الأنا المذهبية وشعرية التوجس
قراءة نقدية
محمد الحرز - 23 / 2 / 2011م - 9:09 ص - العدد (17)

استهلال:

(.. فإنا نعلم يقيناً أن لنا قوة نعقل بها الأشياء..)

ابن سينا - كتاب النجاة

(إنك لست واحداً بل جيش بأكمله. هل تحس بالغضب؟ اعلم، إذا، أن أحد أجدادك الأوائل هو الذي يرغي ويزبد على شفتيك)

نيكوس كازنتساكيس

لا أعرف تماماً لماذا ينبغي علينا أن نتوغل بعيداً داخل الذاكرة الثقافية - الشعرية المملوءة بأنواع من الضجيج والفوضى المعرفية المتراكمة، التي أصبحنا نجرها وراءنا مثل كيس من الرمل يصعب معه السير!! ؟.

ولماذا يفترض بنا أن نهشم مرآيا العتمة التي هي لصق وجوهنا الفارغة من أثر العابر، بينما هي متشظية على مساحات واسعة من الحياة اليومية التي نمارسها ثقافياً وأدبياً دون أن يطرف لنا جفن، أو تمتد يد كي تلامس المفقود من أيامنا، وترفع حزمة من الضوء في الأعالي المسيجة، أو نقذف في المجهول ما يساور هذه (الأنا) المغلقة على نفسها من شك وقلق معرفي، يجعلها أكثر قرباً من تلك الأبواب التي تنفتح على البوح والدهشة حيث الأسئلة تبدو أكثر انخطافاً من البرق، وأكثر امتلاءً من الغيم. فهل -بعد ذلك- تجدي هذه الـ(لماذا)! التي تنكسر كنصل حاد قبالتنا، فيما أقدامنا لم تزل على العتبة تلمع عزلتها كعاشق بائس؟ وأيدينا ينطفئ في انبساطها شجر يشبه غبطة لامعة؟ وأحلامنا التي نخبؤها في الغيب المتخثر، تمضي بعيداً مثل نهر أضاع المصب؟ وهل نحن معنيون -دائماً- باستيعاب الحضور الطاغي للركود المتطاول حد الإنكسار! ؟ وهل ثَمَّ شكل لليقظة التي تطيش من بين أصابعنا، يسور بقية الوعي المحفور في جسد الذاكرة! ؟

ربما لم نستطع أن نمد أعناقنا بما يكفي للنظر خلف الصحراء، أو لم يؤرقنا البحث مثل جلجامش في الوصول إلى سر الحياة والكون في معناها الأكثر غوراً في النفس البشرية الحالمة، وكأن الحرية التي وهبتها لنا السماء منذ الطفولة، تسلمنا إلى حافة من اليأس المتيبس مثل حجر لم يجرب الصراخ أبداً. وإذا كنا في واقعنا اليومي، نزاحم الأرصفة الممتدة كنفق بخطى واثقة وثابتة، فإننا لم نفكر تماماً في أن نضع ولو قدماً واحدة في وسط الطريق لنشعر بروح المغامرة والتشوق والمعرفة للحدث الطازج عند تشكله في لحظته الراهنة، لا سيما وأننا نملك مخزوناً هائلاً من الإيقاعات المختلفة للحركة والجسد والمعرفة والحوار، وبالقدر الذي نلقي حجراً في المياه الراكدة، نكون قد ركبنا موجه أثر أخرى وكأن المعرفة تقبل علينا من الجهات الأربع، ولكننا -وهنا بؤرة الإشكال- هل جربنا أن نمارس مهنة الحفر على هذه (الأنا المذهبية) بجميع تشكيلات وتجلياتها في الأدب واللغة والسلوك والفكر! ؟ وهي مهنة – في نظرنا – من أصعب المهن التي يمر بها أي مجتمع باحث عن كينونة الحياة بمعناها الأروع والأجمل، أظن أننا لم نجازف كثيراً في ذلك، ولم نخطُ خطوات واسعة في تحقيق ذلك. وإذا كنا نريد أن نبعث طائر الفنيق من رماده؛ فإن لهذا العمل ما يبرره في وقتنا الحاضر، وهو التخفف من ثقل الذاكرة وما تسببه من انشطار في الرؤيا على شتى الصعد والمستويات، وما تحدثه من انفصام مُرْبك، يذهب بالوعي حد الهلوسة في فهم التراث، وهو بمنأى عن الآخر المؤثر فيه بشكل أو بآخر.

وحتى لا نستعيد تراجيديا اليأس التي ذهبت بأبي حيان التوحيدي في القرن الرابع الهجري؛ بأن يلقى كتبه في النار كفعل احتجاج ضد عصره بكامله. وما نتج من فعل الحرق من نفي للذات، وإطفاء للذاكرة المتوهجة، وحتى نكون مع شهرزاد في سعيها الحثيث وكفاحها المستمر في دفع الموت عن نفسها، وذلك باستنهاض اللغة وتوضيعها في المناطق المخصبة من المحكي والشفهي، وحتى -أيضاً- نصبح قادرين على تبني مواقف جريئة هي أقرب للعقل منها إلى المثالية المفرطة، ومحققين في الوقت ذاته معرفة تكون بمثابة الحركة التي تأخذنا إلى فضاء أكثر صفاء للمارسة الثقافية والأدبية المختلفة، الأمر الذي لا يصعد من حساسيتنا الجمالية والفنية فحسب؛ وإنما يقولب الأنسقة المتعددة في واقعنا اليومي، وينقلها من شكلها البسيط والمنمط إلى شكلها الأكثر تعقيداً وفاعلية وإبداعاً. بحيث نبدو وكأننا نعطي شكلاً جديداً لسماتنا الذاتية الداخلية، وليس الأمر يقتصر على مقاربة اللحظة الراهنة، بل يتعدى ذلك في الإمساك بتلك التراكمات الكمية والنوعية التي خلفتها هذه (الأنا) في الوعي التاريخي المضطرب. إذ لا بد أن يتبع ذلك عملية تكسير للصوت الواحد، وللشكل الواحد، وللفكرة الواحدة وإن جرى ذلك ضمن لغة لا تحمل الكثير من آليات التعبير التطورية المعقدة. ولعل الارتهان للمعوقات التي تفرزها تجاربنا اليومية في طرق التعبير بأنواعه المتعددة لا تدل دلالة قاطعة على أننا نبتعد كثيراً أو قليلاً عن هاجس التخصيب الثقافي المفضي إلى الشمولية والسعة في المعرفة، بل إنها تنمو في الهامش، وتكبر بالقدر نفسه الذي نكون فيه قد فتحنا الأبواب للحوار والمجادلة في تلك التجارب التي نحن معنيون بها بصورة أو بأخرى. إذن لأجل ذلك كله، ولأجل أن نؤسس رؤية تعيد صياغة تجاربنا بشكل واع وصحيح؛ فإننا نتقدم بهذه (الورقة) التي ترتكز -في مجمل ما ترتكز عليه- على تلمس أو مقاربة هذه (الأنا) وكيفية تجلياتها وتشكلاتها، ومدى حركيتها، وأثرها على النصوص أو التجارب المطروحة أمامنا للقراءة. خصوصاً ونحن ندرك تماماً الصعوبة التي تبرز كسياج نصطدم به طالما اقتنعنا بالمقاربة الظاهرية للنصوص، تاركين عمقها للهامش المستبد المكبوت داخلها حيث الضبابية، بدلاً من وضوح الرؤية، تكون قد عششت في رؤيتنا النقدية الماثلة. لذلك -في منظورنا- تأتي النصوص بوصفها نصوصاً تستمد مرجعيتها وطاقتها من بنية ثقافية مشتركة ومترسخة في الجذور سوى أن طريقة تعامل النص مع هذه البنية يحدد شعرية النص وشكله وحركته التي يفرزها من جراء هذا التعامل. إذن المراوحة بين النص في حالة وعيه (البنية) وفي حالة (الأنا) هي التي تحكم مسار قراءتنا للنصوص أو القصائد. وسوف نقف هنا -أولاً- أمام نص الشاعر محمد الماجد (خصلة شعر لساعدي).

للوهلة الأولى يبدو أن النص يشتمل في حركته على عنصرين رئيسيين ينتج من خلالهما قوله الشعري وهما: الواقع والحلم، ولكنهما لا يشكلان أية طاقة إيحائية أو دلالية ليأخذا بالنص إلى المستوى الأعمق للغة لحظة امتلائها بالكثافة الشعرية والرؤيوية الخاصة بالشاعر، بل تبقى اللغة داخل النص معطلة سياقياً ومجازياً وصورياً حيث الكلمات هنا تعنى ما تعنيه في المواضعة اللغوية، وتحيل على ما وضعت له، مما يجعلها ذات دلالة واحدة عارية من العمق والحركة، وإذا كان الشاعر يستدعي الواقع فإن هذا الإستدعاء لا يتم ضمن صراع جدلي فاعل، بل يُختزل في العلاقة التي يقيمها النص بين الذات وكلمة الجياد:

قرون وأنت تمرين من ههنا يا جياد

على هذه الأضلع الخاويات

بربك أي المضامير رحت تجوبين فيّ

وأي الأعنة شدت يداي؟

… وهنا يقفز أمامنا السؤال التالي: ما الذي يجعل الواقع بأنساقه المعقدة لا يطفح على سطح النص بشكل فعال خصوصاً حينما يتوجه الخطاب في النص إلى (الجياد) على اعتبار كونها بديلاً تعويضياً عن الواقع المستبد! ؟ أظن أن الإجابة تكمن في البنية الثقافية التي يتكئ عليها الشاعر، فنحن نعلم جميعاً أن كلمة (الجياد) لا تمثل حالة فردية اعتباطية يلتقطها الشاعر من أشياء الواقع والوجود، بل إنها تُستل من سياق ثقافي يشكل الرمز الديني المقدس -وهو هنا الإمام الحسين - بؤرة اغتنائها وثرائها التعبيري، وبالقدر الذي يذهب الشاعر في التعامل مع هذا السياق بشكل واع ومعمق في الرؤيا والدلالة، فإنه يوفق إلى حد بعيد في إثراء هذا السياق بما يتوافق وحجم الرمز الديني المعطى في مدار النص، وهذا ما لم نتلمسه في النص الذي أمامنا، فالذات الشاعر عندما جعلت من السياق الثقافي - الديني وسيطا بينها وبين الواقع، فإنها ظلت أكثر توجساً في الإقتراب من الواقع بشكل رمزي واحتجاجي، الأمر الذي جعل الذات، تفرز معادلاً شعرياً ينتمي إليها أو يرتبط بها أكثر مما يرتبط بالنص وبشعريته، ويمكن أن نسميه بـ(شعرية التوجس). ولعل أغلب النصوص التي تستحضر الرمز الديني منتزعاً من سياقه، وتقوم بتوظيفه كما هو، ينطبق عليها هذا التوجس الشعري وإن كان مضمراً في مكامن الذات الشاعرة. أما حينما يصل النص إلى المقطع:

جياد الخلاص

أضاء لك البرق ليل المتاهة فاجري

صراطك: صدري.. وقلبي.. ونحري

صراطك: هذا المد بين الفراتين

رب المسيل الموله بالصافنات الجياد.

… فإن عنصر الحلم يظهر -أولاً- متماهياً ومتوحدا -صوفيا- مع كلمة (الجياد) بما يستوحيه من رمزها الديني.

ثانيا: يأتي بوصفه - أي الحلم - مفهوماً يفضي بالذات إلى الخلاص، ولكن ليس مفهوم الخلاص المنبعث من الحالات اليومية للإنسان -الفرد، وإنما هو مفهوم ايدلوجي، وأكثر ما يرتبط بالإنسان- الجماعة، وإذا كان الحلم يمثل الحرية المطلقة للذات أمام الوجود، فإن الذات الشاعرة في النص تتوجس الاقتراب من هذه الحرية، ومن استعمالها بطريقة صدامية وفوضوية ضد الواقع والكون بأسره، وهذا راجع إلى ثقل المقدس ووطأته التي ثبته (الأنا العليا) في لا وعي الذات الشاعرة. وهنا المفارقة تكمن في النص، ففي حين يجري استحضار الحلم في النص، تنْزوي الذات بعيداً وكأنها تترك الحلم - الخلاص عارياً وأجوفاً داخل النص. إذن لا يطمح النص كثيرا في أن يعطي رؤيا وموقفا متفردا غير أن غاية مطمحه هو أن يعبر عن الجماعية في رؤيتها وموقفها الموحد فيما بينها. وربما وجدنا أن هناك مشهداً شعريا متراكما تنبني فوقه النصوص، وتتشكل بالطريقة نفسها التي رأينا فيها النص السابق. وكأنها مرايا تعكس بعضها البعض دون أن يكون هناك تميز في القول الشعري المنتج، وتفرد في التجربة الشعرية.

أما المقاربة الثانية التي سوف نمارسها في هذه الورقة فهي للشاعر عبد الوهاب أبو زيد في نصه (….) حيث النص يلعب لعبته الشعرية بين الخفاء والتجلي ضمن حركتين: الأولى تمثل المدخل والخروج أو المخرج.. والثانية تمثل المونولوغ بتعدد مستوياته في النص، وبينهما تندفع اللغة في نسج حركتها بإيقاع متسارع بل جودة عاليه، يأسرك بلهاثه المستمر. إنه إيقاع يتناسب والحالة التي تتلبس الذات أمام اللغة، لذلك نلاحظ أن الصورة الشعرية بسيولاتها الموحية تنجرف صوب جماليات الإيقاع الحركي للنص، الأمر الذي يؤدي بشعرية القصيدة إلى أن تصبح بمنأى عن فاعلية السياق؛ بما يحمله من مقومات تأخذ النص إلى ذروة التوتر الدرامي التي تحاول جاهدة أن ترسمه، فتبدو القصيدة تماماً كما لو أنها تلامس الواقع والحياة بيد واحدة وبحذر شديد على الأرجح. أما لو اقتربنا من اللعبة الشعرية التي يتجلى بها النص في حركتيه الاثنتين، فإننا نجد أن الحركة الأولى، تذهب بالذات الشاعرة إلى أقصى نقطة لها في التلاشي والضمور، وذلك عبر توظيف أداة النفي كعنصر مراوغ يهيئ النص للانتقال لحركته الثانية بما يشتمل عليه من مونولوج داخلي مستعار من الخارج، ونتلمس هذا التوظيف الذي يتم عبر عدة مستويات، في مدخلية النص حيث يتضح:

أولاً: نفي حركية المكان:

لا باب أدفعه لأخرج

لا نوافذ كي أطل…

… صاريتي تئن … يغوص مجدافي بموج الرمل …

.. أينما وليت وجهي ثَمَّ وجه الريح …

وثانيا: نفي حركية الجسد:

.. ولا فم لأصيح

.. لا قدم لأركض

لا يد لأشد فوق تهدج الكلمات قبضتها …

.. ولا كتف أخط بها وصاياي …

وثالثا: نفي حركية الذاكرة:

.. ولا ناي لأنفخ فيه من روحي … أفكاري مبعثرة …

.. كل الدروب إلى القصيدة غلقت …

.. ما قال لي أحد برغم نزيف أخيلتي الجريحة (هيت لك).

ويتحول النص -بعد ذلك- من كونه نصا يتعالق مع الأشياء في الخارج، ويتجادل معها بحمولات تطفح بالانكسار الذاتي أمام الواقع المعاش إلى كونه نصا يقارب الذاكرة الثقافية - الدينية من موقع هو أكثر حرية من النص السابق على الأقل، ولكنه بالمقابل لا يحقق القدرة على الربط بين الواقع وبين مستويات الرمز الديني الذي يتم استحضاره بالصورة المأساوية المتعارف عليها (الطف) وبالشكل الذي يكون فيه الصوت الرمزي أكثر قربا للنص من الذات الشاعرة نفسها. وإذا كان الشاعر يستعير من البنية الروائية إحدى تقنياتها وهو المونولوج الداخلي كتقنية تنهض على الإستبطان الداخلي للشخصية المستدعاة في النص، وتعمل -أيضا- على تعطيل حركية السرد الخارجي للنص تماما كما لو أن النص يبدو معلقا في الهواء لحظة الإستبطان الداخلي، فإننا -بالنظر إلى ذلك- نجد أن النص في المونولوج رقم (1): يبدو من جهة أولى قدرته على إبراز الحالة الشعورية للجسد المقدس فيما هو يواجه الموت بأبشع صورة وكأنما نحن أمام علاقة تصوفية بين الجسد والموت، وهذا يتضح في الإرباك الذي يحدثه النص على مستوى المنطوق اللفظي للجملة الشعرية:...وكنت

أو ما تبقى من الجسد المتعفر بالدم والطين والطمي

أصغي لعزف الرياح على جسدي إذ تود وزنه..

… يدي لم تعد لي …. ذراعاي ما عادتا في مكانهما …

… أتفقد رأسي ولكنني لا أراه …. تماهت الحدود بعيني

… نسغ الحياة.. في عروقي ينضب

ينضب

ينـ بـ ض

ينـ ضـ ب

ويبدو من جهة أخرى، أنه يعطينا رؤيا انبعاثية للحياة من رحم الموت، ولكنها رؤيا لا تتولد من داخل النص، أو من إفرازات علائقه الداخلية؛ وإنما تصدر من بنية ثقافية ـ دينية مترسخة في الوعي المتخيل للشاعر، ويتم استدعاؤها في النص كرابطة عضوية، طالما كان هناك حضور للرمز المقدس داخله، فنسمعه يقول:

… والجراح

.. التي أثخنتني تبرعم أزهار دفلى، وتجري نبيذاً

.. يفيض ليسكت جوع الكؤوس

.. الرماح

.. بدت وهي تطفو وترسب مثقلة بقطاف الرؤوس.

وربما هذه الرؤيا التي تسم بعض مقاطع هذا النص لا تنسحب عليه فقط… وإنما تظهر بجلاء في غالبية النصوص التي تسعى إلى مقاربة الرموز الدينية والتاريخية بالطريقة ذاتها والأسلوب نفسه. وثمة نتيجة أو حقيقة نشير إليها هنا؛ وهي: إن ما يسبب هشاشة الرؤيا الشعرية وذوبان الموقف في الوجود والحياة عند الشاعر هو عدم القدرة على تجاوز التوجس نفسيا وثقافيا، وعدم القدرة على تكسير النمطية الموغلة في المخيلة الشعرية الجماعية، كلما حاولت هذه المخيلة توظيف الموروث أو التاريخ بأشكاله المعرفية المتشعبة، وترميز شخوصه داخل القصيدة، بل يذهب هذا التوظيف الاختزالي بالموروث حد التلاشي والسكون، يضاف إليه ما تستقبله القصيدة من إشارات معرفية، تكون بمثابة السلطة المطلقة التي تنبثق من تلاوين (الأنا العليا..) فيما هي تؤسس للصراع ضد الواقع اليومي. وهناك أكثر من دلالة على ذلك -كما أشرنا سابقا- سواء كانت النصوص الماثلة أمامنا أو الغائبة التي هي وثيقة الصلة بالشعرية التي تصب في السياق العام لحركة النصوص تلك. أما لو انتقلنا إلى المونولوج رقم (2): فإنه يمثل قمة التوتر الخلاق للنص بتعدد دلالاته المتدفقة بثرائها الشعري حيث تعاود الرؤيا الانبعاثية للحياة من رحم الموت، الحضور مرة أخرى هنا.. ولكن بصورة هي على الأقل أكثر وعيا باللغة، وأقل صمتا في النشيد، وتتأسس هذه الرؤيا على حركات ثلاث تتشابك ضمن علاقة تراتبية متجانسة: فالأولى: تمثل حركة التلاشي في الموت:

.. حملوا رفاتي من لظى الصحراء والشمس الصريحة والرياح المتربة

.. لم يتركوا جسدي لتنقره الطيور كما تشاء.

حيث يحيلنا فعل (الحمل) بدلالاته إلى الاستعداد والتهيؤ للولادة الجديدة وكأنما الحمل هو فعل تطهير من الحياة نفسها.

أما الثانية: فهي تمثل حركة الارتداد للحياة:

… رجعت طفلاً مرة أخرى أحن لدمع أمي..

.. إذ يودعني، فتنتفض السماء...

وهنا الرجوع يكون نقيا كصفاء الطفولة وبراءتها في التعامل مع قيم الحياة وأشياء الوجود من حولها.. ولا أجمل من هذا النقاء حين يشير دون أن يتكلم.. أو يتخفى دون أن يتوضح.

وتأتي الحركة الأخيرة وهي تمثل حركة صراع ضد الواقع:

ووحدي سوف أرفع صخرتي حتى تنكس..

.. راية الموت الأخيرة فوق شاهدتي..

.. ويندحر الفناء..

وهنا نكتشف بعداً أسطوريا يتوضح بوصفه فضاء وسيطيا يتداخل بين فضائين: فضاء الأنا الخارجية من المونولوج وفضاء الواقع، الأمر الذي ينبغي أن يعضِّد من شعرية النص، وينتقل الرؤيا من المستوى الدائري البسيط إلى المستوى الأكثر هتكاً للحجب والدلالات. ولكن لو ذهبنا مع (نورثروب فراي) في نقده الأسطوري حين يشير إلى.. (إن الأدب هو الأسطورة، منزاحاً عن الأسطورة الأولية التي هي الأساس وهي البنية). وإذا ما علمنا أن وظيفة الانزياح -عنده- هي التي تحدد فاعلية الأسطورة أو عدمها داخل النص؛ فإننا نصل من خلال ذلك كله إلى أن الرمز الأسطوري لصخرة سيزيف، يحمل دلالات العبث والضياع في الحياة، ولكنه حينما يتقارب من الفضاءين السابقين، فانه يشحن بدلالات مفارقة للسابق، ومحايثة للواقع وللأنا على السواء، وبذلك تكتسب تخييلا من داخل النص، تأخذ أبعاده الدلالية من مشروطية الجملة الشعرية (الاستعارية):

حتى تنكس راية الموت … الخ.. وكأنما الأنا تعي تماماً ثنائية (الحياة/ الموت)، وحركتها الجدلية القائمة في الطبيعة الوجودية للأشياء. بيد أننا نجد من جهة أخرى، أن هذه الرؤيا الانبعاثية المتعالقة في الفضاء الأسطوري، لا تتخلص تماما من الإسقاطات الخارجية عليها، وإنما تظل متوارية تظهر كومضة بين حين وآخر، يحركها وعي البنية الثقافية -الدينية- حسب ما اصطلحنا عليه - إضافة إلى تدفقات الأنا العليا اللاواعية في مجرى النص، وتبين هذه الومضة في مضمون الجملة: (ويندحر الفناء..) وبينهما تبقى الذات الشاعرة مستلبة بالقدر الذي تخضع فيه لتلك الإسقاطات التي تترك أثر توجس على الذات وشعرية النص معا. ولعل بقية المقاطع من النص، لا تذهب بعيدا باللغة إلى الكثافة الشعرية أو المقاربة الواعية للرمز المقدس فيما هو متعالق مع العالم والحياة والأشياء.

(3)

وفي المقاربة الثالثة، نجد أن الشاعر غسان الخنيزي الممتلئ بالذاتية حد الانفجار، والأقل انزلاقا في ضجيج اللغة وتموجاتها، ويأتي نصه (روح شاردة) باعتباره نصا لا يستدعي الآخر في خطابه، ولا يلتحم مع الأشياء من الخارج، وإنما يتخفف من ثقل الوجود والواقع، وذلك بهروبه إلى الذاكرة ـ التجربة، وإلى المناطق الأكثر حميمية وقربا لذاته، ولذلك يتسم النص بالهدوء الشديد في حركته وكأنما لغته تتأمل بواطن الأشياء والأمكنة تأملا طفوليا فيما هي تصف وتسرد، بل إن النص يختبر اللغة أمام الطفولة والطفولة أمام المكان، وفيما هو يختبر، لا تفلت اللغة كثيرا من أثر الحدوسات المعرفية التي تحملها الذات الشاعرة معها من الخارج، الأمر الذي يسبب نوعا من الضمور في عنصر التداعي الذي يفترض به أن يعمل على إيجاد التوافق والتوازن في السياق الشعري للنص. وإذا ما اقتربنا أكثر من النص. فإن موضوعة (الحزن) تشكل بؤرته الأساسية بحيث تأتي -تارة- متوارية خلف تلاوين السرد التوصيفي البصري وتارة أخرى، تبرز كمقصدية يتجه إليها السرد بذاتها. فالأولى تتشكل ضمن عنصرين هما بمثابة المنطقة التي تضيء جانبا مهما من مفهوم الحزن وقيمته داخل النص فالعنصر الأول هو:

- الإيقاع الطفولي في المكان:

.. في الباحة الرخام أصفر

.. والبئر التي في الجوار قديمة على الأقل

سماء الكوفة صفراء أيضا

… سترقص نسوة حبيبات

… وتبان بشرة أذرعهن من بين السواد

.. راجفا بالرعدة

… يرقب الأكف تهبط حامية على الوجوه.

أو … سيكثرون من الذكر

عازمين على دفع الحزن خارجا

أو النهوض نافضين أثوابهم مرة أو مرتين

حالما يفرق الخطيب ويذكرني بتأس قليل، ربما.

أو … الموت هو موتي

حين مددت اليدين إلى أقصاهما

لتطوقا الجسد الذي من رخام.

أما العنصر الثاني فهو: الإيقاع الزماني وأثره على الطفولة:

.. في الغرف

ستهسهس الأضواء أيضا

ولعلها روحي الطريدة تطيش

أو... واللمع

سيضيء أنصاف الوجوه

كما أضاء سبعون قمرا ليالي دفننا

لنرى إلى النباتات من الشق

تكبر رعبا أو هناء

أو … الأقربون

سيهدهم تعب

وستحلق أرواحهم

ليس عاليا كما هي روحي

أو … مسلمين أيدي الحيرة

لصبح يرى حيواتنا تتداخل.. ولا..

كما يتداخل المد والجرف

رحمة … ولا … كلام …

إذن يتضح بامتياز أن دلالات الحزن أكثر ما تنبثق من المكان لا بوصفه يفضي إلى جماليات شعرية معزولة عن اشتباكات الذات مع الأشياء التي يتأسس عليها النص، وإنما بوصفه حاضنا لجماليات الأثر الذي تتركه المواجهة التي تحدث بين الذات وشخوصها من جهة وبين الحزن من جهة أخرى، ونادرا ما يأتي الحزن بشكل تجريدي، يقف خارج إطار المكان نفسه، غير أنه في تحركه بالدلالات داخل الفضاء النصي فإنه يستدعي بتحركه حزنا آخر يتقاطع معه ويرتهن بتشوفاته.. حزنا يأتي من جميع الجهات: من العمق.. من أقاصي الذاكرة الثقافية - الدينية … من المكان الخارجي.. من الواقع اليومي.. إنه الحزن الكربلائي.. وكأنه بتدفقه حزن يحضن بعضه بعضا:

.. والحزن

ليس عراقيا تماما

أو … لكن الغريب في طف الفرات سلوتهن

وأقرب إلى القلب..

أو.. لان العزاء أقرب إلى وقع أيامهن

والغريب مأسور بماء عطشهن

وحاضر

كحضور الرجال في الحياة..

ولذلك يأخذ الحزن مفهوما مغايرا في النص، يتكئ على الحضور والغياب معاً.. وثمة تساؤل يترصدنا.. هنا وهو: هل يدخل هذا المفهوم ضمن وعي الذات الشاعرة ويؤثر فيها أم لا..! ؟ نعم.. إنه يدخل ضمن دائرة الوعي، ولكنه لا يؤثر فيه، بل يبقى الوعي محايثاً ومراوغاً، وهذا يتضح في النبرة الصوتية التي تشير إلى هذا المفهوم دون أن تتعالق معه بتاتاً: لكن الغريب في الطف سلوتهن … أو.. والغريب مأسور بماء عطشهن … ولكننا نلاحظ من جهة أخرى أن التدفق اللاواعي من الأنا العليا المذهبية، يخترق النص دلالة ذلك، في البنية النفسية للصورة الشعرية:

وحاضر

كحضور الرجال في الحياة... حيث يمتد هذا الحضور وينطلق من الذاكرة إلى الواقع اليومي، ومن الواقع إلى الذاكرة، مما يعطي نوعا من التوجس يدخل على شعرية النص من الهامش أو من المسكوت عنه في أقاصي الذاكرة، وإن كان هذا التوجس لا يطفح كثيرا في النص بالمقارنة مع النصوص السابقة. إن هذا التوجس هو من آليات المنظومة المعرفية السائدة التي لا تنفك، تخضع المخيلة الشعرية لحركتها في الواقع. ولعلنا -أخيراً- لا نخطئ حينما نصل إلى قناعة تامة، بأننا نحتاج إلى أكثر المناطق حرية للدخول مع الشعر في مغامرة اللعبة الكتابية الواعية.. إنها يوتوبيا، تجعلنا أكثر تجانساً.. وتواعياً.. ومحبة..

365995