رسمت قلبي
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 19 / 2 / 2011م - 8:50 ص - العدد (15)

(مقالة حول ديوان المرحوم عبد الواحد الشيخ حسن الشيخ علي الخنيزي، الناشر/ مكتبة الأنجلو المصرية).

لقد تكررت مني رسالة ضوئية من حروف في مقالات شتى وجهت فيها إلى مفكري القطيف، وهمست في أذنهم، أو صرخت كما يصرخ الشخص في واد فتضيع تلك الأصداء، غير إنني لم أتمثل بصرختي هذه كالصرخة الضائعة في واد فيه الصدى وتنتهي في اللامحدود، وتموت بموت مصرخها.

إنني طموح في زرع هذه الكلمة حتى تنمو وتخضوضر فتكون كالسنديانة تمد فروعها، وتأتي أكلها، فتنبت السوسن، والورد، وتفرش تاريخ القطيف بالحرف الأخضر تبصر من خلاله عقولاً تنساب كأنوار تنير معاطف التاريخ. إن رسالتي الضوئية التي وجهتها طالباً فيها العناية بتراثنا الفكري، ماضياً وحاضراً -فإن من ليس له تاريخ ماض فلا حاضر له- وأثره في المجتمع القطيفي، ودوره الاجتماعي، ودور القطيف في التاريخ، وحضارتها القديمة، وما لها من إثراء فكري، وحضاري، وحياة زراعية مخضوضرة يبست على كف الزمن القاسي، وأبعاد سياسية ووطنية في التاريخ السحيق والحاضر القريب.

هذه الرسالة الضوئية التي هتفت فيها بمفكري القطيف أملاً أن يسيروا على ظلال هذا الضوء لأن لا يضيع حاضرهم كما ضاع ماضيهم، وأن نتناسى الظاهرة النفسية التي تأصلت منذ الفجر الأول لهذا الوطن حسب ما استقرأته، واستشفته من مرآة عصور ذهبت في تاريخ الضياع. أما ما درسته في آفاق مفكرينا الجدد الذين قد يحفلون بتراث الآخرين، ويهمشون مفكريهم، فيعيشون على غير مائدتهم إلا ندرة من هؤلاء، وقلة هم الذين حفلوا بتاريخ مفكريهم، ورسموا خارطة قطيفهم الخضراء التي تحلم على هذه الشطآن، شطآن الخليج الزرقاء.. هؤلاء هم على وفر من السبق، والفضيلة.

فلنتناسى الحسد الذي لا يرحم، فهو ما إن يحل في قلب فردٍ أو أمةٍ إلا وحرقه أو حرقها بناره وبالتالي أبادهما.

كما أن آمالي كبيرة في الجيل الصاعد الجديد، حسب ما اقرأه من نفسيات أفراده، وسيكون مسارهم غير مسار القدماء.

أيها المفكر الأديب! إذا كنت مفكراً وتدرك ما وراء دراستك لتراث زميلك، وإشادتك به، ففي ذلك صورٌ تكشف لك خطواتك التي تصعد بك شوطاً إلى أفق بعيد المرمى، وتخطو بك وبمن كتبت عنه إلى آفاق واسعة في الفكر والواقع، حتى تبعث وطنك من الإهمال والحياة المغمورة إلى حياةٍ واسعة الأصداء، جديدة الشباب متألقة الأرجاء، فتكون نقلة من مرحلة المغمورية إلى رتبة الشهرة واسعة الآفاق، منفسحة الأجواء.. حياة مشرقة بأنوار ثقافتها، وفكرٍ جوالٍ كأضواء الشمس على هذا الكوكب.

إننا نعيش في عصرٍ أصبح كأنه قطعة واحدة تتصل أفراده بعضها ببعض عن طريق الرؤية والسمع في كل دقيقة تستجد فيها إيقاعات أحداث، وأنباء حوادث في هذا العصر على هذه الكرة. إنه عصر منفتح بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى الانفتاح، ومتحرك باستمرار، إلى حد تحرك فيه حتى الحجر الجامد، وتكلم فيه الحديد الصامت.. فهو عصر المعجزات، وعصر الكمبيوتر، وما فيه من تطور فكري لا يزال يتضاعف ما بقي الإنسان يعيش على هذا الكوكب.

ولنأخذ من بعض الثقافات مثلاً حياً فقد كان بين الدكتور طه حسين، والأستاذ المازني خصومه عنيفة بلغت شوطاً حتى خرجت عن حدود الأدب، ونزلت إلى حضيض الترهات والسخرية، ولكنه عندما توفي المازني تناسى الدكتور طه حسين، هذه الخصومة ليزرع في أرض الثقافة بذوراً فتأتي أكلها، فأمر بتعليم أبناء المازني مجاناً، ونادى بطبع آثاره وكان حينئذٍ وزيراً للمعارف، وكأني بالدكتور يرد على تساؤل إستفهام إستنكاري موجه إليه عن هذه الخطوات الفاضلات: إن هذا هو مجد مصر، وإني كرست حياتي إلى مصر.

إن هذه الحكاية تعطينا لوناً من ألوان نظرات المفكرين الذين لا تقف نظرتهم المحدودة عند أقدامهم بل تنفذ إلى ما وراء جدران الزمن المستقبلية. ومهما تطورت الأفكار، وتخاصمت، وتناحرت في معارك فكرية قلمية قد تكون أمضى من الصمصام فإن ذلك لا يجب أن ينسينا تراث بلادنا ويدفعنا للمحافظة عليه بجمعه وتحقيقه ونشره.

في هذه المقالة أتحدث عن شاعر ارتبطت حياته الأدبية بانبثاق فجر الحياة الأدبية الرومانسية، وسار مع الكواكب التي لمعت في سماء الفكر القطيفي، وكتب كما كتبوا وقرأ فيما قرؤوه من دواوين شعر محدثة، وقديمة، وشارك في الندوات الفكرية، والسمرات الأدبية، وفي النادي السيار الذي أعطيت عنه لمحة في أحد فصول 0خيوط الشمس) الذي صور الحياة الأدبية الرومانسية في القطيف.

وإنني أريد في هذه الأحرف أن أديرها، وأقصرها على ديوان (رسمت قلبي) حتى لا تصدق مقولة إهمال التراث ما دمت أستطيع أن ألمّ، وأكتب عن تراثنا.

وقبل أن ندخل إلى فواصل الديوان فلا بد من لمحة مقتضبة عن حياة الشاعر، والآفاق التي سار فيها. ولد الشاعر عبد الواحد الشيخ حسن الشيخ علي الخنيزي في شهر جمادى الأولى عام خمسة وأربعين بعد الثلاثمائة والألف هجرية بالقلعة حاضرة القطيف، وتوفي في التاسع عشر من شهر شعبان من عام واحد بعد الأربعمائة والألف هجرية، الموافق ميلادي الواحد والعشرين من شهر يونية عام واحد وثمانين بعد التسعمائة والألف.

نشأ الشاعر في أفق علمي يرعاه ضل جده الإمام الشيخ علي أبي الحسن الخنيزين حيث هذه الدوحة العلمية المباركة الحنونة تغطي بفروعها الحفيد الشاعر ووالده الشيخ حسن عن وهج حرارة هذه الحياة، ولهب كدحها المرير، فأدخله جده الكتاب الذي كان يديره فضيلتا الأستاذين الشيخ محمد صالح، وأخوه الشيخ ميرزا إبنا الحاج حسن البريكي، وكان ذلك الكتاب هو قمة الكتاتيب في ذلك العصر، وقد أعطيت عنه لمحة تفصيلية وعن سير طبيعته في كتابي (خيوط من الشمس)  فتعلم في الكتاب ما يتعلمه الطالب في ذلك العصر من كتاب اللَّه، وما يعرف بالخط، والحساب الذي هو قسم من الرياضيات بتعبير اليوم، ثم درس القواعد في اللغة العربية، فقرأ كتاب الأجرومية، وكتاب قطر الندى وبل الصدى، وألفية ابن مالك على يد الحاج أحمد بن محمد حسن الجشي، كما درس كتاب المغني لابن هشام  على يدين وبدوري علمته ضرباً من القواعد العربية خارج حلقة الدرس، حيث لازمني رحمه اللَّه ملازمة الظل فكان لموته فراغاً أحسست به.

كان الشاعر المرحوم يعيش تحت ظل جده الإمام يغمره بحنانه، حتى زوجه ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام الثالث والستين بعد الثلاثمائة والألف هجري. كما استلهم المرحوم قبسات من أسعة سماء جده، وبعد رحيل جده عن هذه الدنيا وعودة عمه العلامة الشيخ عبد الحميد الشيخ علي الخنيزي الخطي، وجهه في مسار أفق الشعر والأدب، حتى اخضوضر وذاع عطره.

(رسمت قلبي) ديوان أحد أدباء القطيف، وأحد نجوم سماء الحياة الأدبية والرومانسية، ومن أوائل روادها الشاعر عبد الواحد الشيخ حسن الخنيزي، ولم يترك لنا مؤلفه من آثار سوى هذا الديوان الذي طبعه في حياته، فأحسن لنفسه وأحسن لوطنه، وقد أخبرني أنه قد كتب بعد طبع هذا الديوان بعض المقطوعات من الشعر لا تتجاوز أصابع اليد أو تنقص قليلاً ولا أعلم أين مصيرها برغم طلبي من بعض أبنائه الوقوف عليها، ولو لم يطبع هذا الديوان في حياته فقد يضيع نتاجه ويلتهمه العدم، كما ضاع غيره من آثار مفكري هذا الوطن.

والآن لنفتح هذا الديوان ونقرأ بعض ما بين دفتيه  أسماه الشاعر بجملة رقيقة معناها الحب والغرام (رسمت قلبي)  وهو يتكون من مائة وأربعين صفحة من الحجم الصغير، ويضم بين دفتيه تسعاً وثلاثين قصيدة، وكله يكاد يكون أن لوناً واحداً: النسيب الغزل، وقد تمردت منه بعض القطع كالقطعة التي قالها في ابنه ممدوح، وقد ختمها بخاتمة فيها إبداع وزخم وهو يصور حياة الملائكية، وهي حياة الطفولة البلهاء البريئة:

إن قلت بابا غنت الدنيا وأشرقت النواحي

أو قلت ماما!! رقت الآمال زاكية النفاح

والديوان مشرق الديباجة، قطعة من الموسيقى تنساب كلحن موج نهر صاف، وهو ناعم الكلمات منتقى الألفاظ، وهانحن هنا نحلل قصيدة من قصائده بعنوان: نوال. يقول فيها:

يا نقرة القيثار يا أغرودة الكروم

يانجمة تألقت… فانجابت الغيوم

وأملاً إنى…  لنا فبدد الوجوم!

نوال يا مزرعة على ذرى النجوم!

عيناك جدولان من منابع الخمور

وموجتان انسابتا من عالم الحبور

وناهداك برعمان نث منهما العبير

ونجمتان احتلتا مسارب الشعور

بينهما تنساب نشوى محاجر النسور

وتنثني سكرانة الأحداق من سحر، ونور

نوال يا همس ارتعاشة العبير في الزهر

وتمتمات البوح عربيداً على فم الوتر

وأملاً غنى لنا فانهمر المطر

وأخصب الثرى وأورق الحجر

وارتجلت سفوحنا أطايب الثمر

دومي كما شاء الهوى مزرعة على القمر

مشاتلاً من الضياء في الربى والمنحدر

وفكرة جامحة تمردت على الفكر

وقفة تأملية معي عند هذه القطعة السيمفونية لنلمس فيها تصويراً فنياً، وحباً مجسداً في قلب نابض يذوب آلاماً من الحسرات، ولهفة مشبوبة تتننزي من خلال هذه الحروف تكاد أن تقفز من عالم الخيال إلى عالم الواقع، ولنطف في آفاق هذا الديوان لنقرأ قطعة أخرى بعنوان: أعشق فاها.

قالوا: تحب نوالاً؟    فقلت: أعشق فاها!

كم قبلة….. لحنتها   على فمي شفتاها!

هذان البيتان صور فيهما الشاعر معنى سحرياً لا يتذوقه إلا أرباب الفن الذين هاموا في آفاق الجمال، وعشقوه:

قالوا تحب نوالاً؟

فقلت أعشق فاها

إن السر في الفن هو جواب المتسائل بجواب رمزي يوضح ما وراء الصور، فقد أشرت إلى أن هذا الديوان لا يكاد يفلت من إطار لتغزل بوصف المرأة، وصف جسدها الشهواني الفاني، ولم يصف شاعرنا الروح التي تتحملها المرأة في طياتها، وتنسكب على خلقها الرفيع، وتعيش بها حياتها الزوجية، وتربية الأجيال فهي كمربية من أكبر المربيات، فلم يشر شاعرنا إلى هذه الآفاق التي هي أبقى من الجسد، وعليها مدار المجتمع، فلأم كمدرسة إن صلحت صلح معها المجتمع، وإن فسدت فسد المجتمع، وليت الشاعر نفذ إلى وصف ما وراء المادة إلى روح حواء، وطبيعتها الخلقية، وآفاقها البيتية، وأحلامها الأمومية التي لا يستطيع الرجل أن يسد مسدها في هذا المجال، مجال التربية التي هي عقدة العقد في الحياة الاجتماعية.

ولنعد إلى آفاق الديوان لنقرأ قطعة أخرى تحت عنوان موعد.

لوح الفجر كفه، فانطوت من

صفحة الكون بردة الديجور

فاستفاقت، جذلانة تتثنى

وتغني، مغردات الطيور

وبدا للعيان، ما كان قد أخفته

كف الظلام خلف الستور

فإذا الحقل لوحة من جمال

أبدعتها كف الصانع القدير

زهرة قرب جدول، وصداح من

هزار، وهمسة من غدير

وبساط من الحشائش زاه

نسقته يد الربيع النضير

والغصون الهيفاء تخطر نشوى

كلما هزها نسيم البكور

مسرح تسبح النواظر فيه

فترى كل فاتن ومثير

فتراءت خلف الرشيق من البان

فتاة مذهولة التفكير

لفها الحزن في وشاح من

الصمت فلاحت كقطعة من صخور

وإذا الحرف ضاق بالقصد

صار الصمت أقوى وسائل التعبير

هذه فاصلة من فواصل قصيدة تربوا على خمسين بيتاً، صور الشاعر فيها منظر الطبيعة لوحة من اللوحات الزيتية هي فاتحة فصل القصة (حكاية موعد) واستمر الشاعر في حكايته وفصول قصته، وصور فيا الهواجس التي مرت على هذه الفتاة في تصورها أن حبيبها أخلف الوعد فعاشت في جاحم ألم مرير تعد الساعات الثقيلة، ويمر عليها الوقت بطيئاً كأنها تحمل أثقالاً حتى تحولت إلى صمت كصمت الصخور وصمتها كان أبلغ من تعبيرها، فأحياناً يكون الصمت به رموز، وإشارات لا تؤديها الكلمات الفصيحات: كرسائل الحب، والشوق التي تختصرها العيون للعيون في رمز جفن وإشارة عين، وترجمة قلب لقلب كشحنات كهربائية تنتقل من الضوء إلى الضوء فتذوب فيه فتكون شعاعاً واحداً، أو بعبارة أدق كيف حان الموعد ولم تحن ساعة اللقاء بحبيبها، ومر الموعد مرور السحاب الجهام، فظنت به هذه الفتاة الرقيقة الظنون، وراحت تضرب أخماساً في أسداس، وكادت تموت اللهفة في قلبه، وتيبس لغة الحب على ثغرها، وتحولت إلى حياة صامتة فكان الصمت عندها أقوى من وسيلة التعبير.

وبينما هي في هذا الذهول العميق الذي غرقت في أمواجه، وغابت وراء اللاشعور لا تحس أين هي تعيش، وكادت تأفل حياتها لما تعانيه من وجد حر الصبابة الوالهة القاتلة، وفي فجاءة سحرية موقظة يطل عليها حبيبها كما يطل الفجر من كوى الظلماء، أو كالطل على ثغر الزهور في صحراء ملتهبة، فينساب عليها بردٌ يثلج قلبها ويهدئ روعها ويذوب غضبها ويتحول إلى هدأة ناعمة وسمر فيه ظفر، وأي ظفر أعذب من لقاء الحبيب بحبيبته بعد يأس مرير أوشك أن يفلت هذا الموعد المضروب بينهما، ويغيب وراء طيوف الشمس.

فما صبابة مشتاق بلا أمل

من اللقاء كمشتاق على أمل

والآن.. هذه قصيدة شكوى، وألم تسيل في ظفرات، وأناة حراء.. وهذه من اللون الذي تمرد على قصائد هذا الديوان لأنني قلت أن أكثر باقاته من ألوان النسيب، وهي الصبغة التي اصطبغ بها الديوان في صوره وتعبيراته فأحببنا أن نثبتها كالمة وهي قطعة لا تزيد على ثمانية أبيات بعنوان: في ربيع الشباب.

في ربيع الشباب كفنت أحلامي

وأودعتها حشا تجرباتي

وعلى مزهري ذبحت أناشيدي

وواريت، في الثرى، رغباتي

ووأدت المنى الحبيبة في فجر

صباها، وضيئة القسمات

لا ربيعي طلق ولا صبح أيامي

ضحوك، والبؤس في البسمات

* * *

سلبتني الأيام متعة أحلامي

العذارى، ومأملي في الشباب

تثب الذكريات من جدث الماضي

جرحى، مخضبات الإهاب

الليالي حرب العباقرة الأحـ

ـرار سلم المنافق الكذاب

كلما ذر في سماها نبيع

جرعته، بقسوة كأس صاب

وقفة تأملية هذه السيمفونية لنتذوق هذا الشعر الذي يسيل ألماً، ويذوب حسرات، فالشاعر يصور حرمانه في الحياة وبؤسه، ويأسه المتضبب في سمائه، وبطن حياته بقطع من الليل المظلم، وحول غناء شبابه فعاد بلحن متفجع باك في هذه القطعة.. فأوئد أمانيه في طي التراب، وذبح بسماته على مذبح البؤس، فليس لديه صباح يتمتع بضوئه ولا ليل يسامر قمره ونجومه، فهو غارق في لجة من لجج اليأس، واليأس لا يرحم، ويعطينا لوناً من ألوان محاربة الليالي للأدباء والمفكرين، ولا تهادن العباقرة لحظة من اللحظات كما تسالم المنافق الكذاب الذي يعيش بشخصية مزدوجة فيلبس برود الكذب، والتدجيل ولكل ظرف لباس، فالليالي هي حرب للعباقرة الذين يعيشون أحراراً، وهي سلم للذين يختالون في الحياة ويلبسون الليل لباساً يستترون به ليخفوا أعمالهم.

والشعر الدرامي، الشعر الحزين، لحن من لحون الحياة يتغنى به المحرومون ويستطيبه التعساء، وترتاح له النفوس المعذبة في هذه الحياة، وقد عزفت على هذا اللحن في فترة من حياتي حينما ضببت سمائي ألام الفقر وإصابة العين فانعكست صور باكية وبركان متفجر في ديوان (النغم الجريح).. هذه جملة فاصلة تعريفية أو اعتراضية كما يقولون. فلنعد إلى تكملة هذه القطعة الجزينة اليت صور فيها الشاعر فترة من فترات حياته الباكية، وهي منسجمة في فواصلها الحزينة تفصح عن ألم ينساب إلى جسم العليل، أو كالليل في مقل الزهر، والشعر هو الذي يترفع عن التعريف ويعطيك شحنة كهربائية تهز جسمك هزاً وأنت لا تشعر من أين فاجأتك هذه الهزة، فالوردة في جمالها وسحرها متفتحة في غصنها شعر من أبدع الشعر، والقمر عندما يلقي أشعته كالدرر في النهر من أبدع الشعر وأفتنه، وإن أبدع الشعر هو جمال الطبيعة، الجمال الذي يعطيك هزة ونشوة.. إنه الشعر المنظوم والمنثور الذي خلقه خالق الطبيعة والسماوات والأرض.

فالديوان هو في رسمته الرشيقة، وأسلوبه الساحر شعر كشاعره الذي كان في أناقته مثال الأناقة إلى أبعد الحدود، وفي شكل هندامه يضرب مثلاً بذلك الهندام إلى أناقة المتأنقين، وفيه ظاهرة: الإنصاف فهو لا يغمط أحداً من المفكرين، بل يعطي النصف من نفسه، فيسمي الأشياء بأسمائها وهذه ميزة تميزه بصفات كريمة يستحق الإشادة بها. وكان رحمه اللَّه لا ينفك عني فهو يلازمني ملازمة الظل للشاخص، فلذلك أحسست عند موته بفراق مر، وفراغ في عيني، ولكنها نقلة من العين لتبقي صورة في القلب حية ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون والأمر كله لله، وهذا ما أردت تبيانه في هذا الحرف عن هذا الديوان في هذا البحث، ولعلي أديت بعض الحق ووفيت بهذه اللمحة لابن أخي كرائد من رواد الحركة الأدبية وكوكباً من كواكبها اللامعة السيارة في سماء القطيف.

شاعر وأديب
363648