المعري الشاك
الشيخ عبد الحميد الخطي * - 20 / 2 / 2011م - 6:43 ص - العدد (16)

ليس ما يجول فيه اليراع -الآن- بحثاً قامت في الذهن حدوده، واستبانت معالمه، ورتبت نتائجه، أجل. إنه لا يتعدى خاطراً أثارته هذه الضجة الكبرى التي انتظم دويها العالم العربي، ولسنا مغالين لو قلنا والعالم الغربي.

خلوت إلى قلمي أستوحي روح المعري الشاردة مقالاً أؤدي به حقّ الأدب، في تكريم شخصية نابغة من نوابغه، وأؤدي حقّ الصداقة في تلبية هذه الدعوة الكريمة.

فكّرت ملياً، وقلبت وجوه الرأي عمّا أكتب في هذه المناسبة، فانفتحت أمام فكري آفاق منفسحة الآماد، حتى كأنها تهمس في أذني، ببيت الشاعر العربي الأول والأخير المتنبي:

إني وجدت مجال القول ذا سعة

فإن وجدت لساناً قائلاً فقل

والحق أن مجال القول.. عن هذا النابغة، لرغيب إلى أبعد حدٍّ، ذلك أن المعري، لم يكن كغيره من سائر الشعراء، تدرسه شاعراً فحسب، فهو لغوي من الطراز الأول، وكاتب وفيلسوف وشاعر، وله إلمام بالفقه، إذن المعري مجموعة نوابغ التقت في شخصه فكانت وحدة متماسكة من العسير الشاق التمييز بين هذه الوحدة المتماسكة.

أحببت أن أكتب عن المعري الشاعر، وهذه ناحية من نواحي المعري نالت حظاً وافراً، من عناية الباحثين قديماً وحديثاً، وقد توفرت على دراستها أقلام قوية، لجلتها في صورة ماتعة وأبرزتها في مظهر رائع، فالبحث في هذه الناحية قليل الجدوى.

وأحببت أن أكتب عن المعري اللغوي، وكدت أبدأ في الموضوع، إلا أنني ذكرت أن البحث عن اللغة من خصائص (الأب انستاس الكرملي) فلا يسوغ أن أعالج الموضوع، ما لم أحصل على إجازة منه -لأننا في عصر الرخص والإجازات-.

وأحببت أن أكتب عن المعري الفيلسوف، وفجأة لاح لي شبح (طه حسين)[1]  وهو يصيح بي لا حقَّ لك أن تكتب عن المعري الفيلسوف، فهذه ناحية منه وقف عليَّ. نعم! يسوغ لك أن تكتب عنها إذا حصلت على إذن مني.

ومن أولى من (معري القرن العشرين) أو (خليفة المعري) -كما حلا لبعض المجلات أن تسبغ على طه حسين هذا اللقب- من أولى من الدكتور بمنح الرخصة والإجازة؟ وهو من المجازين.

والدكتور طه حسين لا يحتكر المعري الفيلسوف، بل يحتكر المعري شاعراً وكاتباً.

إذن بقي حصتي (المعري الإنسان)، ولو جاز أن أكتب عن المعري الإنسان، لأشغلت نفسي بكل ما ولدت حواء وآدم، لأن المعري لا يفضل أحداً من هذه الميزة، إذ هي قسط مشترك بين الحيوان الناطق.

وبينما فكري غارق في لجة هذه التأملات، وفي بحران هذه الخواطر، إذ تلهمني حيرتي العاتية فجأة هذا العنوان المعقد الشائك الجميل في آنٍ واحد: (المعري الشاك).

فعلى بركة اللّه أمضي في سبيلي مستمداً منه العون والتوفيق.

كيف التوفيق بين قول من يرى (أن المعري شيعي بحت) وبين قول من يرى (أن المعري ظنت بإسلامه الظنون)؟ وهل إلى التوفيق بين النقيضين من سبيل؟ ثم يا ترى مع أي القولين الحق؟

أمانة الحكم.. وفقه البحث.. يفرضان عليَّ أن أرجع إلى أدلة القولين، وأن أبحثها بحثاً دقيقاً، وأن أصفي ما استقرَّ في قرارتها من كدر. فنتساءل أولاً:

- ما هي أدلة القائل (إن المعري شيعي بحت)[2] ؟

- وما هي أدلة القائل (ظنت بإسلامه الظنون)[3] ؟

ولنبدأ بالبحث عن أدلة القائل الأول:

يعتمد القائل (بتشيع المعري) أبياتاً من الشعر منثورة في (اللزوميات) وفي (سِقط الزند)، ومن ضمن تلك الأبيات ما قاله المعري في خلال قصيدة يردّ فيها على شاعر علوي، اعتبرها المعري الداهية فرصة لا تفوّت بل يجب أن تهتبل، فقد كان هذا الشاعر العلوي من أسرة نابهة، وذات مركز اجتماعي، وصاحبة سلطة ونفوذ، وآثر أن يجلب رضا هذه الأسرة ذات الشأن، فخاطبها بما يبلغ من نفوسها مبلغ الرضا، وينال من إعجابها:

وعلى الأفق من دماء الشهيدين

علي ونجله شاهدان

فهما في أواخر الليل فجران

وفي أولياته شفقان

ثبتا في قيمصه ليجيء الحشر

مستعدياً إلى الرحمن

أحد الخمسة الذين هم الأغراض

في كل منطق والمعاني

والشخوص الذي أضاء سناها

قبل خلق المريخ والميزان

قبل أن تخلق السموات أو

تؤمر أفلاكهن بالدوران

إن هذه الأبيات -من غير شك، ومن غير ريب- تحمل بذور عقيدة التشيع، وتقرر مبدأ من مبادئ الشيعة: أن الرسول صلى اللّه عليه وآله، وعترته الكريمة سلام اللّه عليها، العلة الغائية لهذا الكون، وأن أرواحهم خلقت قبل الأفلاك.

ولا ننكر أن لهذه الأبيات - في اللزوميات، وفي سِقط الزند كما قلنا- أشباه ونظائر، ولكن ليس من السهل أن نعتمد هذه الأبيات دليلاً قاطعاً، ونرتب عليه نتائج، لا يليق بالباحث المتحري اعتماد هذه الأبيات، وإغفال ما ينقضها جملة وتفصيلاً، وهل الأخذ بها والإعراض عن غيرها إلاّ ترجيح بلا مرجّح ولا مسوّغ، ونظرة فاحصة بأناة وتجرد كفيلة أن تهدم هذه الأبيات بدون هوادة، وتكفّ من هذه الغلواء، وذلك الاسترسال.

وهناك طائفة من المؤرخين، تزجّ به في صفوف في المسلمين، ولا تعين الصف الذي هو منه، ولو أرادت لما قدرت، لأن المعري يتناقض في أقواله تناقضاً يبعث على الدهشة، ولسنا الآن بصدد البحث عن كل ما قيل في عقيدة المعري، فالتوفر على هذه المجال يستدعي توسعاً لا يناسب هذا المقام.

وليت بعض الناس قنع بتلك الأبيات ومثيلاتها، وارتكز إليها واستراح عندها، ولم يتجاوز الحدّ إلى (رسالة الغفران) فيزعم أنها دليل محكم، وبرهان قاطع، غير قابل للنقاش والجدل على (تشيع المعري)، وإذا كانت (رسالة الغفران) دليلاً على إسلام المعري فضلاً عن (تشيعه) فعلى المنطق والبحث العفاء!

إن (رسالة الغفران) إن دلّت على شيء فعلى سخرية لاذعة، واستهزاء مر، وتهكم مؤلم بالمسلمين، واعتقادهم بالبعث وبالجنة والنار، ولا ظل من صواب، لما يتراءى لبعض الناس، إن المعري يرمي من رواء نسج قصته.. ورحلته الخيالية: إثبات الجنة والنار، فإن آخر ما يفكر فيه المعري أو يعنيه بالجنة والنار، وكيف يؤمن بعالم آخر من ينكر إمكان إعادة الأجسام بعد انحلالها؟!

يحطّمنا ريب الزمان كأننا

زجاج، ولكن لا يعاد له سبك

لم يعرف عن المعري أنه وقف مدافعاً عن الإسلام، ومعتقدات أهله، وإنما المعروف عنه أنه -دائماً وأبداً- ساخر من الأديان كافة، وقف هذا الموقف منذ بدء فلسفته المعقدة حتى آخر رمق من حياته الطويلة، وقد لجّ به العبث وطغى عليه الاستخفاف بصحة الأديان السماوية قاطبة، ووسم الأديان كلها بميسم الضلال، فاستمع إليه يطعن الأديان غير موارب:

هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت

ويهود حارت، والمجوس مضللة

ويمعن في السخرية ويبالغ في تجريد المتدينين من العقل، وهذا يشمل حتى الأنبياء والرسل:

اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا

دين، وآخر ديّن لا عقل له!!!

ولما كان المعري -في قرارة نفسه المضطربة، من ذوي العقول الجبّارة انسلخ من الأديان لئلا يحرم من نعمة العقل.

وليس المعري منكراً للبعث فحسب، وإنما هو عدو ألدّ للإسلام، لا يفتأ يوجه إليه الضربات، ويسدد إلى قلبه الطعنات، والمعري فتح الغمز واللمز، للمستشرقين.. أعداء الإسلام العنيدين، فاستمع له كيف يصف الإسلام بالفتك والعسف، ويصمه أنه قام على الحديد والدم:

تلوا باطلاً، وجلوا صارماً

فقالوا صدقنا؟ فقلنا نعم!!

وهذه تهمه لم يوجهها إلى الإسلام غير المعري وأعدا أعدائه من المستشرقين الطائفيين، على أن هناك من الأجانب عن الإسلام من يقول: ما عرف التاريخ أكرم ولا أسمح فاتح من الإسلام، الإسلام دين البرهان والمنطق، الداعي إلى الدعوة بالحسنى ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و (ادفع بالحسنة السيئة).

وإن لم تقتلع هذه الشواهد الواضحة الدلالة جذور الشك من نفسك وتريد منا برهاناً، لا يحتمل التأويل، ولا يرقى إليه الريب فاقرأ الإعلان بالقلم العريض:

ولا تحسب مقال الرسل حقاً

ولكن قول زور سطّروه

وكان الناس في عيش رغيد

فجاؤوا بالمحال فكدّروه

آمنت.. أم لم تر على عقيدتك: أن المعري شيعي بحت؟!

اللهم إن الشيعة براء من المعري، والشيعة –والحمد للَّه- أغنياء بأفذاذ الرجال، من علماء وفلاسفة وعظماء وشعراء وكتاب ومؤرخين ولغويين.. وفي كل لون من ألوان المعرفة، ولم يفتقروا حتى نسدّ خلّتهم بأبي العلاء بعجره وبجره.

أليس المعري الساخر من الذين ينزهون الخالق عن المكان والزمان:

قالوا لنا خلاق قديم

قلنا صدقتم كذا نقول

زعمتموه بلا مكان

ولا زمان ألا فقولوا

هذا كلام له خبيء

معناه ليست لنا عقول

ونفي المكان والزمان عن اللَّه تعالى مما أجمعت عليه كلمة أهل القبلة، حتى الذين قالوا برؤيته في القيامة، وعدوا منكر ذلك كافراً، أما المعري قد زاد على هؤلاء.

والمعري ترفع عن هجاء سائر الناس وهجا الأنبياء فيما سلف، وفيما يأتي:

أفيقوا، أفيقوا يا غواة! فإنما

دياناتكم مكر من (القدماء)

أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا

وماتوا، فبادت سنة (اللؤماء)

و (اللؤماء) الذين يعنيهم المعري في شعره هم الأنبياء ذوو الشرائع، ولم يهجُ المعري الأنبياء مرة فاسمع:

إن الشرائع ألقت بيننا إحناً

وأورثتنا أفانين العداوات

وهل أبيحت نساء الروم من عرض

للعرب إلا بأحكام النبوات

ويتجلّى لك ضعف القول بتشيع المعري، وتتضح لك الغفلة وفقدان الدقة، حينما تعرف إجماع الفرق الشيعية على عصمة الأئمة بله النبي صلى اللّه عليه وآله، وليت المعري اقتنع بهذا التعريض وتلك الغمزات بل رأيناه يتمرد على كل ما تواضع المسلمون على تقديسه، ويبلغ به الشك حتى في صدق القرآن أن آدم شخص حقيقي:

قال قوم -ولا أدين بما قالوه-

إن ابن آدم كابن عرس

جهل الناس ما أبوه على الدهر

ولكنه مسمّى بحرس

في حديث رواه قوم لقوم

رهن طِرس مستنسخ بعد طرس

فانظر لهذا المسلم الشيعي كيف يطعن في النبوات، ويصف الأنبياء باللؤم، ولا يرى القرآن أكثر من رواية تداولتها رواة، وأنه من عرض الكتب المستنسخة.

ولا يخدعك المعري بهذه الحشوة في هذه الأبيات: (ولا أدين بما قالوه) فلم يأتِ بها إلا لإقامة الوزن أولاً، وللإمعان في السخرية ثانياً.

ولا أعرف شيعياً -فضلاً عن شيعي بحت- ينعى على الشيعة مقالتهم بالإمام المنتظر، وهو من ضرورات المذهب الشيعي، وكل الأديان ترتقب المصلح المنقذ، والاختلاف في ذلك بين الشيعة وغيرهم في التفاصيل، لا في أصل الفكرة:

يرتجي الناس أن يقوم إمام

ناطق في الكتيبة الخرساء

إنا لا نعلم في أي زمن.. اعتنق المعري المذهب الشيعي، ولا أرانا -وإن حاولنا- قادرين على العلم، وكيف نعلم ما لم يكن؟

وجماع الرأي.. وخلاصة القول الذي يسلم إليه البحث المتزن: أن المعري لم يكن مسلماً صحيح الإسلام مطمئن القلب، كما أنه لم يكن ملحداً -بيّن الإلحاد- كما ينبزه ياقوت الحموي وغيره، ولكن الذي لا شك فيه ولا شبهة، أنه كان شاكاً مرتاباً لم تتضح له سبيل الحق فيسلكها، ولم تبن له طريق الكفر فيلج فيها أو يحيد عنها، وأنت تحسّ منه هذه الحيرة المكربة العاتية بل تلمسها إذا قرأت (اللزوميات) و (رسالة الغفران).

أما المعري في (سِقط الزند) فشاعر مقلد يترسم خطى من تقدّمه من الشعراء الفحول، ويؤثر الأسلوب الجاهلي في قوة أسره، وخزالة لفظه، وحشويته أيضاً، كما فعل في مرثية الشريف والد المرتضى والرضي رضي اللّه عنهم، ولا يحفل بالمعنى كما يحفل بالألفاظ الفخمة، وكثيراً ما أخضع المعنى لنكتة بديعية، ولم يكن له طابع خاص به يميزه عن سواه، وطالما أفنى ذاته إمعاناً في التقليد، وبالأخص في بعض قصائده التي تأثر فيها بعيداً بالمتنبي، اقرأ قصيدته التي مطلعها:

أحسن بالواجد من وجده

صبر يعيد النار في زَنده

ثم اقرأ قصيدة من نظر إليه بعين الغيب -على حد تعبير المعري- التي مطلعها:

آخر ما الملك معزى به

هذا الذي أثر في قلبه

تسمع صوت المتنبي يتجاوب في كل مقطع من مقاطع قصيدة المرعي، فهو إذن لم يكن في هذا العهد فيلسوفاً، بل ولا مفكراً، فلا يصحّ أن نتقبل منه كل ما يقوله صدىً بغيره.

هو في (سِقط الزند) شاعر مقلد تابع لظلال من سبقه، ولم يستقل -إن صح التعبير- في (سِقط الزند) إلا في قصيدته الدالية الخالدة، التي يرثي فيها فقيهاً حنفياً مجهولاً:

غير مجدٍ في ملتي واعتقادي

نوح باكٍ ولا ترنّم شادِ

أبكت تلكم الحمامة أم غنّت؟

على فرع غصنها المياد

وشبيه صوت النعي إذا قيس

بصوت البشير في كل ناد

من هذه القصيدة لمعت بوارق ثورة المعري الفكرية، ولاحت بها أشراط شكه وحيرته، وفلسفته أيضاً، وخيوط تناقضه.

ليس البحث عن عقيدة المعري الغامضة يستوفي في مقال، بل يتطلب مجهوداً أكبر مما نحاوله، ويستدعي بسطاً من البحث، ومزيداً من التحليل والاستقصاء، وإنما هذه لمع من القول نعرضها، وعساها أن تحلّ محل القبول وتنظر بعين الرضا.

[1]  كتب هذا المقال و (طه حسين) على قيد الحياة.

[2]  صاحب هذا القول: الإمام المصلح آية اللّه الكبرى الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في كتابه (المراجعات).

[3]  الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد في كتابه (عبقرية الإمام).
قاضي محكمة الأوقاف والمواريث بالقطيف بالمملكة العربية السعودية.
365988