حق اللَّه وحق العباد
التحرير - 19 / 2 / 2011م - 6:42 ص - العدد (15)

المسألة التي نريد بإيجاز إثارتها هنا تتصل بوعينا الحقوقي في ضوء التداخل بين حقوق اللَّه وحقوق العباد. وأهمية هذه المسألة تنبع من كون الجانب الحقوقي يكاد يفنى من وعينا الديني. ومن جهة ثانية، يلحظ المراقب لحركة الوعي العام في بلادنا الإسلامية أن رسالة الحقوق رغم مركزيتها في تراثنا الديني قد ذويت في حقل المعاملات بالمعنى الواسع وليس الفقهي فحسب.

فمع تزايد الوعي الثقافي والحقوقي في العالم وتعقد العلاقات الإنسانية في العقود الأخيرة والرغبة المتنامية إلى إزالة أسباب التوتر السياسي والأمني في عدد من مناطق العالم وبشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط، تتكثف الجهود من قبل عدد من المفكرين الإسلاميين والمصلحين نحو بلورة مشروع حقوقي إسلامي مستهدفاً تعميم ثقافة حقوقية بين المسلمين لجهة ضبط ما تعارف عليه في كتب التشريع الإسلامي: حقوق اللَّه وحقوق العباد.

وليس ثمة شك في أن تداخل هاتين الدائرتين الحقوقيتين هو -في حال إدراكه وترسيخه- يمثل المفتاح السحري لتسوية كثير من الأزمات السياسية والاجتماعية والأخلاقية. فمعرفة حقوق اللَّه هي ليست متوقفة على ممارسة طقسية يومية أو سنوية فردية وساذجة، بل هي مندكة في المقصد الاجتماعي والكوني للدين وبالتالي فهي ممارسة ملتحمة بشبكة العلاقات والمعاملات المتبادلة بين العباد. بمعنى آخر، أن المقولة المستخلصة من المواجهة الكبرى بين الكنيسة والمجتمع المدني في أوربا بأن الدين شأن فردي لا يمكن تسريتها على الدين الإسلامي. ببساطة لأن المقاصد الاجتماعية للأحكام الإسلامية من الوضوح بمكان بحيث تجعل تلك المقولة أكثر تهافتاً من مقولة أن الإسلام دين الرجال فقط.

ولكن الإشكالية التي تفرض نفسها دائماً هي أن ذلك التداخل بين حق اللَّه وحق العباد ليس مستدركاً أو في أحسن الحالات مستوفياً في كتابات الباحثين والحقوقيين الإسلاميين.

فهناك تشديد متواصل على تأكيد الفصل بين هاتين الدائرتين أو قل بين العالمين. ولذلك بات مألوفاً مثال المسلم المتظاهر بالتنسك والورع في سلوكه العبادي الفردي، المتمرس في أساليب الغش التجاري في سلوكه المعاملاتي العام. هذا المثال الذي يكاد يتكرر في كل أنحاء البلاد الإسلامية هو نتاج ذلك الوعي الحقوقي الخاطئ المبثوث من منابرنا وفي صحفنا وكتبنا.

والقضية تزداد تعقيداً حين نقتفي آثارها وامتداداتها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.

فهناك معايير وأخلاقيات انغرست في السلوك اليومي للأفراد هي في الحقيقة المسؤول عن تقهقرنا وتأخرنا التاريخي، وهي في نفس الوقت مصدر لأزمات متتابعة.

فالتحليل العام يقودنا إلى أن المجتمعات الإسلامية جبلت على الانغماس في الوقائع اليومية، وقليل منها من يملك تطلعاً نحو تحسين وضعه الحقوقي أو في أقل التقديرات مناقشة هذا الوضع وتشريحه. فهذا التطلع أسير قلة مهمشة اكتسبت وعياً حقوقياً خارج إطار التوجيه التقليدي. الغرض من إثارة هذه النقطة ليس سوى محاولة لإحداث رنين في وعي مجتمعات تسدد في كثير من الأوقات السلاح ضد ذاتها وتمارس فعلاً تدميرياً ضد مصالحها وذلك بجهلها بالضوابط والمقتضيات الشرعية لحقوقها: بين ما هو حقوق اللَّه ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يجب على العبد الامتثال لها، وبين حقوق العباد أو ما يعرف اليوم بالمصالح العمومية التي تتصل بحق الأمة ومستقبلها.

إن الإسلام حين أقر نوعين من الحقوق: حق اللَّه وحق الآدميين لم يجعل سبيلاً للتعدي والاختراق. فنزوع البعض إلى التعدي عل الحق العام بذريعة تأمين حق اللَّه، لا تمثل سوى نزعة ابتزازية للنص الديني تحيل إلى إجازة استباحة الحريم العام وتوظيفه لخدمة أغراض لا تنتمي إلى أي من الحقلين، لأن اللَّه لم يشرع حقاً يناهض حق عباده.

هناك ميل لدى البعض وبخاصة من يعتقد أنه يجسد إرادة اللَّه في الأرض إلى مصادرة حق اللَّه باحتكار السلطة بنوعيها الديني والسياسي، وكلاها يتمان باسم اللَّه وعلى حساب الأمة. إن وعي النص الديني هو بلا شك حق مكفول لكل عبد يريد الامتثال للأمر الإلهي، والحال ذاته ينسحب على الوعي السياسي لمن يريد السعي إلى مزاولة السلطة أو فهم حركة الأحداث لدرء أخطارها. ولكن هذا الوعي لا يخول صاحبه سلطة فرضه بحجة أن هذا الوعي مستند على مدعى ديني.

ولعل واحدة من الاختلالات الكبرى في مسيرتنا الإسلامية، هي أن عملية توزيع الحقوق ليست غير عادلة فحسب بل صارت معوقاً لنهضة الأمة. فالصحيح هو تنشئة مجتمعاتنا على وعي حقوقي صحيح بإدراك ما لها من حقوق وما عليها من واجبات ليس في الجانب الديني فحسب بل والفكري والتربوي والاجتماعي، والسياسي والاقتصادي.

فالسبيل إلى إجهاض ميل البعض باحتكار السلطة الدينية والسياسية إنما يتم من خلال وعي من يقع عليهم هذا التعدي لخطورة هذا الميل على المستوى المجتمعي عموماً. وهذا الوعي هو ثمرة الفهم الراسخ للتداخل بين حق اللَّه وحق العباد الذي يجب أن يشكل أساساً لعمليات المثاقفة الحقوقية المطلوب اتساعها بين المسلمين.

ولعل من الأمثلة التي يراد من المسلمين الانخراط في مناقشتها هي التأكيد على حرية الاعتقاد كضمان ضد الاضطهاد الديني في مقابل التجربة الكنسية في أوربا سيئة الصيت، والتأكيد على حرية الاجتماع والتكتل للتنافس والمشاركة في عمليات التنمية بكل أنواعها، وتأمين الفرص المتساوية للتعبير عن الأفكار والرؤى والمواقف، والتأكيد على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق الواجبات في مقابل الأصوات الداعية إلى إنقاص المرأة حقوقها من أولئك الذين ما زالوا يثيروا دخان الشوك حول أهلية المرأة وحقها في العمل وفي الترشيح والانتخاب ورئاسة الدولة، بل وما دون ذلك بكثير. فتلك أمثلة عن قضايا حقوقية ما زالت محتكرة من قبل المتسلحين بحق اللَّه لمواجهة حق العباد.

358517