قطاةٌ على سرير أمين
أمجد المحسن * - 4 / 9 / 2009م - 5:02 م - العدد (50)

(واللهِ ما لمحت سريرَك مقلتي

إلا وخلتك، فوقه، جبريلا)[251]

السيد عدنان العوّامي 

.. يا مُرْسِلاً جِبْريلَهُ لِتُرابَةٍ

مَنْ ذَا يُنزِّلُ للثَّرَى جبريلا؟

أمَّنْ يُنزِّلُ في الثَّرَى إنجيلَهُ

ويعُودُ في خَشَبِ الصّليبِ ثَقيلا؟

النّبلةُ اخترقَتْ بشيرَ قميصِهِ

واسْتَدْرَكَتْكَ، فغادرتكَ قتيلا!

يا قلْبَهُ، يا قِطعَةَ الإسفَنْجِ، يا

أُمَّ الكتابِ، وربْعَهُ المأهُولا !

ما في القرائحِ نثرُ مثلِكَ دَمْعَهُ

وأَشدُّ إدهاشَاً، وأقْوَمُ قيلا !

أخذَ الرّثَاءَ إلَـى الكلامِ، وذَرَّهُ

في الرّوحِ، مَرْمرني ذهُولاً عيلا..

فوجِعْتُ، يكتُبُنِي هُنا بَرْدِي، ومَنْ

أدرى بنارِكَ في هُناكَ صهيلا؟

يا مَنْ تلعْثَمَ، في سريرَتِه، القَطَا

 وأفادَ مِن خَبْطِ الجناحِ دليلا

حتَّى تكبَّدَ آهَةً مُهراقَةً

 بيدِ المنيَّةِ، جارِفاً مسدُولا !

إنِّي رَأَيتُ يدَ الرَّدَى في ختلِها

 فوجدتُ قَلبَكَ فارِغاً مذهُولا !

ورأيتُ صَوتَكَ في التّهدُّجِ ريشَةً

رجَفَتْ على مرِّ الهواءِ عليلا...

ألفيتُ طُهرانيَّةً في حُفرَةٍ

 فيها لَكَ ابنُكَ يستريحُ قليلا !

يرتاحُ مِنْ عَفْرٍ على قُفطانِهِ

كدِرٍ ليرسُبَ في النُّعاسِ طويلا

.. هل قُلْتُ يرسُبُ ؟، بَلْ يرتِّبُ نومَهُ

هذا الغمامُ حدائقاً ونخيلا

ومراحَ ريحانٍ يُكلِّلُ قَبْرَهُ

 فَينانَ مُتّخذَ الحَنانِ رسُولا

هل قُلتُ يرسُبُ ؟، بلْ يُضَاجعُ رمْلةً

قُرئَتْ عليه ورتِّلَتْ ترتيلا

وينامُ... يحلُمُ بالحياةِ وأنَّها

آوَتْ أباً في دمْعتيهِ نزيلا

ويقُولُ: يا أبتي، أحبُّكَ، خُذْ يدِي

أُشْبِعْ دُموعَكَ يا أبي تقبيلا !

هلْ لِي بكفّكَ أستظلُّ بوارِفٍ

منْ ظلِّها ؟، هل تستطيعُ سبيلا ؟!

ويخفُّ حتَّى لا هواءَ ولا هوىً

ويشِفُّ لا ضَجِراً ولا ممْلُولا...

يا مُدلهِمَّاتِ البياضِ، وِسَادةً

كَفَناً يُدلِّهُ والداً مثكُولا !

شَغَبٌ لهذَا الموتِ، إنَّ صنيعَهُ

لهوُ الرّياحِ، وأمرَهُ المفعُولا

ما الأَمْرُ ؟، ضِلْعٌ زَلَّ مِنْكَ فصرَّحَتْ

آهُ اندلاعِ النّخلِ آهاً طُولَـى ؟

هِيَ فرَّعَتْ حتَّى هُناكَ، وجذْعُها

السّكِّينُ، يطعَنُ رُوحَكَ المتبُولا..

فإذَا تناوَحت الرّياحُ تحرَّكَ

السّكِّينُ، يشعِلُ حَنَّةً وهديلا !

.. الرَّمْلُ أُستاذُ الأساتيذِ، انتهَى

ليديهِ طفلُكَ حاملاً محمولا !

فكأنَّنِي بِكَ في الوقُوفِ غَمَامَةٌ

وكفاءُ أَنحلَهَا الضّريحُ مُثُولا...

[251] من قصيدة في رثاء ولده السيد أمين (رحمه الله).
شاعر، السعودية
363410