ترجمة رحلة بلجريف
ترجمة تحتاج إلى ترجمة (7)
عدنان السيد محمد العوامي * - 8 / 2 / 2011م - 1:11 ص - العدد (54)

طغيان اللهجة المصرية

إخوتنا أهل الكنانة لهم -في نطق بعض الحروف- طريقةٌ تباين الفصحى؛ فالذال المعجمة، والظاء المشالة في لسانهم (زاي)، والثاء المثلثة: (سين)، أو تاء في بعض المواضع، فيسمع في لسانهم: (أزُنْ)، وإزا، بدل أظن وإذا، كما تسمع: تلاتة، أو سلاسة، مكان ثلاثة، وهكذا.

ويبدو أن السيد المترجم يلتبس عليه الأمر بين الفصحى والعامية، ويبدو، أيضًا، أنه كان يتوجَّس من هذه العامية، فيحاول، جاهدًا، أن يتجنبها، لكن -كما يقول المثل الخليجي- (اللي خاف منه وگع فيه)، فقد وقع في الألفاظ العامية من حيث أراد تجنبها، وهذه بعض الأمثلة:

زاوية: ذاوية

- «وتتلألأ عليها أشعة القمر البيضاء، أو تلك الأشعة الضئيلة الضاربة إلى الاصفرار التي كانت تعكسها الأعشاب الذابلة «الزاوية». جـ1/18». الصواب: الذاوية، أي الذابلة، أما الزاوية فتعني الركن.

شذر: شرز

- «ثم نظرت نظرة «شذر» إلى مكتشفيَ الثاني. جـ1/136. «وبغض النظر عما جاء من أجله، فإن الجميع ينظرون إليه شذرًا. جـ1/504». الصواب: نظرة شزر، وبنظرون إليه شزرًا. الشذر: قطع الذهب التي لم تستخلص من الحجارة، وخرز يُفصَل به بين الجواهر، واللؤلؤ الصغير. الواحدة شذرة[1] . ومراده: الشزر، أي الغضب.

أثمال: أسمال

- «وهذان بدويان يرتديان «أثمالاً» وفظان مثل أندادهما. جـ1/191. «بينما نحن كذلك جاءنا صبي أنيق من الصلبة (ص: الصَلَب، طائفة من الناس) يرتدي «أثمالاً»، ويمشي كما لو كان يرقص. جـ1/409». الصواب: أسمالاً، أي خَلِقة بالية[2] .

النوجز: النواجد

- «كما أنه يتمسك بذلك ويعض عليه بالنواجز، جـ1/192»، الصواب: بالنواجذ، وهي أقصى الأضراس، والمفرد: ناجذ.

الدماسة: الدماثة

- «كما سعدنا أيضًا لأن سلوكيات مرشدينا الودية والتي تتسم بـ «الدماسة» والأدب أوحت لنا برحلة طيبة. جـ1/253. «هنا أيضًا نشاهد منافسة في الأدب ودماسة الخلق. جـ1/399». «وبعد أن جسَّده عملاً وممارسة، استطاع أن يأتي بعبارات وسيطة محددة، وأحكام مختصرة دمسه، عن دين مهاب برغم أنه مكروه، جـ1/494». «هؤلاء هم جمَّالة من مدينة زلفة (ص: الزلفي) خلطوا، بحكم اتصالهم المتكرر بكل من الزبير والبصرة، الصرامة الوهابية و»الدماسة» النجدية بالأسلوب الطائش المتهور. جـ1/505». «كان أبو عيسى، الذي له معارف وأصدقاء في كل مكان، والذي جعلته أخلاقه «الدمسة» محبوبًا من الزنوج كبارًا وصغاراً، قد زودنا بخطاب. جـ2/219». الصواب: الدمثة، والدماثة، بثاء مثلثة، من الدماثة، وهي لين الأخلاق وسهولتها[3] .

الثبات: السبات

- «وبعد أن هدَّنا التعب، وغلبنا النعاس، بنص العبارة العربية، بدأنا نترنح من فوق جمالنا إلى الأرض، ورحنا في «ثبات عميق. جـ1/262. «والمريض عندما يتعاطى هذا الغاز يغنِّي ويرقص، ويقوم بحركات هستيرية على امتداد ساعة كاملة من الهياج يتسلى بها أولئك الذين يتفرجون عليه، يدخل بعدها في ثبات عميق. جـ1/298. «وشببنا النيران إيذانًا منا لجيراننا ذوات الأنياب والأسنان ألا يقتربوا منا، وأن يدخلوا في ثباتهم. جـ1/439. «ولكننا عندما اقتربنا من الخط الأبيض الذي تلألأ مثل نيران العرَّافين والسحرة أثناء الليل، ناديت على كل من يوسف والصبي الصغير اللذين كانا يغطان في «ثبات» عميق يشبه الموت. جـ2/408». الصواب: السُّبات، وهو النوم، أو خفَّته، وابتداؤه في الرأس، وعند الأطباء: النوم الطويل الثقيل يستغرق فيه النائم[4] .

النذار: نزار

- «وهذه العائلة هي الأكثر عددًا، وحبًّا للحرب بين عائلات النذار Nezar، وعرب العارض واليمامة والأفلاج والحريق وجزء من الدواسر هم، أو (هكذا) يظنون من نسل تميم. جـ1/526». الصواب: نزار.

يحذر: يحزر

- «ولو قدر للقارئ، حتى وإن كان من أهل الشرق أن «يحذر» مدة ساعة كاملة نوعية ذلك الطبق الطيب الذي أمامنا. جـ2/8». الصواب: يحزر، بمعنى؛ يخرص، ويخمن[5] ، أما يحذر هنا فمعناها: يحترز، وهي من الحذر، أي الاحتراز من الشيء، واجتنابه خوفًا منه[6] .

الهزر: الهذر

- «زد على ذلك، أنَّ أحدًا من الجانبين لم يكن على استعداد أن ينحرف عن مساره طلبًا للصخب و«الهزر». جـ2/155». الصواب: الهذر، بذال معجمة، أي الهذيان، وسقط الكلام الذي بلا معنى، وما لا ينبغي من الكلام[7] .

السخنة: الحارة، علم على عين ماء

- «وعلى مسافة حوالي مائة ياردة، إلى الخلف من المبرز في الناحية الشمالية، توجد عين جميلة، تشكل بحيرة صغيرة عميقة، أضفت عليها سخونتها اسم «السخنة»، وماء هذه العين ليس له مذاق المياه المعدنية، ولكن درجة حرارة هذه البحيرة الصغيرة لا تقل عن 95 إلى 90 درجة فهرنهايت. جـ2/ 201». الصواب: الحارة. والحارة علم على عين مشهورة بالأحساء، ولا تصح ترجمة اسم العلم بالمعنى ولو باللفظ، فكيف بالعامي؟

الجذر: الجزر

- «ونحن على مسافة تقدر بحوالي مائتي ياردة من ذلك الذي نعتبره برًّا أثناء المد، ولكنها كانت تشكل حاجزًا من الطين والوحل والرمل أثناء «الجذر»، ورحنا ننظر في هذا المكان. جـ2/232». الصواب: الجزر، وهو انحسار ماء البحر[8] ، واستعمال هذه الكلمة: (الجذر) بمعنى الجزر تكرر في جـ2/236، 267، 283.

المكوث: المكوس

- «كما تتبع له أيضًا سجلات أسماء المدن والمناطق، كما تتبع له أيضًا مسئولية الإشراف على فرض وجباية المكوث على الصادرات والواردات، جـ1/453، «فقد بذل محمد الخليفة قصارى جهده في سبيل الخضوع للخارج، وراح يجبي من الداخل الضرائب والإتاوات و»المكوث» والغرامات التي كان يستعملها كلها في دعارته الخاصة والعامة. جـ2/250». الصواب: المكوس، وهي الضرائب[9] ، أما المكوث، فتعني التريث واللبث والإقامة، من مكث بالمكان: لبث وأقام.

حسالة: حثالة

- «ولا يتبقى للشحن على ظهر المركب سوى «حسالة» البذور الخسيسة، المعتمة التي يميل لونها إلى الابيضاض. جـ1/485.» الصواب: حثالة، وهي الرديء من كل شيء[10] .

لبث: لبس

- «ولكن ياقوب (ص: يعقوب) وهو يحتفظ لنفسه بالمال الذي أعطى له لينفق في أغراض الإحسان، يرى أن من الحكمة، ولأسباب كثيرة، أن يبقي على صداقته مع جميع الأطراف، من هنا فهو يبلغ تجار الرقيق – لا بعبارات فيها «لبث» أو غموض، وإنما بعبارات عربية واضحة ومحددة. جـ2/354»، الصواب: لُبس، بمعنى إشكال، أو شبهة، وعدم وضوح[11] .

ذورق: زورق

- «واتفقنا معه على الإبحار على ظهر مركبه - كان المفروض أن أقول قاربه، نظرًا لأن مركبه لم تكن ذورقًا أكبر قليلاً من اليخت. جـ2/364»، و««ذورق عماني». جـ2/395». صواب الأولى: زورقًا، والثانية: زورق عماني.

ثباتها: سباتها

- مُراجِع الكتاب الدكتور حلمي عبد المنعم هو، أيضًا، لم تخل تعليقاته من الوتيرة ذاتها في تسرُّب اللهجة المصرية إلى عباراته، ففي تعليقه على تندُّر بلجريف بالإسلام قال: «هذا النظام الذي يتندر به المؤلف، إنه بعبارة موجزة، تعاليم الإسلام التي نهضت بها الأمة الإسلامية، وقامت بها الجزيرة العربية من «ثباتها» العميق، واستطاعت بتعاليم هذا الدين أن تحقق ذاتها. جـ1/499». الصواب: سُبَات، وهو خفة النوم، أو ابتداؤه في الرأس[12] .

أليس من المعيب ألاَّ يميز الدكتور حلمي عبد المنعم - وهو وكيل الكلية الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف – بين الثبات والسبات، وهو يقرأ قوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا الفرقان: ٤٧، وقال جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا النبأ: ٩؟ لا أظن أن فضيلته يرضى هذا لنفسه.

المترجِم والشعر

البيت الوارد في الصورة لعمر بن الفارض

معلوم أن الشعر العربي ذو خصائص لا يسلس عنانها إلا للغة العربية، وأبرزها الوزن والقافية، وهو ما يتعذَّر تطبيقه عند ترجمته إلى لغة أخرى، ولسببٍ مَّا - لا تهمُّنا معرفته - حشر بلجريف بعض الأشعار العربية في كتابه العتيد، ربما رغبة في إظهار الإحاطة وسعة الإطلاع على الآداب العربية، والرجل - بدون أدنى ريب - واسع الإطلاع، غزير المعرفة بكثير من الآداب العالمية، وهذا أمر شديد الوضوح، وإن شاب تلك المعرفة كثير من التخليط في كثير الأحيان.

على كل حال فقد أخذ الرجل حقه غير منقوص، من النقد والتشريح، وإن أفلت شيء فمردُّه إلى كثرة ما اشتمل عليه الكتاب من المآخذ، ولسنا، الآن، بصدد نقده في شيء، فلنجاوزه إلى هذه الترجمة المدهشة التي أبدعتها عبقرية المترجم للشعر الذي نقله بلجريف إلى الانجليزية، فلقد تجشم فيه عناءً ما كان ينبغي له، ولو كانت لديه أدنى إحاطة بالأدب العربي لوفر على نفسه كل هذا الجهد والعناء، فمهمة الترجمة لا تحتاج لأكثر من إرجاعه إلى أصله العربي، وهي مهمة أسهل من السهولة نفسها، بحيث لا تحتاج لأكثر من الرجوع إلى أي مصدر من مصادر الأدب العربي ونقل النص العربي الأصلي للقصيدة؛ بدل هذا الجهد غير الموفق الذي بذله كي يخرج لنا شعرًا (غريب الوجه واليد واللسان)، لنقرأ:

1- «هل أترك ملذات النبيذ الصافي

نظير ما يقولونه عن الحليب والعسل فيما بعد؟

الحياة والموت والبعث قادمون.

سقط متاع وهراء يا خليلتي. جـ1/92».

ولا يهمنا، كذلك، كيف فهم بلجريف معنى هذا الشعر الذي نسبه إلى شاعر عربي شهير، ولا يبعد أن القارئ يتوق إلى معرفة الصيغة العربية لهذه الترجمة المسخ، وإلى معرفة قائل هذا الشعر.

أصل هذا النص المشوه بيتان مختلف في نسبتهما إلى عبد الله بن الزبعرى، وأبي نواس، وديكِ الجِنِّ الحِمصي، واسمه عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب الكلبي[13] ، أما الصيغة العربية لهما فهي:

أَأَتْرُكُ لَذَّةَ الصَّهْباءِ عَمْداً

لما وَعَدُوهُ مِنْ لَبَنٍ وخَمْرِ

حياةٌ، ثُمَّ مَوتٌ، ثُمَّ بَعْثٌ

حَديثُ خُرافَةٍ يا أُمَّ عَمْرِو

2– المقطوعة التالية قدَّم لها بمقدمة عربها المترجم بهذه الصورة: «عندما - وما أكثر ذلك – تختلط روائح النباتات العطرة مثل الرند والخزامة والطهجام وكثير من النباتات العطرة الأخرى بنسيم الصباح العليل. الترجمة جـ1/271».

هذه الفقرة تعريب لنص بلجريف:

«But when، nor is this seldom، the sweet smell of Rend، Khozamah، Themam and other aromatic thyme-like plants that here abound، mixes with the light morning.Vol 1: 231».

التعريب، هذه المرة، مقبولٌ إلى حدٍّ مَّا، مع صعوبة التجاوز عن الخطأ الإملائي في تعريبه لكلمة (Khozamah)، فالخزامة، التي وضعها المترجم مكان الخزامى، تعني حلقة من شعر ونحوه توضع في وترة أنف البعير يشد فيها الزمام، وخزامة النعل: سير رقيق يخزم بين الشراكَين[14] ، والخزَّامة بتضعيف الزاي في لهجة أهل الخليج: حلقة من ذهب ونحوه تضعها المرأة في وترة أنفها في جملة ما تضع من الحلي، أما الخزامى فهو خِبْرِيُّ البر، وهو نبت طيب الرائحة[15] ، فأين هذه من ذاك؟

بقي أن أسأل ما هو «الطهجام؟» ولأترك الإجابة لشاعر مصري شهير هو محمود سامي البارودي، وهو من بلديات السيد المترجم، وقوله، لدون شك، أكثر إقناعًا:

لعَمْرِي لَكوخٌ من ثُمَامٍ بتَلعةٍ

أَحَبُّ إِلَى قلبي من الْبيتِ ذي الرُّكْن

والقارئ يعلم أن البارودي في هذا البيت عالة على ميسون بنت بجدل الكلابية، أم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فقد سبقته بخمسة عشر قرنًا بقولها:

لَبَيْتٌ تخفِقُ الأرواحُ فيه

أحبُّ إليَّ من قصرٍ مُنيفِ

ولكنه أفادنا عن الثمام بأفضل مما أفادت تلك الغانية اللعوب.

 بعد هذا نواصل مشوارنا مع السيد المترجم وتعريبه للقصيدة، يقول سلمت براجمه:

«وهنا قلت لرفيقي بينما تسرع الإبل الخطى

لتحملنا عبر الطريق بين منيفه ودماى

تمتع قدر ما استطعت بنسيم نجد

فلن تلقى مثل هذه المروج، وهذا الجمال بعد هذا المساء

آه بارك الله نسيم نجد المعطر

وبارك الله خضراتها(؟) وبياراتها التي تتلألأ بفعل أمطار الربيع

وأصدقاءك الأعزاء عندما ساقك قدرك إلى نجد

قليل ذلك الذي تشكو منه، والذي سببته لك الأيام

وانصرمت الشهور، انصرمت بدون أن نلاحظها

لا عندما تكون أقمارها أهلة، ولا عندما تكون محاقًا. الترجمة جـ1/271 - 272».

في ذيل الصفحة تعليق للمترجم يقول: «منيفه ودماى تلاَّن على حدود القصيم في اتجاه المدينة».

ولا أدري من أين جاء بهذا التعريف المنكر، وأين قرأ أو سمع بمكان اسمه (دماى) على أديم الكرة الأرضية مطلقًا.

لبلجريف كل العذر في كتابة الاسم Demar؛ إذ ليس في حروف لغته ما يقابل حرف الضاد العربي، الذي سميت به اللغة العربية «لغة الضاد»، وسمي العرب: «الناطقين بالضاد»، لكن كيف نعتذر للمترجم؟

لا شك عندي في أن القارئ الكريم من النص الانجليزي قد تفطن إلى الشعر المقصود بالترجمة، وهو يتوق إلى الاستمتاع –على سبيل المذاكرة- بالصيغة السليمة لهذا الشعر العذب الجميل، كما قاله صاحبه، ذلك الذي اختلفت فيه كتب الأدب، فمنها ما نسبه إلى بعض الأعراب مطلقًا، ومنها ما نسبه إلى جعدة بن معاوية العقيلي، أو إلى الصمة بن عبد الله القشيري، وبعضها اتهم بالأبيات مجنون بني عامر، والأبيات هي:

أقول لصاحبي والعيس تهوي

بنا بين المنيفة فالغِمار[16] 

تمتَّع من شميم عَرَارِ نجدٍ

فما بعد العشية من عَرار

ألا يا حَبَّذا نفحاتُ نجدٍ

وريَّا روضِه بعد القطار

وأهلُك إذ يحل الحي نجدًا

وأنت على زمانك غيرُ زار

شهور ينقضين وما شعرنا

بأنصافٍ لهن ولا سرار

فأما ليلهن فخير ليلٍ

وأقصر ما يكون من النهار

نعود، مرة أخرى لـ«الطهجام»؟

لقد أورد هذا الاسم مرة أخرى برسم (الطهام، جـ1/383)، وكما رأيت فإن بلجريف رسمه في الأصل (Themam)، فيكون تعريبه (الثمام)، وهو نبات ورقه شبيه بالخوص، تحشى به الوسائد، وأما الموضع الذي سمَّاه المترجم (دماي)، ووصفه بأنه (تل في القصيم على حدود المدينة)، فحقيقته: (الضِّمار)، تقول ذلك كتب الأدب، لكن العلاَّمة الشيخ حمد الجاسر (رحمه الله)، يرى أنه الغِمار، وله فيه تفاصيل يهمنا منها هنا قوله: «وأقول:

أ- ورد اسم الغمار في الأبيات المتقدمة، في كثير من كتب الأدب مصحَّفًا إلى (الضمار)، ولكن صاحب (المناسك) صححه، وما ذكره يوافق ما أورده أبو تمام في (الحماسة).

ب- اختُلِف في نسبة الأبيات فقيل هي للصمة بن عبد لله القشيرى، وصحَّح الصاغاني في (التكملة) أنها لجعدة بن معاوية القشيري، أما ما ورد في كتاب (المناسك) فلم أره في غيره فيما اطلعت عليه... وأرى أن الشاعر قالها وهو متَّجهٌ من المنيفة (الحاجر) شرقاً إلى الغمار ليغادر نجداً، سواءَ كان القائل الصمة -حينما ذهب من نجد مغاضباً عمه الذي أبى تزويجه ابنته- أو غيره من الشعراء، أما الغمار - الذي تقدمت الأقوال في ذكره - فلا يزال معروفاً، وادٍ ينحدر من جبل حبشي وما حوله من الجبال والتلال، يسير متَّجهاً صوب الشرق، وترفده شعاب وأودية من أشهرها وادي العُظيم، بضم العين... وبعض العامة يشبع كسرة الغين فيقول: الغيمار، وبعضهم يفتح الغين، ويزيد الاسم ياء (الغيمار)»[17] .

3– نتابع استعراض هذه الترجمة، فنقرأ فيها: «هذا شاعر يندم على الرحيل وذاك شاعر آخر ملتاع بسبب بعده عن الأحبة يقول:

آه يا صبا نجد عندما تهب عليلاً من نجد

هفهفاتك تزيدني حبًّا على حب

وعندما تنوح اليمامة في الصباح المشرق الوضاء

من عشها الورقي فوق حشائش الزعتر المتشابكة

بكيت بكاء طفل، ولم أعد أتحمل البكاء أكثر من ذلك

وكشف قلبي لقلبي سره الدفين

ومع ذلك فهم يقولون إن الحبيبة عندما تقترب

فإن الحب يتخم، وأن البعد أيضًا يجلب النسيان

خبرت البعد والقرب ولم استفد منهما شيئًا

إلا إذا كانت ديار الحبيبة قريبة وليست بعيدة

إلا إذا كانت ديار الحبيبة تعطيني شيئًا من العزاء

إلا إذا كانت ديار الحبيبة تبادلني حبًّا بحب، الترجمة جـ 1/272».

سوف تدرك –قارئي العزيز– مبلغ علم المترجم الفاضل بالأدب العربي، إذا علمت أن هذه الأبيات بلغت من الخفاء حدًّا تكاد معه ألاَّ يخلو منها مصدر من مصادر التراث الأدبي العربي، وإلى حد أن لحَّنها وغناها أكثر من فنان وفنانة عربيين، منهم الفنان الكويتي عوض دوخي (رحمه الله)، والفقير لله، كاتب هذه السطور، بين يديه من المصادر التي تضمنت هذه الأبيات - على ما يعلمه الأحبة الأصدقاء من تواضع مكتبته - ثلاثة عشر مصدرًا عدا ديوان مجنون ليلى، وديوان ابن الدمينة الذين تنازعا الأبيات، فكيف بأستاذ جامعي يضع يده على مكتبة جامعة بحالها، فرحم الله العلم والعلماء، في هذا الزمن المعطاء.

الأبيات التي عبث بها مترجمها الفاضل على النحو الذي رأيت هي من قصيدة عدتها في ديوان ابن الدمينة (25) بيتًا، وفي ديوان المجنون (13) بيتًا، والأبيات التي اشتملت عليها الترجمة مقتبسة من ديوان المجنون، وهي:

أَلا يا صَبا نَجدٍ مَتى هِجتِ مِن نَجدِ؟

فَقَد زادَني مَسراكِ وَجداً عَلى وَجد

َأئن هَتَفَت وَرقاءُ في رَونَقِ الضُحى

عَلى فَنَنٍ غَضِّ النَباتِ مِنَ الرَندِ

بَكَيتُ كَما يَبكي الوَليدُ وَلَم أَزَل

جَليداً وَأَبدَيتُ الَّذي لَم أَكُن أُبدي

وَأَصبَحتُ قَد قَضَّيتُ كُلَّ لُبانَةٍ

تِهاميَّةٍ وَاشتاقَ قَلبي إِلى نَجدِ

إِذا وَعَدَت زادَ الهَوى لانتِظارِها

وَإِن بَخِلَت بِالوَعدِ مِتُّ عَلى الوَعدِ

وَإِن قَرُبَت داراً بَكَيتُ وَإِن نَأَت

كَلِفتُ، فَلا لِلقُربِ أَسلو، وَلا البُعدِ

فَفي كُلِّ حُبٍّ لا مَحالَةَ فَرحَةٌ

وَحُبُّكِ ما فيهِ سِوى مُحكَمِ الجُهدِ

أَحِنُّ إِلى نَجدٍ فَيا لَيتَ أَنَّني

سُقيتُ عَلى سُلوانِهِ مِن هَوى نَجدِ

أَلا حَبَّذا نَجدٌ وَطيبُ تُرابِهِ

وَأَرواحُهُ إِن كانَ نَجدٌ عَلى العَهدِ

وَقَد زَعَموا أَنَّ المُحِبَّ إِذا دَنا

يَمَلُّ، وَأَنَّ النَأيَ يَشفي مِنَ الوَجدِ

بِكُلٍّ تَداوَينا فَلَم يُشفَ ما بِنا

عَلى أَنَّ قُربَ الدارِ خَيرٌ مِنَ البُعدِ

عَلى أَنَّ قُربَ الدارِ لَيسَ بِنافِعٍ

إِذا كانَ مَن تَهواهُ لَيسَ بِذي وُدِّ

4– واقرأ، أيضًا، رعاك الله، لتزداد معرفة ومتعة:

«كما أن كثيرًا من زوار الكعبة يطلقون على أنفسهم بحق ما قاله أوفيد العرب (Ovid [18] )، عمر بن أبي ربيعة عند عودته من مكة:

قصدتها تخففا من حمل خطاياي

وعدت أحمل حملاً جديدًا من الخطايا. جـ1/301».

من يتصوَّر أو يصدق أن بلجريف -وهو الأجنبي الغريب- على ما رأينا من عجزه حتى عن التمييز بين الجمل والأتان – يكون أكثر علمًا واطلاعًا على أدب العرب، وشعرهم من مترجمه؟ أو ليس المفترض أنَّ (أهل مكة أدرى بشعابها، وأن صاحب البيت أدرى بما فيه؟ البيت المترجَم بالصورة التي رأيت هو لعمر بن أبي ربيعة، أو كما سماه المؤلف Ovid العرب، ونصه العربي:

تَرَوَّحَ يَرجو أَن تُحَطَّ ذُنوبُهُ

فَآبَ وَقَد زادَت عَلَيهِ ذُنوبُ

وهو من قطعة جميلة تتألف من خمسة أبيات يحسن أن نوردها ترويحاً للقارئ عما لحقه من وعوثة هذا البحث الخشن[19] :

يَقولونَ إنّي لَستُ أَصدُقُكِ الهَوى

وَإِنِّيَ لا أَرعاكِ حينَ أَغيبُ

فَما بالُ طَرفي عَفَّ عَمّا تَساقَطَت

لَهُ أَعيُنٌ، مِن مَعشَرٍ، وَقُلوبُ

عَشِيَّةَ لا يَستَنكِرُ القَومُ أَن يَرَوا

سَفاهَ حِجىً مِمَّن يُقالُ لَبيبُ

تَرَوَّحَ يَرجو أَن تُحَطَّ ذُنوبُهُ

فَآبَ وَقَد زادَت عَلَيهِ ذُنوبُ

وَما النُسكُ أَسلاني، وَلَكِنَّ لِلهَوى

عَلى العَينِ مِنّي وَالفُؤادِ رَقيبُ

5– لا يخالجني أدنى شك في بطلان ما ادعاه بلجريف من رؤيته شعر رأس المتصوفة عمر بن الفارض منقوشًا في أحد بيوت نجد، أثناء رحلته المزعومة، لكن هذا لا يمنع من الإقرار بفوزه على مترجمه بالمعرفة، ودليلي هذا النص: «وأشار إلينا عبد الكريم بالدخول إلى حوش المنزل، ومن حوش المنزل اتجهنا إلى درج طويل يؤدي إلى الطابق الثاني حيث أدخلنا إلى ديوان أنيق حسن الإضاءة، وفوق باب ذلك الديوان نُقِشت بحروف نصف كوفية، وهي الأحرف التي يشيع استعمالها في نجد، الأبيات التالية المأخوذة عن عمر بن الفارض:

مرحبًا بمن لا أستحق لقاءه

مرحبًا بالصوت الذي يعلن الفرح بعد الحزن

الترتيبات الجميلة لك، ولتذهب ثياب الحزن

أعلم أنك مقبول، وأنا نفسي سوف أتحمل كل ما يغضبك. جـ2/7».

هل تلتمس، مثلي أيها القارئ العزيز، للسيد المترجم عذرًا في هذه «الكركبة» التي سماها شعرًًا؟

ابن الفارض يعد من أشهر شعراء المتصوِّفة؛ وشعره - وإنَّ كان ليس سائرًا كالأشعار التي سبق عرضُها، فإن هذا لا يبيح للمترجم إرهاق نفسه وقارئه بهذه الترجمة المسخ، فالشاعر له ديوان مطبوع، وكان بوسعه نقل القصيدة منه، المهم أن قصيدة ابن الفارض هذه مطلعها:

ما بَيْنَ مُعْتَرَكِ الأحداقِ والمُهَجِ

أنا القَتِيلُ بلا إثمٍ ولا حَرَجِ

أما البيتان المترجمان فهما:

أهلاً بما لم أكُنْ أهْلاً لمَوقِعِه

قَوْلِ المُبَشِّرِ بعد اليأس بالفرَجِ

لكَ البِشارةُ، فاخْلَعْ ما عليكَ فقد

ذُكِرْتَ، ثَمّ، على ما فيكَ مِنْ عِوَجِ

6– في أولى حلقات هذا البحث[20]  ورد اسم «جاعونات»، وأبو النعامات، وكنت آثرت إرجاء تفسيره إلى حين الحديث عن الشعر، وها قد حان وقت الوفاء بالوعد، فلنقرأ: «وأنا أرى أن القارئ سيعترض على بعض الأبيات القليلة التي اقتطعتها من صرخة الحرب التي كان يطلقها كل من جاعونات وأبو طاهر سليمان؛ وهذا يزيد أيضًا في أهمية الشعر التاريخية:

قلت لنفسي عندما ضربها الخوف لحظة

في وجود السرايا المعادية، عار عليك، لماذا تخافين؟

أليس عليك أن تبذلي قصارى جهدك لتطيلي حياتك يومًا واحدًا؟

إلى ما بعد الزمن المخصص لك، ضاع كل ذلك هباءً

تشجعي، عندئذٍ، وسط دوامات الموت تشجعي

خلود الحياة رغبة لا تتحقق

طول الأيام ليس عباءة شرف لمن يرتديها

ولتكن هذه العباءة رداء يلف خافت القلب، الجبان

الموت هو هدف الحياة، وجميع مساراتنا توصلنا إليه

الموت ملَك، ومناديه ينادي الواحد والجميع

ومن لم يمت في الدم يحمل الخطأ والضعف

إلى أن يبتره الموت من الحياة، ومن الوجود

الحياة ليست بركة للإنسان، ولا تستحق الاقتناء

عندما تضعه الشيخوخة ضمن الأشياء التي لم يعد لها نفع أو فائدة. جـ2/168».

أقترح على المراكز الثقافية، وفي مقدمتها المركز الأعلى للثقافة بمصر، أن تنظم مسابقة لمعرفة هذا (الجاعونات)، صاحب هذا الشعر، فلعل أحدًا من اللاتين يفوز بالجائزة، إذا تمكن من معرفة قائل هذا الشعر، فكُتب التراث تكنيه أبا نعامة، قطري بن الفجاءة، وتسميه جعونة بن مازن بن يزيد بن زياد بن خنثر بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مر، المازني الخارجي[21] ، أما الصفدي فيرى أن جعونة اسمٌ لأبيه، وأما الشعر فلا أشهر منه إلا فرقة الخوارج نفسها في مضمار الحركات المعارضة في التاريخ الإسلامي الذي يتولى الدكتور حلمي عبد المنعم وكالة كليته في جامعة الأزهر الشريف، وهو من راجع الجانب الديني من الكتاب، وهذه هي القصيدة:

أَقولُ لَها وَقَد طارَت شَعاعاً

مِنَ الأَبطالِ وَيحَكَ لَن تُراعي

فَإِنَّكِ لَو سَأَلتِ بَقاءَ يَومٍ

عَلى الأَجَلِ الَّذي لَكِ لَم تُطاعي

فَصَبراً في مَجالِ المَوتِ، صَبرا

فَما نَيلُ الخُلودِ بِمُستَطاعِ

وَلا ثَوبُ البَقاءِ بِثَوبِ عِزٍّ

فَيُطوى عَن أَخي الخَنعِ اليُراعُ

سَبيلُ المَوتِ غايَةُ كُلِّ حَيٍّ

فَداعِيْهُ لأَهلِ الأَرضِ داعي

وَمَن لا يُعتَبَط يَسأَم وَيَهرَم

وَتُسلِمهُ المَنونُ إِلى اِنقِطاعِ

وَما لِلمَرءِ خَيرٌ في حَياةٍ

إِذا ما عُدَّ مِن سَقَطِ المَتاعِ

7– عسى أن تكون الفقرة التالية خاتمة الأسواء، فبها نختم استعراض هذا التعريب المؤنس للشعر العربي: «وروى لي مغيث، على عهدة الموروث القادري، كيف أن أحمد الغزالي أحد أبناء طوس الشهيرين في بلاد فارس (لعل القارئ المثقف يعرف أن هذا الرجل مؤلف كتاب «لباب الإحياء»، وأن صيته قد ذاع في العام 1180 الميلادي) قال لتلاميذه وأتباعه ومريديه ذات يوم: >اذهبوا واحضروا إليَّ ثيابًا بيضاء جديدة، نظرًا لأن الملك قد استدعاني للمثول أمامه<. وينصرف هؤلاء الأتباع والمريدون، وعندما عادوا إلى أحمد الغزالي ومعهم الثياب المطلوبة، وجدوه ميِّتًا، وكانت إلى جواره ورقة كتبت عليها المقطوعات التالية:

قل لأصدقائي الذين سيروني ميتًا

يبكون ويحزنون هنيهة على خسراني

لا تظنوا أن هذا الجثمان الذي أمامكم هو أنا

هذا الجثمان جثماني، ولكنه ليس أنا

أنا حياة لا تموت، وهذا ليس سوى جسدي

السنين الكثيرة داري وثيابي التي تتغير

أنا طائر، وهذا الجسم كان قفصي

لقد جنَّحتُ طيراني إلى مكان آخر، وتركته إشارة

أنا لؤلؤة، وهذه محارتي

انفتحت عنوة وهُجرت للعدم

أنا الكنز، وهذا كان العزيمة

أُلقِيَت عليَّ، إلى أن دخل الكنز في الحقيقة

شكرًا لله الذي أسلمني

وحدد لي مسكنًا في الأعلى

هناك أنا الآن أمضي اليوم في الحديث مع السعداء

وأرى الإله وجهًا لوجه وبلا قناع

وأتأمل المرآة التي أرى وأقرأ فيها

الماضي، والحاضر، وكل ذلك الذي يتبقى أن يكون

الطعام والشراب أيضًا لي إلا أنهما اثنان في واحد

والأسرار معروفة لذلك الذي يجدر به أن يعرفها

أنا لا أشرب نبيذًا حلو المذاق

لا، ولا ماءً، حليب الأم النقي

أفهم ما أعنيه جيدًا لأن السر

تدل عليه كلمات الرمز والمحسنات البديعية

لقد مضيت في رحلتي وتركتك ورائي

كيف أتخذ مسكنًا من مسرحك المتوقف؟

إذن حطم منزلي وكسر قفصي إربًا إربا

واترك المحارة تموت ومعها أخدوعات نسبية

مزق ثوبي، ذلك القناع الذي ألقي علي ذات مرة

ثم ادفن كل ذلك ودعه كله في طي النسيان

لا تَعُدَّ الموت موتًا، لأنه في الحقيقة

حياة الحياوات، هدف كل استباقاتنا

فكر بحب في الرب الذي اسمه الحب

الذي يفرح بالعطاء، ويهب لتطمين الخوف

من حيث أكون، أراك أيتها الأرواح التي لا تموت مثلي تمامًا

وأرى مصيرنا واحد، وأراك مثلي أنا. جـ2/264 - 265».

قد لا تهمُّ كثيرًا من القراء معرفة الأخطاء النحوية والصرفية في هذه القطعة، مثل: (الذين يسروني)، والصواب: (يسرونني) أو: (وأرى مصيرنا واحد)، والصواب: (واحدًا)، أو: (وأسلمني) بمعنى سلَّمني وحفظني، فهذه لم تفتهم، على الأرجح، ناهيك عن معرفة ناظم القصيدة الذي زعم بلجريف أنه «أحمد الغزالي» أخو أبي حامد (... ـ 520هـ... ـ 1126م)، وقد بينتُ في مكان آخر أنها لأخيه أبي حامد الغزالي[22]  (450، 451هـ، 1058، 1059 – 1111م)، وعليه فقد برئت ذمتي من واحد، على الأقل، من الديون التي عليَّ للقارئ، لكن الأهم أن يعرف أن معانيَ الأبيات مقتبسة من مقطوعة من الشعر العامي لحسين بن منصور الحلاج، (244 – 309هـ، 858 – 922م) وتنسب، كذلك، لشهاب الدين عمر السهروردي الصوفي (539 – 632هـ، 1145 – 1234م، وأما الصيغة العربية الأصلية للقصيدة، فهذه، في ظني، أنَّ القراء الأعزاء لا شكَّ يعرفونها، ولاسيما من يتعاطى المسائل الصوفية والعرفانية، ولكن ذلك لا يعفينا من عرضها، فها هي بتمامها وكمالها.

قل لإخوانٍ رأوني ميِّتاً

فبكوني ورثوا لي حَزَنا

أتظنون بأني ميتُكم؟

ليس ذاك الميت، واللَه، أنا!

أنا في الصُّور، وهذا جسدي

كان بيتي وقميصي زمنا

أنا كنزٌ وحجابي طِلْسم

من تراب كان لي فيه عنا

أنا دُرٌّ قد حواه صدفٌ

كنت ممحوناً فعفت المِحنا

أنا عصفور، وهذا قفصي

طرت منه وبقي مرتهنا

أحمَد اللهَ الذي خلَّصني

وبنى لي في المعالي سكَنا

كنت قبل اليوم ميتاً بينكم

فحييتُ وخلعت الكفنا

وأنا اليوم أناجي ملأً

وأرى اللَه جهاراً علنا

عاكف في اللوح أقرا وأرى

كلما كان تناءى ودنا

وطعامي وشرابي واحد

وهو رمزٌ فافهموه حسنا

ليس خمراً سائغاً أو عسلا

لا ولا ماء ولكن لبنا

فافهموا السر ففيه نبأ

أي معنى تحت لفظي كمنا

فاهدموا بيتي ورضوا قفصي

وذروا الطلسم (؟)[23]  بفنا

قد ترحلت وخلفتكمُ

لست أرضى داركم لي وطنا

لا تظنوا الموت موتاً أنه

لحياة وهي غايات المنى

حي في الدار نؤومًا مغرقًا

فإذا مات أطار الوسنا

لا ترعكم هجعة الموت فما

هي إلا نقلة من ها هنا

وخذوا في الزاد جهداً لا تَنُوا

ليس بالعاقل منا من ونى

واحسنوا الظن برب راحم

شاكر للسعي وأتوا مأمنا

عنصر الأنفس منا واحد

وكذا الجسم جميعاً عمنا

ما أرى نفسي إلا أنتمُ

واعتقادي أنكم أنتم أنا

فارحموني ترحموا أنفسكم

واعلموا أنكمُ في إثرنا

أسال اللَه لنفسي رحمةً

رحمة اللَه صديقاً أمنا

وعليكم من سلامي طيبٌ

سلم الله عليكم وثنى[24] 

وقصيدة الحلاج التالية برهان هذا الاقتباس:

قُل لِمَن يَبكي عَلَينا حَزَناً

افرَحوا لي قَد بَلَغنا الوَطَنا

إِنَّ مَوتي هُوْ حَياتي إِنَّني

أَنظُرُ اللَهَ جهاراً عَلَنا

مَن بَنى لي (دار) في دُنيا البَقا

لَيسَ يَبني (دار) في دُنيا الفَنا

إِنَمّا المَوتُ عَلَيكُم راصِدٌ

سَوفَ (ينقلُكم) جَميعاً مِن هُنا

أَنا عُصفورٌ وَهَذا قَفَصي

كانَ سِجني وَقَميصي كَفَنا

فَاِشكُروا اللَهَ الَّذي خَلَّصَنا

وَبَنى لي في المَعالي مَسكَنا

فَاِفهَموا قَولي فَفيهِ نَبَأٌ

أَيّ مَعنى تَحتَ قَولي كَمنا

وَقَميصي قَطِّعوهُ قطَعاً

وَدَعوا الكُلَّ دَفينًا زَمَنا

لا أَرى روحِيَ إلا أَنتُمُ

وَاِعتِقادي أَنَّكُم أَنتُم أَنا[25] 

 

بعد هذا هل يلام بلجريف إذا أخفق في المحافظة على رونق الشعر العربي ورقته وعذوبته؛ لأن لغته لا تملك مقومات اللغة التي كتب فيها ذلك الشعر، ولا غناها وإشراقتها الأصيلة الناصعة؟ يقينًا لا، وحسبه أن عبر عن استحواذ هذا الشعر على مشاعره، لكن ما الشأن مع المترجم، وهو المنتمي إلى تراب الكنانة، وهي أم الضاد، وحصنها المنيع؟

[1]  محيط المحيط، المعلم بطرس البستاني، نشر مكتبة لبنان، مطابع مؤسسة جواد، بيروت، الطبعة جديدة، 1983م، ص: 457.

[2]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 429.

[3]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 291.

[4]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 391.

[5]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 165 - 166.

[6]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 156.

[7]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره،ص: 934.

[8]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 106.

[9]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 859.

[10]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 148.

[11]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 806.

[12]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 391.

[13]  ديوان ديك الجن الحمصي، حققه وأعد تكملته، د. أحمد مطلوب وعبد الله الجبوري، الطبعة بدون رقم ولا تاريخ، نشر وتوزيع دار الثقافة، بيروت، ص: 170.

[14]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 230.

[15]  محيط المحيط، مصدر سبق ذكره، ص: 230.

[16]  روايته في كتب الأدب: (فالضمار) بضاد معجمة، مكان العين، لكنني اعتمدت هنا على رأي الشيخ حمد الجاسر (F)، كما سيأتي.

[17]  انظر: الموسوعة الجغرافية للأماكن بالمملكة العربية السعودية، إعداد الجمعية الجغرافية السعودية، نشر وزارة التعليم العالي، قرص مدمج: CD، نقلاً عن المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية – شمال المملكة، للشيخ حمد الجاسر.

[18]  أوفيد PUBLIUS OVIDIUS NASO: 43 ق، م، 17 م، أشهر الشعراء الرومان، غزِل، ماجن، متحرر من الأعراف الاجتماعية والأخلاقية، شعره أنيق، يعد نسيجًا وحده بين الشعراء الرومان. 1999 Encyclopdia Britannica قرص مدمج CD، و Microsoft® Encarta 2007 قرص مدمج CD.

[19]  ديوان عمر بن أبي ربيعة، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، لم يذكر رقم الطبعة، 1404، 1984م، ص: 33.

[20]  الواحة، العدد 48، شتاء 2008م، ص: 71.

[21]  انظر ترجمته في وفيات الأعيان، لابن خلكان، والوافي بالوفيات، للصفدي، الموسوعة الشعرية، الإصدار الثالث، لعام 2003م، إعداد المجمع الثقافي، الإمارات العربية المتحدة، قرص مدمج. CD.

[22]  الواحة، العدد 48، شتاء 2008م، ص: 71.

[23]  كلمة ساقطة من الأصل، أخلت بوزن البيت ومعناه،

[24]  راجع ديوان أبي حامد الغزالي، وديوان الحلاج، الحسين بن منصور، الموسوعة الشعرية، الإصدار الثالث، لعام 2003م، إعداد المجمع الثقافي، الإمارات العربية، قرص مدمج. CD.

[25]  راجع ديوان أبي حامد الغزالي، وديوان الحلاج، الحسين بن منصور، الموسوعة الشعرية، الإصدار الثالث، لعام 2003م، إعداد المجمع الثقافي، الإمارات العربية، قرص مدمج. CD.
مدير التحرير
358516