بُوليرو([1])
ياسر الكاظم - 20 / 2 / 2011م - 10:06 ص - العدد (16)

ما كان للخزفِ كل هذا العشقِ الزاخرِ به القلبُ الآن

قبلَ أن تلتقطَه يداها

جوقةُ أصابعِها

التي تعزفُ الخزفَ "كبوليرو"

يتسارعُ نحو القلبِ اللاهبِ بمرحٍ فضيض.

لصفيقِ يديها صخبٌ

يوازي صدريَ الهادرَ بالصمت

أو نظرتي الهادرةَ بالودادة

خزفٌ هو العظامُ الناتئةِ بالوردِ

والبرَاري التي تزخرفُ القلبَ

والجسدَ الفائحَ بالشوك.

كانت الطبولُ تدقُّ المؤامرةَ بحنينٍ خفيضٍ

ليخفقَ قلبي في أتّون العشق.

* * * *

تسحبُني يدُها نحو الخاتمِ المعشّق

بجلبابي يفيضُ البرقُ والغرائب

والليلُ مرصعٌ بالتلاوينِ السحرية.

تسحبُني يدُها الى لفيفةٍ من حنانٍ مخمر

وما سطعَ في الصدر.

فاجأني البندولُ الذي توقّفَ منذ اطلالةِ الشمسِ

ليحدّقَ في قسوةِ وجهي

ذلك الشفّافِ

لينفذَ عبرَه إلى أسماءِ السماء

وتأويلاتِها.

جرّبْ حظّكَ أيها البندول

فيما فاتَها من السّكونِ

ووراءَكَ الشقوقُ تعطي الجدارَ بهاءً لا شُحّ فيه.

أيّ منقلبٍ لكَ عندما تتطابقُ الأشياء

وتَهوي إلى الأغوار.

* * * *

يا جرثومةً في الفُتات

تبحث عن المبتذلِ ، وأين النفيس

هل يسبرُ مجاحرَ العنفوان

والتباساتِ البروزِ في الأجساد

هذه القلائدُ المطرّزةُ بشوقي

المزدانةُ بما يشبهني من البوهيميا

و المجاذيفُ المرائيةُ .. نحو العداءِ

تعاندُ البحرَ الساطعَ بالزمرّد .. ولفائفِ الياسمين

تتراقصُ الأنوارُ في التباريح

شرارُ العشقِ ، وندباتُ اللآلئِ الجريحة

كجسدِ لوحةٍ فاتنة

كسليلِ الماردِ الأوّل .. والبهجة.

* * * *

في الخلفيةِ السوداء

يعلو الموجُ ، وتتدافعُ الأسماك.

أركعُ أمام البحرِ اليتيمِ ، يبكي حرقةً منذ أوديس

ألعقُ الطينَ

طلباً للمغفرة ، والمسافةِ القصيرة

ناعماً في فردوسِ المرجان

العرائسُ يتسابقنَ نحو التتويجِ ، والمسرحِ العجيب

يترنمّنَ بعويلِ الحوتِ

ويسترِحْنَ حتى الضياءِ الآتي

حتى تختمرَ الدودةُ في الأصدافِ

ويختلج الترابُ ببقايا الأخطبوط.

خانتِ البحرَ أمواجُه ، والمركبُ العنيد

لم يلتئمْ جرحُه منذ فرعون

ولم يلمحْ أَحدٌ عروسَه التي فرّت في السفينةِ الهاربة.

كان البحرُ الفسيحُ مغلقاً

قبل أن تحطّ قدمي على أولِ صخرةٍ

تستنجدُ بي ضدّ الماء

وتفتحُ لي دوّامةَ عالمِها السّحْرِي.

* * * *

أنا الذي لارديفَ لظلّي سوايْ

من يحدّقُ في ظلّهِ الحزينِ ، دونما اكتراثٍ

بفوّهةٍ محايدةٍ

تنطقُ بما يُرقِصُ أعدائي.

أنا من يتماهَى نحو الآلاتِ القاتمةِ

ومن يتشدّقُ بالعجزِ الرصينِ قبالةَ المَضئ.

أتوقُ الى كسرةِ شِعرٍ

يغصّ بها الحلقُ يوماً

كي تُشغِلني عن قسوةِ العالمِ

كي تستبدّ بي في مسرحِها السِحْرِيّ

كي تكشفَ لي عن رفاهِها

مستعرضةً خطوطَ افريقيا المتعرجة.

أتوقُ الى كسرةِ شِعرٍ

تجرّدُ العابرينَ من أسمالِهم

وتكونُ ندبةً في جسدِ التاريخ.

بينما الآخرونَ

يطغَى عليهم الوجلُ

في ذاتِ اللحظة التي رأيتُني

ثوراً يلاحقُه محراثٌ مجفلٌ حتى النهاية

الآخرونَ الذين يؤرّقهم ضَحكي حتى الضراعة.

أأطرقُ بوّابةَ رفيقٍ قديم؟

الصوتُ أليف:

انظرْ عبرَ ثقبِ الباب ، ترى عجباً

تبّا لكَ يا شقيقي

تقوّسَ الظهرُ على المشهدِ ، ولن يعتدل.

أبحثُ عن حواءَ

لأرميها ببعضِ العتابِ

وأنفخَ في الطين كراتٍ من نار

أكتبُ أسطورةً لمنْ لم يشهدِ القطافْ

وأبعثُ بما اختلجَ به الذئبُ

حين ضربتُ بسيفي ، وأنا أبحثُ عن …

لأفلقَ هضبةً

ظلّت لهيباً للجسدِ ، وتباريحَ للذة

أمَلْتُ رأسي طلباً للظلّ ، عند الشجرةِ الشيطانية

أقضمُ تفاحةً في وادي الجسد.

فحيحُ الأفعى ينهبُني

كجسدٍ خلّب

يستوقفُ ظلّي في شرقِ الأرض

وعيني مسلّطةٌ على الشمس ، في تقويمٍ عجيبٍ

واستفزازٍ لا يُحَد.

عند وجهي ، لا يتوقّفُ الهتكُ

لأسترّدَ نفساً يشعلُ الحرب.

* * * *

أستلهمُ قبريَ الذي لا يبوحْ

كي أخرجَهُ من الظلماتِ الى أعالي الغابةِ المضيئةِ

وأعلّقه أرجوحةً لوقتِ القيلولة

خارجَ الزمن

وبينما ينحطمُ قردٌ على جسدي

ترتطمُ به الذكرى ، ليقشّرها كموزةٍ شهية.

* * * *

الببغاءُ زاهيةٌ بالأسودِ

والألوانُ مختنقةٌ بالعبراتِ

والنظرةِ البلهاء.

سُحقاً للتفاصيلِ الناعسةِ لما انقضَى

يا للهول

من يعيدُ المعنى إلى الأشياءِ الملَوّعة

افتحوا مصاريعَ المجرّات

هيروشيما .. وقلبي

لم ينطقْ أحدْ

يكفي أن ترَى

حتى دون أن تتأمّل

يكفي أن تملأَ الجرّةَ بالنار

و تحنو إلى يدِ غجريةٍ تبعثرُ شعرَكَ بماءِ الوردِ

وبعضَ البخور.

* * * *

إيهٍ

يا حرقةَ الطلسُمِ المكبوتِ على الشفَتين

والمجازفةَ اللئيمة

من أين جاء ذاك العويل؟

أتذكُر؟

حين كانتِ الدقائقُ تجدُ بلسمَها في توحّدِنا

تراودُنا الضفائرُ المجدولة

فنَغدو رذاذاً يندّيْ حوافّ الجيتار

نحن ومآربُنا نلهجُ بالنوتات

تباّ للأيام الفائتةِ ، والأسلاكِ الشائكةِ

غجريتانِ من حيثُ لانعلمْ

نستظلّ بما يجودُ به السحرُ والشعرُ الأسود.

* * * *

تاريخي المطوقُ.

فارقتُ خيمتي صباحاً

بقدمينِ يُرى وقعُهما ، ولا تُريَان

وجنيّتانِ تحرسانِ بقليلٍ من الوجل

خُذوهُ .. فغلّوه ، في الجنائنِ

هناكَ .. بين الزيزفون

حيثُ ينحتونَ أسماءَهم وسطَ الضبابِ

والنحاسُ يؤرّقُ البحر.

* * * *

[1]  مقطوعة موسيقية مشهورة للفرنسي ماوريس رافيل.
365993