عاصمتـ ـ ـ ـ(ـنا) الثقافية
بين الاحتفالية والإنجاز
التحرير - 20 / 2 / 2011م - 5:29 ص - العدد (16)

إعلان اليونسكو الرياض عاصمة ثقافية للعام 2000 يمثل، في حد ذاته، حدثاً ثقافياً كبيراً راهناً وتدشيناً لفعل ثقافي قادم. ربما نظر البعض بمن فيهم مثقفون محليون إلى أن الاختيار انطوى على عنصر المفاجأة، فالرياض -كما عواصم طرفية أخرى- لم تكن مؤهلة لأن تتبوأ موقع "عاصمة ثقافية"، وبخاصةً أن الاختيار يأتي على حساب المراكز الثقافية التقليدية مثل بغداد والقاهرة وبيروت، التي احتضنت المكنوز الثقافي العربي بكل اتجاهاته ورموزه وتنوعاته لقرون عديدة. ولكنّ ثمة سؤالاً محورياً يثار حول الموانع التي تحول دون "التعوصم" الثقافي للرياض. فهل ثمة ما يجعل الرياض طرفاً ثقافياً رغم أنها كانت في قلب المفاعل الثقافي الإبداعي العربي والإسلامي، فالرياض كرمز مستحدث لمساحة ثقافية وجغرافية واسعة، أي الجزيرة العربية، كانت على حد قوله علي الدميني "إحدى المرتكزات الثقافية العربية".

ثمة إجماع على أن تتويج الرياض كعاصمة ثقافية هو منجز وتكريم للإبداع الثقافي والأدبي المتراكم محلياً طيلة أكثر من عقدين، والذي أفضى إلى انتقال المنتج المحلي إلى مستوى التنافس الثقافي العربي وربما الإنساني، سيما في غياب أو تقهقر دور العواصم الثقافية المركزية، غالباً بسبب الظروف السياسية (حربي الخليج الأولى والثانية بالنسبة للعراق، والحرب الأهلية في لبنان، وكامب ديفيد وتداعياتها اللاحقة بالنسبة لمصر). فانتقال مراكز الجاذبية الثقافية من هذه العواصم إلى الإطراف أعطى الأخيرة فرصة وحمّلها مسئولية وراثة "مركزية" تلك العواصم بما تفرضه من رعاية ثقافية لا تقف عند حدود استيعاب التنوع الثقافي والمذهبي والفكري والأدبي على المستوى المحلي بل تضعها أمام اختبار استضافة كل المختلفين الحاليين والمستقبليين بالنظر إلى ما تحمله التحولات الثقافية والفكرية في هذه المرحلة الحساسة من اشتقاقات وانشقاقات محتملة ستفرز بلا شك مصنفات ثقافية وفكرية لا تنتمي إلى القوائم الحالية.

ووراء الإجماع السابق تكمن تطلعات مثقفين وأدباء محليين يرسمون صورة الرياض العاصمة الثقافية، وربما في مقدمة تطلعاتهم وكما صاغها عبد اللّه الغذامي "أن تنشط هذه العاصمة المختارة لتكون نموذجاً حياً للواقع الثقافي العربي في كل اختلافاته وتنوعاته وتوجهاته". هذه الصورة التي يأمل الغذامي تجسّمها في عاصمتنا الثقافية تحاول أن تمحو صورة طغت عليها الواحدية، هذه الصورة الثقافية تجاهلت على حد قوله "للمختلف وجنوحها نحو القطع برأي الواحد".

كما الحال بالنسبة للمراكز الثقافية العربية التقليدية، ليست "العاصمية" الثقافية للرياض تضمر تحدياً "لممكناتنا المادية والإبداعية" على حد علي الدميني بل الأهم منه ما قاله لاحقاً وهو الرهان على "ما يتوجب علينا إنجازه من ثقافة محايثة ومحفزة لمناخ خصب جديد يرفع سقف الرقابة الصحافية والاجتماعية إلى ضرورات العصر..". مع الإشارة هنا إلى أن دور العاصمة الثقافية ليس بالضرورة تنصيب أبنائها المحليين إلى صنّاع ورواد ثقافة بالدرجة الأولى، بل دورها يتمركز حول احتضان وإثراء المنجزات الثقافية المتنوعة ثم إعادة تعميمها. فمصطلى التكريم الذي أشعلته اليونسكو في الرياض لم يرد منه إضاءة الفعل الثقافي للمنتِج المحلي وإنما يستهدف بالضرورة وضع أسس ثقافية كفيلة باجتذاب كل المبدعين في أرجاء الوطن العربي، بحيث تكون الرياض رمزاً للتنوع الثقافي والحوار بين الاتجاهات المتنافرة والمختلفة فكرياَ ومذهبياً وفوق ذلك "تسمح لتمثيل الصورة الفعلية للواقع الثقافي برموزه وشخوصه وقيمه" على حد الغذامي.

نأمل أن يمثل اختيار الرياض عاصمة ثقافية تتويجاً وتطويراً لتجربة مهرجان الجنادرية في احتوائه الطيف العريض من التنوع الثقافي الممتد عربياً وإسلامياً بل وعالمياً، تنوع ديني ومذهبي وإيديولوجي ولغوي. ولابد من الإشادة بتجربة الجنادرية كفعل ثقافي لبّى حاجة محلية وعربية ونجح في تأسيس قاعدة صلبة لمشاريع ثقافية مستقبلية، كان ثمرتها هذا التتويج.

وكأي مشروع ثقافي يسترشد بالاجتهاد ويأمل في تطوير ذاته نحو الأفضل، نأمل كمثقفين من هذا الوطن، يتطلعون إلى إبراز الصورة المثلى للوجه الثقافي لبلدهم، أن تحتفي باقي المدن السعودية في هذا البلد بهذا التتويج وأن تشارك الرياض في وضع حجر الأساس لمشروع ثقافي منفتح على نفسه وعلى الآخر، ويرى في نجاح هذا المشروع نجاحاً لبلده أولاً.
لقد آن الأوان كيما نحرر أنفسنا من قيود الواحدية الثقافية والانتقال إلى التنوع الثقافي بكل معطياته وآفاقه. إن ذلك يدعونا جميعاً إلى تحرير منتجنا الثقافي من هاجس "زعزعة العقيدة وإلهاء الناس عن طلب العلوم الشرعية" بتعبير نورة السعد، فبذلك نكون قد قررنا حجم هذه العاصمة الثقافية وهويتها القومية.

نحن لا نأمل أن تتحول الرياض عاصمة ثقافية لمبدعي الرياض وإلا فنحن نحيلها إلى احتفالية ذات طابع دعائي حيث تنتهي على حد عثمان الصيني "بانتهاء المناسبة ثم لا يبقى بعد ذلك منها غير التغطيات الصحافية المرتبطة بالحدث والمنشورات والكتيبات.."، بل نحن نريد الرياض عاصمة لكل المبدعين المحليين والعرب، لجهة تتويجها عاصمة للإبداع العربي.
وهذا يقودنا إلى نقطة مركزية، أن اختيار الرياض عاصمة ثقافية ليس مناسبة ظرفية محبوسة زمانياً، أي بمعنى أنها ليست سارية المفعول حتى عام من تاريخ الإعلان فحسب. فبهذه الطريقة نكون قد ألغينا الغاية من العاصمة الثقافية، وأبطلنا إمكانيات الإبداع الثقافي محلياً وعربياً. فالتعامل مع الثقافة باعتبارها مادة استهلاكية موسمية يستعيد كل هواجس المثقفين من أن يستنزف منهم كمية كبيرة من المخصبات الثقافية لصالح مشروع دعائي، لتعود من جديد وبعد أقل من عام من الآن الواحدية وربما بنزوع انتقامي من كل ما أنتجته العاصمة الثقافية طيلة هذا العام، حينئذ يبقى الضمان الوحيد هو استمرار الرياض عاصمة ثقافية دائمة تغذي كل العواصم العربية، وفي نفس الوقت تقوم بتوظيف كل مخزونها الثقافي المتراكم طيلة هذا العام في استفزاز كل المكنونات الثقافية المحلية.

نأمل من عاصمتنا الثقافية أن تجسد المعنى الحقيقي للعاصمة الثقافية العربية وأن يكتب التاريخ من الآن صفحة جديدة يرمز فيها إلى الرياض باعتبارها الحاضنة الكبرى لمشاريع الحوار بين التوجهات الفكرية المختلفة، ولقيم الحوار والتسامح بين الأديان والمذاهب.

358520