عاشق البحر
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 1:36 م - العدد (1)

 

لا أدري ماذا يحس الآخرون حين يرون البحر، أية مشاعر تنتابهم وهم يتطلعون الى موجه، وتجتاحهم زرقته، ويتنفسون رائحته؟.

لا أدري، فلربما لا يتنسمون هواءه المميز، ولعلهم يتهيبون حين يرونه ويرددون : ويش لك بالبحر واهواله ورزق الله على السيف .

قد تدور في مخيلتهم المخاوف من حيتانه، وقد ينتفضون هلعاً حين يتخيلون للحظات انهم يصارعون موجه العاتي فيغلبهم ويبتلعهم فلا يبقي منهم سوى جثثاً هامدة تطفو فوق سطحه، او متحللة تقتات الأسماك الصغيرة عليها، فلا تصل الى الشاطىء إلا هياكل عظمية قد يكتشفها احد بالخطأ فيواريها التراب.

لا أهتم بما يفكر فيه الآخرون، ولكني أعترف بأنه وضعني في الأسر منذ زمن طويل، منذ عرفته وخضت في مائه واصطدت أسماكه.

نعم أسرني، والأسير دائماً في موقع الضعف، لا لأنه ـ البحر ـ باطش جبار، قوي بموجه المتلاطم، وبعنفوانه اللامتناهي، وبتياراته التي تخذل في كثير من الأحيان أمهر السباحين، وبسكانه الذين يلتهمون كل شيء.

لم تأسرني قوة البحر وبطشه .. الخوف الذي كثيراً ما شعرتُ به حتى كدتُ أسمع ضربات قلبي، الإتساع الذي جعلني اضيع في تضاريسه المختلفة مرات ومرات، الضياع بين امواجه التي جعلتني اكثر من مرة أرى الموت جهرة أمامي، وسكونه الموحش في الليالي المظلمة التي لا يكاد البحار يرى فيها يده وينخلع من وحشتها قلبه، وأحجاره التي كثيراً ما أدمت قدماي، طينه الذي طالما أوقفني عن المشي بعد ان غمرني الى الفخذ وكأنه يتواطأ مع حركة المد لكي تغرقني وأنا عاجز عن الحركة. أسماكه (الحرام) التي تخترق شباكي فتقطعها، أو تحتك بجلدي فتفطره، او تتراقص أمامي فتدفعني الى القارب أو الى الشاطيء في هروب سريع أستجمع فيها كل طاقتي وأنا أخوض مياهه، فما أكاد اصل حتى يتملكني العجب من تلك الطاقة الهائلة التي أطلقها الخوف في نفسي غير عابيء بما يصادفني، فلا ألتفت الى نصف جسدي السفلي، إلا والدماء تشخب من أكثر من موقع.

هو البحر بمائه البارد صيفاً وشتاءاً، يجعلني اتقلص فتزيدني الرهبة من لقياه تقلصاً، ولا تنفك عقد ركبي إلا بعد أن أصل الى منزلي وأحس بدفئه.

ليس هذا ما يأسرني في البحر فحسب .. فأنا بمنطق الضعيف أسير تياراته وموجه وطينه وحجارته وحشائشه وبرده وأسماكه وكل شيء فيه.

كل ما في البحر يوحي لك بأنك لا شيء أمام عظمته وجبروته التي استمدها من عظمة خالقه، لا تستطيع ان تصادمه بوحده، فكيف اذا اجتمع عليك الريح فتناغمت امواجه معها عنفاً وشراسة.

هذا الأسر مفروغ منه، حكم القوي على الضعيف، لا أحد يفلت منه، بل عليه ان يحاذر المرة والثانية والثالثة الى المائة .

غير ان هناك أسراً آخر، انه أسر اختياري لا يعرفه من لم يجربه، فالبحر لا يهيمن عليك وأنت فوق مياهه او تخوضها فحسب،ولا يتغلب عليك وأنت بداخله محكوماً بمعادلته ومنطقه وحساباته.

كلا .. فالأكثر من هذا أنه يأسرك وأنت بعيدٌ عنه، في بيتك وسفرك في حلك وترحالك، تفتقده في كل الأحوال، ويدفعك الشوق الى لقياه لمعاودة زيارته.

تخرج من البحر، فتلعنه، وتلعن اليوم الذي تعرفت فيه عليه، تخرج وأنت منهك القوى، بقليل من الصيد بذلتَ جهداً وطاقة لا تتخيلها.. تضيع الساعات فيه وأنت لا تشعر، وحين يحين الوقت تخرج متألماً، أو متعباً، فيتلقفك الفراش الذي تحلم فيه، وتغط في نوم عميق، أعمق من نوم أصحاب الكهف.. تمضي الساعات في الفراش كما الساعات في ماء البحر، فإذا ما تنبهت وأمضيت ساعة أو نحوها، تشعر بحنين يعاودك الى أن يتملكك وكأنك فقدت عزيزاً، فتعاود الذهاب اليه، ولمّا تندمل جراحك، وتتحلل من آلامك، تذهب اليه محملاً بالشوق والأمل، فاراً من جحيم الروتين، تاركاً لذهنك الإنطلاق والتفكير فيه.

العامل ينتظر حركة المد والجزر ليعود اليه، والموظف ينتظر بصبر أيوب حتى ينتهي نهار الأربعاء لينطلق في يومي العطلة الى معشوقه، فهو الرئة التي يتنفس بها، أما البحارة المحترفون انفسهم، فلا يستطيعون الإنتظار حيث يواصلون العمل حتى تخور قواهم فما يكادون يستجمعون شيئاً منها إلا ويعودون اليه، بل قد لا يستجمعون القوة إلا حين تلتقي اعينهم بشطآنه، وتسبر عميقاً الى آخر ما يرونه في أعماقه.

لمن لا يعرف البحر، يخطيء حين يعتقد أن المسألة لا تعدو هواية تمارس، او مهنة يزاولها أصحابها بقليل من المتعة، وكثير من التعب، وحظ متقلب من الرزق.

إنه اكبر من هواية تمارس وقت الفراغ، وأكثر من علاقة مصلحة، وأعظم من العلاقة العابرة.

رغم وحشته، فلا أُنس أكثر من القرب منه.

تخشع لرهبته، ولكنك تلتذ باستعباده.

البعد منه يؤلمك، يوتر أعصابك ويتعب ذاكرتك، وفي كل يوم يخبيء لك أكثر من مفاجأة جميلة، حتى وإن كانت غير ذلك، تصبح بعد يوم أو بعضه كذلك.

هو مخيف في سكونه، ولكنه سكون جميل، خاصة في ليله حين تهدأ الرياح، وتسمع ارتطام الأسماك بالماء وهي تقفز في الهواء.

تبحث احياناً عن علاقة مشروطة معه، محددة المكان، والزمان، فيخل بشروطه ويأخذك بعيداً عن شواطئه، ويستنزف ما لديك من وقت.

رائحته التي هي من رائحة أسماكه، او العكس، قد تجدها مكروهة في البر، ولكنها من أجود انواع العطور حين تأتيه هارباً من المدينة.

وماؤه البارد المالح والقاسي احياناً، ينعش كل ذرات جسدك، وينسيك حرارة طقس يكاد يطبق الخناق عليك. في وقت يفتش فيه انفك عن ذرة هواء، تدخل البحر فإذا أنت في أمتع الأجواء وأرقها.

البحر يأسر، ولكنه يأسر من يعرفه، و(اللي ما يعرف للصقر يشويه). من لا يعرفه تكون علاقته به سطحيه، وكلما توثقت علاقته به كلما تعلق به أكثر. هو إدمان، بل هو أكبر من أي إدمان، مع أنه لا يضر.

هو فتنة وروعة وجمال وسحر يقيد من يأتيه بسلاسل من حديد لا يمكنه الفكاك منها أينما حل وارتحل، حتى ولو غاب عنه اضطراراً لسنوات وسنوات. يهيجه ذكراه، ويؤلمه فراقه، ولربما يتذكره بحسرة وعبرة، ويشتاق اليه بأكثر من اشتياقه لأهله وخلانه.

هو البحر، لا يعني لجاهله سوى الخوف.

هو البحر، علاقة سحر لا يفهمها من لا يعاشره.

هو البحر، حب، وألفة، ومفاجآت .

هو البحر، دواء للمصابين بتقلص في الذاكرة، ونقص الخيال، وعمى الألوان، وتكلس حاستي الذوق والتشمم، هو دواء لمن تردت أسماعهم بالنغم المستهجن، وللجلود التي أمرضها التقلب في الفرش الوثيرة، وللأجساد الناعمة المرتخية المتكرشة التي تتصور انها تغرف من النعيم، فتجد نفسها غير قادرة على تحمّل عضّة بقّة، أو تقلب ريح.

البحر حصانة من أمراض الخوف، ونعيم حقيقي بما يحمله من تقلبات، فيعلم الصبر وقوة التحمل، ويبعث الأمل، ويحيي الجسد، ويزيل الغم والهم، ويجرد النفس أمام ذاتها لتعرف خباياها التي لا تظهرها سوى مشاغباته.

من يحب البحر يفتقده إن أضاعه، يفتقده كثيراً، يفتقد صديقاً عزيزاً، وأنيساً لا تمل مجالسته، ونغماً يدغدغ الأسماع، ومبعثاً للعواطف النبيلة والمشاعر المتدفقة التي يزيل عنها الغبار كيما تنبعث متألقة.

لا يكفي أن تقف على شاطئه وتشاهده.

لا يكفي ان تستمع لموجه المتحطم على الصخور، أو الذي تبتلعه رمال الصحراء المحيطة به.

لا يكفي أن تمتع عينيك بزرقته، وتشم هواءه.

ولا يكفي ان تستلذ برؤية طيوره وهي تلاحق الصيادين ليرموا لها بفتات خيره، أو حين تقع من شاهق في سرعة صاروخية لتلتقط سيئة حظ من مائه.

لا يكفي أن تتابع حركات مده وجزره، وترقبه في هياجه وهدوئه.

أبداً لا يكفي أن تنظر لآثار مده وجزره: ماء يداعب طحالب خضراء كالريش الكثيف، أو أرض طين انحسرت منها المياه، فلم تبق بها سوى الحفر التي يخرج منها (أبو محسّن !) ويعود.

لكي تفهم البحر، وتعشق البحر، فلا بد أن تمخر عبابه، ان تستحم فيه، أن تصطاد من أسماكه، أن تطفو فوق سطحه، أن تصفعك مياهه وتلسعك برودتها، وأن تجرحك حيتانه، وأن تخوض أرضه وتتلوث بطينه.

أن تتعرف على تضاريسه: رملاً وصخراً وطيناً، وحفراً صخرية، ان تكتشفه ليلاً ونهاراً، ظهراً ومشرقاً ومغيباً، أن ترى المخلوقــات التي فيه صغيرها وكبيرها، حرامها وحلالها، أن تعيش حالة الإحباط الممزوجة بالأمل بغد أفضل، بخير وفير ولحظات سعادة اطول.

إذا فعلتَ هذا كلّه، تكون قد فهمت سرّ علاقتي بالبحر !

 

358517