ابتسامة بعد الخريف ([1])
قصة
مليحة الشهاب * - 19 / 2 / 2011م - 9:15 ص - العدد (15)

أقدام الزمن رسمت خطوطها العريضة، والدقيقة على ذلك الوجه الأبيض الجميل.. فعبثت بجماله.. خطوط تحكي قصصها مع الزمن ..مع الألم..

تحكي رحلة حياة لم تكن طويلة ولكن الألم أطالها.. وجعل تلك الأقدام ترسم غصوناً ما كان لها أن تظهر-على الأقل بهذا الشكل السافر- لولا ذلك الألم الذي يتجدد يوماً بعد يوم..

وإذا كان الألم يتمدد طولاً وعرضاً.. يزداد تشبث النفس بالصبر، ويتعمق الإيمان في القلب.. ولكن كثيراً ما يسطو الألم على أصابع النفس المتشبثة بجذوع الصبر.. فتنفلت، وتهوى النفس في عتمة موارة بالملل والضيق ووساوس شيطان مريد..

ألم دائم يصحبه صراع مرير.. وبينما هي منكفئة على أوجاعها تتحسس الغضون تارة وتتلمس أوجاعها أخرى.. إذ دلفت عليها حفيدتها باكية، قاطعة عليها وحشة التحسس والتلمس..

-من الذي رماك بشره حتى جعلك تبكين..؟!.

-أختي نادية.. خرجت مع خطيبها ورفضت إصطحابي معهما..؟.

-قلت مع من. ؟!.

-مع خطيبها...

-هل يعلم أبوك…؟.

-نعم يعلم ..ماذا بك يا جدتي…؟!.

كان وقع هذا الأثر على نفسها أشد من قسوة أوجاعها…لاذت بصمت رهيب.. فيدتها تناديها وتلح في نداءها ولكن لا مجيب.. فقررت أن تتركها وشأنها ..وبقيت هي غارقة في صمتها الفوار بالغضب والحسرة  ولم يقطع هذا الحبل المتصل إلا الدخول الجارح لزوجة ابنها، حاملة معها طبق الغذاء.. وضعته على الأرض وقبل أن تسرع بالخروج قالت:

-يا لله… قومي تغذي..

نظرت إلى الطبق المرمي على الأرض.. لترتمي روحها في بئر الآسى.. إنها ترى صور الماضي تتراءى من أمامها طازجة.. وكأنها حدثت بالأمس، ولكن الفرق شاسع بين الأمس واليوم، السفرة ممتدة، طولها يتجاوز المترين، مملوءة بأصناف الطعام.. أطفالها وأحفادها -الذين كانوا بنفس العمر- منتظمين حولها.. يلتهمون الأكل بشهية مفرطة من الجوع  وهي تمطرهم بنظرات الحب والحنان.. تعطي هذا.. وتطعم ذاك.. وتساعد الآخر.. واليوم تقلصت هذه السفرة إلى أن صارت صحناً صغيراً، حرم من صينية يستريح فيها،.. غدت يدها هي الصينية التي تحمل الطبق الصغير.. الذي يضم قطعتي (ربيان) وكومة صغيرة من الأرز، ونامت بينهما ملعقة صغيرة أيضاً..

كانت تحس بالآلام… لا تدري هل كان مصدرها المرض أم الجوع.. ولكن من المؤكد أنها تشعر بالجوع، ولديها رغبة للأكل.. ولكن نفسها المفتوحة للأكل سدت أبوابها أمام هذا القليل من الطعام… سدت أمام هذا المنظر الجارح… ومع ذلك أكلته.. وهي تشعر بإلحاح معدتها للمزيد… ولكنها لم تكن تقوى على القيام لتحضر المزيد فإذا بزوجة ابنها تدخل لتبدد حيرتها…

أوه.. أكلت الصحن كله!! ..ما شاء اللَّه عليك.. أتريدين شيئاً آخر؟

-لا.. شكراً…

وضعت الوسادة على بطنها.. وأسبلت جفونها… لا تدري كم نامت… لم تحس إلا بابنتها الزائرة تدخل عليها، وتضع يدها الحانية على جبهتها… وتناديها والخوف يستعر في صوتها المخنوق…

أماه.. أماه..

وبصوت واهي أجابت..

نعم..

ما أن أحست بتول بعلامات دبيب الحياة في كيان والدتها حتى أشرقت تباشير الفرح مسرعة تدغدغ قسمات وجهها..

-ماذا بك يا أمي ...؟

-لا أدري..

-يبدو عليك الضيق..

-هل عادت نادية؟….

-لا أعتقد -بالأمس خرجت معه عصراً، ولم تعد إلا عند منتصف الليل.. بنات آخر زمن... لقد تزوجت أباك ولم ير طيفي طوال الخطبة.. ولم أره.. ولم يراني.. حتى ليلة الزفاف، فلقد كان مطرقاً خجلاً.. وأنا كنت مطأطأة رأسي حياء وخوفاً.. والآن يتم الزواج قبل الزفاف.. يا ترى من هو الصح نحن أم هم.. ؟.

لا أنتم ولا هم  كلاكما خطأ..

تمران بحالة صمت كئيب.. أوقفت نزيفه بقولها:

-البارحة جلست أنتظر..

-من تنتظرين؟..

-ملك الموت… عزرائيل…

-فال اللَّه ولا فالك..

-لقد مللت من هذه الحياة.. عرفت شرها وخيرها.. وخبرت ناسها.. ولكن العالم الآخر يبدو بالنسبة لي.. حياة جديدة.. أريد الذهاب إليها، واكتشافها..

-لماذا لا تخرجين خارج الغرفة.. ؟

-لا أريد..

-لماذا ..؟!

خارج هذه الغرفة أشعر بالغربة… لا صلة لي بهذا الواقع المعاش.أما هنا.في هذه الغرفة وعلى جدرانها أجد الماضي كل الماضي  حياتي كل حياتي..أترها وأعيد التعايش مع أحداثها.. وأتفاعل ممع تفاصيلها.. مع الماضي أشعر بأني لا أزال حية..يا ابنتي الغربة أشد ألماً من الوحدة…

ثم رفعت رأسها، وجالت ببصرها في أرجاء الغرفة.. كمن تتفقد شيئاً عزيزاً عليها..

-لقد قاموا بتجديد البيت إلا هذه الغرفة.. غرفتي.. رفضت أن أستبدل جدار الطين الحي بالإسمنت الميت.. رفضت أن ترحل عني هذه النتوءات في هذه الجدران التي تختزن أيام عمري الحبلى بالذكريات..

وإذا بها تنتفض غاضبة..

-وهاهو أخوك يقرر أن يبيع البيت ولم يفكر أن يستشيرني.. بل لم يكلف نفسه لإخباري.. آه إني أستعجل الموت قبل أن يأتي ذلك اليوم الذي يسلخون فيه جلدي عن لحمي..

ترقرقت عيناها بالدموع.. ولكنها حبستها حتى لا ترى ابنتها دمعتها الحرى تسيل على خدها المتغضن.. وسقطت الدمعة في قعر ذاتها فأحرقته.

لم تحس بتول بتلك الدموع المخبأة بين ضلوع والدتها، ولكنها شعرت بالجوع المعربد في صدر والدتها، رأت مسامير اليأس منغرسة في قلبها الضعيف تستنزف قواه.. مدت ذراعيها واحتضنت والدتها المتهالكة، ووضعت رأسها المتعب على صدرها، ومسحت بأناملها الحانية على شعرها المبعثر.. واستسلمت الأم لإبنتها.. فقلد كانت في أقصى حالات السعادة… أحست بالحزن يتسرب من بين مسامات جسدها، وبحبل الأسى الرابض على صدرها قد تندثر، والوجع قد تبدد… وتمتمت هامسة مخاطبة نفسها:

-هذا ما أنا بحاجة إليه.. تماماً..

وساد صمت الشفاه أمام سمفونية الحنان الرائعة… وغرقت بتول في بحر من الأفكار.. وأيقنت بأن من الواجب عليها أن تعمل شيئاً ما لإنتشال والدتها من هذا البؤس المزيف.. الواهي.. القاتل.. ودوى في كيانها كلمات تقول: لا بد من عمل شيء.. لا بد..

وينتما كانت بتول غارقة في أفكارها كانت الأم تعب عباً مما هي بحاجة إليه، ولكن دخول خديجة -زوجة الأخ- المفاجئ.. قطع العب وتردد الأفكار.. دلفت بجثتها الضخمة داخل الغرفة، وشاهدت المشهد الرائع.. وبدل من أن يبعث ذلك في نفسها السرور والغبطة، ونشر الرعب في جنبات صدرها.. فصرخت خائفة ذاهلة..

-ما الذي حدث لخالتي....!!

-إنها بخير.. اهدئي، ماذا بك؟

-رأيتها نائمة على صدرك، فخشيت أنها.. أنها.. !

رفعت الأم رأسها الغارق في عالم النشوة بتثاقل شديد.. وكأنها تستقبل العودة للواقع المرير الذي ذهلت عنه للحظات.. واستوت جالسة ترسل نظراتها الحائرة.. وقالت:

-اطمأني أنا لم أمت بعد..

اسم اللَّه عليك يا خالتي..

التفت بتول إلى خديجة.. وسألتها:

-أين أخي محمد.. ؟

-إنه في الصالة يشاهد التلفاز..

أمسكت بتول بيد أمها.. وقالت بكل هدوء وحنان طاغي:

-أماه.. قومي…

أرسلت إليها أمها نظرة متسائلة… فأجابتها بتول:

-إلى الصالة.. لنشاهد المسلسل.. القصة جميلة ومسلية.. وأنت تحبين مشاهدة القصص الجميلة..

انصاعت الأم إلى طلب ابنتها، فلم تحاول الرفض أو المقاومة.. بل إنها كانت تشعر بسعادة تطل عليها من وراء خمار الاستحياء.. خرجوا إلى الصالة.. ودارت بينهم أحاديث متنوعة.. وبعد أن مضى ردح من الوقت.. قالت بتول لمحمد:

-أخي.. أريد العودة إلى بيتي.. هل بالإمكان إيصالي بسيارتك…؟

فإذا به يرمقها بنظرة متشككة متسائلة.. وفهمت بتول مغزى النظرات الحادة…

-نعم إن بيتي قريب.. ولكن لا أقوى على المشي لأن قدماي تؤلماني..

قام متثاقلاً.. يتفحصها بلمحات متوجسة.. وما أن استقرت في مكانها داخل السيارة بادرها:

-نعم.. ماذا عندك..؟

لم تعرف ماذا تقول.. وكيف تبدأ.. فعقدت الحيرة أوتار صوتها.. وساد صمت ثقيل..

تململ محمد في مقعده كمن ضاق ذرعاً بهذا الصمت الذي يشعل الخوف في داخله.. تكلم والغضب والخوف يلونان نبرة صوته:

-تكلمي.. لماذا أنت صامتة..؟! قولي ماذا عندك.. إن صمتك يجعل القلق يفترس مخيلتي…

-إني حائرة كيف أبدأ.. ولكن الأمر يتعلق أمنا..

-أمي..! ماذا بها..؟

-لا أريد أن أقول أن الأمر خطير ولكن إذا استمر الوضع فمن المؤكد أنه سيؤول إلى الخطر.. وسيقضي على أمنا..

-ماذا تقصدين..؟.. هل تعنين أني مقصر في حق والدتي..؟!

-لست أنت وحدك.. بل كلنا نشاركك في هذا التقصير..

فإذا به يتفصد غضباً.. إنها تتهمه بالتقصير إزاء كل ما يقوم به من أجل أمه.. وتدفقت كلماته المحمومة:

-نعم أنتم مقصرون.. أنت وأخوتك وأخواتك.. أما أنا فلا.. فهي ما أن تشعر بأقل مرض.. هرعت مسرعاً.. آخذ إياها إلى الطبيب..

-أمنا ليست بحاجة إلى طبيب..

-إذن بحاجة إلى ماذا..؟

-أرجو أن تهدأ.. فالأمر لا يتسع للغضب.. إسمع يا أخي، أمنا تحتاج إلينا كأبناء وأحفاد وليس إلى طبيب.. هي تحتاج إلى حبنا، عطفنا، حناننا، وولائنا.. لأن كل مكان تشعر به من الآلام ليس مصدرها مرض جسدي.. بل ما هو إلا وجع نفسي..

-أراك بدأت تتفلسفين..

رمقته بعيون عاتبة.. وقالت:

-عندما يتعلق الموضوع بأمنا، فهو لا يحتمل أي كلمة ساخرة..

أحس بالصغار أمام هذه الكلمات.. فطأطأ رأسه..

-أنت تعلم جيداً بأنها تحبك أكثر من أي شخص آخر.. فهي لا تناديك إلا بحشاشة الجوف..

-وأنا أحبها أيضاً..

-ونحن نحبها.. ولكن مشاغل الحياة جعلتنا نغفل عن استيفاء أقل حقوقها علينا.. فتسرب في ذهنها ومن ثم سيطر على كل مشاعرها بأنه لم يعد لوجودها أي أهمية أو معنى.. فبعد ما كانت قطب الحياة أصبحت على هوامشها.. بعد ما كانت كل شيء غدت لا شيء.. ونحن بتصرفاتنا الجاهلة غير الواعية.. كنا نرسخ هذا الإعتقاد..

-ماذا أفعل لها..؟ .. إنها ترفض الخروج من غرفتها..

-نعم أنها تتشبث بهذه الغرفة.. لأنها تجسد لها الماضي الجميل.. تجسد لها نبض الحياة الذي كان..

-ماذا باستطاعتي فعله إذا كانت ترفض الحاضر..

-ترفض الحاضر.. لأن هذا الحاضر يسلب منها حقها في ممارسة أهمية الوجود، ومعنى الحياة.. فهي ستقبل التعايش مع الحاضر، والإنسجام معه عندما يمنحها هذا الحق.. فلا بد من عمل شيء بل أشياء تعيد لها الثقة بالحاضر.. علينا أن لا نتعامل معها كشيء انتهت صلاحيته.. يجب علينا أن نشعرها بأهمية وجودها.. نلجأ إليها في حل مشاكلنا.. نستشيرها في كل خطوة مستقبلية سنخطوها.. نستفيد من خبرتها في الحياة.. نجعلها الحصن الذي نلوذ به من غدر الزمان..

عاد محمد إلى البيت والألم يشق طريقه في صدره.. لم يتجه إلى غرفته بل جلس في الحديقة، يفكر فيما سمعه من أخته… وإذا به يحس بأنامل تربت على كتفه، رفع رأسه ليرى زوجته تطالعه بعيون تخفي قلقها بإبتسامة باردة..

-لماذا تأخرت..؟ وبماذا كنت تفكر..؟

أمسك بيدها وأجلسها بجواره..

-خديجة.. هل تعلمين بأن أمي تحبك كثيراً..؟

-وأنا أحبها..

-ولكنك تهملينها..

وقعت عليها هذه الكلمة وقوع الصاعقة على أديم الأرض.. فتحت عينيها بأقصى اتساع لهما.. وبصوت متفجع.. قالت منفعلة..

-بعد كل ما أفعله لها ولأجلها أتهم بالتقصير.؟!

-ماذا تفعلين لها..؟

-أعد لها طعامها.. أغسل لها ثيابها..أنظف لها غرفتها…

-هذا رائع وجيد.. ولكن هل تجلسين معها.. هل تتحدثين إليها..؟ هل تأخذين رأيها في نوع الطعام الذي تشتهي أن تأكله، وفي أي وقت..؟ .. هل تشعرينها بحبك لها..؟

لاذت خديجة بصمت حائر.. ومحمد لم ينتظر أي جواب، بل أردف قائلاً:

-سأسألك سؤالاً.. لو قدم لك طعام ولكن بدون ملح.. هل ستأكلينه..؟

-بالطبع لا.. لأن الطعام لا يلذ إلا بالملح.. كذلك الحياة لا تلذ إلا بالحب والحنان.. وبدونهما تصبح شيئاً مميتاً..

ماذا بإستطاعتنا أن نفعله لإمرأة عجوز أكثر مما نفعل؟!

-الكثير.. الكثير.. أن نشعرها بأهمية وجودها بيننا.. إن أمي تعاني من قسوة الوحدة والإهمال.. ولست أنت الملامة بل كلنا ساهمنا في ذلك دون قصد أو تعمد.. وعلينا أن نوحد جهدنا لنعيد إليها الثقة فينا وفي الحياة.. فمن الغد سيتغير كل شيء.. !..

وما إن داعبت خطوط شمس الصباح أفق السماء حتى كان محمد واقفاً على باب أمه.. طرق الباب ودخل.. وجدها جالسة تسبح اللَّه وتقدسه.. أمسك بكفها وطبع قبلة خضوع وإمتنان.. وقرنها بقوله:

-صباح الخير يا أروع أم على وجه الأرض..

ما أعضم النشوة التي عربدت في داخلها عندما وقعت هذه الكلمات على مسمعها… أحست بدبيب الحياة يسري في عروقها المتجمدة.. اكتفت بنظرة حانية وبابتسامة عريضة.. وبانسياب أصابعها الدافئة على رأسه..

-أماه سأذهب إلى العمل.. هل تريدين شيئاً؟

-لا أريد إلا سلامتك..

-وغير سلامتي..؟

-لا شيء..

-ولكني أريد منك شيئاً.

-تريد شيئاً مني أنا..؟!

-نعم.. ولكن قبل أن أقول ما أريد.. أطلب منك أن تعدينني بتنفيذه..

-لأجل مقدمك هذا.. سأفعل كل ما تريد.

-أريد منك أن تتغذي وتتعشي معنا اليوم.. بل كل يوم..

-وماذا أيضاً؟.

- هل أنت موافقة..؟

- ومن قال إني رافضة..! بل إني كنت أتمنى ذلك من زمن طويل..

-ولماذا تقولي ذلك.؟!.

-كنت أعتقد بأنكم لا تريدونني..

-أيعقل ذلك أنت الخير والبركة..

-إذن لماذا بدأتم تحضرون الطعام إلى غرفتي وتتركوني أتناول طعامي لوحدي..؟

-كنا نعتقد بأن ذلك أكثر راحة لك.ز حيث تأكلين طعامك دون إزعاج من أحد.. وبالأخص صراخ الأطفال..

-صراخ أطفالك يزعجني..!؟ .. لا يابني…أنت لا تحس بمدى سعادتي وأنا أشعر بأني أصبحت الملاذ الوحيد الذي يلوذ إليه الصغار عندما تنهرهم والدتهم.. أو يضربهم أبوهم..

-إذن اتفقنا بأنك ستعودين للأكل معنا.. ووداعاً للوحدة اتفقنا؟.

-اتفقنا..!

غردت الفرحة في قلبها، وأطلت من عينيها..

وعندما رأى محمد تلك الفرحة المطلة من العينين.. داعبت الإبتسامة شفتيه.. وقال:

-أماه.. قبل أن أذهب أرغب في أن أسمع صوتك وهو يلهج بالدعاء لي.. فرفعت يديها والدموع تترقرق من مقلتيها:

-يا اللَّه يا رحمن.. يا رحيم أرزق ولدي خير الدنيا والآخرة..

وفي المساء أقبلت بتول ومعها ابنها أمجد.. دخلت، ونظرت إلى والدتها، وإذا بها ترى شخصاً نابضاَ بالحيوية حل محل ذلك الشبح المتعري من ألوان الحياة.. فأدركت أن تغيراً كبيراً قد حدث..

أقبل أمجد يسلم على جدته.. ويقبل يديها..

-أوه يا أمجد.. منذ زمن طويل لم تأت لزيارتنا..

-عذراً يا جدتي الغالية.. إنها مشاغل الدنيا.. ولكني أعدك بأنك ستريني دائماً..

-إنك مشغول وليس لديك وقت لتضيعه في زيارة واحدة مثلي.ز

-من قال أن الزيارة مضيعة للوقت.. بل هي مكسب لرضوان اللَّه.ز هذا أولاً..

وقبل أن يكمل احتضنته بنظرة ملؤها السعادة، وهذه الكلمات الثلجية تتدفق إلى أذنيها.. وقالت ضاحكة:

-هذا أولاً.. وماذا عن ثانياً يا حبيبي؟.

-ثانياً.. سأعقد معك صفقة عمل..

-صفقة.. !.. وأية صفقة هذه التي ستعقدها مع إمرأة عجوز مثلي..

-ولأنك عجوز.. كما تقولين.. فإن الكثير.. الكثير مما يمكننا بل يجب علينا أخذه والإستفادة منه.. كل بحسب احتياجه وتخصصه..

-أنت كاتب ومؤلف.. ما الذي لدي أنا لتستفيد منه..؟!

-سأكتب رواية طويلة، وأحتاج إلى مساعدتك..

-أتمزح معي..؟!

ابتسم وهز رأسه مؤكداً:

-لا ياجدتي الغالية.. أنا لا أمزح.. هذه الرواية تدور أحداثها قبل خمسين سنة.. يعني في ذلك الزمن الذي كنت فيه في أوج شبابك.. أريدك أن تحدثيني بالتفصيل عن ذلك الزمان.. وعن أحداثه، وعن أدق التفاصيل في حياتكم اليومية.. وعن القصص والحكايات التي كانت تحدث في البيوت ومن خلف الجدران، وعن أشهر الشخصيات المعروفة والمؤثرة في الناس.. وأشياء أخرى..

-هذا يحتاج إلى وقت طويل..

-أعلم ذلك.. لذا سآتيك كل يوم.. حتى ننجز الرواية.. و

وقاطعه محمد:

-ولكن لا تأت في يوم الجمعة.. لأننا سنذهب فيه إلى النزهة..

وأردفت الجدة ضاحكة:

-ولا تأت عند موعد المسلسل..

وتجلجلت أرجاء المكان بالضحكات.

[1]  فازت بالمركز الأول في مسابقة رعاية الشباب بالأحساء لعام 1419 هجرية/ مسابقة القصة القصيرة.
ناقدة، السعودية.
363648