النزعة الهجائية عند دعبل الخزاعي
محمد الخباز * - 9 / 2 / 2011م - 4:04 م - العدد (57)

تختلف صورة دعبل الخزاعي (148-246هـ) في الكتب التي ترجمت لحياته، فهناك صنف من الترجمات ترسم له صورة تميل إلى السواد، فدعبل - في هذه الكتب - هو شخصٌ خبيثُ اللسان، فاحشُ القول، مسرف في اللهو والملذات، مصاحب للشطار وقطاع الطرق، والروايات الدالة على ذلك متفرقة في كتب الأدب، كالموازنة للآمدي، ومعجم الأدباء لياقوت الحموي، والعمدة لابن رشيق القيرواني، وكذلك كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، والذي توجد فيه ترجمة طويلة لدعبل، يقول فيها، مثلاً، واصفاً دعبلا: (شاعر متقدم، مطبوع، هَجَّاء، خبيث اللسان، لم يسلم عليه أحد من الخلفاء، ولا من وزرائهم، ولا أولادهم، ولا ذو نباهة أحسن إليه أو لم يحسن، ولا أفلت منه كبير أحد، وكان شديد التعصب على النزارية للقحطانية)[1] .

على أن هذه الترجمات لا تنكر تشيع دعبل، وتعصبه لأهل البيت (عليهم السلام)، وعادة ما تذكر قصيدته التائية المشهورة وقصته مع الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، في حين تميل الترجمات الشيعية لرسم صورة تميل إلى البياض دون ذكر أي جانب سلبي، يقول العلامة الحلي مثلاً: (دعبل بن علي الخزاعي، الشاعر، مشهور في أصحابنا، حاله مشهور في الإيمان، وعلو المنزلة، عظيم)[2] ، وبعكس الترجمات الأدبية فالترجمات الشيعية لا تذكر شيئاً من أخبار دعبل ما عدا قصة قصيدته التائية.

وقد اخترنا في قراءتنا هذه نسخةً من ديوان دعبلٍ محققةً على يد ضياء حسين الأعلمي، بيروت: دار الهادي، 1997م)، وقد قسم المحقق ديوان دعبل إلى قسمين: الأول، وفيه الشعر المنسوب لدعبل فقط، والثاني، وفيه الشعر المنسوب لدعبل ولغيره. وسيقتصر كلامنا على ما ورد في القسم الأول فقط، وستقوم قراءتنا البسيطة ببيان العناصر الرئيسية التي تكون صورة دعبل في شعره المنسوب له، ولكن بشكلٍ بسيط، ثم سنفصل القول في نزعته الهجائية باعتبار أن شعر الشاعر - حسب ما ترى بعض المدارس الأدبية - هو مرآة تنعكس فيها صورة الشاعر وطبيعة حياته، وأفكاره وميوله. وهذه العناصر هي:

أولاً: تشيعه لأهل البيت

وأظن أن هذا العنصر لا يحتاج لعرض أمثلةٍ عليه، بسبب اشتهار التائية، ولكن لا بأس ببعضٍ من ذلك، يقول مثلاً في آل البيت:

طرقتك طارقة المنى ببيات

لا تظهرى جزعا فأنت بَدَات

في حب آل مصطفى ووصيه

شغل عن اللذات والقينات

إن النشيد بحب آل محمد

أزكى وأنفع لي من القنيات

فاحش القصيد بهم وفرغ فيهم

قلبا حشوت هواه باللذات

واقطع حبالة من يريد سواهم

في حبهم تحلل بدار نجاة

وقال في خصائص الإمام على بن أبي طالب:

ألا إنه طهر زكي مطهَّر

سريع إلى الخيرات والبركات

غلاما وكهلا خير كهل ويافع

وأبسطهم كفًّا إلى الكربات

وأشجعهم قلبا، وأصدقهم أخا 

وأعظمهم في المجد والقربات

أخو المصطفى بل صهره ووصيه 

من القوم والسَّتار للعورات 

كهارون من موسى على رغم معشر 

سفال لئام شقَّق البشرات

فقال: ألا من كنت مولاه منكم

فهذا له مولى بُعيد وفاتي

أخي ووصيي وابن عمى ووارثي

وقاضى ديوني من جميع عداتي

وقال في رثاء الإمام الرضا:

ألا ما لعيني بالدموع استهلت

ولو فقدت ماءَ الشؤون لقرَّت

على من بكته الأرض واسترجعت له

رؤوس الجبال الشامخات وذلت

وقد أعولت تبكي السماء لفقده

وأنجمها ناحت عليه وكلت

رزينا رضيَّ الله سبط نبينا

فأخلفت الدنيا له وتولت

فنحن عليه اليوم أجدر بالبكاء

لمرزئة عزت علينا وجلت

وما خير دنيا بعد آل محمد 

ألا لا نباليها إذا ما اضمحلت

تجلت مصيبات الزمان ولا أرى 

مصيبتنا بالمصطفين تجلت

وقال في آل البيت:

لا أضحك الله سن الدهر إن ضحكت 

وآل أحمد مظلومون قد قهروا

مشردون نفوا عن عقر دارهم

كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر

ثانياً: الافتخار بقومه

وهي صفة ذكرتها له التراجم الأدبية، حيث كان يتعصَّب لقبيلته اليمانية، قال مثلاً يفتخر بقومه وينوه بمزاياه من قصيدة:

إذا غزونا فمغزانا بأنقرَةٍ

وأهل سلمى بسِيْف البحر من جُرُت[3] (*)

هيهات هيهات بين المنزلين لقد

أنضيت شوقي وقد طولت ملتفتي

أحببت قومي ولم أعدل بحبهم

قالوا: تعصبت جهلاً، قول ذي بهت

لهم لساني بتقريظى وممتدحى

نعم وقلبي وما تحويه مقدرتي

قومي بنو مذحج والأزد إخوتهم

وآل كندة والأحياء من علة

ثبت الحلوم فإن سلت حفائظهم

سلوا السيوف فأردوا كلَّ ذي عنت

وقال يفتخر:

تصدقت على قومي

بما أبقيت من عمري

أنا ابن السادة القادَ

ة وابن الغرر الزهر

أقمنا أود الأعنا

ق بالهندية البتر

وما للحر منجاةٌ

كمثل السيف والصبر

 وقال في قومه ملوك اليمن:

منازل الحي من همدان فالنضد

فمأرب فظفار الملك فالجند

أرض التبابع والأقيال من يمن

أهل الجياد وأهل البيض والزرد

ما دخلوا قرية إلا وقد كتبوا

بها كتابا فلم يدرس ولم يَبِد

بالقيروان وباب الصين قد زبروا

وباب مرو وباب الهند والصغد

ثالثاً: وصفه نفسه بكرم الضيافة، وهي صفة نجده يفتخر بها في عدة مواضع. يقول مثلاً:

بانت سليمى وأمسى حبلُها انقضبا

وزودودك، ولم يرثوا لك، الوصَبا

قالت سلامة: أين المال؟ قلت لها

المال، ويحك! لاقى الحمدَ فاصطحبا

الحمد فرَّق مالي في الحقوق فما

أبقين ذمَّا، ولا أبقين لي نشبا

قالت سلامة: دع هذي اللبون لنا

لصبية مثل أفراخ القطا زغبا

قلت: احبسيها، ففيها مُتعة لهم

إن لم يُنخ طارقٌ يبغي القِرى سغبا

لما احتبى الضيف واعتلت حلوبتها

بكى العيال وغنت قدرنا طربا

هذي سبيلي وهذا، فاعملي، خلقي

فارضي به أو فكوني بعضَ من غضبا

ما لا يفوت وما قد فات مطلبه

فلن يفُوتَنيَ الرزقُ الذي كُتبا

أسعى لأطلبه والرزق يطلبني

والرزق أكثرُ لي مني له طلبا

هل أنت واجد شيء لو عنيت به

كالأجر والحمد مرتادا ومكتسبا

قوم جوادهم فرد وفارسهم

فرد وشاعرهم فرد إذا نسبا

وقال يفخر بكرمه:

إذا نبح الأضيافَ كلبي تصببت

ينابيع من ماء السرور على قلبي

فألقاهم بالبشر والبر والقِرى

ويقدمهم نحوي يبشرني كلبي

وقال أيضاً:

قال العواذل أودى المال؟ قلت لهم

ما بين أجر وفخر لي ومحمدة

أفسدت مالك قلت: المال يفسدني

إذا بخلتُ به، والجود مصلحتي

ما يرحل الضيف عني بعد تكرمة

إلا برفد وتشييع ومعذرة

أرزاق ربٍّ لأقوام يقدِّرها

من حيث شاء فيجريهن في هبة

وقال في كرمه:

أحب العاذلات لأن جودي

يزيد على ازدياد العاذلات

تعيرني بأن أفسدتَ مالي

فسادُ المال إحدى الصالحات

وقال مفتخرا:

الله يعلم أنني ما سرني

شيء كطارقة الضيوف النزَّل

ما زلت بالترحيب حتى خلتُني

ضيفا له، والضيف رب المنزل

ولعل هذه الصفة الحسنة في دعبل هي السبب في ذمه البخل والبخلاء، وهجائه لهما، يقول مثلاً يصف بخيلا:

إن هذا الفتى يصون رغيفًا

ما إليه لناظرٍ من سبيل

هو في سُفرتين من أدم الطـا

ـئف، في سلَّتين، في منديل

خُتمت كل سلة بحديد

وسيور قُدِدن من جلد فيل

في جراب، في جوف تابوت موسى

والمفاتيح عند إسرافيل

وقال يهجو بخيلا:

أتقفل مطبخا لا شيء فيه

من الدنيا يخاف عليه أكل

فهذا المطبخ استوثقت منه

فما بال الكنيف عليه قفل؟!

ولكن قد بخلت بكل شيء

فحتى السلح منك عليه بخل

وقال في هجاء بخيل:

وإن له لطباخا وخبزا

وأنواع الفواكه والشراب

ولكن دونه حبس وضرب

وأبواب تطابق دون باب

يذودون الذباب يمر عنه

كأمثال الملائكة الغضاب

وهذه الصفة - أي إكرام الضيف - تدل على نفسٍ كريمة وسخية لا تعبأ بإهدار المال وتجويع العيال من أجل الضيف. غير أن هذه الصفة التي عثرنا عليها في شعره لم نجد لها ذِكراً مركزياً في الترجمات الأدبية، ولم نجد روايات تصف لنا كرماً غير عاديٍّ لدعبل، بل كل ما هنالك بعض الروايات تذكر عَرَضاً أن دعبل استضاف بعض الأشخاص في منزله، وذلك أمر عادي.

رابعاً: معاقرته للشراب

وهي صفة تجد في الترجمات الأدبية ذكرها وإثباتها لدعبل. يقول مثلاً في الخمر:

شفاء ما ليس له شفاء 

عذراء تختال بها عذراء

حتى إذا ما كشف الغطاء

وملكت أحلامنا الصهباء

وخطب الريح إلينا الماء

جرى لنا الدهر بما نشاء

وقال في الشراب:

شربت وصحبتي يوما بغمر

شرابا كان من لطفا هواء

وزنا الكأس فارغة وملأى

فكان الوزن بينهما سواء

وكتب إلى أبى نهشل بن حميد الطوسي:

إنما العيش في منادمة الإخـ

ـوان، لا في الجلوس عند الكعاب 

وبصِرفٍ كأنها ألسن البر

ق إذا استعرضت رقيق السحاب

إن تكونوا تركتم لذة العيـ

ـش حذارَ العقاب يوم العقاب

فدعوني وما ألذُّ وأهوى

وادفعوا بي في صدر يوم الحساب

وقال في الشراب:

لا تشرب الدهر صرفا

فالصرف يورث حتفا 

واجعل من الراح نصفا

واجعل من الماء نصفا

فإنها بمزاج

أشهى وأحلى وأشفى

وقال قارناً لذة الشراب بلذة إكرام الضيف، وواصفاً لهوَه:

عللاني بسماع وطُلا

وبضيف طارق يبغي القِرى

نغمات الضيف أحلى عندنا

من ثغاء الشاء أو ذات الرغا

ننزل الضيف - إذا ما حل في

حبة القلب وألواذ الحشا

رب ضيف تاجر أخسرته

بعته المطعم وابتعت الثنا

أبغض المالَ إذا جمَّعته

إن بغض المال من حب العلا

إنما العيش خِلالٌ خمسة

حبذا تلك خلالا حبذا

خدمة الضيف وكأسٌ لذةٌ 

ونديم وفتاة وغنا

وإذا فاتك منها واحدٌ

نقص العيش بنقصان الهوى

ولعل هذا السلوك اللهوي كان من شأن دعبل في شبابه، إذ إن بعض أشعاره تبين أن الشاعر عاش مرحلتين، مرحلةَ الصبا، وفيها كان يرتع في اللذات، ومرحلة الشيب وفيها تاب عن ذلك اللهو، واتجه إلى الزهد ومدح أهل البيت، يقول مثلاً:

سقيا ورعيا لأيام الصبابات

أيام أرفل في أثواب لذاتي

أيام غصني رطيب من لدونته

أصبو إلى غير جارات وكنات

دع عنك ذكر زمان فات مطلبه

واقذف برجلك عن متن الجهالات

واقصد بكل مديح أنت قائله

نحو الهداة بني بيت الكرامات

وقال في الشيب:

كان يُنهى، فنهى حين انتهى

وانجلت عنه غيابات الصبا

خلع اللهو وأضحى مُسبِلا

للنهى فضل قميص ورداء

كيف يرجو البيض مَن أولُّه

في عيون البيض شيب وجلا

كان كحلا لمآقيها فقد

صار بالشيب لعينيها قذى

وقال:

أهلا وسهلا بالمشيب فإنه

سمة العفيف وحلية المتحرج

وكأن شيبي نظم در زاهر

في تاج ذي ملك أغرَّ متوج

ضيف ألم بمفرقي فقريته

رفض الغواية واقتصاد المنهج

لا شيء أحسن من مشيب وافد

بالحلم مخترم الشباب الأهوج

وقال في الزهد:

الجهل بعد الأربعين قبيح

فزع الفؤاد وإن ثناه جموح 

وبع السفاهة بالوقار وبالنهي

ثمن – لعمرك إن فعلت - ربيح

فلقد حدا بك حاديان إلى البِلى

ودعاك داع للرحيل فصيح

ويظهر لنا من قلة ذكر الشراب واللهو في شعر دعبل أن هذا الأمر لم يكن شيئاً مركزياً في حياة دعبل أيام شبابه، إذ لا نجده مسرفاً في وصفهما، ولذلك فنحن لا نتخيله مسرفاً في الانغماس بهما، كغيره من الشعراء الذين أسرفوا في اللذة، فأسرفوا في وصفها شعراً، فقد يكون كل الأمر جهالات صبا، وإن كانت الترجمات الأدبية توحي بأن دعبلاً لم يكن لهوه أيام شبابه في بداية حياته في الروايات التي تصف لهوه، فهي تصفه بالثراء نوعاً ما، وبامتلاكه للعبيد والقينات، وبأنه كان ذا مكانةٍ حينها، ذلك أن بعض التراجم تصف دعبلاً بالفقر في بداية حياته، قبل أن يصبح غنيًّا بالتكسب بشعره، ولذلك نرجِّح أن فترة اللهو كانت في منتصف عمره بين الشيب وبين الصبا.

خامساً: أنه كان هجَّاءً

ونعني بهذه الصفة شيئين:

1- أن ما قاله في الهجاء أكثر مما قاله في الفنون الأخرى، وذلك واضحٌ من ديوانه الذي لو عددت أهاجيَه لوجدتها - في أغلب ظننا - أكثر مما قاله في أهل البيت، فضلاً عمَّا قاله في الأشياء الأخرى. وواضحٌ كذلك في ترجماته الأدبية التي تذكر أهاجيَه أكثر من أي شيءٍ آخر.

2 - أنه تجاوز الحد في الهجاء، فكان كثير من هجائه فاحشاً في القول، كما سنبين لاحقاً، وقد أشارت الترجمات الأدبية لذلك بوضوح.

ولاشك أن هذين السببين هما ما جعلا دعبلاً يوصف بأنه هَجَّاء، وليس شيئاً آخر.

يقول، مثلاً، عباس العقاد في دراسته لابن الرومي: (أخرج القرن الثالث للهجرة شاعرين هجَّاءين هما أشهر الهجائين في أدب العصور الإسلامية عامة، أحدهما ابن الرومي والآخر دعبل الخزاعي هاجي الخلفاء والأمراء وهاجي الناس جميعاً، والقائل:

إني لأفتح عيني حين أفتحها

على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا)[4] 

وما قول العقاد هذا إلا مصداق لقول أبي العلاء المعري الذي جعل ابن الرومي ودعبلاً مضرباً للمثل في الهجاء، فقال فيهما:

لو نطق الدهر هجا أهله

كأنه الرومي أو دعبل

وهو لعمري شاعرٌ مغرزٌ

بالفعل، لكن لفظه مُجبِلُ[5] 

والحقيقة أن شهادة أبي العلاء المعري لدعبل بالهجاء، وضرب المثل به هو دليل قوي يؤيد كلامنا في اشتهار دعبل بالهجاء وإسرافه فيه، فجميع الشعراء كانوا يقولون الهجاء، وقلَّما تتصفح ديوان شاعر قديم فلا تجد قسماً مفرداً لما قاله في الهجاء، لكن أحدهم لم يوصف أو يترجم له بأنه هجَّاء، فالمتنبي هجا، وأبو تمام هجا، وأبو نواس هجا، لكنهم لم يوصفوا بأنهم هجَّاءون، فضلاً عن أن يُضرب بهم المثل بالهجاء.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن هجاءه كله كان منطلقُه دينياً صِرفاً، لأن دعبلاً كان متعصباً لأهل البيت، فهو يهجو أعداءهم من الخلفاء والأمراء، وذلك ليس بصحيح؛ فدعبل هجا فعلاً الخلفاء والأمراء، كقوله بعد موت المعتصم وتولي الواثق:

الحمد لله لا صبر ولا جلد

ولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا

خليفة مات لم يحزن له أحد

وآخر قام لم يفرح به أحد

فمر هذا ومر الشؤم يتبعه

وقام هذا فقام الويل والنكد

وقوله يهجو المعتصم العباسي:

بكى لشتات الدين مكتئب

) وفاض بفرط الدمع من عينه غرب

وقام إمام لم يكن ذا هداية

فليس له دين وليس له لب

وما كانت الأنباء تأتي بمثله

يُملَّك يوما أو تدين له العرب

وقوله لما ولي أحمد بن أبى خالد الوزارة في أيام المأمون:

كأن أبا خالد مَرأة

إذا بات متَّخماً قاعدا

يضيق بأولاده بطنه

فيخراهم واحدا واحدا

فقد ملأ الأرض من سلحه

خنافس لا تشبه الوالدا

وقوله يهجو إبراهيم بن المعدي العباسي لما بويع بالخلافة، وطالبه الناس بعطاياهم:

يا معشر الأجناد لا تقنطوا

وارضوا بما كان، ولا تسخطوا

فسوف تعطون حنينية

يلتذها الأمرد والأشمط 

والمعبديات لقوادكم

لا تدخل الكيس ولا تربط

وهكذا يرزق أصحابه

خليفة مصحفه البربط

قد ختم الصك بأرزاقكم

وصحح العزم فلم تغمطوا

بيعة إبراهيم مشؤومة

تقتل فيها الخلق أتقحط

غير أن هجاءه للخلفاء ليس إلا قسماً بسيطاً من ديوانه المملوء بهجاء عامة الناس الفاحش؛ فقد كان الشغل الشاغل لدعبل هو هجاء الناس في أعراضهم، فهو يركز تركيزاً شديداً على التشكيك في نسب الشخص، وعفاف مولده وصونه لحريمه، أي إن مهاجمة أعراض الناس هي البؤرة التي كان ينصب فيها هجاء دعبل بشكلٍ عام كما سنرى، ولهذا فهو يقول هاجياً أحدهم:

وما من دون (عرضك) للقوافي

شبا قفل يشد، ولا رتاج

لججت فعاد عليك ذما

وأسباب البلاء من اللجاج

وقد صرح في أحد المواضع أن قافيته هاتكة للعرض، فقال يهجو الحسن بن وهب لما ولي البريد:

من مبلغ عني إمام الهدى

قافية للعرض هتاكه!

هذا جناح المسلمين الذي

قد قصه تولية الحاكة

أضحت بغال البرد منظومة

إلى ابن وهب تحمل الناكة

ولعل الرواية التي ذُكرت في الترجمات الأدبية من أنه كان يسلك سلوك الهجائين الذين يتكسبون بهجائهم صحيحة، فهو من جهة يعترف بأنه يتكسب بالشعر، لقوله:

وقد علمت ومالي ما أعيش به

أن التي أدركتني حرفة الأدب

وقوله وقد دخل على علي عبد الله بن طاهر فأنشده ببغداد:

جئت بلا حرمة ولا سبب

إليك إلا بحرمة الأدب

فاقض ذمامي فإنني رجل

غير ملح عليك في الطلب

وهو من جهة يهدد الناس بقوافيه، فيقول مثلاً:

لا تعرضن بمزح لامرئ طبن

ما راضه قلبه أجراه في الشفة

فرب قافية بالمزح جارية

مشؤومة لم يرد إنماؤها نمت

رد السلى مستتما بعد قطعته

كرد قافية من بعد ما مضت

إني إذا قلت بيتا مات قائله

ومن يقال له والبيت لم يمت

ويقول وقد حُجِب عن باب مالك بن طوق:

لعمري لئن حجبتني العبيد

لما حجبتني دونك القافية

سأرمي بها من وراء الحجاب

شنعاء تأتيك بالداهيه

تصمُّ السميع، وتعمي البصير

ويُسأل من مثلها العافية

والحقيقة أن دعبلاً لم يتنازل عن تنفيذ وعيده بمالك بن طوق الذي كان أميراً على دمشق من قبل المتوكل العباسي، والذي تشير الروايات إلى أن دعبلا مدحه ولكن مالك لم يغدق عليه بالعطاء مما أغضب دعبلاً فهجاه بقوله:

لا حَدَّ أخشاه على

من قال: أمك زانية

يا زاني ابن الزاني ابـ

ـن الزاني ابن الزانية

أنت المردد في الزنا

ءِ كر على السنين الخالية

ومردد فيه على

كر السنين الباقية

وهجاه مرة أخرى بقوله:

إن بني طوقٍ لأعجوبة

تحار في وصفهم الفكرة

وجوههم بيض وأحسابهم

سود وفي آذانهم صفره

أبوهم أسمر في لونه

والقوم في ألوانهم شقره

أظنه - حين أتى أمهم

صيَّر في نطفته مغره

ونلاحظ أن دعبلاً اتجه مباشرةً لعِرض الرجل فاتهمه بالزنى واتهم أهله وأجداده كذلك، وإذا كان ابن طوق أميراً فإن المهجو المفضل لدعبل - كما يبدو - وهو أبو سعيد المخزومي ليس بأمير، والذي كانت بينه وبين دعبل مناقضات هجائية، ربما كان سببها - كما تذكر بعض الروايات - رد المخزومي على إحدى قصائد دعبل ابتداءً، أو سببها - كما تذكر روايات أخرى - هو نزول دعبل في بني مخزوم، الذين لم يحسنوا ضيافته فهجاهم، فرد عليه أبو سعد. ومما قاله دعبل في أبي سعد:

وما تاه على الناس

شريف يا أبا سعد

فته ما شئت إذ كنت

بلا أصل ، ولا جد

وإذ حظك في الأشباه

بين الحر والعبد

وإذ قاذفك المفجر

في أمن من الحد

وقال:

إن أبا سعد فتى شاعر

يُعرف بالكُنية لا الوالد

ينشد في حي مَعَدٍّ أباً

ضلَّ عن المنشود والناشد

فرحمة الله على مسلم

أرشد مفقودًا إلى فاقد

أما الأهاجي التي تقذف أعراض مختلف الناس فهي كثيرة، نذكر منها:

قال يهجو أحمد بن أبى دؤاد:

إن هذا الذي دؤاد أبوه

وإياد قد أكثر الأبناء

ساحقت أمه ولاط أبوه

ليت شعري عنه فمن أين جاء؟

وقال يهجو المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي:

أمطلب، دع دعاوى الكماة

فتلك نحيزة لا رتبه

وما المال جاءك من مغنم

ولا من ذكاء ولا كسبه

عطاياك تغدوا على سابح

وطورا على بغلة ندبه

ولو يشرب الماء أهل العفاف

لما نلت من مائهم شربه

ولكنه رزق من رزقه

يعم به الكلب والكلبه

وغضب دعبل على أبى نصرٍ، العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث - وكان دعبل مؤدبه قديما - لشيء بلغه عنه فقال يهجو أباه:

ما جعفر بن محمد بن الأشعث

عندي بخير أبوة من عثعث

عبثا تُمارسُ بي تَمارُسَ حية

سوارة إن هجتها لم تلبث

لو يعلم المغرور ماذا حاز من

خزيٍ لوالده لم يعبث

وقال يهجو أبا عمران:

رأيت أبا عمران يبذل عرضه

وخبز أبي عمران في أحرز الحرز

يحن إلى جاراته بعد شبعه

وجاراته غرثى تحن إلى الخبز

وقال يهجو الرقاشي، الفضل بن عبد الصمد البصري:

إن الرقاشي من تكرمه

بلغه الله منتهى هممه

يبلغ من بره ورأفته

حملان أضيافه على حرمه

وقال يهجو أحمد بن أبي دؤاد:

ولما أن أفاد طريف مال

وأصبح رافلا في الحلتين

تكنى وانتمى لأبي دؤاد

وقد كان اسمه ابنَ الفاعلين

فردوه إلى فرج أبيه

وزرياب فألأم والدين

إذاً فقد كان عِرضُ الناس مرمى لسهام دعبل حين يغضب عليهم، وهذا دليلٌ ثانٍ على أن دعبل كان هجَّاءً؛ ذلك أن هذه الأهاجي المنسوبة له تتميز بالوحدة الموضوعية، فهي تشترك جميعاً في هجاء (العرض). فلا يمكن أن يكون واضعَها على دعبل شخص واحد؛ لأنها وُجدت مفرقة في المصادر الأدبية، فإذا فرضنا أن من وضعها على دعبل ليس شخصاً واحداً، بل أشخاصٌ متعددون فكيف اتفق لهم أن تكون أهاجيهم متفقة في موضوع الهجاء وهو (العرض)؟!

ونلاحظ أن الأهاجي السابقة لا يظهر فيها أي أثر لعداء ديني بينه وبين المهجوين، فهو لا يتهمهم بفساد عقيدتهم، أو بانحرافهم عن طريق الحق، أو يعيرهم بتناقضٍ في مذهبهم الديني المختلف عنه، أو غير ذلك، وفي هذا رد ثانٍ للقول بأن أهاجيه كانت ذات منطلق ديني، بل إن بعض أهاجيه كانت من منطلق دنيوي ومادي بشكلٍ خاص، فإنه هجا من قصروا في عطائه بعد أن مدحهم، ولو أنه هجاهم لاختلافهم المذهبي عنه فلماذا مدحهم أصلاً؟! أنفاقاً كان مدحه كي يأخذ أموالهم فقط؟ وهنا نذكر بعض أهاجيه التي قيلت كرد فعل على من لم يجزل له في العطاء، قال، مثلاً، يهجو أبا نصير بن حميد الطوسي بعد أن مدحه فقصر في أمره:

أبا نصير تحلحل عن مجالسنا

فإن فيك لمن جاراك منتقصا

أنت الحمار حرونا إن رفقت به

وإن قصدت إلى معروفه قمصا

إني هززتك لا آلوك مجتهدا

لو كنت سيفاً، ولكني هززت عصا

وقال يهجو أحدَهم:

ما كنت - إذ طلبت يداي بك الغنى

إلا كطالب خطبة من أخرس

والمجد يفسده اللئيم بلؤمه

كالمسك يفسد ريحه بالكندس

وواضح من قوله (طلبت يداي بك الغنى) أنه كان يتمنى عطاءً جزلاً فلما خاب أمله هجا الرجل، كما خاب أمله في الرجل السابق الذي هزه حاسباً إياه سيفاً يمطر المال فاكتشف أنه عصا فهجاه، وقال فيمن وعده أن يهدي إليه نعلاً فأبطأ عليه:

وعدت النعل ثم صدفت عنها

كأنك تشتهي شتمًا وقذفا

فإن لم تهد لي نعلاً فكنها

إذا أعجمت بعد النون حرفا

وعرضت لدعبل إلى صالح بن عطية حاجة فقصر عنها ولم يبلغ ما أحبه دعبل فقال:

أحسن ما في صالح وجهه

فقس على الغائب بالشاهد

تأملت عيني له خلقة

تدعو إلى تزنية الوالد

وقد مدح محمد بن عبد المطلب الزيات وفي يد الزيات طومار وقد جعله على فمه فأمر له بشيء لم يرضه فقال:

يا من يقلب طوماراً ويلثمه

ماذا بقلبك من حب الطوامير

فيه مشابه من شيء تسر به

طولا بطول وتدويرا بتدوير

لو كنت تجمع أموالا كجمعكها

إذن جمعت بيوتا من دنانير

نخلص، إذاً، إلى أن صورة دعبل التي يرسمها لنا شعره المنسوب له قريبة من الصورة التي رسمتها الترجمات الأدبية، وإن لم تكن متطابقة تماماً، وهي ليست بالصورة البيضاء تماماً، وفيها ما فيها من السواد، وخصوصاً في ما يتعلق بهجائه لأعراض الناس، وعلى فرض أن كل من هجاهم هم ممن يعاديهم بسبب الدين والمذهب – وهو فرض غير صحيح كما بينا - أفيجيز ذلك لدعبل أن يطعن في أعراضهم والتلفظ بالألفاظ الفاحشة في هجائهم؟ أفليس ذلك تجاوزاً لحدود الأخلاق الدينية التي يُنسب لها دعبل؟

في النهاية، أقول: إذا كانت الصورة التي يرسمها لنا شعر دعبل عن دعبل ليست حقيقية، والصورة التي ترسمها التراجم الأدبية ليست حقيقية فإن فيهما شيئاً من الحقيقة.

كذلك الأمر بالنسبة للصورة البيضاء تماماً لدعبل، فشخصيًّا لا أرى أن صورة دعبل الحقيقية هي صورة بيضاء لا سواد بها، وفي المقابل ليست هي بالسوداء التي لا بياض بها، فكلتا الصورتين متطرفة في انحيازها، فلا دعبل نبي مرسل أو ملك منزل أو إمام معصومٌ عن الخطأ والزلل، ولا هو شيطان على هيئة بشر لا يوجد به إلا كل شر؛ إنما دعبلٌ بشرٌ مثلنا يصيب ويخطئ، وله حسناته وله سيئاته، وبه الجانب الأبيض، كما به الجانب الأسود. فإذا كان كرمه ومدحه لأهل البيت من الأشياء التي يستحق الثناء عليها، فإن هجاءه لأعراض الناس من الأشياء التي يذم عليها، إن كان، فعلاً، هجَّاءً كما يذهب ظننا، ويذهب ظن محقق الديوان الذي يقول: “كان الهجاء مع دعبل مسيرة درب طويلة رافقته حتى آخر حياته إلى حد كان صفته البارزة”[6] ، مؤيداً شهادة المعري.

ولا بأس أن نذكر ختاماً الرواية التي وردت في كتاب الأغاني واصفةً سلوك دعبل الهجائي:

(أخبرني محمد بن عمران قال: حدثني أبو خالد الخزاعي الأسلمي قال: قلت لدعبل: ويحك! قد هجوت الخلفاء والوزراء والقواد، ووترت الناس جميعاً، فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن هذا وصرفت هذا الشر عن نفسك. فقال: ويحك؟ إني تأملت ما تقول، فوجدت أكثر الناس لا ينتفع بهم إلا على الرهبة، ولا يبالي بالشاعر وإن كان مجيداً إذا لم يخف شره، ولمَن يتقيك على عرضه أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه، وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل من شرَّفته شرُف، ولا كل من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقول، فإذا رآك قد أوجعت (عرض) غيره وفضحته  اتقاك على نفسه، وخاف من مثل ما جرى على الآخر. ويحك، يا أبا خالد إن الهجاء المقذع آخَذُ بضبع الشاعر من المديح المضرع. فضحكت من قوله، وقلت: هذا والله مقال من لا يموت حتف أنفه)[7] . بل إن الخزاعي - حسب روايةٍ أخرى- يذَّخر في جعبته هجاءً لوقت الحاجة، فينظم أبياتاً هجائية ليست لأحد، فإذا كان في موقف يحتاج لهجاء أخرجها، وغيَّر فيها لتتناسب مع شخص المهجو: (أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني أحمد بن أبي كامل قال: كان دعبل ينشدني كثيراً هجاء قاله، فأقول له: فيمن هذا؟ فيقول ما استحقه أحد بعينه بعد، وليس له صاحب، فإذا وجد على رجل جعل ذلك الشعر فيه، وذكر اسمه في الشعر)[8] .

[1] - الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، تحقيق علي النجدي، إشراف أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة جمال للطباعة والنشر، بيروت، د، ت، جـ20/120.

[2]  - وسائل الشيعة، الحر العاملي، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، ايران، ط 2، 1414هـ، ص: 396.

[3] (*) جرت، بضم فسكون: قرية من قرى صنعاء، وحركة الثاني ضرورة، انظر: معجم البلدان، دار صادر، بيروت، د، ت، جـ2/11). الواحة

[4]  - ابن الرومي، حياته من شعره، عباس العقاد، المكتبة التجارية الكبرى, القاهرة، 1963م)، ص: 221.

[5] - اللزوميات، أبو العلاء المعري، دار الجيل، بيروت، 1422هـ، جـ2/171.

[6]  ديوان دعبل الخزاعي، تحقيق ضياء حسين الأعلمي، ط1، (بيروت، دار الهادي، 1997م)، ص: 16.

[7]  الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، مرجع سابق، جـ20/125.

[8]  نفسه، جـ20/129.
شاعر وناقد - السعودية
358516