المدرس
حسين العلي * - 1 / 2 / 2011م - 1:16 م - العدد (55)

المدرس الجديد. قال لنا أريد منكم كتابة سلسلة من الكلمات المختلفة، بحيث لا تقل عن خمسين. أي شيء يمكنكم كتابته. وشرطي الوحيد أن تكون كل كلمة لها ارتباط مع التي قبلها. ارتباط مطلق.

أي شيء يمكنكم كتابته. أنتم.. أحرار..

كنت أنظر إليه بل كنت مركزا نظري نحوه، فأنا كنت أراه ذا فرادة وشخصيته مختلفة، فرأيته يهز رأسه حين قال: أحرار. ثم نظر نحو النافذة المفتوحة، وقتها رأيت حمامة تعبر الأفق.

لم افهم مقصده. ربما لأنني اصغر التلاميذ، أو لأنني تعودت مساعدته لي، فدائما يمنحني حظوته. فأنا الوحيد الذي يتفقد دفاتري، ويكتب ملاحظاته عليها، يخط بعض الجمل التشجيعية بقلمه الأخضر حين أنجز واجباتي على الوجه الأكمل.

قال: اكتب.

صمتُ لا اعرف كيف اكتب. فأخذ قلمي وقال: هكذا، وكتب. كرسي. انظر لدينا الآن الاسم فكلمة كرسي يمكنك كتابة ما بعدها. مقعد، أو كرز أو كافيار أو مهيمن أو زعيم. أو كربلاء. يمكنك الكتابة كيفما تشاء، كريم، كومة قش، قرقوش، شيشة، تاجر، غشاش، شنب، شراع، شمعه، نور، علم، فقه، قفة، حصير، نخلة، فيلق قتل، سبايا، نبل، شهادة.

كذلك يمكنك الكتابة عن الشهادة والنبل في موضوع آخر، وعن أهل البيت ويزيد والحسين وزينب ومأساة العدالة في موضوع ثان، وثالث كما تشاء، ثم عن الظلم، واغتصاب السلطة، وهكذا. جور، خيانة، تخاذل، فرح، انتصار. يمكنك أيضا أن تستنتج من خلال معنى الكلمات المختلفة أن ثمة عدالة في السماء أو ظلماً في الأرض، هذا كله حسب مافي جمجمتك. وهز رأسي وتبسم وأكمل: حقيقة وهم، شعب، حاكم محكوم، سنبلة قش، وربت على كتفي بأبوة وكرر. اكتب ما تشاء ظالم ومظلوم، مرات ومرات. فلن تفنى الكلمات.

بيد أني بقيت لا اعرف المشترك بين هذه الكلمات.

تركني واتجه إلى السبورة. كانت لوحا أسود، أعرف أن سبورات المدارس ألوانها سوداء، لكني قلت: هذا لأنه نبهني أن ثمة خطأ في هذا اللون، وفيه سحر وروعة أيضا. لم افهم حتى اللحظة، أين يوجد السحر وأين الخطاء؟

فكتب على اللوح الأسود.. ملاحظة للجميع:

الرابط المشترك بين الكلمات التي طلبتها منكم قد لا يكون معنويا فحسب، فحتى الظنِّي يكفي بشرط أن يكون للكاتب القدرة على الإقناع.

ولأضرب مثلا توضيحيا. الحمار والحريق. كلا الكلمتين فيهما حرف مماثل، مع اختلاف المعنى التام. لكن لو نظرتم إليهما بعين بصيرة ستجدون أن ثمة مشتركاً خفيًّا، وهذا الذي أود أن تعرفوا اليوم كيف تستنتجونه؟ قولوا الآن ما هو المشترك غير الحروف بين الكلمتين؟ فلم يجب أحدٌ، فمرر يده على رأسي وهو متجه خارج الفصل، وهزه قليلا وقال: شغِّله يا بني حتى تستطيع، لكن دون فائدة.

فبعد انتهاء الحصة كنت أتمشى بين ممرات الفصول لأصرف الوقت، فناداني من بعيد وسألني: هل عرفت المشترك؟ فهززت رأسي بالنفي، ضحك وقال: الحمار لا يستطيع إشعال الحرائق، ولا إطفاءها. لا تكن كذلك.

أتذكر جيدا تلك الساعة وأنا معه في ممر الفصول والكل مشغول بكيفية تضييع الوقت مثلي. مرت الآن سنوات. وها هي المدرسة نفسها، وكأنهم الطلاب أنفسهم أراهم متناثرين في الممرات، وأنا ازور المدرسة حين أتت مذكرة استدعاء من المدير، لمشاجرة بين ابني واحد التلاميذ. فها هي الأشياء لم تتغير منذ أربعين سنة. مرت الأيام والليالي والذكرى باقية. فقط ذكرى. والسؤال لازال معلقا دون إجابة. كيف اجعل ابني قادرا على إشعال الحرائق وإطفائها بإرادته؟

مرت ببالي تلك النافذة المشرعة والحمامة العابرة وكلمة.. (أحرار).. التي هزت كتفيه أو رأسه لم أعد متأكدا، فقد سمعت أن ذلك الرأس تلاشى في غياهب التيه.

قاص - السعودية
358521