الجمالية المختلفة
وأثر البيئة على الصورة الفنية
رائد أنيس الجشي * - 12 / 10 / 2007م - 2:40 م - العدد (45)

مقدمة
- الصورة المقصودة، هنا، هي (التي تحتوي التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية)(1).
والجمال هو الحُسن(2).
وفي كتاب (الفروق اللغوية): الجمال هو ما يشتهر ويرتفع به الإنسان من الأفعال والأخلاق ومن كثرة المال والجسم وليس من الحُسن في شيء(3).
وتعارض التعريفين لا يهمنا حاليا لأننا سنناقش مصطلح (الصورة الأدبية الجميلة)، ولكننا سنورد تعريف المقالة الجميلة لأهميتها في البحث.
المقولة الجمالية هي كل ماهية تجمع الخصائص الآتية:
«تجريدا عاطفيا، أي نموذج انطباع انفعالي أو شعوري وتنظيم موضوعي داخلي لعنصر العمل الفني المتواشجة عضويا والمكونة لمجموع المتطلبات الضرورية لتوليد الارتكاس العاطفي، وضرب من المثل الأعلى الذي يبتغيه العمل الفني مما يسمح بأن تقام عليه أحكام قيمة، وبأن يقوَّم نجاح العمل بحسب اقترابه، إلى حد ما، من هذا المثل الأعلى المروم، وأخيرا إمكان وجودها في الفنون كافة سواء كانت تشكيلية أم موسيقية أم أدبية»(4).
الصورة الأدبية الجميلة
(هدف البحث)
هي تلك الصورة التي تجعلك مشاركا في التجربة والخبرة وتشعرك بروح هذه التجربة/ الخبرة، سواء كان الموضوع عشقا أو ألما، أو... إلخ، وحيث أن الحكم بجمال شيء معين هو منوط بالذوق فسوف نتحدث، أولاً، عن الخصائص التي تحكم الذوق، وسألخص هنا الآراء الثلاثة لـ(سبينوزا):
1- نسبيته المقترنة بقدرته على تمثل الأشياء المدركة وتقويمها، فالموسيقا جيدة لدى البعض، وخصوصا المكتئب، وغير جيدة لدى البعض، وخصوصا المصاب بألم( كالصداع مثلا)، وهي ليست جيدة وليست رديئة لدى البعض كالأصم.
2- قيامه على القياس والمقارنة (الخبرات المكتسبة ذِهنيا وتداعياتها) - أجمل يد في الدنيا لا بد وأن تبدو فضيعة تحت المجهر.
3- ذاتيته، فأفكارنا الجمالية مرهونة بأسلوبنا في تخيل خصائص الأشياء؛ فلو كنا في حالة مزاجية سيئة مثلا لوجدنا الجميل قبيحا، أو العكس فعندما يغرم الإنسان قد يرى القبيح جميلا)(5). هذا بالإضافة إلى أنها قد تكون ممقوتة من البعض لكونها محرمة أو مرتبطة بمحرم...
وأضيف حالة أخرى تتحكم في الذوق، وسأطلق عليها (دهشة المعرفة). عندما نتأمل في مثال «سبينوزا» عن اليد الجميلة التي تبدو فظيعة تحت المجهر؛ سنقول ولكنه سيظل يعتبر هذه اليد جميلة، رغم ذلك، كاللوحة الفنية المائية التي تبدو جميلة من البعد وقبيحة كلما اقتربنا منها؛ فلو سأل المتأمل في كلتا الحالتين: وهل تعتبرها الآن جميلة؟ لأجاب: نعم. أو على أقل تقدير، نعم من بعد، ولكن المعرفة بحقيقة الشيء أو (دهشة المعرفة)، أحيانا، تُحوِّل نظرتنا إلى الجميل عكسا فنتخلى عن اعتباره جميلا، مثلا، أو العكس قد نعجب بجمال شخص ما ذَكر أو أنثى، ولكننا نتعرض للأذى منه (قبل تولد الحب)، نراه قبيحا في المرة الثانية التي نراه فيها، بل وفي كل مرة وفي مثال آخر. السائد أن القمر جميل (والعادة المتوارثة هي تشبيه وجه المحبوبة بالقمر)، ولكن عندما يتأمل شخص ما في كون القمر متقلب طوال الشهر فهو يكون هلالا بعض الأحيان، وأحيانا يكون محاقا، وقد يخسف، وهذا لا يشبه وجه محبوبه، ولا يناسبه فيعتبر القمر ليس جميلا، ولكن البدر هو الجميل فالبدر (هو القمر المكتمل الضياء)، و لو تأمل أحدهم وأوغل في التأمل، ورأى أن البدر هو حال القمر في يوم واحد وأن هذا النور الجميل هو( خدعة) فهو انعكاس لنور الشمس لا نوره الحقيقي فإنه قد يمقت هذه الخصلة في القمر ويجد القمر قبيحا (والمثال لتقريب الفكرة لا أكثر)، فقد أرى - في ذوقي الشخصي - أنني لا أستطيع تشبيه وجه المحبوبة فقط بالقمر، ولكن هذا لا يعني أن لا أتقبل الآخر الذي ينظر إلى القمر من زواياه المختلفة فيشبهه بأثر وجه الحبيبة الإيجابي.
أورد مثالاً آخر أيضاً:
قد يعجب البعض باسم (مازن)، أو (تيماء)، ويتمنى أن يكون أحدهما اسما لمولوده القادم، ولكن عندما يعلم أن من معاني الاسم الأول بيض النمل(6) ومن معاني الاسم الثاني أنها ضالة مهلكة(7)، فقد يتبدل ذوقه ويتحول الإعجاب إلى شيء آخر، ولعلي أذكر هنا ما أتذكره من أحد المشاهد التي وردت في مسلسل (الجوارح) السوري، وكان البطل يخاطب والده مستفسرا عن سبب تسميته بأسامة، وعدم تسميته باسم أحد الجوارح كأخويه، وكأنه غير معجب بالاسم، أو غير متذوق له، ولكن عندما أجابه أبوه بأن هذا الاسم اسم لصديق عزيز عليه توفي؛ تبدل ذوق البطل، وأعجب باسمه، ورغم أن هذا المشهد يتطابق مع ما أقول إلا أنه لو كان البطل أو والده يدركان أن (أسامة) من أسماء الأسد(8) لما كان المسلسل بحاجة إلى هذا المشهد، ولم يكن البطل بحاجة للتأقلم مع اسمه. أيا يكن.
المثل الأعلى
من أهم العوامل التي تؤثر على ذوقنا، ذلك لأننا نقارن الصور الأدبية به لنحكم على كونها جميلة أم لا؛ فكلنا لدينا صور تخيلية (كمثل عليا) لوصف الموت، النزف، جمال الوجه، بشاعة الانتحار تكون الخط الأحمر(المحك) في المقارنة مع ما نقرأه من صور أدبية سواء كنا واعين لعملية المقارنة أم لم نكن.
أما الجغرافيا البيئية فهي البيئة التي يعيش فيها الأحياء كلها فوق الأرض وتشمل الجغرافيا البشرية والجغرافيا السكانية والجغرافيا الإقتصادية والجغرافيا المكانية والتاثيرات المتبادلة بين الناس وبيئاتهم ومدى تأثر الأحياء بالبيئة من حولهم وبالمناخ والجو المحيط بهم وبأنماط الحياة فيها(9).
الجمالية المختلفة
إن شخصا ولد وتربى في المدينة قد يعد الأسفلت الأسود والشوارع المرصوفة والكورنيش المنظم والبرفان ل سي كي أو هوجو مثلا أكثر جمالا من الطريق الرملي والنخيل والشاطئ المهمل وروائح عرق البحارة والمزارع المليئة بالحشرات، فلماذا لا يظهر الشاعر الذي يعشق المدنية، ولا يستطيع أن يعيش جمالية الطبيعة؟ جمالية المدينة والمدنية (كونها خبرة متاحة ومعاشة وقريبة من التناول)؟ أم هل يجب على كل العقليات أن تتفق على جماليات معينة متوارثة عقليا ومرفوضة عمليا؟ وسؤالي هنا لا يعني أنني أطالب بترك التغني بالقرى والأرياف، ولكني أرى أن المدينة عبارة عن مادة خام مهملة لدى أغلب الشعراء، فليس قبيحا أن نتغنى بغصون الزيتون، والثلوج البيضاء، وعيون المها، ولكن العاطفة وجمالية المعنى لن تتجلى على النص ما لم نعايش معاني هذه الصور، ولا أجد أنه من القبح أن نتغنى بما نحبه فعلا بدلا من اجترار متعة الآخر، فكم من شخص شبه عين محبوبته بعين البقر الوحشي أو المها وهو لم يشاهد هذا الحيوان، وربما لو شاهده لتغيرت نظرته لجمال عين هذا الحيوان. كما أن الكثيرين يستخدمون في صورهم رمز (السيف) دلالة على الشجاعة كما كان يفعل الماضون رغم أن السيف حاليا يستخدم (للعرضة/ رقصة شعبية)، أو للتمثيل، وهو رمز تاريخي وحسب، قد يصلح للحديث عن شجاعة الماضين لا الحاليين في نظري، ولم يكن شعراء الجاهلية يتغنون بأدوات من العصر الحجري مثلا (بأدوات كان يستخدمها من سبقهم في الحروب) بل يتغنون بما استخدموه هم في غزواتهم، وهذا مثال آخر على اجترار جمال صور الآخر.
وكما يقال بأن (الشاعر ابن بيئته) نرى أن القارئ ابن بيئته أيضا، وبالتالي ألا يجب على القارئ أن يغادر بيئته (ولو قراءة) ويتلمس جماليات البيئة الأخرى؟ فاستشعار جمالية بيئة مختلفة يعد كسبا للمعرفة، ويعمل على توسيع المدارك لدى مخيلة المتلقي والملقي أيضا.
لنقف مع مقطع من (اللوحة الخامسة والستون) للشاعر اليمني عبد العزيز مقالح:
«صدر مفتوح كالوادي
وعنق ناصع
إنها فاطمة
التعبير الأقرب عن بقية النساء
اللائي هجرهن أزواجهن
هناك في البعيد»(10).
الشاعر يشبِّه صدر فاطمة المفتوح بالوادي، ويعد ذلك جماليا بينما يراه بعض القراء (لم يُجِد التعبير، ولو قال كالسماء كالنوافذ أو الشبابيك) كفضاء حب لربما كان أفضل، والعنق ليس طويلا بل ناصعا، وهي دلالة على انتصابه، وتلقيه لأشعة الشمس، ولنتأمل مقطعا من نصه (اللوحة الثامنة):
>هذا نهير يشق خطاه كسولا
-على صخرة-
ماؤه كحليب المها
يترقرق منتشيا بغناه»(11).
لماذا كحليب المها؟ ما لم يتعرف المتلقي على طريقة تدفق هذا الحليب، وعلى أهميته؛ فقد لا يتلمس عاطفة المعنى لكن الشاعر ابن القرية في كتابه الشعري (كتاب القرية)، يجسد، هنا جماليًّا، القرية فيبرز مفاتنها التي بهرته، وينتظر من المتلقي استشعار هذا الجمال. يقول الشاعر السوداني د. عبد الله الطيب:
«أرتنيَ ريا ساعدا لون قمحه
له دكنة الخال الذي همَّ يمطر
وجاءت إلينا بالقرى وكأنها
ملاك من الله العلي يبشر»(12)
نراه يتغنى بلون معشوقته الأسود
فكأنه لون السحاب الأسود الذي ينبئ بقدوم المطر/ الخير للقرية.
إن من يرتدي عيني شاعرنا ابن القرية المعتز بقريته، وبلاده ونسائها سوف يتغنى بلون قد يراه البعض صفة غير جمالية. يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته (إن عدت وحدك):
ستحمل الأشياء عنك شعورك الوطني
تنبت زهرة برية في ركنك المهجور
ينقر طائر الدوري حرف الحاء
في اسمك
في لحاء التينة المكسور»(13).
التين، الزهرة البرية، الركن المهجور، الوطنية المهجرة، وحرف الحاء الذي يثقبه الدوري ليكون باللفظ العبري. هنا جمالية حزينة لا يدرك معناها إلى من عايش الألم.
سأركز على الصورة التي تنقلك إلى ما ورائها: نمو «الزهرة البرية في ركنه المهجور». ألا يعني ذلك أن ذلك الركن هجر (زمنا طويلا) حتى نمت على ترابه الحشائش البرية، وزمنا أكثر حتى تفتحت عليه زهرة برية؟ فما أجمل صورته في وصف التغرب بالقياس مع حال المغترب عنه!
يظل السؤال المهم: هل وظيفة الصورة الجميلة هي وظيفة الشعر عموما؟ والتي لا تعني نقل الخبرة/ التجربة إلى المتلقي بل جعله مشاركا فيها؟(14) أم هي ووظيفتها شيء آخر؟
ملخص
1- لا يوجد تعريف حقيقي للجمال، وللصورة الجمالية.
2- يعتمد الحكم على جمال الصورة على الذوق.
3- نحن بحاجة إلى إعادة النظر في ذوقنا ومحاكمته.
4- يجب أن نعلم أنه لا يوجد مثال أعلى للمقارنة الذوقية، بل عدة مثل مختلفة، ومتناقضة.
5- قد تكون هذه المثل موجودة بعقلنا الباطن دون وعي منا.
6- يجب أن نحيط قناعاتنا الجمالية بمساحة من الفضاء تسمح لهذه القناعة للتبدل والتطور والتغير حسب النمو المعرفي والعاطفي.
7- يجب أن نطلع على تجارب الآخرين، ونحاول استيعاب جمالها.
8- وحدها (دهشة المعرفة) تجعل من غير الجميل جميلا والعكس.
بضعة أسئلة باغتتي أثناء ممارسة القراءة:
1- هل لنا أن نسقط نظرية موت المؤلف على النقد، وننادي بموت الناقد عند محاكمة النقد (الرأي الانطباعي)؟
2- هل نؤمن بجمال الصور التي نستخدمها في كتاباتنا؟ أم هي صور متوارثة؟
3- لم نفكر حقا بجماليتها من عدمه (كنسق ثقافي)؟
4- هل من المهم محاكمة مثلنا العليا في المقارنة الذوقية لتحديد الجمالي؟ أم نترك هذه الأمثلة متموضعة في عقلنا الباطن كما هي؟
5- هل من الممكن أن نقوم بعملية برمجة شعرية عصبية نعيد فيها تنظيم طريقة تفكيرنا، وطريقة اختيار منابع الغرف من الذاكرة والخيال؟ وما هو تأثير هذه العملية على الإبداع الشعري؟
الهوامش:
(1) الصورة الفنية في النقد الشعري، (دراسة في النظرية والتطبيق)، د. عبد القادر الرباعي، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض، الطبعة الأولى، 1405هـ، ص:20.
(2) مختار الصحاح، الإمام محمد الرازي، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة السادسة، 1420هـ، ص: 118.
(3) الفروق اللغوية، أبو الهلال العسكري، منشورات محمد بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1426هـ، ص: 293.
(4) ومض الأعماق، (مقالات في عالم الجمال والنقد)، (آن سوريو)، ترجمة د. علي نجيب إبراهيم، دار كنعان للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، 2000م، ص: 71.
(5) المرجع السابق، ص: 12.
(6) لسان العرب، جمال الدين بن منظور، نشر أدب الحوزة، قم، 1405هـ، الموزع إلكترونيا على DVD، مكتبة أهل البيت، 2005م، جـ13/406.
(7) المصدر السابق، جـ 12/75.
(8) المصدر السابق، جـ3/ 427.
(9) موقع – ويكبيديا الموسوعة الحرة http://ar.wikipedia.org – ضمن مقال بعنوان البيئة.
(10) كتاب القرية، الشاعر عبد العزيز المقالح، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، طبعة أولى، 2000م،ص:271.
(11) المصدر السابق، ص42.
(12) قطوف المعاني في الشعر السوداني، الأديب معتصم عثمان ذياب، الشركة العالمية للطباعة والنشر، الخرطوم، طبعة 2000م، ص: 87.
(13) الأعمال الجديدة، الشاعر محمود درويش، رياض الريس للكتاب والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2004م، ص: 35.
(14) ترجمة عن الإنجليزية Sound and sense-Dr-Laurence ،Dr-Thomas -Harcourt Brace College Publisher-Eight Edition –Page5 

كاتب
365992