رؤيا الواقع في ديوان «جمر على جرح» للشاعر عادل اللباد
الدكتور محمد زيدان * - 4 / 9 / 2009م - 4:15 م - العدد (51)

1- مدخل:

لم يعد ينظر إلى النص الشعري المعاصر على أنه شكل ومضمون، ولم يعد يصنف ضمن أطر نظرية وفكرية تخرجه من إطار الفن بقوانينه -التي تتعالى أحياناً على الواقع- إلى أطر أخرى تأخذ منه أكثر مما تعطي، وذلك لأن التطور الكبير الذي لحق بالنص، وبكل ما يتصل به من آليات أحدث فيه نوعاً من الاستقلالية عن مجرد التركيز على إشكاليات ربَّما يكون وجودها عبئاً عليه، بل وأصبح تراسل الحواس البشرية، وتلاقيها من الأسباب المهمة التي يجب أخذها في الاعتبار ونحن نتعامل مع النص الحديث، حيث تتصل هذه الحداثة بعاملين مؤثرين من جماليات النص الشعري على وجه الخصوص:

الأول: الشاعر وما يتصل به من أحداث وحركة.

الثاني: الزمان وما يطرأ عليه من تغيرات وفعاليات.

هذان العاملان بالإضافة إلى المكان كعامل ثالث رئيس يدخل في تراتب الحالة فيما يتصل بالشاعر والزمان يمكن من خلالهما تحديد وجهة النظر التي تتعامل مع النص، من هذا المنطلق يمكن أن نطرح رؤية الشاعر عادل اللباد بداية من العنوان «جمر على جرح»، فإذا اعتبرنا أن المبتدأ المتمثل في كلمة (جمر) هو المدخل الحقيقي إلى الصورة الرمزية؛ فإن تتمة الجملة تثير حالتين:

الأولى: ثابتة إذا اعتبرنا شبه الجملة (على جرح) هي الخبر.

والثانية: مفتوحة يمكن تأويلها إذا اعتبرنا الخبر محذوفاً.

وفي الحالتين، هل الجمر مطفأ، أو هو متقد، وهل الجرح «نافذ - قديم» وهل هو جرح الذات، الوطن، الواقع، تأويلات كثيرة يمكن طرحها والرد عليها.

2- القيم الدلالية:

إذا أتينا إلى القيم الدلالية التي تحكم القصيدة عند عادل اللباد، فإننا سندخل عالماً واسعاً من القيم الإنسانية الثرة، النابعة من قلب شاعر يحفل جيداً بواقعه، سواء كان هذا الواقع واقعاً يتصل بذات الوطن، أم كان واقعاً يتصل بذات الشاعر، وبينها تقف ذات الآخر الذي يسيطر على الكثير من الدلالات المركزية في النص.

لا يحد من انطلاقها إلَّا التقسيمات التي وضعها الشاعر، فنجده يقسم القصائد إلى: انصهار، إخوانيات، غزليات، وجدانيات، رثائيات. وهي تقسيمات تعيد إلى أذهاننا بداية انطلاق المذاهب الأدبية، سواء في أوروبا، أم في الوطن العربي. وتوحي بأن التجربة الشعرية التي تمسك بزمام الدلالة في الديوان تجربة تحكمها ذات الشاعر، وتقف على مبدأ مهم من مبادئ النص الأدبي المعاصر، ألَا وهو مبدأ أن النص يتعالى على هذه التقسيمات، وأن ما يحده أفق آخر يتجاوز الارتباط بموقف أو حالة منفصلة، وإنما هو نص ينصهر بالواقع، ويحوله إلى رمز، ثم يسمو به على الواقع والرمز ليجعل منه معادلاً موضوعيًّا لقضايا الإنسان، والواقع والحياة الإنسانية والتاريخ، فالشعر يعطينا أوضح الأمثلة على إخضاع الإشارات المختلفة للموقف، أو الحقيقة، وكما يقول إ. إ. ريتشاردز، إنه (أتى الشعر) أسمى صور اللغة الانفعالية.

إن الشاعر يجعل من اللغة أداته للموقف، ويجعل من الموقف أداة للفكر، ويحيل الصور النابعة من المواقف والأفكار إلى صور تمثيلية عن الواقعن والحالات الإنسانية أو هكذا يجب أن يحتوي الشاعر اللغة، والفكرة.

ولأن الشاعر يجعل من التجربة الشعرية في النص حالة منفصلة جعلته يصنف القصائد تصنيفاً يكاد أن يكون مذهبيًّا، فإنه في الكثير من النصوص يقدم لها بإضافات تعبر عن جوانب الموقف، أو توضح شيئاً يتصل بالواقع النصيّ، أو يتصل بواقع الذات، أو الآخر المسرور عنه. وهذه الإضاءات تمثل فخًّا آخر من مواجهة النص، وتجعل منه مجرد تابع، أو جزء من الموقف الخارجي وبالتالي يؤثر ذلك فنيًّا على الدلالة والمتلقي في آن واحد.

ومن هنا، فإن الدلالات الأساسية في أي عمل فني يجب أن تصنع صوراً ذهنية أو تحيل -على الأقل- إليها، هذه الصور تعمل في إطار اللغة، والمواقف النفسية والإنسانية على ربط الأبعاد الجمالية للنص، بالأبعاد الفكرية المختلفة، وهذا من شأنه أن يؤسس لعلاقات تبدو منطقية، أو خارج المنطق في الكثير من النصوص التي تنجح في صهر ما هو جمالي بما هو فكري أو درامي.

3- شعر الحكمة وجماليات النص:

عادل اللباد في ديوان «جمر على جرح» يعيد إلى الذاكرة العربية غرضاً شعريًّا نحن في حاجة ماسة إليه، وهو غرض يدعِّم ما ذكر آنفاً عن تركيز الشاعر على رؤية الواقع بكل ما يتصل به، هذا الغرض هو «شعر الحكمة» الذي تميز بصورة كبيرة في عصور الازدهار العربية، ومثَّل نوعاً من الفلسفة الوجودية التي تتحكم في ذاكرة الشاعر، وذاكرة الواقع على حد سواء.

وشعر الحكمة يحتاج إلى قدر هائل من استيعاب اللغة والصورة الشعرية حتى لا يدخل الشاعر في تقريرية تخرجه من إطار النثر، وهذا ما نجح فيه المتنبي على وجه الخصوص، ولذا فإنه يحتاج إلى قدر كبير من الحركة والموضوعية اللتين تميزان ما يمكن أن يسمى بالتفكير الدرامي. وهو خاصية جديدة في الشعر المعاصر، وتحتاج في الوقت نفسه إلى درجة عالية من درجات التشكيل في النص، وقدرة على رصد العلاقات بين الموضوع، وبين عملية الصياغة الشعرية، وقد ظهر ذلك بصورة ما عند الشاعر، وتحتاج منه إلى رصد وتطوير نرجو أن يظهرا في قادم الأيام.

ففي قصيدة «جرح حتى الموت»، ولن أشير إلى التصنيف الذي أورده الشاعر لأنه ضد مبدأ الإبداع المعاصر، يبدأ الشاعر النص بنفي ذاته نفيًّا تامًّا والتعامل مع الدلالة بمبدأ الاستقلال، أو ما يسمى في النقد القديم بالوحدة العضوية للبيت الواحد، وعليه تستطيع أن تحذف من النص ما شئت من الأبيات دون التأثير فيه، وهو مذهب القدماء في الشعر، كما يشير إلى ذلك ابن رشيق القيرواني في كتابه العمدة.

والشاعر بذلك لا يحتاج إلى سياق موحد، وإنما يحتاج إلى سياقات كثيرة لأن كل بيت -غالباً- ما يجلب دلالة مستقلة في إطار الحكمة كحالة نصية.

يقول الشاعر في بداية النص:

الدَّهْر غدر والمساوئ جَمَّة

والصدق كذبٌ والسرور غررو

والعيش لا يصفو لصاحبه وإن

أبدى إليه.. فكل ذلك زورُ

لا تأمن الدنيا وأهليها ولو

ملكا حياتك فالأمان خطير

واحذر أخا الأرحام إن دواءه

سمٌّ زعاف تعتريه شُرور

وإذا نظرنا إلى جماليات النص سنجد الشاعر لم يعمد إلى صورة شعرية واحدة، تقدم رمزاً أو تشبيهاً أو مجازاً بشكل أو بآخر، وإنَّما مجموعة من الأساليب التي تتراوح بين التقرير والنداء، والنهي والتوكيد. وهي أساليب تنحاز إلى شكل التركيب اللغوي أكثر من انحيازها إلى بلاغته. وهذا ما حدا بالدلالة العامة إلى أن تكون دلالة تقريرية صرف تقف حائلاً دون بلوغ النص هدفه الجمالي، لأن الغرض هنا لا يمكن اعتباره هدفاً. وإلَّا خرج النص الشعري عن مداره الحقيقي. فالخطاب الموجه إلى الآخر يحول دون بلوغ الدلالة مداها الجمالي، ولو ابدل الشاعر بهذا الخطاب أساليب أخرى، يكون فيها الإيحاء واصطناع الموقف الرمزي هدفاً لجاءت الدلالة غير المباشرة أكثر تعبيراً، فالشاعر يحقق على المستوى الفعلي ما يسمى في النقد الحديث بـ «وحدة العاطفة»، ويطورها، وهذا ما يجعل من الصورة الانفعالية صورة واحدة.

4- الصورة الشعرية:

من خطاب الآخر يتخلى الشاعر عن التقريرية وينحاز إلى لغة الصورة الشعرية، وهي أساسية في جماليات الدلالة، وهذا ما يتجلى بشكل لافت في المقطوعات الشعرية القصيرة، لأنها تكون أكثر تكثيفاً من ناحية، ويعتبرها الشاعر دفقة واحدة تكون -إلى حد كبير- متماسكة من حيث ارتباطها بدلالة واحدة.

يقول الشاعر:

إن مت صبراً يا بثينة فاعلمي

أنت التي بالحب قد سفكت دمي

دهري لديك كساعة وسويعتي

قرن على قلبي ينوء بأنجمي

وهن التجلد بالصبابة والهوى

وذرى العزيمة سحر ذاك المبسم

في هذا النص يتجاوز الشاعر الملمح التقريري السابق إلى عنصرين لتماسك النص، هما:

- اعتماده على الصورة الشعرية المستقلة.

- اعتماده على ربط أجزاء النص ببعضها دلاليًّا.

أما الأول فهو يركز الدلالة على حالة تتصل بذاته وتؤثر في بقية النص، كقوله: دهري لديك كساعة، قرن على قلبي، رهن التجلد. وهي صور شعرية تخرج بالموقف إلى فاعلية البلاغة العربية ونصاعتها.

والثاني: يربط الشاعر النص بمركز دلالي واحد، وهو الرمز (الواقعي) «بثينة».

ونجد الترابط النصي نفسه في المقطوعات التي تنتمي إلى شعر الحكمة الذي يسيطر على الدلالات الرئيسية، وهذا يقودنا إلى أن الشاعر يحتاج إلى ذاكرة كلية يتعامل بها مع مفردات النص الأدبي المعاصر، وهو لا يفتقد هذه الذاكرة بقدر ما يحتاج إلى التركيز عليها، وذلك يبدو واضحاً في النصوص التي تعتمد -من بدايتها- على حالة شعورية وإنسانية واحدة ترتبط بكل عناصر بناء النص عند الشاعر كما تفترض الدراسة، وهي:

1- القيمة الإنسانية.

2- الذات.

3- الآخر.

يقول الشاعر في قصيدة «إشراقة الجراح»:

أيّ القوافي تُلّبّي نَشْوة الظفر

وهل يعي النّصرّ إلّا قلب منتصر؟

وهل يرى المجد إلّا من يصاهره

على المطامح والأرزاء والخطر

إلّا الذي استل من جفن الردى حلماً

وطأطأت من علاه هامة القدر

النصر فوق جبين الجرح مَشرِقه

لا في الفنادق والحانات والسمر

النصر من رحم المأساة مولده

يحبو على شفرة الأهوال والسهر

وربما تأتي الإحالة الخارجية الممثلة في خلفية النص (الشعب اللبناني) هي الرابط الأكثر وضوحاً من الإحالات الداخلية، والتي تمثلها الروابط اللغوية والسياقات الصغيرة في النص، وهذا فيه تغليب من نوع ما للبعد الأيديولوجي عن البعد الجمالي -كما يشير الدكتور عيد بلبع- في سياق حديثه عن الإسلام والشعر حيث تتأسس منطلقات الرؤية أحياناً ملتصقة بأطر موقفية، وأبعاد سياسية.

وعلى الرغم من ذلك لابد من توازن مفترض بين السياق الخارجي وعملية الترابط والانسجام الفني داخل النص، هذا الترابط يكون منطقيًّا ومحدداً إذا التزم الشاعر بضرورات عملية الصياغة كما يفهمها العصر الفني الذي يكتب فيه، وكما يجب أن تكون داخل نص شعري حديث يؤسس لنفسه مجموعة من العلاقات والبنى الجمالية التي تهم في إثراء النوع الأدبي.

وعلى هذا الأساس نجد في النص السابق للشاعر عدداً من الإحالات الداخلية في القصيدة ترتبط بالإحالة المركزية خارج النص، وهذا الارتباط يأتي على أشكال، منها:

1- القوافي تلبي نشوة النصر: إحالة داخلية وخارجية.

2- قلب منتصر: إحالة داخلية وخارجية.

3- هل يرى المجد؟: خارجية تتصل بالسياق.

4- جفن الردى: خارجية تتصل بالسياق.

5- جبين الجرح: خارجية تتصل بالسياق.

6- رحم الماساة: خارجية تتصل بالسياق.

وكل إحالة عبارة عن صورة شعرية مصغرة تعمل على تشكيل النص تشكيلاً تصويريًّا، وتبين مقدرة الشاعر في رصد علاقات خارجيّة كثيرة تتصل بالسياق العام، وهذا يجعل من هذه الصور مجموعة من العلاقات التي تمثل سياقات موازية للسياق الأصلي سلباً، وإيجاباً.

5- السياق الموقفي:

السياق الموقفي عند الشاعر عادل اللباد من أهم السياقات الفنية التي يتعامل معها بصورة انفعالية، تظهر نفس شاعر يتوق دائماً إلى رصد انفعالات الآخرين، وربطها بالقيمة والدلالة في سياقات متوازية، هذه السياقات تكتسب أهميتها من الإهاب الخارجي الذي يحرص الشاعر على وعضه، بل والدخول فيه، ولكنه لا يدخل إلى السياق الموقفي من «أنا» واحدة، تدل على ذات الشاعر، وإنما يدخل إلى السياق من مظاهر انفعالية تستخدم الرموز والإحالات الخارجية في بوتقة واحدة، والشاعر يحتاج إلى ربط الانفعال بالذات، وتحويل هذه السياقات المتعددة إلى سياق دلالي وفني واحد، يربط فيه عدداً من العناصر:

1- الدلالات والقيم.

2- التشكيل الفني للصورة.

3- ظهور الأنا (أو الذات الواعية).

4- إظهار الصورة الكلية..

ونستطيع أن نشير إلى عدد من النصوص تحتاج إلى هذا النوع من الربط الفني منها...

- أمل خافت.

- زفرات قلب.

- القديح وعرس الأحزان.

والشاعر في هذه النصوص يحرص تماماً على أن يغمر القصيدة بعدد من السياقات المصغرة التي تعمل على جلب دلالات مستقلة، وتحيلنا على التفكير الكلاسيكي للنص الشعري وهو تفكير جزئي، تعدد -من خلاله وفي داخله- أنماط التصوير الشعري وتنفصل عن بعضها انفصالاً واضحاً فنرى في النص الثالث قوله:

- نبني من الأحلام.

- ونقطع الليل.

- نملأ الدنيا.

وكلها إحالات تمهيدية لا لوصف الموقف، وإنما لرصد علاقات خارجية تجعل من هذا الرصد دلالة فوق الدلالة.. ولكنها -في الوقت نفسه- تنبي عن مقدرة فنية تحتاج إلى تشكيل جديد.

شاعر وناقد، مصر.
370521