القطيف تكرم شيخ شعرائها
الأستاذ أحمد سلمان الكوفي
حمزة الشاخوري * - 14 / 10 / 2007م - 1:31 م - العدد (1)


أقام منتدى الغدير الأدبي بالقطيف في العشرين من ذي الحجة الماضي حفلاً رائعاً امتازت أجواؤه بتوقد الأحاسيس والمشاعر، الإحساس بالإنتماء الى تاريخ الوطن، ذلك التاريخ الذي كونه العباقرة الأفذاذ من عظماء الجيل الماضي، والشعور بضورة التواصل الفاعل مع تراث وآثار النوابغمن أبناء هذا الوطن.

انطلاقاً من هذه الرؤية كان الإحتفال الفريد الذي أقيم تكريماً لرجل تمثل حياته الربط بين الماضي المجيد والحاضر الصاعد، رجل اخترف إبان شبابه مهنة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ وسط أعماق الخليج، وعندما اكتمل نضجه، صمم في عصامية نادرة، أن يبدد ظلام الجهل، فبدأ رحلة البحث عن العلم والمعرفة، ولم يهن أو يتراجع حتى نبغ شاعراً متميزاً في محيطه، يعيش آلام أمته وأحلامها، ويعطي من جهده ووقته الكثير الكثير في سبيل الإرتقاء بمستوياتها في شتى المجالات.

البيك : تكريم الكوفي واجب

والشاعر النابغ أحمد سلمان الكوفي، هو فارس ذلك الإحتفال الذي أمّه العديد من أدباء المنطقة، الذين جاؤوا يعبرون عن عرفانهم لمكانته ومنزلته السامية، ويمجدون فيه تميزه ونبوغه وعصاميته وعطاءه لأجل هذا الوطن.

وقد افتتح الحفل بآيات عطرة من القرآن الكريم، ثم ألقى الأستاذ عبد الله البيك كلمة أشار فيها الى ما تمثله حياة الشاعر الكوفي من مقاومة وتحد في وجه الصعاب والمحن، فهو أحد الرموز الوطنية التي ناضلت نضالاً ذاتياً في سبيل تحصيل العلم والمعرفة، في زمن الريادة وبواكير البناء. وأكد الأستاذ البيات على على ما يستحقه الكوفي من الإشادة والتكريم والرفع الى مقامات التخليد، ليأخذ مكانه في وعي الأجيال.

محمد العوامي: التواصل الثقافي مع بقية مناطق المملكة

بعدها قدّم السيد محمد العوامي (بانوراما) لشخصية الشاعر المحتفى به، وأشار خلال كلمته الى ماضي القطيف حينما كانت تحتضن العديد من الطاقات والقدرات العلمية التي امتازت بالعبقرية والنبوغ، فاحتلت مكانة الرمز والوطني والقائد المجتمعي.

وأضاف السيد العوامي: ولكن للأسف الشديد لم يتوفر لتلك الرموز وسلة موضوعية لإيصال تأثيرها الإجتماعي الى خارج حدود منطقتها. إننا نحتاج الى وسائل تواصل ثقافي مع بقية مناطق المملكة، فضلاً عن الوطن العربي الكبير. نحتاج الى استمرار التلاقي مع الشعراء والأدباء العرب، كتلك التي قامت بها بنت الشاطىء والتقت خلالها بكوكبة متميزة من أدباء القطيف.

ودعا السيد العوامي الى تسليط الضوء على تاريخ رجالات القطيف وعلمائها وأدبائها وشعرائها: (فلنمد جسور الترابط والإتصال الثقافي والمعرفي مع باقي الساحات الثقافية والأدبية، سواء في داخل المملكة أو خارجها، فهذه ميزة رئيسية للمجتمعات الحضارية).

جمال رسول: وطني لك ما شئت

وألقى في الحفل الشاعر جمال رسول قصيدة بالمناسبة جاء فيها:

وطني ملء ترانيم شعوري

ملء نبضي

وأحاسيسي

وجوداً في تراتيلي بفرضي

وطني .. نشوة قلبي

وطني.. جنة حبي

وأنا أزجي له من كل عمقي .. صلواتي

وطني لك ما شئت

أنت نغم في الشفاه

أنت غصن جملته الأرض عنوان الحياة

أنت فن حملته الأرض عنوان الرفاه

ما ونت ترقص تيهاً

إذ تجليت حياة

لمسة واحدة

كنت إذن عرش الإله!

الأستاذ الشماسي : الكوفي حياة وشعراً

أعقب ذلك كلمة للأستاذ محمد رضي الشماسي، وهي مقدمة لديوان الشاعر الكوفي، الذي سيطبعه منتدى الغدير قريباً، تناول فيها حياة الكوفي وملامح شعره وميزاته، ومما قاله:

شيخ شعرائنا الأستاذ أحمد بن سلمان الكوفي، يسير في عمر قرن من الزمن، بدءاً من عام 1324 هـ ، ولا يكاد يطرأ عليه من عوامل الكبر ـ وهو يستشرف المائة ـ إلا اللمم، كضعف في المشي، وقلّة في الحركة، فهو جليس بيته المتواضع، ومجلسه البسيط المتقشف، البعيد عن أسباب الترف والتمدن. مجلسه الذي يشبه كثيراً مجالس من نقرأ عنهم من رجال العلم والأدب في تاريخنا القديم، مثل الفراهيدي والجاحظ والمعري. ومظهره في تقشفه يشبه حافظ ابراهيم، وأحمد الصافي النجفي في العصر الحديث.

والكوفي، شاعر انصرف عن مباهج الدنيا، وزهد في زخرفها. عاش فيها عيشة الغرباء، فاستراح لشعره، واطمأن للكفاف في عيشه. رجل يعرفه الناس رفيعاً في تواضعه، كبيراً في خلقه، منكراً لذاته وعظمته.

هبط الأرض كالشعاع السني

لمحة من أشعة الروح حلت
 بعصا ساحر وقلب نبي

في تجاليد هيكل بشري
 

جاء شاعرنا الى هذه الحياة من غير زاد أدبي في أرومته، أو عدوى من نسب في حرفة الأدب، رجل عصامي يحمل فكر أديب، وخيال شاعر، وموهبة نافذة. عاش في محيط يفرض نفسه على ذوي النفوس المرهفة والأحساس الشفاف، ولم يكن يعرف وهو في عقده الثاني حتى حروف الهجاء!. فخاض عباب البحر بحثاً عن لآلئه شأنه شأن الكثيرين من أبناء الخليج العربي آنذاك.

ولكن (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن).

فلقد جرت الرياح العاتية حقيقة في شهر ربيع الأول سنة 1344هـ فغرفت في البحر كثير من السفن، وهي السنة المعروفة لدى أهل الخليج بـ (سنة الطبعة). وكان استاذنا الكوفي في إحدى تلك السفن، فشاءت القدرة الألهية أن يسلم وكل رفاقه الخمسين. ودخلت هذه الحادثة السيرة الذاتية لشاعرنا، فنحت به نحو العمل المستقر، فمن صخب البحار وأخطارها الى هدوء الديار واستقرارها.

انتظم شاعرنا في الحلقة الدراسية لفضيلة الشيخ ميرزا حسين البريكي، فدرس بين يديه علم النحو والصرف، وشيئاً من الفقه، وتتلمذ في (المغني في علم اللغة) على يدي العالمين الجليلين: المرحوم العلامة الشيخ فرج العمران، والشيخ حسين آل عبد الجبار.

وبدأ الكوفي ينظم الشعر في نحو العشرين من عمره، بدأها زلاً في شعره، يقول القصائد المملحة، فيها الملحة الأدبية، والنكتة الإجتماعية، والطرفة الشعبية. منها قصيدة شعبية سياسية جميلة جاراها شاعرنا الكوفي بخفة روحها التي تفق مع خفة وزنها. يقول:

يا مريد السوق أهلاً

فإذا جـئـت خبره

قل له فيها حوانيت

وخبـابيـز تحور

أفهذا عـندكم في

سمك الصافي على اثنعشر

وعلى آنة صغيرة

والرطب غالي على آنة

وإذا الجوع سطى بالضعف

فـمن الـمـسؤول عن
 لـتـرى مـستـر كراين

بـمـا في السوق كائن

الـتـجارة ومخازن

خـبـزها فـوق البشاخن

الـغـرب كائـن؟

وهـم بـيـزات مـا مـن

بـلـغـت سـود الـرباين

مـثل سـعـر الـتـواين

فـي وسـط الـمـصارن

ذلـك يا مسـتر كـرايـن
 

وللشاعر مجارة أخرى لأبي ماضي في بعض مقاطع قصيدته (الطلاسم) حيث يقول:

ولقد قلتُ لنفسي، وأنا فوق العريش

أيّما أفضل اكل العيش أم أكل الجريش

فأجابتني وللنفس صرير ووشيش

كل مِنَ الموجود، إني عن سواه لست أدري!

كانت القطيف في أيام صبا الكوفي مدرسة دينية كبرى تضم العلماء على اختلاف مراتبهم الفقهية، وقد عاصر منهم الكثير أمثال الإمام أبو عبد الكريم الخنيزي، والعلامة ابو الحسن الخنيزي، والشيخ علي الجشي، والعلامة السيد ماجد العوامي. وكانت مجالس هؤلاء جميعاً مثابة للناس من علماء وطلاب وأدباء وشعراء، وقد فاد شاعرنا من ذلك الجو العلمي أيما فائدة، فراح ينظم الشعر الفصيح أسوة بأترابه من ذوي المواهب الناشئة، فساهم في الحركة الأدبية للقطيف منذ ذلك التاريخ، مما يطفح به ديوان شعره من شتى الأغراض الشعرية: الوطنيات، والإجتماعيات، والمديح والرثاء لآل البيت، والحكمة والموعظة والغزل.

إن المتصفح لديوان الكوفي سيلمس في كل قصيدة تجربة شعرية فريدة، فهذا الشاعر العظيم امتزج بوطنه روحياً واجتماعياً، فأعطاه الكثير من أشعاره في مواكب الأسى، ومحافل الفرح.

في ديوانه لفتات اجتماعية، تبرز في قصيدة (ماضي الزمان وحاضره) وقصيدة (الأسعار) حيث يعالج فيها قضية (الفقر) والمجاعة التي عمّت البلاد في سنة 1361هـ، والتي عرفت لدى الأهلين بـ (سنة البطاقة) وذلك أثناء الحرب العالمية الثانية، يقول شاعرنا في إحداها:

فيالك من عام بئيس مضيق

كفى الناس فيه أزمة أنه اتى

الى أن أتاح الله للخلق رحمة

وأجرى عيون النفط سيحاً فغمرت
 به الرزق حتى من ذوي البيع والشرا

بتاريخ (يوم كالح الوجـه أغبـرا)

وبدل بعـد العسـر يـسـراً ميـسرا

جميع البرايا بالرفاه وبـالثـرا
 

ويقول في الأخرى:

ضاقت على البائس العافي معيشته

قد جد في حركات الكدّ مكتسبا
 ونـالـه البـؤس حتى مسّه الضرر

لـم تـلـق مـن كـسبه عـين ولا أثر
 

هذا الشاعر الذي برز في الساحة الأدبية منذ أكثر من ستين عاماً مازال مع كبر سنه، وهو على عتبة المائة يؤثر في وسطه الأدبي من جيل الشباب، حيث يغشى هؤلاء الشباب الشعراء مجلسه فيعرضون عليه بضاعتهم من محاولات ناضجة أو ما دونها، فيصحح ويصوب، وينقد ويقرظ محاولاً بذلك أن يرتفع بمستوى المواهب الناشئة الى أعلى مرتقى هيأه لها استعدادها الذاتي، تسعفه في ذلك ذاكرة قويّة قلّ نظيرها.

عبدالله الجشي: تكريم النبوغ

وبعد الشماسي جاء الأستاذ الشاعر عبد الله الجشي، ليلقي كلمة اعتذار وتكريم جاء فيها:

انها المرة الأولى التي أرى فيها القطيف تكرم أديباً في حياته، فعساها تكون بذرة تتابع، وخطوة تتواصل لتكريم كل صاحب كفاءة وموهبة تستحق التقدير والإجلال.

وأضاف يقول: إننا لا نريد أن نكرم الشعراء، فلدينا وفرة منهم، لكننا نريد أن نكرم النبوغ، والكوفي ممثل للنبوغ، فلقد بدأ مسيرته العلمية والأدبية من ذاته وبذاته، لم تكن له حوافز تدفعه، ولا مدرسة أو بيئة تعينه. اعتمد على نفسه في استخراج لآلىء الأدب عبر البحث والإطلاع المتواصل. نعم كان آل البريطي مدرسة علمية قدمت للقطيف أجل الخدمات العلمية، وهي البذرة التي تفرعت عنها كل الوجودات العلمية اللاحقة لها بشكل أو بآخر، واستاذنا الشاعر المحتفى به، واحد من أولئك الذين تأثروا بمدرسة آل البريكي.

حبيب محمود: أنت القطيف

ثم جاء دور الأستاذ الصحفي الشاعر حبيب محمود، الذي قدم قصيدة تحت عنوان: (حبر وعرق) جاء فيها:

ما الذي سوف تشطبه من قصيدك؟

لون مدادك

أم عرق السنوات الشهية

أم نخلات القطيف

أم الليل مختلطاً بالعناكب.

أم نقطة تترنح بين الفواصل

لا شيء يصلح للشطب..

أنت القصيدة..

أنت المداد..

وأنت مغامرة العرق الأبوي

يمسح عن عارضيه التراب..

وأنت القطيف!

وهنا جاء دور الشاعر الكوفي، ليمتع الحاضرين بجمال صوته، وينقلهم مع كلماته الهادرة عبر الزمن الى البعيد، يستشرف معهم تاريخ حياته، رغم الضعف وإرهاق السنين، مصراً على مشاركة ابنائه، في محاورة رائعة ومرحة، تلقائية ومعبرة، بين مقدم الحفل الأستاذ الشاعر عبد الخالق الجنبي، وبين شاعرنا الكوفي.. حيث قدم خلالها الشاعر الكوفي، لمحة موجزة عن حياته، ومقتطفات متميزة من شعره الساحر، قوطع خلالها عدة مرات بالتصفيق، والصلوات.

السبع : المزاوجة بين العامية والفصحى

وقدم الأستاذ حسن السبع كلمة قصيرة بالمناسبة قال فيها:

قبل خمس سنوات، وتحديداً عام 1990، كتبت وعبر مقالين في جريدة (اليوم) عن الجانب الفكه في شعر الكوفي، حيث يعبر شاعرنا عن واقعه بشكل كاريكاتيري يزاوج فيه بين العامية والفصحى في محاولة ذكية لتصعيد روح الدعابة.

وتمنيت يومذاك لو أن ابا سلمان قد كرس موهبته الشعرية لهذا اللون الأدبي الضاحك. ذلك أن هذا اللون الشعري الطريف الهازل الذي يحاول الشعراء التنصل منه، ويحاول النقاد الإستعلاء عليه باعتباره شكلا من أشكال التهريج.. أقدر ـ كما أرى ـ على تناول عيوب الشخصية ومطباتها وسلبيات الواقع الإجتماعي وإخفاقاته.

إن الضحك يتفجر داخلنا نتيجة الإحساس بالمفارقة وعدم الإنسجام بين العلة والنتيجة.

يخيل لكثير من الناس أن الشاعر أو الناثر لا بد أن يكون متبرماً متجهماً أناناً حناناً لكي يقنعنا بصدق القضية التي كرس لها قلمه، غير أن الصدق لا التجهم هو محور الإبداع في العمل الفني الجاد والهازل على السواء.

المهم هو ألا يتحول البكاء الى تباك، والحب الى تظاهر بالحب، والإغتراب الى تصنع للإغتراب. إن الدعابة الناقدة شكل من أشكال تشخيص القبح وتضخيمه والذهاب به الى حد التشوه ثم اجتثاثه، في محاولة مبطنة أو معلنة من الفنان لتجميل الواقع (الممكيج) بالزيف، عبر إزالة أصباغه، وترتيب البيت البشري ترتيباً آخر أكثر نظافة وطهراً ونقاء.

وفي تراثنا الأدبي نماذج رائعة من هذا اللون الأدبي قابعة في الظل تنتظر من يسلط الضوء عليها، ويقرؤها قراءة عصرية تليق بها.

وأتبع الشاعر السبع كلمته بقصيدة اضفت على الحفل جواً من المرح والحيوية والمتعة جاء فيها:

أيـقـظ أبا سلمـان فـينا

واسلك بحور الشعر واسبح

واصدع بما توحي السجية

فالضحك ليس جريمة
 ضاحكاً وهج الكتابة

قـاصـداً بسط الدعابة

لا بما توحي المهابة

أو جــنـحة لـنسدّ بابه
 

ومنها ايضاً :

جد يخبيء في قـناع

هـزل ولكن.. مـدن

ضحك ولـكن كالبكاء

يا أنت يا كوفي نهجك

اضحك ففي الـضحك

وإذا قلاك العاتبـون
 الــهـزل مـخـلبه ونابه

من الجد إن تحسب حسابه

مـراوغ يـخـفـي انـتـحـابـه

يـاامـرأ يخفي اضـطـرابـه

انتصار لم تحققه الكآبه

فــرد لـلـقـالــي عـتـابـه
 

سعيد العوامي : شيخ القريض

وألقى عصام الشماسي قصيدة الأستاد الشاعر السيد سعيد العوامي بالنيابة، وكانت تحت عنوان (شيخ القريض) جاء فيها :

هبي من المرقد الثاوي بلا وطر

ويـمـمي في اتـجاه طالما بركت

وطوحي بقـمام الجهل واتخذي

وحطمي الغلّ في التقليد وانطلقي

هذي القطيف تحيي شاعراً غزلاً

وطـالـما ردد العشـاق نغمته

وهل رؤى الشعر إلا صب نافحه

نادمـت شعرك أوقاتاً مؤلفـة

شيخ القريض شباب الخط أجمعهم
 واستطلعي النهضة الكبرى على غرر

به القـوافـل عطشى العلم من مضر

سـبيل علم الى الآفـاق عـن ظفـر

في رحبة مـن فـضاء الـفكر مزدهر

لـشـدما أطــرب الأطيـار في السحر

فوق المنابر في فخر على سمر

إذا تراءت لديـه الغيـد بالبـصر

فـمـا وجـدت سـوى الإجـلال للفكر

حفوا بك اليوم تكريماً على السير
 

عدنان العوامي : عشق البحر رغم (الدفاتر العتيقة)

ثم رقى المنصة الأستاذ الشاعر عدنان العوامي، وألقى كلمة الشاعر نيابة عنه، وقد فيها الى التعريف بالشاعر، واتسمت كلمته بالرقة والعذوبة فأثارت العواطف وهيّجت الأحاسيس، فانتظم الحضور مشدودين يسايرون إيقاع كلماته وقد بدأ العوامي قائلاً:

اي عشق لتراب الوطن هذا الذي ترشفته أوردتك يا أبا سلمان، فحملك على هذا التفاني فيه الى حد أفضى بك الى الإعتذار عما لم تقترف؟.

أسألك بالله فأجبني: من كان أشد صلفاً معك، وأقسى شراسة عليك: القرش ورفيقاه الدول واللخم، أم النواخذة أصحاب الدفاتر العتيقة، كما سماهم ملتمس رفعته أنت ورفاق لك سنة 1358هـ هو صك الإدانة لتاريخ الجور والقهر؟.

إن سمحت لي فسأجيب بأنك لم تشك لنا أبداً من أذى نابك من سكنة الأعماق، لا الدول ولا القرش، على رغم ما طالت صحبتك لها. أما النواخذة فيجيب مقتبس قصير من خطابكم المذكور يقول: (في هذه السنين الطويلة واحنا يكددونا النواخذة، ويأكلون أتعابنا بدعوى الدفاتر العتيقة، حتى صرنا مثل العبيد المماليك. ولا أحد منا يقدر يكذب دفتر النوخذة مهما يضيفون علينا من الربا، ومن الزيادة، فنحن ملزمون بتصديقهم.. وهذا أمر ما له حد، ولا لنا خلاص منه الى أبد الآبدين. ونحن لا نملك من حطام الدنيا سوى أجسامنا التي من الله علينا بها لنتكسب بواسطتها على عائلاتنا. فإذا ذهبت مكاسبنا سدى هلكنا نحن، وعائلاتنا من الجوع).

هكذا كانت بداية حياتك، بداية لم يكن أسوأ ما فيها يومان تامان قضيتهما على قطعة من ألواح السفينة التي هشمها الإعصار سنة الطبعة. ومع هذا كنت مضطراً لصحبة البحر خلافاً لمن يعتقد بأنك تركته بعد تلك (الطبعة) فأي شجاعة يتحصن بها قلبك الرقيق؟.

مازلت تعشق البحر، بل عندما ضاقت بطموحك سفن الغوص تعوضت عنها سفناً اخرى تجوب بها لابحار، أولست القائل :

سبحت بحار الشعر من غير موقف

أسيـر في بـحر القريض سفينتي
 بساحل شطآن العروض على بحر

وسكانها ذوقي وربـانهـا فكري
 

فمن أجل من هذا السهر، والسفر في البحار، أظن أن أحد تلاميذك عناك حين قال :

تشقى فترفل باًلأصداف غانية
 تحفى ويحتضن الدانات عربيد
 

ولنتذكر أن هذا الزاهد في وطنه، هو من أكثر عشاقها ولعاً بها، فهو القائل :

إن القطيف وإن كـلـفـت بحبها

إذ أين جزت رايت فيها مدرجي
 وعلت على استيطانها زفراتي

طفـلاً وأترابي بهـا ولداتـي
 

ألا تراني تخطيت الحديث عنك شاعراً وأدبياً؟ ثم ألا يطالبني هذا المقام أن أشيد بإبداعك، وروائعك؟.

نعم أعترف بأنني أقترف هذا التجاوز عمداً، فليس شعرك عندي سر روعتك، ولا قوام عظمتك. إن سر هذه الروعة، وتلك العظمة هو ذلك القلب الإنسان، والضمير المثال.

ففي ظني أن أبناءك الشابب لم يقصدوا من إقامة حفل تكريمك هذا تكريماً لشاعريتك، على خصوبتها، فما شدهم اليك إلا هذه البساطة والطمأنينة، وذلك التواضع الى حد نكران الذات، وإلا ذلك الحب الذي تسكبه على الناس كل الناس أقارب وبعداء من تعرف ومن تجهل، حب يترقرق من صفاء سريرة وعفة ظاهرة.. ونقاوة لسان. أفلا يكفي مصداقاً لهذا أننا لم نسمع من فمك نبوة، ولا شكوى، أو برم منذ عرفناك؟.

لم يبق إلا أن أختم بما سألتني أن أسوق الى أهل بلدك الطيب من توجيه ونصح، خصوصاً رغبتك في أن ترى أخوات لهذه البادرة وشبيهات لها تتوالى غير مقصورة على من تعود تقديرهم من الرجال، وهم أهل العلم والأدب. صحيح أن هؤلاء جديرون بالحب والتقدير. ولكن هناك ىخرون برما ليس لهم باع في هذا المضمار أو ذاك، لكنهم أعطوا وبذلوامسهمين قدر وسعهم في خدمة هذا البلد، فهم أهل فضل.

فكل من يقدم خدمة جليلة لهذا البلد الطيب يجب أن يشكر ويعترف له بالعرفان، ويجل ويكرم، حفظاً لحقه في ذلك، وتشجيعاً لغيره بأن يحذو حذوه.

وأخيراً، لا بد من الإشارة الى أن الإحتفال حقق نجاحاً باهراً، فقد تجاوز جمهور الحضور المئات، في جو تفاعل وامتزاج مع فقراته وبرامجه التي كانت آخر فقرة فيها تقديم عدة دروع وهدايا تذكارية للشاعر من مؤسسات خيرية وثقافية ورياضية وتجارية.

وبدورنا نتقدم من خلال هذا المنبر الى أعضاء منتدى الغدير الأدبي بالشكر الجزيل على مبادرة التكريم التي تقدموا بها، آملين أن تتواصل لتسهم في بعث الحيوية في عالم الفكر والحركة والثقافة.


 

كاتب
358517