قراءة في تجربة الشاعر
عبد الوهاب خليل أبو زيد
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 1:34 م - العدد (1)

 

إن التجربة الشعرية بما تحمله من اتجاهات فكرية وفنية تتحرك ضمن حركة الشاعر وتطوره سلباً أو إيجاباً، فحين تتكشف التجربة أمام القاريء العادي مخترقاً حواجزها الفنية والفكرية، تسقط هنا التجربة من حرم الشعر، وذلك لعدّة أسباب:

أولاً ـ إن التجربة الشعرية في حركة تطورها ترتكز على ركيزتين أساسيتين هما: الموهبة الفردية، والثقافة التراكمية للشاعر، وهما ببروزهما يغلقان النص أمام القاريء العادي.

ثانياً ـ عدم عمق التجربة بما تحتويه من رؤية الشاعر وفلسفته الخاصة  تجاه الحياة والموت والمجتمع والإنسان. فالتجربة العميقة فقط، هي التي تتميز ببنائها الفني، ودلالاتها الفكرية عن باقي التجارب الأخرى.

ومن هذا المنطلق نحن أمام تجربة شعرية تسعى جاهدة أن تجتاز سطح التجربة حتى تعمق جذورها داخل هذا الكيان الجميل. إنها تجربة الشاعر عبد الوهاب خليل أبو زيد، حيث سنحاول ومن خلال هذه القراءة أن ندخل عالمه الشعري مستنطقين بعض نصوصه الماثلة أمامنا.

فعندما نقف على تحليل الخطاب الشعري للشاعر، نجد الحضور الطاغي لـ(الأنا) في عالم النص، فحين يقول:

تسلّقتُ سروة خوفي

وأشرعتُ بوابة الروح

أو :

لمن سأغني؟

وكل المدائن غلقن أبوابهن

أو:

وجلبتُ أغنيتي محارة

أو:

أدافع عن وطني بالكلام الجميل

أو:

سأقول أغنيتي وأرحل

وحين نعلم أن هذه المقاطع استهل بها الشاعر قصائده، تتجلّى بوضوح أنا الشاعر كعنصر فعال في بنية النص وتكوين دلالاته الفنية والنفسيه. فهذه الأنا هي البؤرة المركزية التي تجعل حركة النص تتأرجح بين قطبين: الذهنية الشعرية الداخلية، والواقع الخارجي. ولكن حين تنطلق هذه الحركة الى الخارج، ويستعيد الشاعر وعيه ووجوده، يصطدم بالواقع الخارجي الذي يشعر نحوه بالغربة والضياع، حين يقول:

جزتُ المسافة ما بين قلبي لقلبي

ولكنني الآن أشعر أني غربت وأني

أضعت بعينيك دربي!

ولكن نرى الشاعر يعود مرة أخرى مكرراً محاولاته لاختراق هذا الواقع المرير، كما في قصيدته (أغنية ثائر) والتي يتخذ شكل الحركة فيها مساراً دائرياً ينطلق من نقطة المركز ليعود اليها عن طريق سطر شعري يتكرر ثلاث مرات في القصيدة وهي:

سأقول أغنيتي وأرحل

سأقول أغنيتي برغم الكاتمين الصوت

سأقول أغنيتي لتسحق بعد هذا الجدب

وهذا المسار الدائري ينسج حركته من الفعل الزمني للمستقبل القريب (سأقول، سأخط، سأصوغ) وهذا له دلالته العميقة التي تحيلنا الى نفسية الشاعر المتوثبة لتجاوز هذا الواقع اليومي. يقول:

لا لن أخاف صحيفة الموتى ولا سم الحناجر

سأخطها بالنور أو بالنار ...

سأصوغها من صرخة الثوار...

سأخطها بدمي على كل السطوح

وفوق جدران المنازل

ولكن هل استطاع الشاعر ان يصوغ اغنيته ويخطها بدمه على كل السطوح؟. لا، إنه لم يدخل بعد حيّز الإستطاعة، فحالة القلق المصاحبة للتدفق الثائر نحو التجاوز تصل قمة العمل الدرامي حين يتجسّد أمامه العالم الخارجي في لحظات الوعي، حيث تسمعه يقول في قصيدته (لمن):

لمن سأغني ؟

لمن سأصوغ الأناشيد ؟

من سوف يبصر صوتي

بهذا الحلك ؟

من كل هذا يتضح أن المعادل الموضوعي يتحكم في حركة الأنا الشاعرة عن طريق ثنائيتي (الغياب / الحضور) (المغادرة / الدخول) مثل قوله:

الطيور تغادر أعشاشها وتسافر

خلف الأفق

انها الآن تدخل بوابة المستحيل

ان هذه الثنائية تمتد وتتسع وتدخل في معمارية البناء الفني للنص، وتمتزج في بنية النسق المكاني وتشكيلاته الزمانية المختلفة. تسمعه يقول:

وهذا السراب البخيل

يكبّل روحي يسلب منها نضارتها ويحد انطلاقتها في مدى

مونق تتفتح فيه براعم حلمي

أو يورق المستحيل

فالأفعال المضارعة (يكبل، يسلب، يحد، ...) تتحرك ضمن إطار الحركة الثنائية مع دخولها في تكوين شبكة العلاقات الزمانية المكانية في بنية النص. يقول أبو زيد أيضاً:

كهفاً أفيء له نغيب به حدود الكون

تصهر في حدودي

بئراً أغوص به أغوص.. أغوص لكن آه لم أبلغ قراره

وحين ننتقل في تحليل الخطاب الشعري من أنا المرسل او (أنا الشاعر) الى أنا المرسل اليه أو (أنا الآخر) حيث أنها طرف فاعل في تكوين الجمل الشعرية، وعلى هذا نجد أن الخطاب الشعري يتجه الى الآخر، ويتشكل عبر الضمائر المخاطبة أو أدوات النداء.. نلاحظ أن حركة الرسالة حين تتلبس بأداه النداء متجهة الى الآخر حركة ارتدادية عكسية، تصبح أنا الآخر مرآة او قناعاً ينفذ الشاعر من خلالها الى مخيلته الشعرية أو عالمه الشعري، فيتطابق الدال والمدلول، وتعود الدلالات الرمزية تشير وبقوة الى أنا الشاعر الذي يشكل محور النص. فمثلاً يقول:

يا أيها الفارس المستكن

بليل الشجن

الزهور التي كنت تعرفها ذبلت

مزقت أحرقت

وعندما تكون الرسالة متجهة الى الآخر ومقنعة بالضمير المخاطب، مثل قوله:

ان هذي الطريق التي تبدرون عليها خطاكم كئيبة

انها جهمة وغريبة

فابتغوا لي طريقاً سواها

تتحول الى موقف ينطوي على دلالات الرغبة في التغير، تغير في الأشياء والأسماء والأمكنة والأزمنة. وهذه الرغبة في التغير تنبعث من اعتقاد الشاعر بوجوب خلخلة عالمه المعاش وتفكيك روابطه المعقدة. وتوكيداً على فاعلية التغير نراه يتوجه بخطابه الى الآخر بضمير المخاطب (أنتم) ايماناً منه بأن فعل التغير يكون جماعياً. وهنا يعترضنا سؤال: من أين يبدأ فعل التغير؟ ونترك الإجابة للشاعر حيث يقول:

إنني أبتغي لغة غضة وحميمة

تتدفق مثل دم القلب تنساب كالنسغ

دافئة مثل حضن الحبيبة

هنا يحدد الشاعر نقطة التغير. أنها تبدأ من تغير اللغة أو تنور اللغة، لأنها تشكل عنصراً مهماً في تشكيل أبنية الوعي في الواقع. إذ ان بنية الشعر ـ كما يقول أدونيس ـ اجتماعية وثقافية أيضاً. فديناميكية فعل التغير تتطلب أمرين هما: القطيعة الأبستمولوجية في الحقل الدلالي المعرفي للثقافة الموروثة، والحسّ التاريخ الخارج من قلب التراث. وبهذين الأمرين استطاع شاعرنا أبو زيد أن يتحرر من الثبات والسكون وينطلق داخل الحركة الإبداعية الناتجة من ذلك، وبالتالي يصل الى عمق التجربة. وإننا لنلمح شيئاً من بدايات فعل التغير في تجربة الشاعر حين يعمد الى زعزعة واقعه اليومي بإثارة الأسئلة للوصول الى نقطة التحول الإبداعية، فنسمعه يقول:

المدينة نائمة سيدي

أيها الشعر قل كيف أصبحت حلاً بهذا البلد ؟

أو يقول :

باسم من ؟

تذبل الأمنيات

ينضب النهر، تغدو الحياة جمرة في القلوب وأرضاً موات

باسم من ؟

والآن فلنرجع الى قصيدة (أغنية ثائر) حيث نجد أنفسنا إزاء قصيدة تتكيء على الموروث الشعبي لبناء الرؤية الشعرية ودلالاتها، وهذا يتضح في المقطع الآتي:

كلما غنيت أدركني الصاح

يريد اسكاني ولكن ما سكت

سأقول اغنيتي

فالنص يدخل في صدام مع شبكة النظام السردي لقصص ألف ليلة وليلة الذي يكون وضعية السارد (شهرزاد) في هذا النظام معرضاً للقتل من قبل المروي له وهو شهريار، بمجرد أن يرفض الإستماع اليه، فهو المتحكم في حياة أوموت السارد. من هنا يرفض الأخير أو (أنا) الشاعر هذه الوضعية المتحكمة في الحياة والموت، إنه يتحدى شهريار بأغنيته الثائرة، فلم يسكت، ولن.

  الرحيل

زمن للرحيل..

زمن للفراق الطويل

الطيور تغادر أعشاشها

وتسافر خلف الأفق،

إنها الآن تدخل بوابة المستحيل

وأنا هاهنا..

مثل كل النجوم التي تحترق

لستُ أملك غير الحروف التي لا تقول!

الزهرة

لمن سوف تمنح زهرة قلبك أيها الفارس المستكن

بليل الشجن

الزهور التي كنت تعرفها ذبلت

مزقت

أحرقت

أصبحت ـ لوعة الزهر ـ دون ثمن!

فارساً عاشقاً كنت أصبحت

لو جئت في غير هذا الزمن !


 

358519