بعد نجاحه في السنة الأولى بـكلية اللغة العربية - قسم الفلسفة والشريعة واللغات الشرقية.

وكان يسكن معه بغرفة واحدة معالي الدكتور عبد العزيز الخويطر، الذي رثاه بعد وفاته رحمه الله، فقال عنه: «كان يحب القراءة، فلا تكاد تراه - عندما كان طالباً - إلاَّ وفي يده كتاب، ويكاد يقرأ كتاباً في كل يوم، وهذه قراءة حرة لا تَمُتُّ إلى دراسته بسبب، كان يحب قراءة كتب الفلسفة والمنطق والفكر، ووجد في الكتب المترجمة - وسوقها مزدهر في مصر حينئذ -بغيته، واعتلى في علمه وثقافته فكان متقدماً عن المرحلة الدراسية التي هو فيها، ولهذا لم يكن يواظب على الدوام الدراسي، ومع هذا كانت نتائجه في الامتحان باهرة، وكان متقدماً في فكره وثقافته، وإذا قرأ كتاباً همش عليه بآرائه التي ينقض بها آراء بعض فلاسفة العصر ومن سبقهم.

كنا ننام وهو يقظ، ولا ينام إلا عند طلوع الفجر، وهو مطمئن لأن كليته لا تطالبه بحضور منتظم، وكان لـه صديق يمده بالمذكرات، التي تعدُّ تحت مستوى تفكيره وثقافته.

وكان شاعراً متميزاً، ولكنه كان مقلاً، وكان مبدعاً في الشعر الحديث أيضاً، وله فيه طرق تعد بدءاً وبدعاً في زمننا ذاك...».

وكان من زملائه في مصر الأساتذة ناصر المنقور، وعبد الرحمن أبا الخيل، وعبد العزيز الخويطر، وإبراهيم العنقري، ومحمد أبا الخيل، وحسن المشاري، ويوسف الحميدان، وعبد الرحمن المرشد، وعبد العزيز القريشي، وعبد الرحمن السليمان آل الشيخ، ومقبل العيسى، وعبد الله القرعاوي، وعبد الله الضبيب، وصالح الجهيمان، رحم الله المتوفى منهم، وأطال عمر من ينتظر.

وكان المنصور قد ألقى أمام الملك عبد العزيز عند استقباله ملك مصر الملك فاروق للحجاز قصيدة مطلعها:

من مبلغ الأقوام أن سَراتَنا

أرومةُ مجدٍ ثابتاتٌ أصولها

فمنحه الملك 500 ريال مكافأة على هذه القصيدة.

وأثناء وجوده بالقاهرة توسعت مداركه، واطلاعاته وقراءاته فبدأ مع الشعر الحديث –الحر- فنشرت لـه مجلة اليمامة في عددها الأول قصيدة (أحلام الرمال)، وذلك في شهر ذي الحجة 1372هـ، 1953م، وفيها يقول:

مات الرجاء

والفجر لاح

والهَضْبِ في غلائله أقاح

وعلى الرمال النائمات على الظما

الحالمات

جفونها بالارتواء

فاح الشذا

شذا زهور لا تُرى

قد ضمها

جفن الرمال الحالمات

هي كالصدى

هز الكهوف

فتراعشت منه الذُرى

من صوته الداوي المخيف

لن يمنع الجبل الصدى الداوي

تردده الكهوف

لن تقطف الأيدي زهوراً لا تُرى

وإن زكمت بعبيرها الوردي أنوف

نال شهادة الليسانس في الفلسفة والشريعة واللغات الشرقية من الأزهر الشريف عام 1371هـ، 1952م، كما نال شهادة الماجستير في التربية وعلم النفس من جامعة (إبراهيم باشا) عين شمس حاليًّا في العام التالي.

عاد للمملكة عام 1373هـ، 1954م، وكان من المفترض أن يعمل في وزارة المعارف؛ إلا أنه قابل الأستاذ عبد العزيز المعمر - وكان، وقتها، قد كُلِّف بتأسيس مصلحة العمل والعمال بالمنطقة الشرقية - فأقنعه بالعمل معه هناك، فنجده يهدي قصيدة (حرمان) لأخيه الكريم عبد العزيز بن معمر، والتي نشرت في العدد الثاني من السنة الثانية لمجلة اليمامة لشهر جمادى الأولى 1374هـ نختار منها:

أنا ظمآن ولكن

جرَّح القيدُ يدَيَّا

ومياه النهر حولي

عذبة ترنو إليَّا

يا تَرى تسخر مني؟

أم تَرى تحنو عليَّا؟

لست أدري غير أني

جرح القيد يديَّا

إلى أن قال:

طال ليلي ونهاري

دام جهماً سرمديَّا

نلت ما أبغي ولكن

خلتُني ما نلت شيَّا

وهكذا استمر بالعمل حتى أنشئت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 1379هـ، 1959م فانتقل للعمل مديراً عامًّا لشؤون العمل بالوزارة، وخلال عمله بالوزارة مارس الأعمال التالية:

- نائباً عن وكيل الوزارة لشؤون العمل.

- رأس لجنة إعداد وصياغة مشروع نظام العمل والعمال - وهو الذي لا يزال يُعمَل به إلى الآن - وقد ذكر لي أنه استمر عدت سنوات في مفاوضات واجتماعات مع مندوبي هيئة الأمم المتحدة وخبرائها لإنجاز مشروع النظام، وأنه كثيراً مَّا كان يذهب لفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم، مفتي الديار السعودية الأكبر، لعرض مواد النظام عليه، وأنه لم يصدر إلا بعد موافقة سماحة المفتي على بنوده، وكان يمتدح المفتي ويثني عليه.

- كما رأس لجنة مشروع نظام التأمينات الاجتماعية، ووضع صيغته النهائية.

- رأس لجنة صياغة وإعداد الميزانية العامة والنظام العام لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية بتكليف من معالي الشيخ ناصر المنقور، وزير العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك.

- رأس لجنة إعداد النظام الداخلي، والهيكل الإداري لقطاع شؤون العمل والعمال بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية بتوجيه من معالي الشيخ عبد الرحمن أبا الخيل وزير العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك.

لظروف خاصة اضطرته للتقاعد المبكر عام 1384هـ، 1964م وتفرغ لأعماله الخاصة، واتخذ من الأحساء مستقرًّا له، وقد زاول - فيما بعد - الأعمال التالية:

- مدير الهاتف بمنطقة الأحساء في شركة (سعودي تل)، ثم في وزارة البرق والبريد والهاتف.

- مستشار مدير عام الهاتف السعودي بالوزارة بالرياض.

- مدير الإدارة القانونية بشركة (بل كندا) بالرياض.

- مستشار للشؤون العمالية بشركة (هولزمن).

ثم افتتح مكتباً للاستقدام بمدينة المبرز بالأحساء وأصبح يقضي جل وقته به، فكثيراً ما نتصل به هاتفيًّا - ليلاً أو نهاراً - فنجده هناك. وقد توثقت علاقتي به في السنوات الأخيرة من حياته؛ إذ زرته عام 1422هـ بصحبة أستاذي عبد الكريم الجهيمان، بعد اتصال هاتفي، فوجدناه ينتظرنا بالشارع، ففرح بنا فرحاً كبيراً، واستضافنا، ورافقنا في كثير من زياراتنا للأحساء، وتم التسجيل معه ضمن برنامج مكتبة الملك فهد الوطنية في برنامج (التاريخ الشفهي للمملكة) وحكى بالتفصيل سيرة حياته، وطفولته، وتعليمه، وحياته العملية والاجتماعية، وأذكر أننا - في طريقنا للقائه - سألت الأستاذ الجهيمان هل يماثلك بالعمر؟ وهل زاملته؟ فرد علي بقوله: لا. هذا - بالنسبة لي - (بزر)، أي طفل صغير؛ إذ كان زميلاً لأخيه صالح الجهيمان بالقاهرة الذي يصغره بأكثر من عشر سنوات.

دعوته قبل أربع سنوات لزيارة الصديق جبير المليحان عندما كانت خدماته معارة لوزارة التربية بالبحرين، فرافقت الأستاذ الجهيمان إلى هناك والتقينا مع الأستاذين عبد الله الشباط ومحمد السيف، فحضر المنصور بصحبة ابنه الدكتور هشام، فبقينا يومين هناك.

كنت على اتصال هاتفي دائم به، ولكن في الأشهر الأخيرة انشغلت عن الاتصال به، ففوجئت باتصال هاتفي من الصديق عبد الرحمن الحمد بالأحساء ينقل لي خبر وفاته يوم الاثنين 18 صفر 1429هـ، فرحمه الله، وعزاؤنا لأهله ومحبيه. وقد ترك عشرة أبناء ذكوراً وإناثا أغلبهم حصل على المؤهلات العالية.

أول من كتب عن موهبته الشعرية الأستاذ عبد الرحمن العبيَّد في (الأدب في الخليج العربي)، وأخذ عنه الأستاذ عبد الله بن إدريس في (شعراء نجد المعاصرون) قبل خمسين عاماً فنجده يقول عنه: «شاعر واقعي مُجيد، عميق في التشخيص الأسطوري، وفي شعره ملامح من شعر (نازك الملائكة) - الشاعرة العراقية - من حيث الاتجاه التصويري، والتواثب العاطفي المتزن، والميل إلى الرمزية البسيطة. وشاعرنا مقل في نشر شعره، أو لعله مقل في إنتاجه، ولا يَعيبه إلا أنه كان في عهد الدراسة غرِّيداً يُشجي النفوس، ويُطرب الوجدان بأنغامه الحارة الحلوة، وكان في طليعة الشباب اليقظين، والذين كان من جملتهم الأستاذ (عبد الله الطريقي) رجل الزيت في الشرق الأوسط، وابن بلدة شاعرنا هذا، فلما أنهى الشاعر عبد الرحمن دراسته وجلس على كرسي الوظيفة الوثير مفتشاً عامًّا في مصلحة العمل والعمال بالدمام استكان إلى الهدوء والراحة، وحطم القيثارة، ومزق الأوتار، ولم نعد نسمع منه حتى رنة الحزن، أو صدحة الفرح. وإنا لنرجو لشاعرنا أن يعود إلى شاعريته ليستدرَّها رغم طول البعاد من دَرها، وليس ذلك ببعيد.. ألم يكن الشاعر الفرنسي الرمزي الكبير (بول فاليري) قد كف عن كتابة الشعر مدة عشرين سنة لأزمة نفسية حلت به، ثم عاد إليه فجأة وبأقوى وأعظم مما كان بقصيدته المشهورة (المقبرة البحرية)، وما تبعها من قصائد كثيرة أخرى، ونحن ندرك أن بعض الظروف والملابسات قد تضطر الشاعر إلى التواري عن الأنظار، ولكنها، حتماً، لا تقضي عليه إذا كان مخلصاً لفنه ولمبدئه، ولن تصرفه رفاهية عن بؤس الآخرين».

وقد اختار له أربع قصائد هي:

الشبح المذعور، وأحلام الرمال، والأصدقاء، وميلاد إنسان.

وقد نشر المنصور قصائده القليلة في الأعداد الأولى من مجلة اليمامة أعوام 1372/ 1373 /1374هـ، وجريدتي «الفجر الجديد» و«أخبار الظهران» عام 1374هـ وغيرها.

كما تناول شعره كل من الأساتذة: عبد الرحمن العبيد في (الأدب في الخليج العربي)، وعبد الله عبد الجبار في (التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية) وعبد الله بن إدريس في (شعراء نجد المعاصرون)، ومحمد سعيد المسلم في (ساحل الذهب الأسود)، وأحمد قبش في (تاريخ الشعر العربي الحديث)، وعبد السلام طاهر الساسي في (الموسوعة الأدبية)، وحسن الهويمل في (اتجاهات الشعر المعاصر في نجد)، و(النزعة الإسلامية في الشعر السعودي المعاصر)، وعبد الله الحامد في (الشعر الحديث في المملكة العربية السعودية)، وعبد الكريم بن حمد الحقيل في (شعراء العصر الحديث)، وخليف بن سعد الخليف في (الاتجاه الإسلامي بالشعر السعودي الحديث)، ومسعد بن عيد العطوي في (الرمز في الشعر السعودي) وغيرهم.

وقال بعضهم إنه يتنازع ريادة الشعر الحديث في نجد مع محمد العامر الرميح، وناصر أبو حيمد إلا أن البعض يرجح أنه سبقهم في ذلك.

هذا وقد ألَّف الأخ محمد عبد الله السيف قبل خمس سنوات كتاباً يحمل عنوان (من رواد الشعر السعودي الحديث: عبد الرحمن المنصور).

ونختتم بمقطع من قصيدة الأصدقاء التي نشرتها لـه مجلة اليمامة في عددها الثاني محرم 1373هـ:

دربنا مَظلم

وشَّحته الأماني بثوب الرياء

فبدا مشرقاً وهو ليلٌ دَجا

وبدا داجياً وهو شمس الضحى

دربنا مُظلم

***

وأفاع تفح على دربنا

غُمست نابها بنقيع الردى

ثم مجَّت لعاب الفناء

فوق زهر الرُبى

فترنح ذا الزهر ثم انحنى

ولواه الردى فارتمى

... الخ

رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

* باحث
363648