أبو البحر جعفر بن محمد الخطّي
تقي محمد البحارنة * - 23 / 2 / 2011م - 9:05 ص - العدد (17)

أول ذكرياتي مع شاعر القطيف والبحرين الشيخ أبو البحر جعفر بن محمد الخطي بدأت وأنا ما زلت صبياً، حينما أصدر أستاذنا إبراهيم العريض أول دواوين شعره الحديث (العرائس) في عام 1946… فقد صدّر الأديب والشاعر اللبناني المعروف محمد علي الحوماني صاحب مجلة العروبة لهذا الديوان بمقدمة عن الشعر البحراني، ورد فيها ما يلي:

"… على أني وقد رجعت بالذاكرة إلى عشرة أعوام أو تزيد، فاسترجعت ذكرى الشاعر الخطي البحراني قبل مائتي عام أو تزيد. إذ أقرؤه في (سلافة العصر) فيملأ نفسي إعجاباً بقريضه الفحل وهو يصف سبيطية البحر التي شجت رأسه على ساحل البحرين. وعدت بعد هذا غير منكر على شاعر البحرين السيد إبراهيم العريض أن يكون خليفة الخطي، وغير منكر على تلك البقعة أن تكون مصدر اللؤلؤ بكلا معنييه".

تلك هي الفقرة من مقدمة الحوماني التي أثارت في نفسي الفضول وحب الاستطلاع. وقد ظل هذا السؤال قائماً لديّ إلى أن وقعت بيدي نسخة من ديوان الخطي في أواخر الخمسينات فقرأت منها أول ما قرأت قصيدة الشاعر في السبيطية، وعرفت منها قدرة الشاعر الخطي على توليد المعاني والأفكار من حادثة بسيطة لو حدثت لغيره لكان أولى بإخفائها أو تجاهلها، لولا أن ملكة الشاعر في نفس الخطي أبت إلاّ أن تجعل من تلك الحادثة ميداناً يصول فيه ويجول، وكأنها تحوّلت على لسانه إلى ملحمة شخصية للبطولة. فهو يبدؤها بالأسى على أن دمه لم يرق في نيل المعالي والمكارم فيقول:

برغم العوالي والمهندة البتر

دماء أراقتها سبيطية البحر

دم لم يرق من عهد نوح ولا جرى

على حد ناب للعدو ولا ظفر

تحامته أطراف القنا وتعرضت

له الحوت.. يا بؤس الحوادث والدهر

بعد هذا يستنجد ببكر وتغلب:

ألا أبلغ الحيين بكراً وتغلباً

فما النصر إلا عند تغلب أو بكر

أيرضيكما أن امرأ من بنيكما

وأيّ امرئ للخير يدعى وللشر

يراق على غير الظبى دم وجهه

ويجري على غير المثقفة السُّمر

وبعد تلك المقدمات المثيرة يبدأ في وصف مأساته وسرد قصته. فيصور لنا حالة شيخ له بريد اشتهار في سائر البلدان، ولكونه إنساناً حراً فقد تولع به صرف الزمان الذي يتقصد الأحرار دائماً. ثم ينحي باللائمة على بحر البلاد وتوبلى، حيث توجه من موقع مرّي في الضحى وكأنه يتوجه إلى العلقم المرّ مشمراً عن ساقيه لخوض الماء ومعه ولده (حسان)، ممسكاً بيده أو محمولاً على كتفه لا ندري، فيفاجأ وهو على هذا الانشغال من أمره بسبيطيّة تطفر في وجهه فتشق وجنته اليمنى بنطحة أوقعته في البحر دامي المحيا، ثم لا يلبث حتى تتفجر الدماء من وجهه فيصف ذلك قائلاً:

تلجَّجت خور القريتين مشمراً

وشبلي معي والماء في أول الجزر

يطوّحني نزف الدماء كأنني

نزيف طلىً مالت به نشوة الخمر

فمن لامرئ لا يلبس الوشي قد غدا

وراح موشّى الجيب بالنقط الحمر

ثم يصف عودته للمنزل بدمائه التي خيل للناس أنه قادم بها من ساحة الحرب، وبعد أن يهدأ روعه يخاطب السمكة المعتدية قائلاً: إن من حقها أن تفخر على سائر الشجعان بهذا الانتصار، ثم يهتف به هاجس الخيال فيقول: ما تكون هذه السبيطية فليس خطرها يقاس بخطر الشوارد من أشعاري التي بإمكانها أن تكون أعدى على المعتدين من العرّ (أي الشرّ والجرب) وأضرّ على الأجفان من العمى، وأبلى على الآذان من الوقر، فيقول:

فلست بمولى الشّعر إن لم أزجه

بكل شرود الذكر أعدى من العرِّ

أضرّ على الأجفان من حادث العمى

وأبلى على الآذان من عارض الوقر

يخاف على من يركب البحر شرّها

وليس بمأمونٍ على سالك البرِّ

تجوس خلال البحر تطفح تارة

وترسو رسوّ الغيص في طلب الدرّ

والقصيدة عدد أبياتها في الديوان ثمانية وثلاثون بيتاً يختتمها الخطّي بتعليل نفسه عن عدم إمكانية الأخذ بثأره قائلاً:

لعمر أبي الخطي إن بات ثأره

لدى غير كفءٍ وهو نادرة العصر

فثأر عليَّ بات عند ابن ملجم

وأعقبه ثأر الحسين لدى شمر

يروى أنه لما عرضت هذه القصيدة الفريدة على العلامة الشاعر السيد ماجد البحراني الحسيني الصادقي (وهو من معاصري الخطي ومن خلصائه) كتب عليها مقرّضاً بما يلي: "أجلت النظر في ألفاظها ومعانيها فوجدتها قرة في عين الإبداع، ومسرّة في قلب الاختراع.. ثم يضيف: الحمد للَّه على تجديد معالم الأدب بعد اندراسها وتقويم راية البلاغة بعد انتكاسها".

تلك هي قصة الخطي مع السبيطية بدأت بها مسلسل الذكريات.

ثم تلت بعد ذلك مناسبة أخرى في أوائل السبعينات حين طلب مني الشيخ خالد بن محمد الخليفة رحمه اللَّه، أن أحصل له على نسخة من ديوان الخطي، فلم أجدها في الأسواق ولم أر بداً من إرسال نسختي إليه. ثم أخبرني بعد ذلك أنه قدم تلك النسخة لشخصية عزيزة بمناسبة عرض بستان القميعيات في الجنبية للبيع، وأن هذا البستان قد وصفه الخطي في ديوان أشعاره وذلك في سنة 1022 هجرية، حيث قال من قصيدة ضمت ستة وعشرين بيتاً:

يا غاديات السحب لا تتجاوزي

في السقي دولاب القميعيات

لم أنس أياماً جنيت مبكراً

ثمر المنى فيها ولا لذاتي

يستوقف الأبصار بين شقيقة

حمراء ياقوتية الورقات

والنخل مثل عرائس ذهبية

الأنداء فيروزية الوفرات

وزهت عناقد كرمه لما غدت

بنواضر الأوراق ملتحفات

تبدو فتسترها كما واريت في

خضر البراقع أوجه الفتيات

 

ثم يصف جمال الجنبيات:

بـانيّة الأعـطاف كـثبانـية الـ

ـأرداف هـاروتـية الـنظـرات

كم من جليد أضجعته لحينه

شرواك… ألحاظ الجنيبيات

لا شيء أوجع للحشا وأمض من

عيش مضت لمضيِّه لذاتي

ذهبت بشاشته وبات شجاه لي

في الحلق بين ترائبي ولهاتي

ننتقل الآن من قصة السبيطية ودولاب القميعيات إلى حكاية أخرى في شعر الخطي شغلت الأدباء والعلماء، وهي قصته مع الشيخ بهاء الدين العاملي يرويها صاحب أنوار البدرين عن الخطي قائلاً:

… ومنهم العالم الكامل الشاعر الأديب المصقع الماهر الشيخ جعفر بن محمد بن حسن ابن علي بن ناصر بن عبدالإمام، أحد بني عبدالقيس من تميم الخطي. كان مسكنه قرية (التوبي) إحدى قرى القطيف المحروسة، وله عقب فيها إلى الآن، وكان كثير السفر إلى البحرين بل قطن فيها كثيراً، وكان مصاحباً فيها العلامة المحقق الأديب الماجد السيد ماجد بن السيد هاشم الصادقي الجدحفصي والسيد عبدالرؤوف قاضي القضاة وأبناءه من بعده، وله فيهم المدائح والمراثي… إلى أن يقول: وله يد في العلوم أيضاً إلا أن الشعر غلب عليه، وله الإجازة من شيخنا البهائي لما اجتمع معه في أصفهان سنة ستة عشر وألف هجرية، وعرض عليه أدبه فاقترح عليه معارضة الرائية والتي أولها:

سرى البرق من نجد فهيج تذكاري

عهود بحزوى والعذيب وذي قار

وقال له قد أجلتك شهراً، فقال الشيخ جعفر: يوماً، بل في مجلسي هذا، واعتزل ناحية في المجلس وأنشأها ارتجالاً، فلما أتمها وأنشدها راويته وجامع ديوانه (الغنوي) وقعت عند الشيخ البهائي موقع القبول".

هذا ومن قوله فيها:

هي الدار تستسقيك مدمعك الجاري

فسقياً فخير الدمع ما كان للدارِ

عشوت إلى اللذات فيها على سنا

شموس وجوهٍ ما يغبن وأقمار

نواصع بيض لو أفضن على الدّجى

سناهنّ لاستغنى عن الأنجم الساري

حرائر ينظرن الأصول بأوجه

تغض بأمواه النضارة أحرار

أبحنك ممنوع الوصال نوازلاً

على حكم ناهٍ كيف شاء وأمّار

إذا بتّ تستسقي الثغور مدامة

أتتك فحيتك الخدود بأزهار

أموسم لذاتي وسوق مآربي

ومجنى لباناتي ومنهب أوطاري

سقتك برغم المحل أخلاف مزنة

تلف، إذا جاشت، سهولاً بأوعار

ثم يستمر الخطي في ذكر مناقب الشيخ بهاء الدين إلى أن يقول:

جُهلت على معروف فضلي فلم يكن

سواه من الأقوام يعرف مقداري

فقال له البهائي -وأشار إلى جماعة من سادات البحرين وأعيانهم كانوا عنده-: وهؤلاء يعرفون مقدارك إن شاء اللَّه. ثم واصل إنشاد قصيدته إلى أن قال:

فيا بن الأولى أثنى الوصي عليهم

بما ليس تثني وجهه يد إنكار

بصفين إذ لم يلف من أوليائه

وقد عض ناب للوغى غير فرّار

وهو يشير بذلك إلى همدان وهي قبيلة من اليمن ينتهي إليها نسب الممدوح (البهائي) وكانوا قد أبلوا يوم صفين بلاءً حسناً. فروي أنهم في بعض أيامها حين استحر القتل ورأوا فرار الناس عمدوا إلى أغماد سيوفهم فكسروها، وعقلوا أنفسهم بعمائمهم، وجثوا على الركب وبركوا للقتل. فقال أمير المؤمنين عليه السلام:

لهمدان أخلاق ودين يزينها

وبأس إذا لاقوا وحسن كلام

فلو كنت بواباً على باب جنّة

لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

ذكره ابن عبد ربه في كتاب العقد الفريد.

ولما أتم إنشادها كتب إليه الشيخ بهاء الدين مقرضاً: "أيها الأخ الفاضل الألمعي، بدر سماء أدباء الأعصار، وغرّة سيماء بلغاء الأمصار، أيم اللَّه إني كلما سرّحت بريد نظري في رياض قصيدتك الغراء، ورويت رائد فكري من حياض خريدتك العذراء، زاد بها ولوعي وهيامي، واشتدّ لها ولهي وأوامي، ولعمري لا تزال إلا آخذاً فيها بأزمة أوابد اللسن، تقودها حيث أردت، وتوردها أنى شئت وارتدت، حتى لكأن الألفاظ تتحاسد على التسابق إلى لسانك والمعاني تتغاير في الانهيال على جنانك. والسلام".

ويصف صاحب سلافة العصر الخطي بقوله:

"ناهج طرق البلاغة والفصاحة الزاخر الباحث الرحيب المساحة، البديع الأثر والعيان، الحكيم الشعر الساحر البيان، ثقف بالبراعة قداحه، وأدار على السامع كؤوسه وأقداحه، فأتى بكل مبتدع مطرب، ومخترع في حسنه مغرب، ومع قرب عهده فقد بلغ ديوان شعره من الشهرة المدى:

وسار به من لا يسير مشمراً

وغنّى به من لا يغني مغرّدا

وقد وقفت على فرائده التي لمعت فرأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وكان قد دخل الديار العجمية فقطن منها بفارس ولم يزل بها وهو لرياض الأدب جانٍ وغارس حتى اختطفته أيدي المنون فغرس بفناء الفنا وخلد عرائس الفنون. وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وألف رحمه اللَّه تعالى".

والجدير بالملاحظة -في هذا الإطراء على شعر الخطي ممن تقدم ذكر إطراءاتهم بما فيهم تقريظ السيد ماجد الصادقي على السبيطية، وكذلك كل إطراء وتقريظ قرأته عن الخطي من معاصريه أو ممن جاء بعدهم- هو أن أساليب التقييم لشعره تتمشى مع المفهوم التقليدي المقتصر على الصناعة اللفظية ومعاني البيان؛ وذلك في اعتقادي ظلم من حيث هو ثناء لشاعرية الخطي الذي خرج بشعره الجيد عن مفهوم عصره في مناسبات كثيرة إلى آفاق من المشاعر الاجتماعية والإنسانية المعبّرة عن خلجات النفس بعمق وأصالة. يقول الدكتور محمد جابر الأنصاري عن الخطي فيصفه بأنه لجزالة لفظه يذكر في عمود سامي البارودي في مصر في محاولته إحياء أسلوب البلاغة الشعرية.

بعد هذه المقدمة المستوعبة لحوادث وذكريات وأقوال تدور حول شاعرنا الخطي، أنتقل إلى التعريف بالخطي وشعره وسيرة حياته.

ديوان الخطي

النسخة المتداولة من ديوان الخطي مأخوذة عن نسخة (الغنوي) راوية شعر الخطي، ومنشد أشعاره وجامع ديوانه في حياته.

والأشعار مبوبة حسب حروف الهجاء، ولهذا كان لابد من قراءة الديوان مرات عديدة لمعرفة الموضوعات وتسلسل تواريخ القصائد إلى غير ذلك من لوازم البحث.

ومجموع القصائد في الديوان هو 133 قطعة شعرية، وعدد أبيات الديوان يساوي 2481 بيتاً. والقطع الشعرية أقلها بيت أو بيتان، وأطولها يربو على المائة.

الوصف:

أما الموضوعات فأولها الوصف: في أكثر من اثنتي عشرة قصيدة إذا استثنينا ما ورد في الوصف ضمن القصائد الأخرى.

وقد اشتمل الوصف على الخمريات، وكلاب الصيد والمرأة، طلوع البدر، وصف حلاق، الحمام، الحشيشة، فوائد بعض الأعشاب للجنس، وصف الخل، مجلسه بأم الحصم، مجلسه في المنامة، صيد السبيطي، إلى غير ذلك.

ومن نماذج شعره قوله في وصف اللوز:

ولَمّا اكتسى اللوز الحَسين مطارفاً

جدائد من أوراقه السندسيةِ

أشار بأغصانٍ كأن فروعها

أكفّ تصدت للدعاء ومُدّتِ

المديح:

ربما دخل شعر المديح في خطاب العتاب أو الشكوى، ولكن القصائد المخصصة لذلك لم تتجاوز العشر تقريباً.

وينظر الخطي إلى شعر المديح أنه موجه للأصدقاء وليس لاستجداء المعروف. فيقول في إحدى قصائد المديح:

فإن المدح مدح أخي التصافي

من الإخوان لا مدح المكدِّي

وهو يمدح من هو رفيع المنزلة محافظ على الود أو علوي شريف النسب وذلك حسب قوله:

كلا طرفيه حين تنسبه إلى

علي وخير المرسلين محمد

ومثل قوله:

أسدى إليّ يداً يضيق بها الثنا

ذرعاً، ولم أبسط يد المسترفد

وكقوله في أحد الأشراف من بني هاشم:

وأتعبتني في شكر من راحتي به

فديتك مولىً قد أراح وأتعبا

وهو يمدح صديقه وسميه الشريف جعفر بن عبدالجبار العلوي الموسوي بأبيات جميلة نختار منها ما يلي:

إن أولى الورى بخالص ودي

جعفر قد غدا بذاك خليقا

علوي يعلو الرجال إذا طا

ولهم محتداً وعرقاً عريقا

خلق كالنسيم لطفاً وصدر

يشتكي عنده الفضاء الضيقا

وكريماً اعتد منه على اللأ

واء كفاً طلقاً ووجهاً طليقا

لست أدري ماذا أقول وإن كنـ

ـت أعدّ المفوّه المنطيقا

ورد الناس قبلنا مورد النظـ

ـم فأضحى مكدراً مطروقاً

إن نظمناً بيتاً غريباً وخلنا

ه جديداً.. كان الجديد عتيقا

أو سبقنا فيما نظنُّ لمعنى

معجب.. كان سبقنا مسبوقا

سبقونا والمرء يأنف أن يسـ

ـبق يوماً.. وإن أطاق اللحوقا

وكثيراً ما تنتهي مدائح الخطي أو مراثيه بمدح نفسه على طريقة المرحوم المتنبي، أو بالأحرى أنه يمدح ويشيد ويفخر بقدرته على نظم الشعر الذي لا يجاريه فيه أهل زمانه فيقول:

تشاركني الورى في الشعر ظلماً

على أني المبرّز فيه وحدي

أو يقول:

مدائح لم يسمع بها فكر شاعر

ولا افتر عن أشعارها فم منشد

أنا الكوكب الوقاد والعَلَم الذي

به كل من غمت مساريه يهتدي

متى أدع عاصي القول يأت مطاوعاً

وإن يدع غير طائع القول يقعد

المراثي:

والغرض الثالث الذي نظم فيه الخطي هو الرثاء.. وقد أحصيتُ له في الديوان ثلاث عشرة قطعة شعرية في الرثاء.

وأقدم قصائد الرثاء في الديوان ما نظمه سنة 999 هجرية راثياً شيخ القطيف الذي هاجر إلى البحرين مع جماعة من أشراف القطيف.. لأمر هناك – كما يقول شارح الديوان:

ومن الملفت في هذه المرثية قول الخطي مخاطباً القطيف:

من الآن بدء الشرّ فيك وإنه

لمتصل باقٍ.. وآخره الحشر

وقوله مفتخراً في آخر القصيدة:

وعذراء من حر الكلام خريدة

بأمثالها في الشعر يفتخر الشعر

وتتوالى المراثي بعد ذلك فيمن توفى من أصحابه ومعارفه وخلصائه ومعظمهم من أهل البحرين. ولم أجد من المراثي الحسينية في ديوانه غير واحدة طويلة وذلك على خلاف شعراء عصره الذين أكثروا من تلك المراثي.

الأغراض الأخرى:

ومن أهم الأغراض الشعرية التي نظم فيها الخطي ما يمكن جمعه تحت مسمى شعر الوجدانيات والإخوانيات، والذي يشتمل على شعر الاعتذار والعتاب والشكوى من الحال، ومراسلة الأحباء والأصدقاء، والتشوق إلى أهله في البحرين، والحنين إلى البحرين، وقليل من القصائد في التهنئات وشكر الأصدقاء، وهجو المتشاعرين.

وقد أحصيت له في الاعتذارات والشكر والتهاني نحواً من عشر قصائد. وفي المعاتبة ثمان، وفي الاشتياق للأهل والوطن نحواً من ثلاث وعشرين، وفي الشكوى خمساً، وعشر قصائد في المساجلات والمراسلات.

وأرى أن هذه الأشعار هي التي تميز الخطي عن غيره من شعراء عصره. فالود الذي يبديه تجاه خلصائه وأصحابه لا تكلف فيه، وهو يظهر في هذه الأشعار إنساناً يحب أكثر مما يكره، ويتمسك بالوفاء تجاه أصحابه وخلصائه، فهو يشاركهم إن كان حاضراً معهم، ويراسلهم على البعد في غيابه ولا ينقطع عنهم وعن أخبارهم وأحوالهم. وحينما ينقطعون عنه فإنه يعاتبهم أو يلومهم على ذلك.. فإن حالت بينه وبين مراسلتهم ظروف قاهرة فإنه يقدم لهم اعتذارات شعرية رقيقة يأنسون بها. وأما وفاؤه وحبه لأهل بيته فإن معظم قصائده العاطفية الرقيقة هو مما بعثه إلى أهله بالبحرين.

فمن شعره في الاعتذار نقرأ له في حرف الهمزة اعتذاره للشيخ عبداللّه عبدالمحسن سنة 1019 هجرية ومنها قوله:

فإني وإن أصبحت والشعر حرفتي

وكنت امرأ من سائر الشعراء

لأسلك نهجاً في الوفاء يريك من

تقدم من أهل الوفاء.. ورائي

وإن يداً أوليتنيها وإن مضى

بها الدهر.. باق ذكرها ببقائي

أراك بعيني عاجز عن جزائها

فيصرف وجهي عن لقاك حيائي

فلست امرأ إن غاب غاب وفاؤه

ولكنني إن أنأ يدن وفائي

ولولا وجوه في القطيف أخافها

لما طال بالبحرين عنك ثوائي

ومن الاعتذارات الطريفة اعتذاره لعامل البحرين وهو (خميس بن ناصر) حيث يذكر فضل ذلك العامل حيث تخوف الناس نقص الدراهم على نحو من أربعة دوانيق، وكانت زنة الدرهم سبعة دوانيق فمشى خميس إلى الحضرة (الديوانية) في ذلك وكان ذاك في سنة أربع بعد الألف هجرية فأمر الديوان بإبطال ما نقص وضرب سكة جديدة وزنها سبعة دوانيق فاشتهرت هذه القصة لخميس وشكر عليها.. ومما قاله الخطي في ذلك:

ألست الذي قوَّمتَ سكة دارنا

وقد رميت ممن يقص.. بحاصب

فبارت.. فما المرزوق منها بظافر

وهانت فما المحروم منها بخائب

فأكملتها من بعد نقصان وزنها

وسيرتها في شرقها والمغارب

وقد جاءني منك المكرم جمعة

أخو الفضل والإحسان في زي عاتب

فهذا اعتذار جاء من غير مذنب

ولو كان حقاً جاء من عند تائب

وباعتبار الخطي عالماً فلعله يعني بكلمة تائب: التوبة إلى اللَّه، ولكن عامل الديوان لعله أخذها بالمعنى العادي للتوبة فقبل اعتذاره.

وفي عتبه على الشريف عبدالرؤوف القاروني يشير إلى القصد الإصلاحي من المعاتبة فيقول (وذلك في سنة 1012هـ):

هكذا توقظ الكرام بوخز

القول من نومهم عن المعروف

ومن شعره في العتاب مخاطباً السيد ماجد المرتضى العلوي العريضي سنة 1016هـ قوله يلوم الأثرياء:

غير أني أشكو إليه أخا برٍّ

إذا شئت جبره شاء كسري

ظن قربي منه رجاء غناه

فتنائى عني.. مخافة فقر

كنت شاطرته الإساءة يوماً

فمحا شطره.. وأثبت شطري

غير بدع.. فهكذا كل من يعدم

حيناً من دهره ثم يثري

عثرت بالممولين مطايا

حملتهم.. ولالعاً.. للعثر

إن للوفر حادثات فهلا

جعلوني من حادثات الوفر

لا تكلني إلى حيائي فأدوى

كل داء عندي حياء الحر

الشوق إلى الأهل في البحرين:

اعتاد الخطي أن يراسل أهله في البحرين بقصائد يبعثها إليهم من شيراز أو أصفهان وغيرهما من البلدان التي كان يتنقل إليها وذلك لاستيطان الكثير من علماء البحرين وأصدقائه هناك حيث كان يعهد إليهم بالقضاء والفتوى والتدريس والتأليف في الفقه. وكان يبعث بخطاباته الشعرية، وهي كما أعتقد أكثر قصائده العاطفية رقة وعذوبة وطراوة.

وتجيء معظم قصائد الشوق للأهل ممتزجة بالشوق إلى البحرين. ومن ذلك قوله في سنة 1012هـ وهو متوجه إلى خرسان:

فارقتكم فجرعت زقوم الأسى

زاداً وغساق الدموع شرابا

أكذاك كل مفارق أم لم يكن

قبلي محب فارق الأحبابا

وتأسفي أني غداة فراقكم

لم أقض من توديعكم آرابا

قد جرد التفريق سيفاً بيننا

أفما يتيح له اللقاء قرابا

يا هل ترون لنازح قذفت به

أيدي البعاد، لجد حفص إيابا

لا تحسب البحرين أني بعدها

مستوطن داراً ولا أصحابا

ما أصبحت شيراز وهي حبيبة

عندي بأبهج من أوال جنابا

ما كنت بالمبتاع دارة سروها

يوماً.. بفاران ولا بمقابا

لأسيرن لكم وإن طال المدى

ما رق من محض الثناء وطابا

أما أشعار المسامرات والمراسلات عند الخطي فقد تجاوزت أسلوب عصره في بعض الأحيان حيث جاءت معبرة عن الود الخالص الخالي من المجاملات والتكلفات اللفظية وأقتصر منها على مثال مما قاله وقد سمر مع أحبابه: ماجد بن هاشم العريضي وأبي عبداللّه الحسين الموسوي حيث يقول ارتجالاً في المناسبة:

يا ليت أرواحنا الثلاث

تجمعن جميعاً..وضمها جسد

كمثل أهوائنا الثلاثة قد

ألَّفها لاتحادها كبد

أو مثل أجسامنا الثلاثة إذ

ضمنها لائتلافها بلد

ومن المعروف أن الخطي عاصر السيد أحمد عبدالصمد الحسيني ورثاه، والسيد ماجد الصادقي الجد حفصي وهو عالم وشاعر وصديق له وقد توفي في نفس السنة التي توفي فيها الخطي وهي 1028هجرية. وعاصر كذلك قاضي القضاة بأصفهان محمد بن الحسين العاملي الجبعي وقد تقدمت أخبار مجاراته لشعره.

ومن معاصري الخطي داود بن أبي شافين المتوفى سنة 1012هـ وله فنون جديدة في الشعر منها المسمى بالموشّح، وكان كثير التداول لكني لم أجد ما يذكر منه في شعر الخطي. ومن قوله (داود):

قل لأهل العذل لو وجدوا

من رسيس الحب ما نجد

أوقدوا في كل جارحة

زفرة في القلب تتقد

فأسعد الهائم أيها اللائم

فالهوى حاكم.. أن عصى أحد

إلخ..

سيرة حياة الخطي

نقتصر في سيرة حياة الخطي على الجوانب الرئيسية الهامة.

أولاً: أن الخطي ولد في القطيف في قرية (التوبي) ولا نعلم تاريخ ولادته، ولكنه هاجر في مقتبل عمره إلى البحرين.. وأقرب تاريخ إلى هذه الهجرة هو سنة 998هـ ربما يكون قد استقر في البحرين سكناً وموطناً نحواً من ثلاثين سنة ماعدا أسفاره القصيرة إلى القطيف، وأسفاره الطويلة إلى إيران.

ثانياً: أنه غادر القطيف واستقر في البحرين لأسباب ذكرها في شعره، منها الخوف من والي القطيف الذي أورد في أشعاره نماذج من ظلمه وتعسفه أدت إلى هجرة الكثير من علمائها وأعيانها مثل شيخ القطيف عبداللّه المقلد الذي مر ذكره ومثل ما جرى لمحمد بن جعفر أبي سنان الذي جرت عليه مصادرات من حاكم القطيف. ولعله يشير إلى هذا المعنى في قوله من شعر الاعتذار سنة 1019 هجرية:

فلست امرأ إن غاب غاب وفاؤه

ولكنني إن إنأ.. يدن وفائي

ولولا وجوه في القطيف أخافها

لما طال بالبحرين عنك ثوائي

وقوله في سنة 1007هـ:

ولعندي على الوقوف بهاتيك

النواحي وتلكم الأبواب

مثل ما عند ذي المخافة للأمن

وما عند ذي الصدى للشراب

غير أني سمعت من ألسن الناس

كلاماً فرى علي أهابي

ودعاني إلى مفارقة الدار

وهجر الأهلين والأصحاب

ومن أسباب هجر القطيف التي ذكرها في شعره قوله في سنة 1002 هجرية (وفيها يتحامل على القطيف بمرارة):

لأفارقن الخط غير معول

فيها على من ضن أو من جادا

بلد تهين الأكرمين للؤمها

شروى الزمان.. وتكرم الأوغادا

ولا نطيل الوقوف عند ذكر أسباب هجرة الخطي من القطيف.. في مقابل أسباب تعلقه بالبحرين، لولا أنني لاحظت بعضاً ممن يؤرخون للأدب والشعر حديثاً.. قد استبعدوا أبا البحر الخطي من قائمة شعراء البحرين وألحقوه بالقطيف على أساس أنه ولد فيها.. ولم تشفع لديهم في ذلك حقيقة كونه عاش في البحرين طيلة حياته، ونظم في حبها قلائد الشعر وخالط مجتمعها حتى أصبح واحداً منهم. فبخلوا عليه بالانتساب إلى جزيرة البحرين.. حباً وانتماءً رغم ولادته في القطيف.

ثالثاً: والملاحظة الأخيرة في سيرة حياة الخطي كون معظم شعره قد قاله أثناء وجوده في البحرين أو في خارجها موجهاً خطابه لأهله وأصحابه وخلصائه في البحرين. فالقصائد التي قالها أثناء وجوده في القطيف لا تتعدى الأربع أو الخمس ربما، وهي قطع صغيرة.. والقصائد التي وجهها للقطيف من البحرين لا تتجاوز العدد نفسه تقريباً. أما باقي قصائده من أصل 133 فكلها نظمت في البحرين أو خارج البحرين موجهة إلى من فيها بالبحرين.

القيمة التاريخية لشعر الخطي

كما ذكرت آنفاً أن لشعر الخطي أيضاً قيمة تاريخية بالنسبة للبحرين:

فقد وردت في شعره أسماء للقرى والمنازل تزيد عن 22 موضعاً وبعضها غير متداول كثيراً اليوم مثل (فاران – اسم جبل، بربغى، وكتكان، وماثنا، وأم الشيف.. إلخ).

ومن أسماء الأشياء الرزشنبة، والسبيطي واللوز والرازقي وحلوى البرشتوه، وسمك الكسكوس.

وأوردت بعض القطع الشعرية أنواع الحرف والأعمال الموجودة، وأهمها رده على متشاعر بالقطيف ينصحه بالابتعاد عن الشعر الذي ليست له فيه قدرة ولا موهبة، ثم يعدد له أصناف المهن التي يمكن أن يشتغل بها ومنها: الحداد، النجار، الصائغ، والطبال والزمار، والصفار، والزرار، والبزاز، والقصار، وصاحب الصنعة الكيماوية، والبيطار، والجرار، والحمار، والفخاخ، والبحار، والمؤذن، والمنشد، والقارئ.

كما يذكر طائفة من المشهورين بهذه المهن مثل علي بن عمران الزرار، وابن مهنا البزاز، وخميس بن خضاموه البيطار إلى آخرهم.

وفي أشعاره ذكر لعدد من الحوادث العامة والمناسبات الاجتماعية وأحوال مجتمع البحرين في عصره.

وكل ما ذكرته ربما يفيد المهتمين بالنواحي التاريخية والاجتماعية والأدبية والعلمية في عصر الخطي.

وبعد.. فإنني لا أدعي أن باستطاعتي إنجاز دراسة وافية عن أبي البحر الخطي ولكنني أسميتها إطلالة على شعره وسيرة حياته وأرجو أن أكون قد فعلت. وإن تفاءلت أكثر من ذلك قلت: لعل ما ذكرته يستهوي الباحثين والدارسين أو المحبين للشعر عموماً من الاستزادة.

أديب
365997