اللعب فوق جثث الأموات
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 1:35 م - العدد (1)

 

الموت لغز لم يفككه أحد..

والعلاقة بالموتى تحوي الكثير من عناصر الإثارة والأبهام.

الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر..

زارها وهو طفل مراراً .. يقولون أنها مقبرة !

هل يعرف الطفل معنى كلمة (مقبرة) ؟.

كلاّ .. ما يراه مجرد شجيرات الهرمى الصحراوية في ساحة خلاء..

وجذوع نخل خاوية أصبحت شواهد للقبور.

ويلعب ويلعب مع الصغار..

يصرخ في وجهه أحدهم: انتبه لا تدس على القبر! من يدس عليه تنزلق رجله الى حفرة عميقة!، ينزلق تلقائياً الى الاخرة!

لم يفهم شيئاً من ذلك.. لم يفهم معنى الموت، ولا معنى القبر.. ولم يتخيّل أن أحداً يسكن تحت الأرض.

كانت تنتابه بعض الرهبة وهو يلاحق الصبية أمثاله خشية أن يدوس على قبر، وقد أخطأ عدّة مرات، وتصوّر أنّه نجا من فخّ الحفيرة الذي يهددونه به، وربما انتابه شعور بالنجاح والإنتصار.

ذات صباح باكر: جاءه خبر وفاة أم أحد أصدقائه.. قالوا له إنها ماتت ودفنت في المقبرة !

الموتُ شيء مخيف، تخوف به الأمهات صغارها: إنتبه لا تموت، باموّتك، عساك تموت !، لا تمش في الشارع فتدعسك سيارة فتموت.

الموت كلمة مخيفة، لم يهضم الطفل معناها على الوجه الأكمل.

وحين جاء خبر وفاة تلك الأم، حزن لحزن صديقه، ولحزن أمّه، فهي من العائلة: مسكينة ماتت، الله يرحمها، سيدة بنت فاطمة الزهراء.

وانتهت الحكاية عند هذا الحدّ. لم يفكر كيف يدفن الميت في المقبرة. لم يتخيل أن الإنسان يهيلون عليه التراب.

تخيّل مرات عديدة أن من يمت يقذف به في البحر! لا شك أنه سيغرق، لأنه ميّت !

لكنه ـ ورغم قرب البحر ـ لمنزله، لم يره بالعين المجرّدة، أيضاً تصورة ساحة واسعة فيها ماء كثير، أكبر من العين التي اعتاد أن يسبح فيها بشكل يومي تقريباً.

جاءه خبر وفاة جدّه .. فقامت قيامة البلدة، والأهل.

أما هو، فقد شعر بأن مما يخفف الأسى الذي لحظه في العيون، أن صار لديه عذرٌ حقيقي للتغيّب عن المدرسة.

لطالما تمنّى أن يموت أحد، ليفاخر بأنه غاب، وإذا ماسُئل فسيجيب : مات جدّي !

إذن .. هناك بعض الفوائد من الموت !.

أخوه الأكبر اكتشف ذلك.. فحين عرف بخبر موت جدّه صاح: الحمد لله !

قيل أنه كان قاسياً عليهما بوجه خاص، وكم مرة طاردهما في الشوارع وضربهما بلا سبب. فجاء الموت مخلّصاً من وجهة نظرهما.

لم تتغيّر العادة، بالنسبة اليه وبقيّة الصبية.. حتى بعد أن عرف أن تلك التلّة تضم رفات جدّه.

إنه لا يرى شيئاً ، مجرد جذعي نخلة، ومرتفع صغير من الإسمنت كتب عليه الإسم. هل يقبع ذلك الجدّ العظيم ذو الجبروت هنا ؟.

 هذا لم يسأله نفسه لأنه لم يصدّق.

 لم يكن قادراً على استيعاب معنى الموت والدفن والمقبرة والمغتسل، والكفن، وكل المفردات السوداء الأخرى.

واصل اللعب، ثم ابتدعت لعبة اخرى وهي مطاردة الطيور في المقبرة الفارغة، وكأنه وزملاءه الأطفال يطاردون أرواح الموتى.. وعلى سور المقبرة الأبيض كان كثيراً ما يمشي راكضاً الى المدرسة فذلك أفضل من المشي بصعوبة في الرمال الناعمة.

تذكر الان، قصة وفاة ابنة عمه. كان قد تعود كما بقيّة الصغار أن يراها ويلاعبها ، ومساء ذات يوم، أراد أن يفعل نفس الشيء، فقالت له زوجة عمّه: لا عليك منها .. ماتت!

بكلمة جافة، أشعرته أن الموت شيء ليس مفزعاً، خاصة وأن الأم لم يظهر عليها أية علامات تأثر. ما أكثر الأطفال الذين يولدون ويموتون ويدفنون بصمت.

لقد أحسّ بالألم ينتاب جدّه الذي قال: غداً ندفنها !

ولكن الطفل نام نوماً هنيئاً بعد نهار صيفي طويل من اللعب.

وفي الصباح حمل الجدّ لفة قماش أبيض، و(سخيناً) باليد الأخرى وتبعه الأطفال جميعاً عند طلوع الشمس الى المقبرة التي لا تبعد سوى دقائق، وكأنهم ذاهبون في رحلة قصيرة. حقاً ذلك كان هو الشعور الذي راوده.

دُفنت الطفلة دون أن يراها.. كل ما رآه مجرد لفّة قماش، أو خرقة بالية، أُهيل عليها التراب، دونما شفقة، بل كانت عمليّة الدفن ممتعة للأطفال.

كيف يتذكر كل تلك الأحداث، ولم يعرف بعد كنه الموت ؟.

نعم .. يتذكر جيداً أنها دفنت في القسم الأمامي من المقبرة، وهو القسم المخصص للأطفال!

الان حين تعود به الذاكرة ، يحسّ بالرهبة والقشعريرة تسري في جسده. لو كان يعلم ما هو الموت (هل يعرفه الان فعلا ً؟!). لو عرف أن الميت يوضع تحت التراب ويدفن، لكان عرف سرّ الدموع التي تسيل من المآقي، ولما لعب في مسرح الأموات بلا اهتمام وبلا إبالية.

يتذكر الان الحادثة التي هزّته وعرّفته كل هذا.

كان ذلك يوماً صائفاً أيضاً ..

عاد للتو من مدرسته المسائية، فسمع أن جارته بائعة الحليب التي داوم على شراء الحليب منها، والتي أحبّها رغم ما قيل عنها بعدئذ من قسوة، سمع أنها قد توفيت. ولا شيء هنا يدعو للدهشة. ولكن قدميه قادتاه مع بعض الصبية الى المقبرة وهناك تعلّم ما هو الموت، ما هو القبر والمغتسل والكفن وماذا يفعل بالميت، وكيف يلقنونه ويحثون التراب عليه.

الوقت حين انتهى كل شيء كان عند المغرب، وراح الى العين المجاورة فتوضأ ولكنه عدل عن الصلاة جماعة مع الشيخ كما كان يفعل. ومن العين الى البيت والرعب يجتاح كل أوصاله.

وتكتمل الرهبة حين يختار النساء المأتم المجاور بل الملاصق للبيت مباشرة.

إنه يتذكر تلك الليلة الليلاء.. لم يستطع النوم. كانت صرخات ابنة  المتوفاة تدوي فتخترق أعماقه : يمّه .. يمّه. وتطيلها بانتحاب وصراخ وأنين يخترق القلوب كالسهام ومعها الرعب من عزرائيل.

آه هو ملك الموت إذن .. وهكذا يفعل بالناس. والميت لا يعود، ترى ما قصة المشي فوق المقبرة والحفرة التي تبتلع البشر.. يا للأبله، كنتُ أمشي بلا إحساس، ولكن الله سلّم !

هكذا حدّث نفسه، ومنذ تلك الحادثة، لم يزر المقبرة الا تحت الضغط والإكراه النفسي الذي يمليه الشعور بالواجب .

إنه يعوّض الان تلك الإباحية للساحة الخلاء وسكانها، بالعدول عن الدخول فيها. بأي وجه يلقاهم وبأي لسان يعتذر اليهم.

أليس الموت لغزاً معقداً ؟.

يا له من لغز محيّر.. كيف يلعب الأحياء فوق رفات الموتى !

وكيف يستطاب عيش في ناطحات سحاب تطلّ على تلك الديار الموحشة المظلمة ؟.

ألا يتعظ هؤلاء الذين يحومون حول المقبرة، وأولئك الذين يتطاولون في البنيان المشرف عليها. الا يخشون السقوط من أعلى؟!

صدق من قال : كفى بالموت واعظا!


 

358520