قصة قصيرة
أنفُ العُمْدَةِ
عبد الله النصر * - 8 / 2 / 2011م - 3:13 م - العدد (56)

العُمْدَةُ لا يفتأ يحكُ أنفهُ كل ثانية.

قبلَ عشرين عاماً، انتقل خبرٌ بأن أنفَهُ بهِ مرضٌ مُعْدٍ، وأنهُ بمجرد ملامَسَتهِ لأنفِ أيِّ إنسانٍ، فسوفَ ينتقلُ إليهِ المرضُ، لا محالة.

وعليهِ، أصدَرَ العمدةُ بياناً قالَ فيهِ: (بعد اليوم، لن أقيمَ أيَّ نوعٍ من العقابِ على أيِّ مفسدٍ أو معتدٍ من أهالي القرية، إلا أني سوفَ ألامسُ أنفي بأنفهِ، وإذا ما انتقلَ إليهِ المرضُ، فسوفَ يدلُّ ويُشيرُ على ذاتِهِ بذاتِهِ بأنهُ صاحبَ خطيئةٍ ما، وسيعرفُهُ الناسُ كلُّهم، وسيبقى منبوذاً محتقراً منهم، حتى الموت، وربما يموتُ سريعاً لمعاناتِهِ النفسيةِ إثرَ ذلك).

حينئذٍ وُضِعَ الحرسُ القويُّ حولَ العمدةِ أينما حلَّ؛ لئلا يُعتدى عليه، ونَشَرَ عَسَسَهُ وعُيُونَهُ في أنحاءِ القريةِ للقبضِ على الخاطئين.

انتقلَ الخبر إلى عُمَدِ القرى المجاورة، بل عمَّ الخبرُ رجالَ أمنِ المدنِ والأوطان الأخرى، فعقدوا - مَعَ العمدةِ - اتفاقاً بأنْ يأتوا بكلِّ فاسقٍ مِنْ أراضيهم إليهِ فيعديه، مرددين: (ننفقُ بعضَ المالِ الذي سوفَ يعوّض، ونحصلُ إثرَ المجيء إلى العمدةِ على بعضِ تعبٍ سوفَ يزول خيرٌ مِنْ فَقْدِ الأمنِ والأمانِ لدينا إلى الأبد).

وهكذا، بقي الجميعُ يتحاشونَ الخطيئة، فعمهمُ الأمنُ والطمأنينة، وصاروا يدعونَ للعمدةِ بعمرٍ مديد.

لكنَّ العمدةَ اليومَ، تمنى أنْ لو ماتَ قبلَ أنْ يحلَّ مساءُ الأمس؛ فقد زلَّ لسانُهُ إثرَ ولوجِهِ في نوبةٍ صحية، فذكرَ أثناءها أمام ابنهِ الذي لا يضمُّ سِرًّا، أنهُ لم يُعان مِنْ مرضٍ معدٍ طوالَ عمرِهِ أبداً، وما يفعلَهُ معَ أنفِهِ، ماهوَ إلا مجردُ حركةٍ قبيحةٍ، لا يعلمُ كيفَ اعتادَها مُنْذُ شبابه.

 

10/6/1430هـ

قاص - السعودية.
358523