أواخر القرن الرابع عشر الهجري
الحياة الاجتماعية في القطيف
عبدالعلي آل السيف * - 6 / 2 / 2011م - 2:17 م - العدد (53)

أية منظومة بشرية تُكوِّن مجتمعًا تحتاج إلى مقومات.

الإنسان يملأ المساحة بالحياة؛ والدًا، وابنًا وزوجًا، وراعيًا، ومن الرعية له موضعه منفعلاً بغيره في جميع أوجه النشاط الاجتماعي.

الأرض الوعاء لهذا المجتمع؛ خضراء، أو قاحلة، في جبل، أو وادٍ، على الساحل، أو في أعماق الصحراء.

القِيَم، والموروثات الاجتماعية، والعقائد التي تنظِّم الروابط بين أهله، وأخيرًا طبيعة النظام الحاكم.

إنَّ معرفة الحياة الاجتماعية لمنطقة القطيف - أواخر القرن الرابع عشر الهجري - تحتم علينا الإلمام بتلكم المقومات، أو بعضها على الأقل.

أهل القطيف - شأنهم شأن أشقائهم سكان أوال (البحرين) وهجر (الاحساء) - يتحدَّرون من قبائل عربية شتى أشهرها قريش، وعبد القيس، وبكر بن وائل، وتميم، ولا يخلو تاريخها ولهجتها من أثر لعبد شمس، وفقيم وحميَر، وداخلهم بالتزاوج من جيرانهم عرب وعجم على مر السنين، منذ ما قبل البعثة النبوية الشريفة والى يومنا هذا.

ومنذ عهودٍ سحيقة، عُرفت المنطقة بالمدنية، والحضارة، والعلم، والفكر، والأدب بفنونه جميعها، واستعاضت بالمدنيَّة والدين ووشائجهما عن القبلية، منذ أسقطها الإسلام، واعتبر الاعتداد بها من دعوى الجاهلية.

القطيف واحة زراعية كبيرة، وكانت سعفاتها مثلا يضرب، فيها من المياه العذبة الشيء الكثير، مما جعلها قِبلة لمن أراد أن يستميرَ رِيًّا، أو يستشفيَ من داء؛ ذلك كان شأن مياهها في الحقبة المعنية بالبحث.

والقطيف ساحلية عُرفت، منذ عرف الإنسان طريقَه إلى البحر، بأسماكها ولؤلئها.

إطلالة على المجتمع القطيفي تجد بين ظهرانيه العالم والأديب، والشاعر النابه، والسياسي المحنَّك، والتاجر عريض التجارة، وأهل الصنائع، ورجال البحر، ورجال الحرث، وبينهم تنتظم أعداد هائلة من ذوي الحرف والعمال.

العلم والتعلم قديم في المنطقة، وليس الشعراء والعلماء العبديون والبكريون ببعيدين عن ذاكرة التاريخ.

موضع القطيف الاستراتيجي، على طريق التجارة الدولية منذ أزمان سحيقة، تتصل بالهند وما وراءها شرقًا وجنوبًا، العراق والشام وما يقع شمالا، الحجاز واليمن وما غربهما، تتصل بطرق بريَّة وبحرِيَّة جعلتها قبلة، وكان ذلك أحد أوجه التلاقح الحضاري، بينها وبين الأمم عربية وأعجمية على مرِّ الدهور.

القطيف غالبية أهلها شيعة اثنا عشرية منذ عرفت الإسلام على عهد الرسول الأعظم ، اخلصوا في تشيعهم فتلون سلوكهم بهذا العقيدة.

إن جميع مظاهر الانتماء الشيعي في القطيف، هو ما تجده في أي حاضرة شيعية، الحسينيات وما يقام فيها من مآتم أهل البيت عليهم السلام، والحوزات العلمية معلمان رئيسيان تجدهما في كل زاوية من البلاد، أورث التشيع عادات وشعائر، تكاد تكون خاصة لهم وبهم، في أفراحهم وأتراحهم، لا تجدها إلا في مجتمعات ذاب فيها غيرهم معهم، وانصهروا بها كما في بعض مناطق إيران والعراق، أورثه التزاوج بين الشيعة وغيرهم.

ولكن تبقى هناك خصوصيات لكل مجتمع، تؤسس النظرة إليه في مسالمته أو عدوانيته. إن أهم خاصة عرف بها المجتمع القطيفي، هو الطبيعة الهادئة المسالمة، غير العدوانية، وإن جنحت لغير ذلك فلأسباب؛ الضغط والظلم المذهبي من أهمها.

وطبيعة نشاطهم الاقتصادي التجارة والزراعة والصيد واستخراج اللؤلؤ، وهذه أنشطتهم الرئيسية، وهي أنشطة تستدعي طبيعتها هدوءًا في التعامل، وقبول الآخر، والجنوح للسلم دائما، والابتعاد عن الحروب والفتن، فهي لا تآلف الهزات الاجتماعية.

هذه الطبيعة المسالمة، امتحنت بها القطيف كثيرًا فقبلت المواجهة، باقتدار، في مواقف متعددة، لكن؛ ما أن تنتهي الأزمة حتى تعود إليها تلكم السجية الوادعة. عاشت في أتون المواجهة حقبًا مديدة، ابتداءً من الدولة الأموية، ثم تداعيات ملاحقات العباسيين للفكر الشيعي وأئمته ورجاله، حتى وصلت الملاحقة إلى جبال الأطلس، في أقصى المغرب الإفريقي، فكيف بالقطيف، وهي على مرمى حجر من عاصمة الخلافة، والتاريخ حفظ لنا الكثير من ذلك، ولعل ذلك جعلها مركز تجاذب، بين الدولة وبين بعض مناوئيها، إن صدَّقنا كل ما قاله التاريخ، وكم دبجت الأهواء أخبارًا وحوادث ما أنزل الله بها من سلطان.

وتأتي الدولة العثمانية، وتكون المنطقة مسرحًا لأحداث جسام بينها وبين الطامعين فيها من الغرب، ومن سكان المنطقة؛ الخوالد، أولا، ثم الدولة السعودية الأولى، فالثانية ثانيًا، فالدولة العثمانية كرة أخرى.

وحين دانت القطيف لحكم الدولة السعودية الأولى والثانية، كان فكرها الفقهي والعقدي، فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يرى الشيعة كفارًا مشركين، بالشرك الأكبر حينًا، وبالأصغر حينًا آخر، حسب درجة التكفير عند المفتي، وكانت حقبة سوداء مظلمة، مرت بها البلد، أجبر الناس فيها على إخفاء شعائرهم.

ولم يكن حالها مع الدولة الثالثة في بداية تكونها، بأحسنَ حالا من سابقتيها، ولكن حكمة الملك عبد العزيز، وثاقب بصيرته أنهت هذه المواجهة، وتنفس بذلك شيعة القطيف الصعداء، وتلا تلك المواجهة انفراج جعلت الحياة المذهبية ممكنة في ظل هذا الحكم.

أهل القطيف - في سبيل معاشهم - يمكن ملاحظتهم على ثلاث فئات: أصحاب رؤوس الأموال، وأصحاب الصناعات والتجارة، والزراعة والصيد، والعمال. هذا كله في عالم الرجال شأنها شأن حواضر الإسلام التي تمنع المرأة من الانخراط في العمل العام إلا فيما ندر.

تنتظمهم مساكنهم في حاضرتها القلعة، وما حولها من الضواحي: المدارس، مياس، الدبيبية، الكويكب، باب الشمال، ألجراري، الشريعة، ومناطق أبعد ولكنها تعتبر محيطة بالحاضرة: الجش، الملاحة، عنك، أم الحمام، الجارودية، الخويلدية، حلة محيش، الشويكة، التوبي، البحاري، القديح، العوامية.

وللقطيف امتداد للجنوب، حيث القاسمة (النابية)، وسيهات، والى الشرق حيث تاروت بقراها (دارين، والزور (الثنية)، وسنابس، والربيعية، والى الغرب منطقة الآجام، وفي شمالها تقع صفوى، وحزمُها ثم شَعاب، وفي الشمال الغربي حيث عين شاهين، والخترشية، وأم الساهك، وحزمها، والدريدي وأبو معن، والرويحة. وغير تاروت يبعها عديد من الجزر منها، مثالاً لا حصرًا، رأس تنورة، والفاتح.

تمثل كل منطقة مجتمعًا له بعض التميز في بعض عاداته ولهجته، يفرض ذلك طبيعة الحياة، مع اشتراكهم جميعًا في الثوابت العامة لسكان القطيف.

كل مجتمع له قيادة، وتمثلها أسرة أو أسرٌ لها الريادة، وتتحمل أعباء مجتمعها أمام الحكام وأمام الآخرين، وتستمد ذلك من مقومات المال والجاه والعلم أو أحدها، يلتزم لها الآخرون بالطاعة، ولكن من غير أن تتحول هذه العلاقة إلى تصرف مطلق في مصائرهم، فالترابط بين جميع الأسر سمة ظاهرة في تعاملهم مع بعضهم البعض، لم تتلوث النفوس بالطبقية البغيضة، وإن وجدت بعض ملامح خافتة في علاقة الملاك بالفلاحين في بعض المناطق، وأنفة بعض الطبقات من التزاوج مع بعضها الآخر، ولكن ذلك يذوب في المناسبات الدينية وأداء الشعائر وحفلات الزواج ومناسبات العزاء.

إن الطبيعة التجارية، والإنتاج الزراعي، والصيد، واستخراج اللؤلؤة يحتاج إلى التمويل، ولعدم وجود مؤسسات تقوم بهذا التمويل عن طريق القروض، كان يقوم بهذا الدور من تتوفر لهم الإمكانيات المالية بحيث يوفروا لمحتاج التمويل حاجته، وكان هاجس الدين حاضرًا عند المتداينين؛ فإنه يتم أغلبه على شكل بيع الخيار لعقار، أو ما تصح المناقلة فيه بين المتعاقدين، ولقد عرَفت القطيف التورق بالتعامل في بيع وشراء السلع طريقًا من طرق توفير هذا التمويل.

إن الطبيعة الاقتصادية في البلد أوجدت قوى محركة للسوق؛ فملاك الأراضي الزراعية يقابلهم الفلاح أو الأكَّار والمتضمن (المستاجر للنخل)، وعمال النخلة في مراحل دورتها الإنتاجية، من الترويس إلى الصرام والسلوق (طبخ البسر، وهو نوع من المنتج يطلبه أهل الهند).

وفي عالم الصيد اللؤلؤ، يكون تاجر اللؤلؤ على قمة هذا الهرم، وهو المعروف اصطلاحًا بـ (الطواش)، وينتظم في هذا العمل آخرون؛ الغوَّاص والسَّيب، والنهَّام، والنوخذة (قائد السفينة المستعملة في عملية الصيد أو الغوص).

التجارة، ومعها صناعة ما يحتاجه الناس في حياتهم، وما ينتظم بين كل هؤلاء، مما يدخل يوميات الناس، كبارًا وصغارًا، ذكورًا وإناثا، المعلم والمعلمة، والملا (خطيب المنبر)، والتاجر، والبياع، والصفار، والحداد، والدلال، والحمَّار، والراعي والخياط... الخ.

القطيف وأختاها البحرين والأحساء، إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري تقريبًا، كانت تعيش حياة متشابهة، وإن اختلفت البحرين بوجود البريطانيين فيها، إلا أن وجودهم لم يؤثر في طبيعة الناس. هذا التشابه يكون قويًّا جدًّا في نمط الحياة بين القطيف والبحرين، أكثر للقرب الجغرافي، وللامتداد السكاني بين المنطقتين، وأوضح سماته كثيرة الأسر الموزعة بين القطيف والبحرين إلى يومنا هذا، انقسام ظهر في الأسر، فهذه الأسرة منقسمة بين البلدين، وعلى مستوى الدرجة الأولى، ولعل التزاوج بين سكان المنطقتين أوجد هذا الانقسام: فأولاد القطيفية بقوا مع أمهم في القطيف، ولم يرافقوا أباهم البحراني، وهكذا العكس، والنزوح لأسباب عدة، من أهمها الأذى الطائفي الذي ذاقه أهل القطيف والبحرين في فترات سابقة، جعل هؤلاء ينزحون إلى الضفة الأخرى طلبًا للأمان.

القطيف حتى دخول الملك عبد العزيز، كانت مع الأحساء خاضعة للنفوذ العثماني، وكانت في حضارتها، وبنيتها الاقتصادية المتينة ورخائها المشهور، جعل منهما درة في التاج العثماني، حظي من أبناء القطيف بالباشوية، الزعيم أحمد بن مهدي آل نصر الله، ثم من بعده صهره منصور بن جمعة (رحمه الله)، وكانت لهما صلاة وثيقة بالآستانة.

إن موقع القطيف القيادي، في أواخر الدولة العثمانية، وأوائل دخول الملك عبد العزيز، خلق زعامات وطنية، فكانوا وجه البلاد المشرق، وفي كل شبر من البلاد؛ ففي القلعة أسر عريقة تعاطوا الشأن العام بتفان، وذاكرة التاريخ تحفظ لهؤلاء صفحات من نور، فمن العلماء؛ الخنيزيان الشيخ علي أبو عبد الكريم، والشيخ علي أبو حسن، ومن آل العوامي السيد حسين الشهير بالعالم، وأخواه السيد ماجد والسيد محفوظ، ومن آل الجشي الشيخ محمد علي والشيخ علي، والشيخ منصور المرهون، ومن الإداريين والسياسيين العمالقة الحاج عبد الله بن نصر الله، والحاج علي الفارس.

وكان سلمان بن عبد الهادي علما بارزًا في صفوى، يشاركه رجال كان لهم في العمل العام مشاركة، مثل الحاج حسين بن صالح البراهيم.

وفي العوامية الشيخ محمد بن نمر، والحاج محمد حسين الفرج، وفي سيهات الشيخ علي الشيخ جعفر أبو المكارم، والحاج حسين بن نصر، وفي تاروت كانت الزعامة الدينية للشيخ عبد الله بن معتوق، والزعامة والوجاهة للعلامة الشيخ منصور بن عبد الله آل سيف (تغمد الله الجميع بواسع رحمته).

وتحضرني حكاية، سمعتها من الحاج علي مكي المعلم، يرويها عن والده رحمهما الله، ولعلها تكون في نهاية العقود الثلاثة، أو الأربعة الأخيرة من القرن الثالث عشر الهجري، في منطقة شمال قلعة تاروت، وتمثلها الآن أرض الجبل، والخارجية، والمنطقة الزراعية شمالا منها، كان أكثر العاملين في هذه الحقول من المشتغلين بطلب العلم، وإذا عنَّ لأحد مسالة شرعية كان يقصدهم في حقولهم، وكان الواحد منهم يجيب السائل عن مسألته، ثم يعود إلى عمله.

هذه الحكاية تعطينا مثالا عما كانت عليه القطيف من مكانة علمية حتى عهود قريبة من وقتنا هذا.

فليس تسمية القطيف - في العقود المنصرمة من هذا القرن الهجري الرابع عشر وحتى العقد السابع منه - بالنجف الصغرى، إلا لأنها استحقت ذلك بجدارة، فهي للعلم وللعلماء واحة تليدة، وغزيرة بالمتخرجين منها علماء وشعراء، بلغ صيتهم إلى خارج نطاق هذه المنطقة إلى إيران والعراق، فشهرة الخطي الشيخ جعفر، والشيخ يوسف أبي ذيب طبقت الآفاق.

وهذه الحركة العلمية في القطيف لعل سببها الكبير، انتماؤها المبكر للإسلام، فعلماؤها والمجتهدون منهم يرون امتدادَه في أئمتهم من أهل البيت عليهم السلام.

فكان التعليم الديني منذ الصغر وإلى الشيخوخة والهرم، لازمة لدى قطاع كبير من أهل القطيف، يلتمسون فيه القربة لله تعالى، واكتساب الأجر الجزيل.

وكانت القطيف قد تضيق على تطلع بعض طالبي العلم، فكانوا يشدُّون الرحال إلى أي مكان يدركون أن فيها من يروي ظمأهم إلى التعلم، إلى البحرين - إن كانت ضالتهم فيها - وإلا فإلى العراق أو إيران، فهما حاضرتا العلم والفكر والأدب.

لعدم وجود سِلَّم تحدده سنون معدودة في طلب العلم، وقد تمتد إلى سنين، قد تكون عقودًا ثلاثة أو أقل أو أكثر، تحتم على الطالب أن يتزوج من هنا، أو هناك، إذا هاجر وهو، بعدُ، عزب، وبهذا وُجِد رافد جديد لثقافات وعادات وأعراف وخصوصيات هؤلاء الداخلين، في حياة أهل القطيف عند عودتهم إليها، ومعهم جيل جديد تتقاذفه قيم وعادات وأعراف وخصوصيات أبيه القطيفي وأمه العراقية أو الإيرانية.

ومنذ منتصف القرن الهجري الرابع عشر، وبدخول الشركات البترولية للتنقيب عن الزيت، كان من كوادرها مثقفون عرب، والعالم العربي تهب عليه رياح من الأفكار الحديثة لم تعهدها ديارنا، أفكار تدغدغ عقول وقلوب الشباب؛ قومية ويسارية. أول ما مست هذه الأفكار الشام ومصر، ومن رحمهما خرجت جميع الحركات التي غيرت وجه العالم العربي، وإن كانت قد اختُرِقت من بعض القوى الاستعمارية في حينها.

إن التواصل الثقافي مع المدن العربية التي تشع فكرًا، وتلفظ مطابعها دوريات ومجلات وصحفًا وكتبًا، ومع المثقفين العرب الذين أتوا مع شركات البترول، ونفوس شباب القطيف التواق لكل جديد، ساعد على انتشار هذه الأفكار، ولكنها لم تصل إلى درجة الاعتناق العقائدي، وإنما أشبه بالقبول بها أفكارًا جديرة بالعلم، لاسيما وأن القادة المصلحين اخترمتهم يد المنون تباعًا، منذ أوائل العقد السابع الهجري، ومن بقي لم يكن له الباع الطويلة لتحصين العقول من هذا الغزو، وإن وجد فإن طوفان الأفكار الواردة أكبر من أن يواجهها بعلوم تفتقر الى الحديث مما عرفه طلاب العلوم الحديثة في الجامعات وغيرها من روافد الفكر.

وما إن أطلت الصحوة الدينية برأسها، حتى ولت هذه الأفكار إلى غير رجعة. كان للبعث الديني في النجف وقم ولبنان الأثر الكبير في بناء خطاب ديني حديث وعلمي، يملأ الفراغ السابق، وبذلك انحسرت هذه الأفكار سواء كانت يسارية أو قومية، تحت وطأة الإفاقة العقائدية، واستعاد الشبان أصالتهم الفكرية الدينية، ونشأ بذلك تمسك بالمذهب بشكل قوي - ولنا أن نسميها صحوة - ساهم في خلقه الكم الهائل من المؤلفات العقائدية الحديثة، التي روي بها ظمأ الشبان لمثل هذه المؤلفات، وسط هجمة طائفية بغيضة تهدف إلى زعزعة الانتماء في نفوس الأبناء.

هذه المستجدات كان لها أثر في القطيف، حيث انخرط عدد هائل منهم لطلب العلم الحديث، مستفيدين من المنح الدراسية التي كانت توفرها الحكومة، وشركة أرامكو لخريجي الثانوية بنين وبنات، ولجوا عالمًا غريبًا في مهجرهم الجديد، خارج القطيف وبعيدًا عنه، في أمريكا وأوروبا ولبنان ومصر، غيّر ذلك من أنماط حياتهم، واكتسبوا عادات وممارسات لم تكن في بالهم قبل تغرُّبهم.

إن أهم ظاهرة نرصدها، هي قبول أسر أن تتولى بناتها العمل في وظائف إدارية في الحكومة وشركة ارامكو.

إن الحس الديني الذي يمجد الصدقة، والعون والاحتساب، عميق في نفوس أهل القطيف، فكان التكافل الاجتماعي قديم بين السكان، فالزكاة والخمس يغطِّي جانبًا كبيرًا من حاجات المحتاجين. يضاف إليها واحدة من نشاطات الحسينيات المهمة، وهي جعل الوجود الجماهيري في المناسبات الدينية، في صورة ما يهم الناس واحتياجاتهم التي لا يقدرون على الوفاء بها، والطلب من الحاضرين المساهمة في العون على علاج المريض، وإغاثة المحتاج، وتوفير السكن لغير القادر عليه، وتزويج العزب غير القادر على تزويج نفسه، وغير ذلك من وجوه العون الذي يعتبر من أهم صور التكافل الاجتماعي.

وبذلك عاشت القطيف، لم تحتج إلى روافد خارجية في إعانة محتاجيها، حتى تم تأسيس الجمعيات الخيرية، فكانت السباقة في إدراج نشاطها التكافلي في هذه الجمعيات، مع بقاء الصور السابقة في أداء عملها، لأن أهل القطيف يعتبرونها سمة في مجتمعهم المترابط.

هذه لمحات عن الحالة الاجتماعية في القطيف، وهي تغطي حقبة أواخر القرن الرابع عشر الهجري، ولقد تطور المجتمع القطيفي كثيرًا، ولا بد له من إطلالة أخرى، وهذه أدعها لباحثين أقدر مني على رصدها، والبحث في معطياتها.

باحث وأديب
358523